LOGINأومأت نور موافقة دون تردد، ولملمت ملفات المشروع بدقة ثم انطلقت. ومع حلول الليل، وصلت إلى الفندق الفخم الذي سيقام فيه الاجتماع في إحدى قاعاته الخاصة. وما إن دخلت القاعة حتى انقبض قلبها؛ فقد لاحظت أنها المرأة الوحيدة بين عدد كبير من الرجال. كانت الطاولات مليئة بكؤوس الخمر، والضحكات المرتفعة الصاخبة تملأ المكان بطريقة مريبة.
حافظت نور على هدوئها المهني وجلست في مكانها، ثم فتحت الملفات وبدأت تشرح تفاصيل المشروع بكل احترافية وثبات. لكن لم يمضِ وقت طويل حتى قطع حبل أفكارها اقتراب أحد المستثمرين الشباب؛ كان حسن المظهر وثرياً، إلا أن نظراته المتفحصة كانت تحمل شيئاً دنيئاً جعلها تشعر بالاشمئزاز. ابتسم الرجل ابتسامة جانبية خبيثة وقال وهو يزيح أوراقها: _ "آنستي الجميلة... الحياة ليست عملاً وجدية فقط. هيا، اشربي معنا نخب هذه الصفقة أولاً." أجابته نور بثبات ونبرة جافة: _ "آسفة، أنا لا أشرب الخمر، وأنا هنا بصفتي مساعدة السيد خالد لمناقشة تفاصيل المشروع فقط. أرجو أن نحافظ على حدود الاحترام بيننا." ضحك الرجل بسخرية مستفزة، ثم اقترب منها أكثر وهمس بصوت منخفض ومقزز: _ "الجميع في السوق يعلم أنكِ لم تصلي إلى هذا المنصب الرفيع كمسؤولة عن أعماله إلا لأنكِ أغويتِ السيد خالد بطرقكِ... فإذا استطعتِ فعل ذلك معه، فلا بد أنكِ تستطيعين فعل الشيء نفسه معي الليلة." تراجعت نور خطوة إلى الخلف، واشتعل الغضب والإهانة في عينيها وقالت بنبرة حادة: _ "لا أسمح لك بإهانتي بهذه الطريقة القذرة! التزم حدودك فوراً." وفجأة، تبدلت ملامح الرجل إلى اللؤم، ونهض بعنف محاولاً الإمساك بذراعها بقوة. حاولت نور أن تفلت من بين قبضتيه وهي تصرخ بأعلى صوتها: _ "اتركني! ابتعد عني!" ارتفع صوتها في أرجاء القاعة وهي تطلب النجدة من الموجودين، لكن الصدمة كانت في موقف بقية الحاضرين؛ حيث اكتفى بعضهم بالنظر بسلبية، وبعضهم ضحك باستهزاء وتواطؤ، بينما حاول آخرون تجاهل ما يحدث وكأن الأمر لا يعنيهم. أخذ الرجل يحاول جرّها بالقوة المفرطة نحو الممر المظلم المؤدي إلى الغرف الداخلية للفندق، بينما كانت نور تقاوم بكل ما أوتيت من قوة؛ تصرخ، وتبكي، وتتشبث بحافة الباب الخشبية وأظافرها تكاد تقتلع، وقلبها يخفق برعب عارم، منتظرة بيأس أن يتدخل أحد قبل أن يفلت الأمر تماماً من يدها. وفي اللحظة التي ضعفت فيها قواها تماماً وكادت يدها تنزلق عن حافة الباب، تملّك الرعب والضياع قلبها وهي تراه يسحبها بقوة وعنف صاعق نحو الغرفة الداخلية، حيث رماها على السرير لتسقط بجسدها المرتجف وهي تصرخ بألم قاهر. التفت الرجل بسرعة وأغلق الباب خلفه بالمفتاح، وبملامح قذرة تفيض بالحقارة والغرور، بدأ في نزع سترة حلته الرسمية ورماها جانباً وهو يقترب من السرير قائلًا بسخرية مقززة: _ "اصرخي كما تشائين.. الرجال بالخارج يباركون لنا هذه الليلة، ولا أحد منهم سيجرؤ على إفساد متعتي أو الوقوف في وجهي!" حاولت نور الزحف إلى الخلف بذعر والنهوض هرباً نحو النافذة، لكنه كان أسرع؛ انقض عليها بكل وحشية وثبّت يديها بقوة فوق رأسها مشلّاً حركتها تماماً بجسده الضخم. بدأت تبكي وتصرخ باهتزاز هستيري وتدفعه بركبتيها بكل قوتها المستنزفة، مستغيثة بآخر أمل يلوح في خيالها: _ "خالد!!! ساعدني يا خالد!! خاااالد!" وفي غمرة يأسها وشعورها بأن نهايتها قد اقتربت، تحطم باب الغرفة السميك بالكامل وتطايرت أخشابه في الهواء بصوت مدوٍ أشبه بانفجار زلزال عنيف زلزل أركان الجناح! دخل **خالد** كالإعصار المدمر، وعيناه تتطاير منهما شرارات الموت والدم؛ فقد وصل إلى الفندق وعلم بالخديعة فور رؤيته للمستثمرين يضحكون بالخارج وعرف أن نور في خطر. لم ينطق بحرف واحد، بل اندفع نحو السرير كالفهد، وقبض على قميص المستثمر الشاب من الخلف وسحبه بقوة هائلة خارقة أطاحت به أرضاً بضربة واحدة. وبغضب أعمى متوحش، انهال خالد عليه بلكمات متتالية وعنيفة ومميّتة على وجهه وجسده، دون أن يترك للرجل فرصة للتنفس أو الدفاع عن نفسه، حتى تركه غارقاً في دمائه وفاقداً للوعي كجثة هامدة لا تتحرك. التفت خالد بأعين حمراء وأنفاس متلاحقة نحو نور، التي كانت منكمشة على نفسها في أقصى زاوية من السرير، ترتجف بشكل هستيري وتشهق ببكاء مرير وثيابها الرسمية مبعثرة. وما إن رأت وجهه، حتى نسيت كل كبريائها وخوفها، وارتمت في أحضانه لا إراديًا. احتضنته بقوة شديدة ودفنت وجهها في صدره العريض وهي تنتحب، متمسكة بقميصه كأنها متمسكة بالحياة نفسها. أحاطها خالد بذراعيه القويتين كالسد المنيع الذي لن ينهار، وضغط عليها نحو صدره بحنان جارف يحمل كل لوعة الخوف والندم عليها، وأخذ يمسح على شعرها وجسده الضخم يرتجف غضباً وهو يهمس في أذنها بنبرة دافئة ومهتزة لأول مرة: _ "أنتِ بأمان يا نور.. أنا هنا، لن يلمسكِ أحد بعد اليوم.. أنا معكِ ولن أترككِ أبداً." ومن شدة التعب البشري، والخوف العارم الذي استنزف كل طاقتها وقواها النفسية، نامت نور لا إراديًا في حضنه وهي ما زالت متمسكة بقميصه كالعصفور المذعور الذي وجد عشه أخيراً.أومأت نور موافقة دون تردد، ولملمت ملفات المشروع بدقة ثم انطلقت. ومع حلول الليل، وصلت إلى الفندق الفخم الذي سيقام فيه الاجتماع في إحدى قاعاته الخاصة. وما إن دخلت القاعة حتى انقبض قلبها؛ فقد لاحظت أنها المرأة الوحيدة بين عدد كبير من الرجال. كانت الطاولات مليئة بكؤوس الخمر، والضحكات المرتفعة الصاخبة تملأ المكان بطريقة مريبة.حافظت نور على هدوئها المهني وجلست في مكانها، ثم فتحت الملفات وبدأت تشرح تفاصيل المشروع بكل احترافية وثبات. لكن لم يمضِ وقت طويل حتى قطع حبل أفكارها اقتراب أحد المستثمرين الشباب؛ كان حسن المظهر وثرياً، إلا أن نظراته المتفحصة كانت تحمل شيئاً دنيئاً جعلها تشعر بالاشمئزاز.ابتسم الرجل ابتسامة جانبية خبيثة وقال وهو يزيح أوراقها:_ "آنستي الجميلة... الحياة ليست عملاً وجدية فقط. هيا، اشربي معنا نخب هذه الصفقة أولاً." أجابته نور بثبات ونبرة جافة:_ "آسفة، أنا لا أشرب الخمر، وأنا هنا بصفتي مساعدة السيد خالد لمناقشة تفاصيل المشروع فقط. أرجو أن نحافظ على حدود الاحترام بيننا."ضحك الرجل بسخرية مستفزة، ثم اقترب منها أكثر وهمس بصوت منخفض ومقزز:_ "ا
لكن لين لم تتحمل رؤية صديقة عمرها وتوأم روحها في هذا الموقف المحرج؛ فنهضت من مكانها بسرعة فائقة وقبل الجميع، واندفعت نحو السلم لتمسك بيد نور بحنان، وضد ضحكات الخالات، نظرت لين إليهن بنظرة حازمة أسكتت الجميع، ثم التفتت إلى نور وقالت لها ضاحكة بنبرة ممتلئة بالحب والدفء لتنقذها:_ "يا إلهي يا نور! ما زلتِ تعشقين قميص الدب هذا؟ أقسم أنكِ تبدين الليلة الماضية واليوم كألطف عروس رأيتها في حياتي! تعالي، الجوع كافر وأنا لن أتناول إفطاري بدون صديقتي المقربة."في هذه الأثناء، وقف خالد هو الآخر بهدوء تام وبسرعة بديهته المعهودة، مكملاً ما فعلته لين ليفرض احترام زوجته أمام العائلة، وقال بنبرة رجولية دافئة:_ "لين معها حق يا نور، لا داعي للهروب.. تبدين بخير، والجوع لا ينتظر تغيير الملابس. اجلسي بجانبي."أنزلت كلمات لين وخالد السكينة على قلب نور المسكينة. تنهدت بارتياح وذهبت مع لين التي سحبتها من يدها وجعلتها تجلس بجانب خالد، بينما تولت لين سكب العصير لها ووضع الفطائر في طبقها وهي تغمز لها بمرح لتنسيها الإحراج.صعدت نور إلى الأعلى بسرعة البرق بمجرد أن انتهى الفطور لتتخلص من بقا
استدار ريان متوجهاً نحو الشرفة الكبيرة بخطوات ثقيلة، موليّاً إياها ظهره ليتيح لها فرصة ستر نفسها، بينما كان يقبض بيده على سياج الشرفة الحديدي بعنف، محاولاً إطفاء النيران التي تكاد تحرق صدره، منتظراً اللحظة التي سيتواجهان فيها وجهاً لوجه دون أقنعة. أما في غرفة خالد، فقد انقضت دقائق التوتر الثقيلة قبل أن تنفتح أبواب الحمام ببطء. خرجت نور وهي ترتدي ملابسها المريحة البسيطة، وكانت دقات قلبها تتسارع بفعل الخوف والحرج الشديد الذي كان يملأ كيانها في هذه الليلة الأولى لهما معاً. نظرت بطرف عينيها نحو الغرفة الهادئة، فوجدت خالداً مستلقياً على السرير بجسده الرياضي المرتخي، يراقب شاشة هاتفه بهدوء تام دون أن يرفع عينيه لكي لا يزيد من إحراجها. ابتلعت نور ريقها، وتوجهت نحوه بخطوات مترددة، ثم وقفت قريباً من طرف السرير وسألته بنبرة خافتة تكاد تُسمع: _ "أين سأنام؟" أهبط خالد هاتفه قليلاً، ونظر إليها بنظرات دافئة خالية من أي ضغط أو مكر، وأجابها بصوته الرزين المريح: _ "إن أردتِ، نامي على السرير وأنا معكِ، أو يمكنني أن آخذ وسادتي وأنام أنا على الأريكة.
انتهى الحفل الصاخب وأُغلقت قاعة الاحتفال الكبرى، ليتوجه كل شخص إلى غرفته تاركاً خلفه أضواء الثريات الكريستالية المتلألئة. كانت لين تمشي في ممرات القصر الطويلة بخطوات متثاقلة، ينهش التعب جسدها من أثر السهرة الطويلة والإشراف على الضيوف، لكن الإرهاق الأكبر كان في عقلها وقلبها؛ حيث كانت أفكارها مبعثرة ومحترقة بسبب ريان، كلماته الحادة، وقبلته العاصفة التي ما زالت تستشعر حرارتها على شفتيها.دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، متنهدةً بارتياح ظاهري بحثاً عن ملاذ آمن يخفف عنها عبء هذه الليلة. بدأت لين في تغيير ملابسها ونزعت فستانها الأنيق بالفعل، وفجأة، ومن دون سابق إنذار أو طرقة باب واحدة، انفتح الباب واندفع ريان إلى داخل الغرفة كالإعصار!جفلت لين وتراجعت خطوة إلى الخلف، واتسعت عيناها بصدمة وخوف حاولت جاهدة إخفاءه، وحملت فستانها بسرعة تحاول أن تغطي به جسدها وقليلاً من عريها المفاجئ أمام نظراته المتفحصة. لكن ريان لم يمنحها فرصة للتفكير؛ تقدم بخطوات واسعة وحاسمة، وعيناه تشتعلان ببريق مظلم يمزج بين الغيرة والتملك، ولم يتوقف حتى حاصرها تماماً بين جسده الضخم والجدار، حارماً إياها من أي مف
وفي هذه الأثناء، وسط الحشود والمهنئين وأضواء الثريات الكريستالية المتلألئة، كان هناك إعصار آخر يدور في الخفاء؛ إذ كانت لين تبدو كالحورية الليلة، ترتدي فستاناً أنيقاً يبرز جمالها الهادئ وتتنقل بوقار لتشرف على راحة الضيوف، ولم تكن تعلم أن هناك عينين صقريتين لريان يراقب كل التفاتة منها وكل ابتسامة توزعها على الحاضرين. ثلاثة أيام من النوم على الأريكة واحتراق عقله بلغز "أليكس" جعلت ريان يصل لقمة جنونه وغليان دمه غيرَةً وتملكاً. استغل ريان لحظة وقوف لين بمفردها قريباً من ممر الشرفة الهادئ، فتقدم بخطوات سريعة وحاسمة وحاصرها بجسده الضخم خلف أحد الأعمدة الكبيرة، هامساً بنبرة رجولية حادة تفيض بالوعيد: "ثلاثة أيام يا لين.. ثلاثة أيام تظنين فيها أنكِ انتصرتِ ببرودكِ؟ انظري إليّ عندما أحدثكِ، فمهما طال صمتي وكبريائي، لن يتغير واقع أنكِ الليلة وكل ليلة.. ملكي أنا وحدي!" التقت عيناهما في مواجهة نارية صامتة، لين تخفي برودها دقات قلبها العنيفة، وريان يحاول بكبريائه إخفاء حيرته وعذابه. لم تمنحْه لين جواباً، بل رفعت ذقنها بكبرياء ونظرت في عينيه بنظرة باردة تحدّت بها ثورته، وكأنها تخبره أن كل
ألقى ريان نظرة سريعة نحو لين، فوجدها ترتشف عصيرها ببرود شديد، وعلى شفتيها الكرزيتين ابتسامة سخونة ونصر لا تخفى عليه، وكأنها تستمتع برؤيته يتخبط في صدماته وإحراجه واحدة تلو الأخرى.حاول ريان تدارك الموقف وتغطية ملامح الذهول، فتنحنح وعدل من جلسته وقال بصوت رجولي هادئ محاولاً استعادة وقاره:_ "أوه.. مبارك لكِ يا نور، صدمتني المفاجأة فقط لأنني لم أكن أعلم بالترتيبات.. وخالد رجل شهم وس يصونكِ حتماً. أهلاً بك يا مصطفى مجدداً في بيتك، اعذرني على سوء الفهم قبل قليل.. فـ ضغوط العمل في الشركة جعلتني مشتت الذهن بعض الشيء اليوم."نظر إليه مصطفى بذكاء كأنه فهم خلفيات تلك الغيرة لكنه مرر الموقف بلطف قائلاً: "لا عليك يا سيد ريان، مقدر تماماً.".وفجأة، قطع هذا التوتر الصامت رنين هاتف ريان المصحوب باهتزاز قوي. شعر براحة داخلية لأن هذا الاتصال جاء في وقته لينقذه من نظرات لين الساخرة التي كانت ترتشف عصيرها ببرود تام وتراقب تخبطه بنصر خفي.استأذن ريان بصوت رجولي جاف، ووقف مبتعداً عن الطاولة ببضع خطوات ليجيب على الهاتف. كان المتصل مساعده الشخصي الذي كلفه بالبحث، وجاء صوته جاداً وسريعاً عبر الخط:_ "سي







