LOGINاستفاقت سارة من شرودها على صوت جاد وهو يناديها.
ــ سارة. انتبهت بسرعة إليه. كان جاد يقف إلى جانب الرجل الذي شغلت ملامحه وعطره أفكارها أكثر من مرة، ثم قال بصوته الهادئ: ــ لؤي، هذه سارة. جاءت لإدخال المعطيات في النظام. أرجو أن توفروا لها مكتبًا تعمل فيه، سأسبق إلى الداخل. أومأ لؤي برأسه. ــ حسنًا، سألحق بك بعد قليل. غادر جاد نحو مكتب الإدارة دون أن يضيف كلمة أخرى. أما لؤي، فالتفت إلى سارة للمرة الأولى منذ وصولها، وقال بهدوء: ــ تفضلي... اتبعيني من فضلك. تفاجأت سارة من أسلوبه. رغم حضوره المهيب، كانت طريقته في الحديث هادئة ولطيفة، تختلف كثيرًا عن جاد الذي نادرًا ما يتجاوز كلماته الضرورية. سارت خلفه عبر ممر يقع إلى يسار مكتب الإدارة. وفي نهايته كان هناك مكتب منفصل تحيط به جدران زجاجية شفافة، تسمح برؤية معظم المكاتب المجاورة، بينما يبقى معزولًا عنها في الوقت نفسه. في الداخل مكتب عملي متوسط الحجم، تتوسطه طاولة أنيقة، وحاسوب محمول موصول بشاشة إضافية، إلى جانب طابعة صغيرة وبعض الأدوات المكتبية المرتبة بعناية. توقف لؤي عند الباب، ثم أشار إلى الداخل. ــ تفضلي، هذا سيكون مكانك اليوم. دخلت سارة وهي تتأمل المكان. أضاف لؤي: ــ النظام هنا لا يختلف كثيرًا عن النظام الذي تستخدمونه في شركة السيد جاد، ستجدين بعض الاختلافات في الواجهة فقط، وستعتادين عليه بسرعة. ثم تابع بنبرة هادئة: ــ إذا احتجتِ أي شيء، أخبري قسم المحاسبة، وإن كانت المشكلة تتعلق بالنظام نفسه فأبلغيني. ابتسمت سارة ابتسامة خفيفة. ــ حسنًا... شكرًا لك. اكتفى بإيماءة بسيطة، ثم استدار وغادر بهدوء كما جاء. وضعت سارة الملفات فوق المكتب، ولم تمض سوى لحظات حتى طرق الباب أحد الموظفين. كان يحمل بقية الملفات التي كانت مع جاد. ابتسم وهو يضعها على الطاولة. ــ هذه بقية المستندات. ــ شكرًا لك. ــ على الرحب والسعة. خرج الموظف، فأخذت سارة نفسًا عميقًا وجلست أمام الحاسوب. ضغطت زر التشغيل، ثم أدخلت بيانات الدخول التي زودها بها لؤي قبل مغادرته. من النظرة الأولى بدا البرنامج مختلفًا عن ذلك الموجود في شركتهم، لكن بعد دقائق قليلة بدأت تلاحظ أن الاختلاف يقتصر على تصميم الواجهة وترتيب القوائم، أما طريقة العمل فتكاد تكون متطابقة. ابتسمت في نفسها. *"أيمن كان محقًا... لن يكون الأمر صعبًا."* فتحت أول ملف، وبدأت بإدخال البيانات واحدة تلو الأخرى. كانت أصابعها تتحرك بثقة فوق لوحة المفاتيح، مستحضرة كل ما تعلمته خلال الأيام الماضية. ومع مرور الوقت، اندمجت تمامًا في عملها. ورغم تركيزها، لم تستطع منع نفسها من رفع رأسها بين الحين والآخر لمراقبة ما يجري خارج مكتبها الزجاجي. كان المكان مختلفًا عن أي شركة رأتها من قبل. لم يكن عدد الموظفين يتجاوز العشرين تقريبًا، لكن كل واحد منهم كان يعرف تمامًا ما يجب عليه فعله. موظف يراجع العقود مع زميله. وآخر يتحدث بالإنجليزية عبر الهاتف مع أحد العملاء. وفي الجهة المقابلة، كانت موظفة تشرح لمتدربة جديدة خطوات إدخال الفواتير. لم يكن هناك صخب... ولا أحاديث جانبية طويلة... ولا حتى ضحكات مرتفعة. كان الجميع يعمل بإيقاع واحد، وكأن المكان تحركه ساعة لا تخطئ. وبين الحين والآخر، كانت ترى لؤي يخرج من مكتبه. يتوقف عند موظف ليسأله عن تقرير. ويوقع مستندًا لآخر. ثم يجيب عن سؤال ثالث دون أن يبدو عليه أي انزعاج. استغربت كيف كان الجميع يلجأ إليه، ورغم ذلك لم تلمح على وجهه ملامح ضيق أو استعجال. كان يستمع لكل شخص حتى ينتهي من حديثه، ثم يجيبه باختصار ووضوح، قبل أن ينتقل إلى من يليه. "لهذا يحترمه الجميع..." همست سارة في داخلها، وهي تعود إلى شاشة الحاسوب. بعد نحو نصف ساعة... شعرت أن شيئًا ما تغير. لم يصدر أي صوت، لكن الحركة في الطابق تبدلت فجأة. أغلق بعض الموظفين ملفاتهم بسرعة. وعاد آخرون إلى مكاتبهم. حتى الأحاديث القصيرة اختفت في لحظة. رفعت سارة رأسها باستغراب. وفي نهاية الممر، ظهر رجل مسن يسير بخطوات ثابتة. كان في أواخر الستينيات من عمره، طويل القامة، مستقيم الظهر بصورة لافتة، يرتدي بدلة رمادية داكنة مفصلة بإتقان، وشعره الأبيض مصفف بعناية منحته وقارًا خاصًا. في يده عصا خشبية أنيقة، لكنه لم يكن يستند إليها، بل يحملها كما لو كانت جزءًا من هيبته. لم ينطق بكلمة واحدة... ومع ذلك، شعر كل من في الطابق بوجوده. أسرع أحد الموظفين لفتح باب مكتب الإدارة. مر الرجل من أمام الجميع دون أن يلتفت إلى أحد، ثم دخل المكتب بخطوات هادئة. أغلِق الباب خلفه. تنفست سارة ببطء. *"لا بد أنه والد جاد ولؤي..."* تذكرت حينها ما سمعته سابقًا عن تأخره عن الاجتماع نصف ساعة. وبعد دقائق قليلة، عاد الطابق إلى هدوئه المعتاد، وكأن شيئًا لم يحدث. انشغلت سارة مجددًا بعملها. ولم يمض وقت طويل حتى توقفت عند باب مكتبها فتاة في أواخر العشرينيات، تحمل كوبًا من القهوة. ابتسمت لها بود. ــ مرحبًا. رفعت سارة رأسها مبتسمة. ــ أهلًا. ــ أنا نادية... من قسم المحاسبة. ــ تشرفت بمعرفتك، أنا سارة. ــ أول مرة أراك هنا. ــ نعم، جئت مع السيد جاد. ابتسمت نادية. ــ إذًا أهلًا بك في شركة النعمان. ترددت لحظة، ثم قالت ضاحكة: ــ لا تقلقي إذا شعرتِ بالتوتر، كل من يأتي إلى هنا لأول مرة يشعر بذلك. ابتسمت سارة. ــ يبدو أن الأمر واضح على وجهي. ضحكت نادية بخفة. ــ قليلًا. ثم أشارت نحو المكاتب الخارجية. ــ إذا احتجتِ أي شيء فأخبريني. ــ شكرًا لك. غادرت نادية، وعادت سارة إلى عملها. مر الوقت سريعًا، حتى تجاوز الاجتماع ساعتين كاملتين. خرج بعض الموظفين لتناول الغداء في القاعة المخصصة للاستراحة داخل الطابق، بينما فضل آخرون البقاء أمام مكاتبهم لإتمام ما بأيديهم من أعمال. وفجأة... انفتح باب مكتب الإدارة. خرج الرجل المسن أولًا. ظل محافظًا على هيبته نفسها، واتجه مباشرة نحو المصعد دون أن يلتفت إلى أحد. وبمجرد أن أُغلقت أبواب المصعد خلفه، خرج لؤي. وكأن الجميع كان ينتظر تلك اللحظة. تجمع حوله عدد من الموظفين. هذا يحمل عقدًا يحتاج إلى توقيع. وذاك يسأله عن موعد تسليم مشروع. وثالث يطلب موافقته على طلب شراء. كان يصغي إلى الجميع بهدوء، يجيب، ويوقع، ويوجه التعليمات، دون أن يفقد ابتسامته الهادئة. وبعد أن انتهى منهم، اتجه مباشرة نحو مكتب سارة. توقف عند الباب مبتسمًا. ــ مرحبًا... كيف يسير العمل؟ رفعت رأسها عن الشاشة. ــ كل شيء على ما يرام. اقترب من المكتب، ووضع إحدى يديه على حافة الطاولة، بينما استخدم الأخرى لتحريك لوحة اللمس، وبدأ يراجع البيانات التي أدخلتها. مرر عدة صفحات بسرعة. ثم قال: ــ جيد... توقفت أصابعه فجأة عند أحد الملفات. رفع نظره إليها. ــ لماذا توقفتِ هنا؟ أجابت بهدوء: ــ لأنني لم أقتنع بالبيانات الموجودة فيه. عقد حاجبيه باهتمام. ــ ماذا تقصدين؟ أشارت إلى الشاشة. ــ بيانات الطلبية لا تتطابق مع بيانات الشحنة. ظل صامتًا، فأكملت: ــ الكمية المرسلة أكبر من الكمية الموجودة في الطلب الأصلي، وفي المقابل قيمة المبلغ المحول أقل من القيمة المفترضة لهذه الشحنة. سادت لحظة من الصمت. نظر لؤي إلى الشاشة مرة أخرى، ثم أخذ الملف الورقي من بين يديها وبدأ يقلب صفحاته بسرعة. كلما تقدم في القراءة، ازدادت ملامحه جدية. أغلق الملف بهدوء، ثم رفع رأسه إليها. ــ أحسنتِ لأنك لم تدخليه. أومأت سارة بصمت. أمسك الملف بين يديه، وقال بنبرة هادئة، لكنها حملت اهتمامًا واضحًا: ــ أكملي بقية الملفات... وسأتولى أنا مراجعة هذا.حاولت سارة تهدئتها وتغيير الموضوع، فقالت وهي تنهض من مكانها: — أنا جائعة... لنذهب لتناول الغداء. نظرت إليها ريم نظرة باردة. كانت تعرف جيدًا أن سارة تحاول إنهاء الحديث والهروب من الموضوع، لكنها لم ترغب في الاستمرار في الجدال. — حسنًا، هيا بنا. خرجتا من المكتب واتجهتا نحو المصعد، ثم نزلتا إلى الطابق الأرضي وتوجهتا إلى مطعم صغير يقع بجانب البناية. جلستا إلى إحدى الطاولات وطلبتا وجبتيهما. حاولت سارة أن تتحدث في مواضيع أخرى، لكن ريم بقيت شاردة، وكأن شيئًا ما لا يزال يشغل تفكيرها. وبعد أن بدأتا تناول الطعام، قالت ريم فجأة: — لكن اعتذاره... رفعت سارة عينيها إليها. — ماذا عنه؟ وضعت ريم شوكتها جانبًا وقالت بانزعاج: — لا أفهم كيف يستطيع أن يتصرف بهذه الطريقة. قال «آسف» وكأن الكلمة وحدها تمحو كل شيء! — لكنه اعتذر لكِ بالفعل. — نعم، لكنه لم يشرح شيئًا. لماذا قال ما قاله أصلًا؟ ولماذا غادر بهذه السرعة؟ لو كان صادقًا فعلًا، لبقي وانتظر ردي. تنهدت سارة. — ربما كان يريد فقط أن يعتذر، ولم يرغب في إجبارك على الحديث معه. — لا، لا... هناك شيء آخر. نظرت إليها سارة باستغرا
..... استيقظت سارة في الصباح وهي تشعر بخفة لم تعهدها منذ فترة. كانت ابتسامتها لا تزال عالقة على وجهها، وكأن آخر كلمات أشرف قبل النوم بقيت ترافقها حتى الصباح. اختارت فستانها الأزرق، ذلك الفستان الذي غالبًا ما ترتديه عندما تكون في مزاج جيد، وانتعلت حذاءها الجلدي، ثم جمعت شعرها على شكل ذيل حصان. وقفت أمام المرآة للحظات. كان وجهها مشرقًا على غير عادته، وعيناها تحملان شيئًا من الحيوية. ابتسمت لنفسها قبل أن تغادر. في طريقها إلى العمل، توقفت عند المخبزة التي تمر بها عادة، واشترت قطعة كعك صغيرة وعلبة عصير معلب. لم تكن تملك وقتًا لتناول فطور حقيقي، لكنها شعرت أن صباحها يستحق بداية مختلفة. وصلت إلى المكتب في وقت مبكر، حتى إنها توقعت أن تجد المكان شبه فارغ كعادته. لكن ما إن دخلت حتى فوجئت بوجود أحدهم. توقفت عند الباب للحظة. كان أيمن هناك. رفع رأسه عندما سمع صوت الباب، ونظر إليها. تجمدت سارة قليلًا. أيمن؟ لقد كان من النادر أن يصل قبلها، بل كان في العادة من آخر الموظفين الذين يدخلون المكتب. تقدمت بضع خطوات وهي لا تزال تنظر إليه باستغراب. — صباح الخير. أجابها أيمن بهدوء: — صباح ا
أما هي، فلم تشعر بشيء. كانت منشغلة بأشرف، وباللحظة البسيطة التي تجمعهما... بينما ظلت تلك النظرات معلقة بهما، باردة وغامضة، وكأن صاحبها لم يكن راضيًا تمامًا عما يراه. كانت ليلى هي التي تراقبهما من زاوية المطعم. كانت تجلس إلى طاولة مع صديقتيها، وقد وصلت إلى المكان قبل سارة وأشرف بوقت كافٍ. كانت تتحدث معهما وتحاول متابعة الحديث، لكن عينيها كانتا تعودان بين لحظة وأخرى إلى الطاولة المقابلة. اشتعل قلبها بنار الغيرة. فهي لم تستطع بعد ابتلاع مرارة تفوق سارة السريع في العمل، ولا قدرتها على إثبات نفسها وذكائها في فترة قصيرة، والآن جاء ما هو أسوأ بالنسبة إليها. سارة تجلس أمام الفتى الذي يعجبها. أشرف. الشخص الذي طالما حاولت التودد إليه كلما صادفته في المبنى الذي يسكنان فيه، لكنه لم يمنحها في كل مرة سوى تحية قصيرة وابتسامة عابرة. أما الآن، فكان يجلس أمام سارة بكل راحة، يتحدث معها ويضحك، وهي تبدو سعيدة إلى جواره. كانت عينا ليلى تكادان تخترقان الطاولة من شدة الغيظ. حاولت أن تشارك صديقتيها الحديث، لكن عقلها ظل طوال العشاء معهما. قالت إحدى صديقتيها: — ما رأيك يا ليلى، هل نذهب في نهاية ال
بينما بقي أشرف يسير خطوتين أمامها قبل أن ينتبه إلى أنها لم تعد بجانبه. التفت إليها، فوجدها واقفة في مكانها والهاتف على أذنها، وقد تبدلت ملامحها قليلًا. — هل كل شيء بخير؟ رفعت سارة يدها إشارةً له بأن ينتظر، ثم عادت للاستماع إلى والدها. شعرت سارة بالفضول. — خبر؟ ما هو يا أبي؟ قال والدها بعد لحظة صمت: — هل تتذكرين جدتك قبل وفاتها؟ كانت قد تركت قطعة أرض للأحفاد. عقدت سارة حاجبيها وهي تحاول استرجاع التفاصيل. — أجل، أتذكرها. — لقد وضعتها أنا وعمك للبيع منذ عدة أشهر. كان طارق، ابن عمك، يحتاج إلى بعض المال، ففكرنا في بيعها على أن يستفيد جميع الأحفاد من نصيبهم. هزت سارة رأسها، رغم أن والدها لا يستطيع رؤيتها. — جيد... وماذا حدث بعد ذلك؟ ابتسم والدها من الطرف الآخر قبل أن يقول: — لقد بيعت أخيرًا. اتسعت عينا سارة. — حقًا؟ — نعم. أخذ الأمر وقتًا طويلًا، لأن بيعها لم يكن سهلًا بسبب موقعها، لكننا وجدنا المشتري أخيرًا وانتهى الأمر. شعرت سارة بفرحة مفاجئة. تابع والدها: — لذلك نفذنا وصية جدتك وقسمنا المبلغ بالتساوي بين جميع الأحفاد. وسأرسل لكِ نصيبك من المبلغ.
كانت الرسالة مفتوحة أمامها، ولم تكن تحتاج إلى أكثر من بضع كلمات لتفهم أنها ليست رسالة عادية. "نأسف لإبلاغك بأن طلب التأشيرة الخاص بك لم تتم الموافقة عليه..." توقفت سارة عن التنفس للحظة. واصلت عيناها قراءة السطور بسرعة، فاكتشفت أن الأمر يتعلق بطلب سفر مرتبط بعرض عمل حصل عليه أيمن. عرض عمل؟ شعرت بالحرج فورًا. لم يكن من حقها قراءة هذه الرسالة، حتى لو ظهرت أمامها بالخطأ. أغلقت النافذة بسرعة، ثم أغلقت البريد بالكامل، وعادت إلى حساب العمل. جلست لثوانٍ وهي تحدق في الشاشة دون أن تفعل شيئًا. الآن فهمت. لم يكن أيمن غاضبًا من الطابعة. كان ينتظر ذلك البريد منذ الصباح. وتذكرت كيف كان يدخل إلى بريده الإلكتروني كل بضع دقائق، وكيف كان وجهه متجهمًا، وكيف لم يكلم أحدًا تقريبًا. ثم جاء خبر الرفض. وربما لم يجد طريقة لإخراج غضبه إلا عندما رأى الأوراق المطبوعة بشكل خاطئ. تنهدت سارة. ــ مسكين... قالتها بصوت منخفض، ثم التفتت سريعًا حولها، وكأنها تخشى أن يكون أحد قد سمعها. لم تكن تعرف ما الذي ينبغي أن تفعله. هل تسأل عنه؟ لا. فهي لم تكن تعرف تفاصيل حياته، وما رأته كان خاصًا، حتى لو لم تتع
بقي الجميع في حالة من الصمت والارتباك بعد مغادرة أيمن. كانت ريم لا تزال غاضبة، لكن حدة غضبها بدأت تخفت شيئًا فشيئًا. جلست أمام حاسوبها، تحدق في الشاشة دون أن تقرأ شيئًا. وكلما تذكرت ما حدث، شعرت بشيء من الندم. ربما بالغت قليلًا. لكنها في الوقت نفسه كانت مقتنعة بأنها لم تخطئ عندما دافعت عن نفسها وعن زملائها، خصوصًا أن أيمن لم يكن على طبيعته منذ دخوله المكتب ذلك الصباح. بعد دقائق، خرج جاد من مكتبه. توقف للحظة وسط القاعة، ونظر إلى الموظفين الذين كانوا يتظاهرون بالانشغال بأعمالهم، ثم قال بهدوء كعادته: ــ عودوا إلى عملكم. لم يشرح ما حدث داخل مكتبه، ولم يسأل أحدًا عن أيمن، وكأن الأمر لا يعنيه أو أنه لا يريد مناقشته أمام الجميع. عاد إلى مكتبه بهدوء، وأغلق الباب الزجاجي خلفه. تنفست ريم بعمق، ثم مالت قليلًا نحو سارة وقالت بصوت منخفض: ــ لا أعرف لماذا انفعلت هكذا... لكن طريقته استفزتني. نظرت إليها سارة وقالت: ــ أتفهمك، لكنني أظن أنه كان متوترًا أصلًا قبل أن تبدأ المشكلة. منذ دخوله وهو ليس على طبيعته. أومأت ريم برأسها. ــ لاحظت ذلك أيضًا... ربما كان لديه شيء يشغله. ثم تنهدت وأضا







