登入انقضت الساعات الأخيرة من الدوام بهدوء، ولم يبق في المكتب سوى صوت لوحات المفاتيح وتقليب الأوراق بين الحين والآخر.
ومع اقتراب موعد الانصراف، بدأ الموظفون يحفظون ملفاتهم ويغلقون حواسيبهم استعدادًا للمغادرة. أغلقت سارة حاسوبها، ثم رتبت مكتبها بعناية كما اعتادت، وحملت حقيبتها. في الخارج، كانت ريم تنتظرها، بينما لحقت بهما ليلى بعد لحظات. دخلت الفتيات الثلاث المصعد. ساد الصمت في البداية، حتى ضغطت أحداهن زر الطابق الأرضي. وقبل أن تُفتح أبواب المصعد، التفتت ليلى نحو سارة، وقالت بابتسامة يصعب معرفة إن كانت صادقة أم ساخرة: ــ يبدو أنك كنت محظوظة اليوم... ليس كل متدرب يذهب في أول مهمة خارجية ويعود بكل هذا الثناء. ابتسمت سارة ابتسامة خفيفة. ــ ربما. هزت ليلى كتفيها. ــ على كل حال... لا تدعي النجاح الأول يخدعك، فما زال أمامك الكثير لتتعلميه. لم تجبها سارة. أما ريم، فاكتفت بالنظر إلى شاشة المصعد بصمت. كانت تعرف ليلى جيدًا... تعرف أنها لا تحب أن يسلط الضوء على أحد غيرها داخل المكتب. فهي تهتم دائمًا بأن تكون الأكثر أناقة والأكثر لفتًا للأنظار، لكنها في المقابل لم تكن تمتلك التميز نفسه في العمل، لذلك كانت ترى في نجاح الآخرين ما يزعجها أكثر مما يسعدها. رن جرس المصعد معلنًا الوصول إلى الطابق الأرضي. خرجن معًا. وعند باب المبنى، قالت ليلى وهي تعدل حقيبتها: ــ إلى اللقاء. ثم غادرت دون انتظار الرد. التفتت ريم إلى سارة. ــ أنا مستعجلة اليوم... أراكِ غدًا. ــ إلى الغد. راقبتها سارة وهي تبتعد، ثم تنهدت وبدأت تسير في طريقها المعتاد نحو المنزل. كانت خطواتها هادئة، لكن كلمات ليلى ظلت تتردد في رأسها. *"لا تدعي النجاح الأول يخدعك..."* في البداية شعرت بانزعاج خفيف. لكنها، وبعد دقائق من التفكير، ابتسمت لنفسها. "هذا كل ما كانت تريده..." أدركت أن ليلى لم تكن تحاول تقديم نصيحة، بل كانت تريد أن تفسد عليها فرحة ذلك اليوم. هزت رأسها وهي تخرج تلك الفكرة من ذهنها. لن تسمح لأحد أن يسرق منها سعادتها. واصلت السير حتى وصلت إلى المطعم الصغير الذي اعتادت شراء طعامها منه. كانت تشعر بجوع شديد. فمنذ الصباح لم تتناول سوى فطيرة صغيرة مع فنجان قهوة، وحتى وقت الغداء لم تغادر مكتبها في شركة النعمان بسبب انشغالها بالملفات. دفعت باب المطعم ودخلت. وما إن خطت بضع خطوات حتى سمعت صوتًا مألوفًا يقول: ــ مرحبًا... كيف حالك؟ التفتت باستغراب. كان شابًا أشقر يقف قرب صندوق المحاسبة. حدقت فيه لثوانٍ، قبل أن تتسع عيناها فجأة. إنه الشاب الذي ساعدها يوم سقطت في الشارع بسبب العراك. ابتسم لها بلطف. ــ يبدو أنك لم تتذكريني في البداية. ضحكت بخجل. ــ أعتذر... احتجت إلى لحظة فقط. ــ لا بأس. ثم سألها: ــ كيف حالك الآن؟ ــ بخير، شكرًا لك. اكتفى بابتسامة ودودة. ــ سعيد لسماع ذلك... أتمنى لك أمسية جميلة. ــ شكرًا... ولك بالمثل. لوح لها بيده وغادر المطعم بهدوء. تابعته سارة بنظرها للحظة، ثم عادت إلى طلب وجبتها. بعد دقائق، خرجت تحمل كيس الطعام، وسلكت الطريق المؤدي إلى المنزل. ... بعد أن بدلت ملابسها وغسلت وجهها، جلست إلى الطاولة الصغيرة خارج غرفتها، وفتحت كيس الطعام. وبينما كانت تتناول أولى لقيماتها، رن هاتفها. ظهر على الشاشة اسم والدها. ابتسمت وردت فورًا. ــ مرحبا يا أبي. ــ مرحبا يا ابنتي... كيف حالك؟ دار بينهما حديث دافئ كعادتهما. سألها عن عملها، وعن صحتها، وهل اعتادت الحياة في المدينة. أخبرته أن يومها كان طويلًا، لكنه انتهى بخير. ثم أعطى الهاتف لوالدتها. تحدثت إلى أمها لدقائق، ثم إلى إخوتها الصغار الذين أخذ كل واحد منهم يحكي لها شيئًا مختلفًا عن يومه، حتى ضحكت من عفويتهم واشتاقت إليهم أكثر. بعد انتهاء المكالمة، بقيت للحظات تنظر إلى صورة عائلتها على شاشة الهاتف. ثم تنهدت وأكملت طعامها. ... حل الليل. كانت قد انتهت من ترتيب أغراضها، واستلقت على سريرها تتصفح هاتفها، عندما أضاءت الشاشة باسم تنتظره. **أشرف.** ابتسمت قبل أن تجيب. ــ مساء الخير. ــ مساء النور... كيف كان العمل اليوم؟ ضحكت بخفة. ــ كان ممتازا، احسن مما توقعت. ــ أعرفك جيدًا... أخبريني. بدأت تحكي له كل ما جرى منذ وصولها إلى شركة النعمان، مرورًا باكتشافها الخطأ في الملف، وحتى كلمات الثناء التي سمعتها من جاد ولؤي. استمع إليها باهتمام، ولم يقاطعها إلا أحيانًا ليسأل عن بعض التفاصيل. وعندما انتهت، قال بفخر واضح: ــ كنت أعلم أنك ستنجحين... أنت دائمًا تنتبهين إلى التفاصيل التي يتجاوزها الآخرون. ابتسمت وهي تشعر بسعادة غامرة. ثم سألته عن يومه. فأخذ يحدثها عن عمله، وعن بعض المواقف الطريفة التي حدثت في المكتب، حتى تحولت المكالمة إلى حديث عفوي، كما اعتادا منذ التقيا من جديد. وبعد لحظة صمت قصيرة، قال أشرف بنبرة مازحة: ــ لدي حل حتى لا أشتاق إليك كل هذا الاشتياق. ابتسمت. ــ وما هو؟ ــ انتقلي للعيش معي. شهقت ضاحكة. ــ أشرف! ضحك هو الآخر. ــ ماذا؟ مجرد اقتراح. ــ اقتراح مرفوض. ــ حتى قبل أن تسمعي مميزاته؟ ــ نعم... وقبل أن تبدأ في تعدادها أيضًا. ضحك طويلًا، ثم قال: ــ حسنًا... سأؤجل المفاوضات إلى موعد آخر. هزت رأسها مبتسمة. ــ أنت لا تيأس أبدًا. ــ وهل ييأس من وجد فرصة ثانية مع من يحب؟ ساد الصمت بينهما لثوانٍ. شعرت سارة بدفء كلماته، لكنها اكتفت بابتسامة هادئة. تبادلا الحديث لدقائق أخرى، قبل أن يتفقا على اللقاء في نهاية الأسبوع إن سمح لهما العمل بذلك. ــ تصبحين على خير يا سارة. ــ وأنت من أهل الخير يا أشرف. أنهت المكالمة، وأغلقت الهاتف برفق. وضعت رأسها على الوسادة، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة. ورغم التعب الذي رافقها طوال ذلك اليوم... إلا أنها أغمضت عينيها وهي تشعر أن حياتها بدأت، شيئًا فشيئًا، تسير في الاتجاه الذي طالما حلمت به.حاولت سارة تهدئتها وتغيير الموضوع، فقالت وهي تنهض من مكانها: — أنا جائعة... لنذهب لتناول الغداء. نظرت إليها ريم نظرة باردة. كانت تعرف جيدًا أن سارة تحاول إنهاء الحديث والهروب من الموضوع، لكنها لم ترغب في الاستمرار في الجدال. — حسنًا، هيا بنا. خرجتا من المكتب واتجهتا نحو المصعد، ثم نزلتا إلى الطابق الأرضي وتوجهتا إلى مطعم صغير يقع بجانب البناية. جلستا إلى إحدى الطاولات وطلبتا وجبتيهما. حاولت سارة أن تتحدث في مواضيع أخرى، لكن ريم بقيت شاردة، وكأن شيئًا ما لا يزال يشغل تفكيرها. وبعد أن بدأتا تناول الطعام، قالت ريم فجأة: — لكن اعتذاره... رفعت سارة عينيها إليها. — ماذا عنه؟ وضعت ريم شوكتها جانبًا وقالت بانزعاج: — لا أفهم كيف يستطيع أن يتصرف بهذه الطريقة. قال «آسف» وكأن الكلمة وحدها تمحو كل شيء! — لكنه اعتذر لكِ بالفعل. — نعم، لكنه لم يشرح شيئًا. لماذا قال ما قاله أصلًا؟ ولماذا غادر بهذه السرعة؟ لو كان صادقًا فعلًا، لبقي وانتظر ردي. تنهدت سارة. — ربما كان يريد فقط أن يعتذر، ولم يرغب في إجبارك على الحديث معه. — لا، لا... هناك شيء آخر. نظرت إليها سارة باستغرا
..... استيقظت سارة في الصباح وهي تشعر بخفة لم تعهدها منذ فترة. كانت ابتسامتها لا تزال عالقة على وجهها، وكأن آخر كلمات أشرف قبل النوم بقيت ترافقها حتى الصباح. اختارت فستانها الأزرق، ذلك الفستان الذي غالبًا ما ترتديه عندما تكون في مزاج جيد، وانتعلت حذاءها الجلدي، ثم جمعت شعرها على شكل ذيل حصان. وقفت أمام المرآة للحظات. كان وجهها مشرقًا على غير عادته، وعيناها تحملان شيئًا من الحيوية. ابتسمت لنفسها قبل أن تغادر. في طريقها إلى العمل، توقفت عند المخبزة التي تمر بها عادة، واشترت قطعة كعك صغيرة وعلبة عصير معلب. لم تكن تملك وقتًا لتناول فطور حقيقي، لكنها شعرت أن صباحها يستحق بداية مختلفة. وصلت إلى المكتب في وقت مبكر، حتى إنها توقعت أن تجد المكان شبه فارغ كعادته. لكن ما إن دخلت حتى فوجئت بوجود أحدهم. توقفت عند الباب للحظة. كان أيمن هناك. رفع رأسه عندما سمع صوت الباب، ونظر إليها. تجمدت سارة قليلًا. أيمن؟ لقد كان من النادر أن يصل قبلها، بل كان في العادة من آخر الموظفين الذين يدخلون المكتب. تقدمت بضع خطوات وهي لا تزال تنظر إليه باستغراب. — صباح الخير. أجابها أيمن بهدوء: — صباح ا
أما هي، فلم تشعر بشيء. كانت منشغلة بأشرف، وباللحظة البسيطة التي تجمعهما... بينما ظلت تلك النظرات معلقة بهما، باردة وغامضة، وكأن صاحبها لم يكن راضيًا تمامًا عما يراه. كانت ليلى هي التي تراقبهما من زاوية المطعم. كانت تجلس إلى طاولة مع صديقتيها، وقد وصلت إلى المكان قبل سارة وأشرف بوقت كافٍ. كانت تتحدث معهما وتحاول متابعة الحديث، لكن عينيها كانتا تعودان بين لحظة وأخرى إلى الطاولة المقابلة. اشتعل قلبها بنار الغيرة. فهي لم تستطع بعد ابتلاع مرارة تفوق سارة السريع في العمل، ولا قدرتها على إثبات نفسها وذكائها في فترة قصيرة، والآن جاء ما هو أسوأ بالنسبة إليها. سارة تجلس أمام الفتى الذي يعجبها. أشرف. الشخص الذي طالما حاولت التودد إليه كلما صادفته في المبنى الذي يسكنان فيه، لكنه لم يمنحها في كل مرة سوى تحية قصيرة وابتسامة عابرة. أما الآن، فكان يجلس أمام سارة بكل راحة، يتحدث معها ويضحك، وهي تبدو سعيدة إلى جواره. كانت عينا ليلى تكادان تخترقان الطاولة من شدة الغيظ. حاولت أن تشارك صديقتيها الحديث، لكن عقلها ظل طوال العشاء معهما. قالت إحدى صديقتيها: — ما رأيك يا ليلى، هل نذهب في نهاية ال
بينما بقي أشرف يسير خطوتين أمامها قبل أن ينتبه إلى أنها لم تعد بجانبه. التفت إليها، فوجدها واقفة في مكانها والهاتف على أذنها، وقد تبدلت ملامحها قليلًا. — هل كل شيء بخير؟ رفعت سارة يدها إشارةً له بأن ينتظر، ثم عادت للاستماع إلى والدها. شعرت سارة بالفضول. — خبر؟ ما هو يا أبي؟ قال والدها بعد لحظة صمت: — هل تتذكرين جدتك قبل وفاتها؟ كانت قد تركت قطعة أرض للأحفاد. عقدت سارة حاجبيها وهي تحاول استرجاع التفاصيل. — أجل، أتذكرها. — لقد وضعتها أنا وعمك للبيع منذ عدة أشهر. كان طارق، ابن عمك، يحتاج إلى بعض المال، ففكرنا في بيعها على أن يستفيد جميع الأحفاد من نصيبهم. هزت سارة رأسها، رغم أن والدها لا يستطيع رؤيتها. — جيد... وماذا حدث بعد ذلك؟ ابتسم والدها من الطرف الآخر قبل أن يقول: — لقد بيعت أخيرًا. اتسعت عينا سارة. — حقًا؟ — نعم. أخذ الأمر وقتًا طويلًا، لأن بيعها لم يكن سهلًا بسبب موقعها، لكننا وجدنا المشتري أخيرًا وانتهى الأمر. شعرت سارة بفرحة مفاجئة. تابع والدها: — لذلك نفذنا وصية جدتك وقسمنا المبلغ بالتساوي بين جميع الأحفاد. وسأرسل لكِ نصيبك من المبلغ.
كانت الرسالة مفتوحة أمامها، ولم تكن تحتاج إلى أكثر من بضع كلمات لتفهم أنها ليست رسالة عادية. "نأسف لإبلاغك بأن طلب التأشيرة الخاص بك لم تتم الموافقة عليه..." توقفت سارة عن التنفس للحظة. واصلت عيناها قراءة السطور بسرعة، فاكتشفت أن الأمر يتعلق بطلب سفر مرتبط بعرض عمل حصل عليه أيمن. عرض عمل؟ شعرت بالحرج فورًا. لم يكن من حقها قراءة هذه الرسالة، حتى لو ظهرت أمامها بالخطأ. أغلقت النافذة بسرعة، ثم أغلقت البريد بالكامل، وعادت إلى حساب العمل. جلست لثوانٍ وهي تحدق في الشاشة دون أن تفعل شيئًا. الآن فهمت. لم يكن أيمن غاضبًا من الطابعة. كان ينتظر ذلك البريد منذ الصباح. وتذكرت كيف كان يدخل إلى بريده الإلكتروني كل بضع دقائق، وكيف كان وجهه متجهمًا، وكيف لم يكلم أحدًا تقريبًا. ثم جاء خبر الرفض. وربما لم يجد طريقة لإخراج غضبه إلا عندما رأى الأوراق المطبوعة بشكل خاطئ. تنهدت سارة. ــ مسكين... قالتها بصوت منخفض، ثم التفتت سريعًا حولها، وكأنها تخشى أن يكون أحد قد سمعها. لم تكن تعرف ما الذي ينبغي أن تفعله. هل تسأل عنه؟ لا. فهي لم تكن تعرف تفاصيل حياته، وما رأته كان خاصًا، حتى لو لم تتع
بقي الجميع في حالة من الصمت والارتباك بعد مغادرة أيمن. كانت ريم لا تزال غاضبة، لكن حدة غضبها بدأت تخفت شيئًا فشيئًا. جلست أمام حاسوبها، تحدق في الشاشة دون أن تقرأ شيئًا. وكلما تذكرت ما حدث، شعرت بشيء من الندم. ربما بالغت قليلًا. لكنها في الوقت نفسه كانت مقتنعة بأنها لم تخطئ عندما دافعت عن نفسها وعن زملائها، خصوصًا أن أيمن لم يكن على طبيعته منذ دخوله المكتب ذلك الصباح. بعد دقائق، خرج جاد من مكتبه. توقف للحظة وسط القاعة، ونظر إلى الموظفين الذين كانوا يتظاهرون بالانشغال بأعمالهم، ثم قال بهدوء كعادته: ــ عودوا إلى عملكم. لم يشرح ما حدث داخل مكتبه، ولم يسأل أحدًا عن أيمن، وكأن الأمر لا يعنيه أو أنه لا يريد مناقشته أمام الجميع. عاد إلى مكتبه بهدوء، وأغلق الباب الزجاجي خلفه. تنفست ريم بعمق، ثم مالت قليلًا نحو سارة وقالت بصوت منخفض: ــ لا أعرف لماذا انفعلت هكذا... لكن طريقته استفزتني. نظرت إليها سارة وقالت: ــ أتفهمك، لكنني أظن أنه كان متوترًا أصلًا قبل أن تبدأ المشكلة. منذ دخوله وهو ليس على طبيعته. أومأت ريم برأسها. ــ لاحظت ذلك أيضًا... ربما كان لديه شيء يشغله. ثم تنهدت وأضا