LOGINوفي هذه الأثناء، وسط الحشود والمهنئين وأضواء الثريات الكريستالية المتلألئة، كان هناك إعصار آخر يدور في الخفاء؛ إذ كانت لين تبدو كالحورية الليلة، ترتدي فستاناً أنيقاً يبرز جمالها الهادئ وتتنقل بوقار لتشرف على راحة الضيوف، ولم تكن تعلم أن هناك عينين صقريتين لريان يراقب كل التفاتة منها وكل ابتسامة توزعها على الحاضرين. ثلاثة أيام من النوم على الأريكة واحتراق عقله بلغز "أليكس" جعلت ريان يصل لقمة جنونه وغليان دمه غيرَةً وتملكاً. استغل ريان لحظة وقوف لين بمفردها قريباً من ممر الشرفة الهادئ، فتقدم بخطوات سريعة وحاسمة وحاصرها بجسده الضخم خلف أحد الأعمدة الكبيرة، هامساً بنبرة رجولية حادة تفيض بالوعيد: "ثلاثة أيام يا لين.. ثلاثة أيام تظنين فيها أنكِ انتصرتِ ببرودكِ؟ انظري إليّ عندما أحدثكِ، فمهما طال صمتي وكبريائي، لن يتغير واقع أنكِ الليلة وكل ليلة.. ملكي أنا وحدي!"
التقت عيناهما في مواجهة نارية صامتة، لين تخفي برودها دقات قلبها العنيفة، وريان يحاول بكبريائه إخفاء حيرته وعذابه. لم تمنحْه لين جواباً، بل رفعت ذقنها بكبرياء ونظرت في عينيه بنظرة باردة تحدّت بها ثورته، وكأنها تخبره أن كلماته وتملكه لم يعودا يؤثران فيها. هذا البرود القاتل، مع قربها المهلك ورائحة عطرها التي حُرم منها، أفقد ريان آخر ذرة من سيطرته على نفسه؛ فانحنى بسرعة وعنف والتهم شفتيها بقبلة عميقة وعاصفة صبّ فيها كل حيرته وتساؤلاته المحرقة عن "أليكس"، مزيج حارق من التملك والاعتذار الخفي الذي عجز لسانه عن نطقه. حاولت لين دفعه في البداية خوفاً من أن يلمحهما أحد، إلا أن ريان أحكم قبضته على خصرها جاذباً إياها إليه أكثر حتى التصقت بصدوره، لتستسلم لين مجدداً لضعفها وعشقها الذي لا يموت. لم يفصل ريان القبلة كلياً بل ظل متمسكاً بشفتيها كغريق، يتنفس أنفاسها ويشد خصرها برقة تارة وبعنف تارة أخرى، وكأنه يحاول إخفاءها عن العالم وعن شكوكه التي تمزقه. أما لين فقد تاهت تماماً وارتخى دفاعها لتتمسك بياقة سترته الرسمية دون وعي منها، وغمرتها رائحة عطره الساحر وجعلتها تغرق في دوامة من العشق الجارف والقهر المرير من كبريائه. تحولت القبلة إلى ترنيمة عتاب صامتة، ونزلت دمعة دافئة من عين لين المغمضتين لتمتزج بقبلتهما وتزيدها شجناً. أبعد ريان شفتيه ببطء شديد وبقيت أنفاسه الحارة تداعب وجهها المحمر، ونزلت يده لتمسح تلك الدمعة بإبهامه وقال بصوت متحشرج: "أقسم لكِ يا لين.. هذه الأيام الثلاثة على تلك الأريكة كانت كالجحيم. كبريائي يمنعني، وعيناكِ الباردتان تقتلانني.. قولي لي من هو أليكس ودعيني أستريح، أرجوكِ." ورغم ضعفها وخفقان قلبها العنيف، إلا أن سؤاله أعاد لها جزءاً من وعيها وكبريائها الجريح، فأجابت بنبرة حاولت جاهدة ألا ترتجف: "أنت من اخترت الجحيم بنفسك يا ريان، وأنت من تعيش في أوهامك.. والآن، ابتعد عني قبل أن يلاحظ أحد غيابنا." واستغلت دفق مشاعرها المتضاربة لتفلت نفسها بحركة سريعة اتسمت بالوقار، وتراجعت عنه تاركةً إياه غارقاً في حيرته وتساؤلاته التي لا تنتهي خلف العمود. وفي قاعة الاحتفال الكبرى، كان خالد يقف بجانب نور يتبادلان التبريكات، وبنبل شديد لاحظ ارتباكها وتعبها من ثقل الفستان والوقوف الطويل، فانحنى نحو أذنها وقال بصوت دافئ: "نور، إن كنتِ تشعرين بالتعب، يمكننا الانسحاب الآن والصعود لجناحنا، فالجزء الأهم من الحفل قد انتهى والجميع مستمتع." نظرت إليه نور بامتنان حقيقي ووافقت برأسها دون تردد، شاعرةً لأول مرة ببعض الراحة تجاهه، فأمسك يدها برفق وقادها عبر ممر شرفي هادئ متوجهين نحو الدرج للصعود إلى جناحهما. وعند دخولهما الجناح، أغلقت الأبواب وتلاشى صخب الحفل تماماً، حيث كان خالد نبيلاً في مشاعره ولم ينوِ أبداً أن يقترب من نور أو يفرض نفسه عليها إلا برضاها وقبولها التام، رغبةً منه في إعطائها الوقت لتألف وجوده كصديق وسند أولاً. وقفت نور بتوتر عارم تحاول فك السحاب الخلفي لفستانها الزفافي الثقيل لكن يديها ارتبكتا، فالتفتت إلى خالد بخجل شديد وقالت بنبرة خافتة: "خالد.. الفستان ثقيل وصعب جداً، ولا أستطيع نزعه بمفردي.. هل يمكنك أن تنادي لين لمساعدتي؟" ابتسم خالد بوضوح وتقدم منها بنظرة دافئة تملؤها المودة قائلاً: "ولماذا ننادي لين وأنا هنا؟ سأفعل ذلك بنفسي." واقترب منها بخطوات هادئة، وبأصابع حذرة٨ ورفيقة فتح لها سحاب الفستان، وفي تلك اللحظة اشتعلت وجنتا نور حمرةً من شدة الخجل، وركضت مسرعة نحو الحمام لتغير ملابسها وتتوارى عن نظراته. وبعد دقائق، خرجت نور من الحمام وهي ترتدي ملابسها المريحة، وبرزت شخصيتها المستقلة والواضحة رغم خجلها؛ حيث توجهت مباشرة نحو السرير بخطوات حازمة، وأمسكت بمجموعة من الوسائد الكبيرة وصفتها بعناية ودقة في منتصف السرير لكي تصنع خطاً فاصلاً وجداراً صغيراً يقسم الفراش بينها وبين خالد، معلنةً عن حدود مساحتها الخاصة في هذه الليلة. نظر خالد إلى الوسائد ثم إليها، وابتسم بتفهم شديد ولم يعترض، بل أومأ برأسه محترماً رغبتها ومؤكداً لها بنظراته أنه سيكون عند حسن ظنها. وعلى الجانب الآخر من القصر، كان ريان يجوب الممرات كوحش جريح، يشتعل قلبه بنيران الغيرة العارمة والتملك بعد صدّ لين له واعترافها بأن أليكس هو الشخص الوحيد الذي تحبه.أومأت نور موافقة دون تردد، ولملمت ملفات المشروع بدقة ثم انطلقت. ومع حلول الليل، وصلت إلى الفندق الفخم الذي سيقام فيه الاجتماع في إحدى قاعاته الخاصة. وما إن دخلت القاعة حتى انقبض قلبها؛ فقد لاحظت أنها المرأة الوحيدة بين عدد كبير من الرجال. كانت الطاولات مليئة بكؤوس الخمر، والضحكات المرتفعة الصاخبة تملأ المكان بطريقة مريبة.حافظت نور على هدوئها المهني وجلست في مكانها، ثم فتحت الملفات وبدأت تشرح تفاصيل المشروع بكل احترافية وثبات. لكن لم يمضِ وقت طويل حتى قطع حبل أفكارها اقتراب أحد المستثمرين الشباب؛ كان حسن المظهر وثرياً، إلا أن نظراته المتفحصة كانت تحمل شيئاً دنيئاً جعلها تشعر بالاشمئزاز.ابتسم الرجل ابتسامة جانبية خبيثة وقال وهو يزيح أوراقها:_ "آنستي الجميلة... الحياة ليست عملاً وجدية فقط. هيا، اشربي معنا نخب هذه الصفقة أولاً." أجابته نور بثبات ونبرة جافة:_ "آسفة، أنا لا أشرب الخمر، وأنا هنا بصفتي مساعدة السيد خالد لمناقشة تفاصيل المشروع فقط. أرجو أن نحافظ على حدود الاحترام بيننا."ضحك الرجل بسخرية مستفزة، ثم اقترب منها أكثر وهمس بصوت منخفض ومقزز:_ "ا
لكن لين لم تتحمل رؤية صديقة عمرها وتوأم روحها في هذا الموقف المحرج؛ فنهضت من مكانها بسرعة فائقة وقبل الجميع، واندفعت نحو السلم لتمسك بيد نور بحنان، وضد ضحكات الخالات، نظرت لين إليهن بنظرة حازمة أسكتت الجميع، ثم التفتت إلى نور وقالت لها ضاحكة بنبرة ممتلئة بالحب والدفء لتنقذها:_ "يا إلهي يا نور! ما زلتِ تعشقين قميص الدب هذا؟ أقسم أنكِ تبدين الليلة الماضية واليوم كألطف عروس رأيتها في حياتي! تعالي، الجوع كافر وأنا لن أتناول إفطاري بدون صديقتي المقربة."في هذه الأثناء، وقف خالد هو الآخر بهدوء تام وبسرعة بديهته المعهودة، مكملاً ما فعلته لين ليفرض احترام زوجته أمام العائلة، وقال بنبرة رجولية دافئة:_ "لين معها حق يا نور، لا داعي للهروب.. تبدين بخير، والجوع لا ينتظر تغيير الملابس. اجلسي بجانبي."أنزلت كلمات لين وخالد السكينة على قلب نور المسكينة. تنهدت بارتياح وذهبت مع لين التي سحبتها من يدها وجعلتها تجلس بجانب خالد، بينما تولت لين سكب العصير لها ووضع الفطائر في طبقها وهي تغمز لها بمرح لتنسيها الإحراج.صعدت نور إلى الأعلى بسرعة البرق بمجرد أن انتهى الفطور لتتخلص من بقا
استدار ريان متوجهاً نحو الشرفة الكبيرة بخطوات ثقيلة، موليّاً إياها ظهره ليتيح لها فرصة ستر نفسها، بينما كان يقبض بيده على سياج الشرفة الحديدي بعنف، محاولاً إطفاء النيران التي تكاد تحرق صدره، منتظراً اللحظة التي سيتواجهان فيها وجهاً لوجه دون أقنعة. أما في غرفة خالد، فقد انقضت دقائق التوتر الثقيلة قبل أن تنفتح أبواب الحمام ببطء. خرجت نور وهي ترتدي ملابسها المريحة البسيطة، وكانت دقات قلبها تتسارع بفعل الخوف والحرج الشديد الذي كان يملأ كيانها في هذه الليلة الأولى لهما معاً. نظرت بطرف عينيها نحو الغرفة الهادئة، فوجدت خالداً مستلقياً على السرير بجسده الرياضي المرتخي، يراقب شاشة هاتفه بهدوء تام دون أن يرفع عينيه لكي لا يزيد من إحراجها. ابتلعت نور ريقها، وتوجهت نحوه بخطوات مترددة، ثم وقفت قريباً من طرف السرير وسألته بنبرة خافتة تكاد تُسمع: _ "أين سأنام؟" أهبط خالد هاتفه قليلاً، ونظر إليها بنظرات دافئة خالية من أي ضغط أو مكر، وأجابها بصوته الرزين المريح: _ "إن أردتِ، نامي على السرير وأنا معكِ، أو يمكنني أن آخذ وسادتي وأنام أنا على الأريكة.
انتهى الحفل الصاخب وأُغلقت قاعة الاحتفال الكبرى، ليتوجه كل شخص إلى غرفته تاركاً خلفه أضواء الثريات الكريستالية المتلألئة. كانت لين تمشي في ممرات القصر الطويلة بخطوات متثاقلة، ينهش التعب جسدها من أثر السهرة الطويلة والإشراف على الضيوف، لكن الإرهاق الأكبر كان في عقلها وقلبها؛ حيث كانت أفكارها مبعثرة ومحترقة بسبب ريان، كلماته الحادة، وقبلته العاصفة التي ما زالت تستشعر حرارتها على شفتيها.دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، متنهدةً بارتياح ظاهري بحثاً عن ملاذ آمن يخفف عنها عبء هذه الليلة. بدأت لين في تغيير ملابسها ونزعت فستانها الأنيق بالفعل، وفجأة، ومن دون سابق إنذار أو طرقة باب واحدة، انفتح الباب واندفع ريان إلى داخل الغرفة كالإعصار!جفلت لين وتراجعت خطوة إلى الخلف، واتسعت عيناها بصدمة وخوف حاولت جاهدة إخفاءه، وحملت فستانها بسرعة تحاول أن تغطي به جسدها وقليلاً من عريها المفاجئ أمام نظراته المتفحصة. لكن ريان لم يمنحها فرصة للتفكير؛ تقدم بخطوات واسعة وحاسمة، وعيناه تشتعلان ببريق مظلم يمزج بين الغيرة والتملك، ولم يتوقف حتى حاصرها تماماً بين جسده الضخم والجدار، حارماً إياها من أي مف
وفي هذه الأثناء، وسط الحشود والمهنئين وأضواء الثريات الكريستالية المتلألئة، كان هناك إعصار آخر يدور في الخفاء؛ إذ كانت لين تبدو كالحورية الليلة، ترتدي فستاناً أنيقاً يبرز جمالها الهادئ وتتنقل بوقار لتشرف على راحة الضيوف، ولم تكن تعلم أن هناك عينين صقريتين لريان يراقب كل التفاتة منها وكل ابتسامة توزعها على الحاضرين. ثلاثة أيام من النوم على الأريكة واحتراق عقله بلغز "أليكس" جعلت ريان يصل لقمة جنونه وغليان دمه غيرَةً وتملكاً. استغل ريان لحظة وقوف لين بمفردها قريباً من ممر الشرفة الهادئ، فتقدم بخطوات سريعة وحاسمة وحاصرها بجسده الضخم خلف أحد الأعمدة الكبيرة، هامساً بنبرة رجولية حادة تفيض بالوعيد: "ثلاثة أيام يا لين.. ثلاثة أيام تظنين فيها أنكِ انتصرتِ ببرودكِ؟ انظري إليّ عندما أحدثكِ، فمهما طال صمتي وكبريائي، لن يتغير واقع أنكِ الليلة وكل ليلة.. ملكي أنا وحدي!" التقت عيناهما في مواجهة نارية صامتة، لين تخفي برودها دقات قلبها العنيفة، وريان يحاول بكبريائه إخفاء حيرته وعذابه. لم تمنحْه لين جواباً، بل رفعت ذقنها بكبرياء ونظرت في عينيه بنظرة باردة تحدّت بها ثورته، وكأنها تخبره أن كل
ألقى ريان نظرة سريعة نحو لين، فوجدها ترتشف عصيرها ببرود شديد، وعلى شفتيها الكرزيتين ابتسامة سخونة ونصر لا تخفى عليه، وكأنها تستمتع برؤيته يتخبط في صدماته وإحراجه واحدة تلو الأخرى.حاول ريان تدارك الموقف وتغطية ملامح الذهول، فتنحنح وعدل من جلسته وقال بصوت رجولي هادئ محاولاً استعادة وقاره:_ "أوه.. مبارك لكِ يا نور، صدمتني المفاجأة فقط لأنني لم أكن أعلم بالترتيبات.. وخالد رجل شهم وس يصونكِ حتماً. أهلاً بك يا مصطفى مجدداً في بيتك، اعذرني على سوء الفهم قبل قليل.. فـ ضغوط العمل في الشركة جعلتني مشتت الذهن بعض الشيء اليوم."نظر إليه مصطفى بذكاء كأنه فهم خلفيات تلك الغيرة لكنه مرر الموقف بلطف قائلاً: "لا عليك يا سيد ريان، مقدر تماماً.".وفجأة، قطع هذا التوتر الصامت رنين هاتف ريان المصحوب باهتزاز قوي. شعر براحة داخلية لأن هذا الاتصال جاء في وقته لينقذه من نظرات لين الساخرة التي كانت ترتشف عصيرها ببرود تام وتراقب تخبطه بنصر خفي.استأذن ريان بصوت رجولي جاف، ووقف مبتعداً عن الطاولة ببضع خطوات ليجيب على الهاتف. كان المتصل مساعده الشخصي الذي كلفه بالبحث، وجاء صوته جاداً وسريعاً عبر الخط:_ "سي







