Masukاستدار ريان متوجهاً نحو الشرفة الكبيرة بخطوات ثقيلة، موليّاً إياها ظهره ليتيح لها فرصة ستر نفسها، بينما كان يقبض بيده على سياج الشرفة الحديدي بعنف، محاولاً إطفاء النيران التي تكاد تحرق صدره، منتظراً اللحظة التي سيتواجهان فيها وجهاً لوجه دون أقنعة.
أما في غرفة خالد، فقد انقضت دقائق التوتر الثقيلة قبل أن تنفتح أبواب الحمام ببطء. خرجت نور وهي ترتدي ملابسها المريحة البسيطة، وكانت دقات قلبها تتسارع بفعل الخوف والحرج الشديد الذي كان يملأ كيانها في هذه الليلة الأولى لهما معاً. نظرت بطرف عينيها نحو الغرفة الهادئة، فوجدت خالداً مستلقياً على السرير بجسده الرياضي المرتخي، يراقب شاشة هاتفه بهدوء تام دون أن يرفع عينيه لكي لا يزيد من إحراجها. ابتلعت نور ريقها، وتوجهت نحوه بخطوات مترددة، ثم وقفت قريباً من طرف السرير وسألته بنبرة خافتة تكاد تُسمع: _ "أين سأنام؟" أهبط خالد هاتفه قليلاً، ونظر إليها بنظرات دافئة خالية من أي ضغط أو مكر، وأجابها بصوته الرزين المريح: _ "إن أردتِ، نامي على السرير وأنا معكِ، أو يمكنني أن آخذ وسادتي وأنام أنا على الأريكة." نظرت نور إلى الأريكة ثم إليه؛ ورغم ارتباكها، لم تطاوعها قسوة قلبها أن تزعجه في ليلة زفافه وتجعله ينام على الأريكة الضيقة بعد كل النبل الذي أظهره تجاهها. وقبل أن تنطق بنسق جوابها أو تختار، كان خالد ذكياً بما يكفي ليفهم حيرتها ويسرّع عنها القرار؛ فأطفأ شاشة هاتفه، ووضعه جانباً، ثم أدار جسده للجهة الأخرى وأغلق عينيه مدعياً النوم فوراً، كأنه لا ينتظر جوابها ولا يريد أن يضعها تحت ضغط الاختيار أو الحرج من قربه. أنزل هذا التصرف السكينة على قلب نور. تنهدت بارتياح، واختارت ببطء وحذر أن تستلقي معه على السرير الواسع، تاركةً مسافة آمنة بينهما. بينما غيرت لين ثيابها، خرج ريان من الغرفة وعلامات الغضب والضياع ترتسم على وجهه، واتجه مباشرة إلى مكتبه في الطرف الآخر من القصر، حيث قرر أن يقضي الليلة هناك هرباً من أفكاره المشتعلة ونيران غيرته. وفي الصباح، عندما بدأت خيوط الشمس الأولى تتسلل من بين ستائر الجناح الهادئ، استيقظ خالد على شعور غريب وثقيل، لكنه مفعم بالدفء؛ فتح عينيه ببطء ليتفاجأ بكتلة دافئة تنام فوق صدره. كانت نور قد تحركت أثناء نومها دون وعي، وتشبثت به تماماً كالطفل الرضيع الذي يبحث عن الأمان وسط نومه. تجمد خالد في مكانه ونبضات قلبه تتسارع، وبدأ يراقب ملامحها الطفولية بعناية وهدوء؛ تأمل بشرتها الناعمة، وشعرها المنثور، وشفتيها الكرزية الصغيرة التي كانت تتحرك بأنفاس منتظمة دافئة. شعر برغبة عارمة في البقاء هكذا، لكن عقله ورزانته تدخلا في الوقت المناسب؛ فاختار الابتعاد عنها ببطء شديد وحذر شديد حتى لا تستيقظ. كان يعلم تماماً أنها لو أفاقت ووجدت نفسها في هذا الوضع، فسيقتلها الخرج والخوف، ولن تقبل بالنوم فوق السرير معه مرة أخرى. وبجانب ذلك، أراد الانسحاب بسرعة قبل أن يتهور هو أيضاً أمام جمالها العفوي ويفقد سيطرته على مشاعره. ابتعد خالد عن السرير بخطوات حذرة للغاية، مغيرًا ثيابه بسرعة وهدوء قبل أن تشعر به. غادر الجناح ونزل إلى الطابق السفلي، ل يجد العائلة بأكملها متجمعة حول مائدة الإفطار، باستثناء ريان الذي كان غائبًا. لمحتْه لين، ونظرت إليه بنظرة ماكرة وممتلئة بالغموض، ثم سألته بخبث: _ "أين نور؟" أجابها خالد برزانة وثبات تام دون أن تظهر عليه أي علامات ارتباك: _ "لا تزال نائمة." ثم سحب كرسيّه وجلس بكل هدوء يشاركهم الإفطار. بعد دقائق معدودة في الأعلى، أفاقت نور من نومها العميق. تلفتت حولها في أرجاء السرير فلم تجد خالداً، فظنت تلقائيًا أنه استيقظ مبكرًا وذهب إلى عمله. نظرت إلى الغرفة واعتقدت أن الوقت قد تأخر كثيرًا وأنها غطت في النوم، وفي تلك اللحظة قرصها الجوع بشدة؛ فلم تفكر كثيرًا، ونزلت إلى الأسفل فورًا من دون حتى أن تغير ثيابها أو ترتب مظهرها. كانت نور ترتدي سروالاً واسعاً للغاية، وفوقه قميص أكثر اتساعاً مرسوم عليه دب كبير في المنتصف؛ كان مظهرها طفوليًا ومضحكًا للغاية، ولا يوحي أبدًا بكونها عروسًا في ليلتها الأولى! كانت تنزل درجات السلم بخطوات متثاقلة، وشعرها الكثيف مبعثر بالكامل وفوضوي وهي تفرك عينيها بنعاس، ظانةً ب براءة تامة أن البيت خالٍ وأن الجميع قد غادروا، ولم تكن تعلم أن العائلة كلها تجلس في الأسفل تراقب هبوطها المفاجئ! وما إن وطئت قدم نور الدرجة الأخيرة من السلم، حتى جمدت في مكانها واتسعت عيناها بصدمة ألجمت لسانها؛ حيث التقت نظراتها مباشرة بنظرات العائلة المجتمعة بكامل أناقتها حول المائدة! ساد صمت مفاجئ لثوانٍ، قطعه صوت ضحكة مكتومة من إحدى الخالات. أحست نور بالدموع تكاد تفر من عينيها من شدة الحرج، واشتعلت وجنتاها بحمرة قانية، والتفتت بسرعة فائقة لتركض عائدة إلى الأعلى لتنقذ ما تبقى من كرامتها.أومأت نور موافقة دون تردد، ولملمت ملفات المشروع بدقة ثم انطلقت. ومع حلول الليل، وصلت إلى الفندق الفخم الذي سيقام فيه الاجتماع في إحدى قاعاته الخاصة. وما إن دخلت القاعة حتى انقبض قلبها؛ فقد لاحظت أنها المرأة الوحيدة بين عدد كبير من الرجال. كانت الطاولات مليئة بكؤوس الخمر، والضحكات المرتفعة الصاخبة تملأ المكان بطريقة مريبة.حافظت نور على هدوئها المهني وجلست في مكانها، ثم فتحت الملفات وبدأت تشرح تفاصيل المشروع بكل احترافية وثبات. لكن لم يمضِ وقت طويل حتى قطع حبل أفكارها اقتراب أحد المستثمرين الشباب؛ كان حسن المظهر وثرياً، إلا أن نظراته المتفحصة كانت تحمل شيئاً دنيئاً جعلها تشعر بالاشمئزاز.ابتسم الرجل ابتسامة جانبية خبيثة وقال وهو يزيح أوراقها:_ "آنستي الجميلة... الحياة ليست عملاً وجدية فقط. هيا، اشربي معنا نخب هذه الصفقة أولاً." أجابته نور بثبات ونبرة جافة:_ "آسفة، أنا لا أشرب الخمر، وأنا هنا بصفتي مساعدة السيد خالد لمناقشة تفاصيل المشروع فقط. أرجو أن نحافظ على حدود الاحترام بيننا."ضحك الرجل بسخرية مستفزة، ثم اقترب منها أكثر وهمس بصوت منخفض ومقزز:_ "ا
لكن لين لم تتحمل رؤية صديقة عمرها وتوأم روحها في هذا الموقف المحرج؛ فنهضت من مكانها بسرعة فائقة وقبل الجميع، واندفعت نحو السلم لتمسك بيد نور بحنان، وضد ضحكات الخالات، نظرت لين إليهن بنظرة حازمة أسكتت الجميع، ثم التفتت إلى نور وقالت لها ضاحكة بنبرة ممتلئة بالحب والدفء لتنقذها:_ "يا إلهي يا نور! ما زلتِ تعشقين قميص الدب هذا؟ أقسم أنكِ تبدين الليلة الماضية واليوم كألطف عروس رأيتها في حياتي! تعالي، الجوع كافر وأنا لن أتناول إفطاري بدون صديقتي المقربة."في هذه الأثناء، وقف خالد هو الآخر بهدوء تام وبسرعة بديهته المعهودة، مكملاً ما فعلته لين ليفرض احترام زوجته أمام العائلة، وقال بنبرة رجولية دافئة:_ "لين معها حق يا نور، لا داعي للهروب.. تبدين بخير، والجوع لا ينتظر تغيير الملابس. اجلسي بجانبي."أنزلت كلمات لين وخالد السكينة على قلب نور المسكينة. تنهدت بارتياح وذهبت مع لين التي سحبتها من يدها وجعلتها تجلس بجانب خالد، بينما تولت لين سكب العصير لها ووضع الفطائر في طبقها وهي تغمز لها بمرح لتنسيها الإحراج.صعدت نور إلى الأعلى بسرعة البرق بمجرد أن انتهى الفطور لتتخلص من بقا
استدار ريان متوجهاً نحو الشرفة الكبيرة بخطوات ثقيلة، موليّاً إياها ظهره ليتيح لها فرصة ستر نفسها، بينما كان يقبض بيده على سياج الشرفة الحديدي بعنف، محاولاً إطفاء النيران التي تكاد تحرق صدره، منتظراً اللحظة التي سيتواجهان فيها وجهاً لوجه دون أقنعة. أما في غرفة خالد، فقد انقضت دقائق التوتر الثقيلة قبل أن تنفتح أبواب الحمام ببطء. خرجت نور وهي ترتدي ملابسها المريحة البسيطة، وكانت دقات قلبها تتسارع بفعل الخوف والحرج الشديد الذي كان يملأ كيانها في هذه الليلة الأولى لهما معاً. نظرت بطرف عينيها نحو الغرفة الهادئة، فوجدت خالداً مستلقياً على السرير بجسده الرياضي المرتخي، يراقب شاشة هاتفه بهدوء تام دون أن يرفع عينيه لكي لا يزيد من إحراجها. ابتلعت نور ريقها، وتوجهت نحوه بخطوات مترددة، ثم وقفت قريباً من طرف السرير وسألته بنبرة خافتة تكاد تُسمع: _ "أين سأنام؟" أهبط خالد هاتفه قليلاً، ونظر إليها بنظرات دافئة خالية من أي ضغط أو مكر، وأجابها بصوته الرزين المريح: _ "إن أردتِ، نامي على السرير وأنا معكِ، أو يمكنني أن آخذ وسادتي وأنام أنا على الأريكة.
انتهى الحفل الصاخب وأُغلقت قاعة الاحتفال الكبرى، ليتوجه كل شخص إلى غرفته تاركاً خلفه أضواء الثريات الكريستالية المتلألئة. كانت لين تمشي في ممرات القصر الطويلة بخطوات متثاقلة، ينهش التعب جسدها من أثر السهرة الطويلة والإشراف على الضيوف، لكن الإرهاق الأكبر كان في عقلها وقلبها؛ حيث كانت أفكارها مبعثرة ومحترقة بسبب ريان، كلماته الحادة، وقبلته العاصفة التي ما زالت تستشعر حرارتها على شفتيها.دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، متنهدةً بارتياح ظاهري بحثاً عن ملاذ آمن يخفف عنها عبء هذه الليلة. بدأت لين في تغيير ملابسها ونزعت فستانها الأنيق بالفعل، وفجأة، ومن دون سابق إنذار أو طرقة باب واحدة، انفتح الباب واندفع ريان إلى داخل الغرفة كالإعصار!جفلت لين وتراجعت خطوة إلى الخلف، واتسعت عيناها بصدمة وخوف حاولت جاهدة إخفاءه، وحملت فستانها بسرعة تحاول أن تغطي به جسدها وقليلاً من عريها المفاجئ أمام نظراته المتفحصة. لكن ريان لم يمنحها فرصة للتفكير؛ تقدم بخطوات واسعة وحاسمة، وعيناه تشتعلان ببريق مظلم يمزج بين الغيرة والتملك، ولم يتوقف حتى حاصرها تماماً بين جسده الضخم والجدار، حارماً إياها من أي مف
وفي هذه الأثناء، وسط الحشود والمهنئين وأضواء الثريات الكريستالية المتلألئة، كان هناك إعصار آخر يدور في الخفاء؛ إذ كانت لين تبدو كالحورية الليلة، ترتدي فستاناً أنيقاً يبرز جمالها الهادئ وتتنقل بوقار لتشرف على راحة الضيوف، ولم تكن تعلم أن هناك عينين صقريتين لريان يراقب كل التفاتة منها وكل ابتسامة توزعها على الحاضرين. ثلاثة أيام من النوم على الأريكة واحتراق عقله بلغز "أليكس" جعلت ريان يصل لقمة جنونه وغليان دمه غيرَةً وتملكاً. استغل ريان لحظة وقوف لين بمفردها قريباً من ممر الشرفة الهادئ، فتقدم بخطوات سريعة وحاسمة وحاصرها بجسده الضخم خلف أحد الأعمدة الكبيرة، هامساً بنبرة رجولية حادة تفيض بالوعيد: "ثلاثة أيام يا لين.. ثلاثة أيام تظنين فيها أنكِ انتصرتِ ببرودكِ؟ انظري إليّ عندما أحدثكِ، فمهما طال صمتي وكبريائي، لن يتغير واقع أنكِ الليلة وكل ليلة.. ملكي أنا وحدي!" التقت عيناهما في مواجهة نارية صامتة، لين تخفي برودها دقات قلبها العنيفة، وريان يحاول بكبريائه إخفاء حيرته وعذابه. لم تمنحْه لين جواباً، بل رفعت ذقنها بكبرياء ونظرت في عينيه بنظرة باردة تحدّت بها ثورته، وكأنها تخبره أن كل
ألقى ريان نظرة سريعة نحو لين، فوجدها ترتشف عصيرها ببرود شديد، وعلى شفتيها الكرزيتين ابتسامة سخونة ونصر لا تخفى عليه، وكأنها تستمتع برؤيته يتخبط في صدماته وإحراجه واحدة تلو الأخرى.حاول ريان تدارك الموقف وتغطية ملامح الذهول، فتنحنح وعدل من جلسته وقال بصوت رجولي هادئ محاولاً استعادة وقاره:_ "أوه.. مبارك لكِ يا نور، صدمتني المفاجأة فقط لأنني لم أكن أعلم بالترتيبات.. وخالد رجل شهم وس يصونكِ حتماً. أهلاً بك يا مصطفى مجدداً في بيتك، اعذرني على سوء الفهم قبل قليل.. فـ ضغوط العمل في الشركة جعلتني مشتت الذهن بعض الشيء اليوم."نظر إليه مصطفى بذكاء كأنه فهم خلفيات تلك الغيرة لكنه مرر الموقف بلطف قائلاً: "لا عليك يا سيد ريان، مقدر تماماً.".وفجأة، قطع هذا التوتر الصامت رنين هاتف ريان المصحوب باهتزاز قوي. شعر براحة داخلية لأن هذا الاتصال جاء في وقته لينقذه من نظرات لين الساخرة التي كانت ترتشف عصيرها ببرود تام وتراقب تخبطه بنصر خفي.استأذن ريان بصوت رجولي جاف، ووقف مبتعداً عن الطاولة ببضع خطوات ليجيب على الهاتف. كان المتصل مساعده الشخصي الذي كلفه بالبحث، وجاء صوته جاداً وسريعاً عبر الخط:_ "سي







