Masukكان أشرف يتحدث في الهاتف وهو يسير بخطوات هادئة نحو المبنى، ولم يلتفت ولو للحظة إلى الجهة التي تقف فيها سارة.
تجمدت في مكانها. شعرت وكأن الدم توقف عن الجريان في عروقها. حدقت فيه غير مصدقة ما تراه. كان هو... بنفس قامته، ونفس طريقة سيره، وحتى صوته الذي كانت تسمعه من بعيد وهي تتحدث عبر الهاتف، لم تخطئه أذنها. لكن... ما الذي يفعله هنا؟ هل هي مجرد صدفة؟ أم أنه جاء يبحث عنها؟ بدأت الأسئلة تتزاحم داخل رأسها، بينما استمر أشرف في حديثه الهاتفي، ثم دخل إلى المبنى واختفى خلف الباب الزجاجي، دون أن يلاحظ وجودها. بقيت سارة واقفة في مكانها لثوانٍ طويلة. كانت قد اشتاقت إليه كثيرًا، لكنها لم تتخيل أن يكون لقاؤهما بهذه الطريقة. تنهدت بعمق محاولة تهدئة نفسها. "اهدئي... ربما يعمل في إحدى الشركات الموجودة هنا... لا داعي للتسرع." رفعت يدها تتحسس وجنتها، فوجدتها ساخنة من شدة الارتباك. نظرت إلى ساعة هاتفها، فانتبهت إلى أنها تأخرت عن العودة من استراحة الغداء. أخذت نفسًا عميقًا ودخلت المبنى بخطوات سريعة، وكأنها تهرب من شيء لا تريد مواجهته. ما إن دخلت المكتب حتى لمحها أيمن. رفع رأسه عن شاشة الحاسوب وقال باستغراب: — تأخرتِ قليلًا. ثم دقق النظر في وجهها قبل أن يضيف: — هل أنت بخير؟ يبدو أنك تركضين... ووجهك محمر. حاولت سارة أن تبدو طبيعية، وابتسمت ابتسامة خفيفة. — لا شيء... فقط أسرعت حتى لا أتأخر. نظر إليها للحظات، وكأنه لم يقتنع تمامًا، لكنه لم يعلق. قال وهو يشير إلى الملفات المرتبة فوق مكتبها: — انتهيتِ من كل هذا في وقت قصير، لذلك لا أملك لك أعمال أرشفة أخرى. ثم فتح أحد الأدراج وأخرج حاسوبًا محمولًا. وضعه أمامها قائلًا: — حان الوقت لتبدئي التعرف على البرنامج الذي نستعمله في المكتب. شعرت سارة بسعادة حقيقية. هذا ما كانت تنتظره منذ صباح اليوم. جلس أيمن بجوارها، وسجل الدخول إلى البرنامج بحساب تدريبي. بدأ يشرح لها واجهته الرئيسية، وطريقة إنشاء ملفات العملاء، وكيفية إدخال القيود المحاسبية، وأماكن حفظ الوثائق الإلكترونية. كانت تتابعه بعناية شديدة. لم تقاطعه إلا مرات قليلة عندما احتاجت إلى توضيح بعض التفاصيل. ابتسم أيمن وقال: — جيد... يبدو أنك تركزين أكثر من أغلب المتدربين. أجابته بثقة هادئة: — أحب أن أفهم كل شيء من المرة الأولى. ناولها كتيبًا صغيرًا يحتوي على شرح مختصر لجميع وظائف البرنامج. — هذا دليل تدريبي. اقرئيه، وبعدها حاولي تنفيذ بعض العمليات بنفسك. أمسكت الكتيب بحماس، ثم بدأت تقرأ بسرعة. لم تمضِ سوى دقائق حتى فتحت البرنامج وبدأت تطبق ما قرأته. كانت تتوقف أحيانًا لتعيد قراءة سطر معين، ثم تواصل العمل. لاحظ أيمن أنها لا تسأله كثيرًا. كان يراقبها من بعيد بين الحين والآخر، وكلما نظر إليها وجدها منهمكة في التعلم. بعد حوالي نصف ساعة، اقترب منها وقال: — هل تواجهين أي صعوبة؟ هزت رأسها نافية. — لا... أعتقد أنني بدأت أفهم طريقة عمله. نظر إلى الشاشة أمامها. كانت قد أنجزت أول تمرين دون أخطاء تقريبًا. ابتسم قائلًا: — ممتاز... بقي خطأ صغير هنا. أشار إلى أحد الحقول. ابتسمت سارة بخجل. — صحيح... لم أنتبه إليه. صححته بسرعة، ثم أعادت حفظ الملف. هز أيمن رأسه بإعجاب. — بصراحة، توقعت أن تقضي اليوم كله في محاولة فهم البرنامج. ضحكت بخفة. — وأنا توقعت أنك ستتركني مع الملفات طوال الأسبوع. ابتسم هو الآخر. — لا، إذا بقيتِ تتعلمين بهذه السرعة فسأضطر لإيجاد أعمال أصعب لك. مر أحد الموظفين بجوارهما، وألقى نظرة على شاشة الحاسوب. ثم قال مازحًا: — أيمن... انتبه، المتدربة الجديدة ستأخذ مكانك قريبًا. ضحك بعض الموظفين. أما أيمن فقال وهو يبتسم: — دعوها تكمل أسبوعها الأول أولًا، ثم احكموا عليها. ابتسمت سارة بخجل، لكنها شعرت بسعادة لأنهم بدأوا يتعاملون معها كجزء من الفريق. خلال الساعات التالية، انشغل كل موظف بعمله. كانت ليلى تستقبل الاتصالات، وترد على رسائل البريد الإلكتروني، ثم تدخل أحيانًا إلى مكتب المدير لإحضار بعض الملفات. أما الفتاة المنعزلة، فبقيت على حالها. لم تتحدث مع أحد. كانت تعمل بصمت، وعيناها لا تفارقان شاشة الحاسوب. حتى عندما ضحك الموظفون على إحدى النكات، لم ترفع رأسها. لاحظت سارة ذلك مرة أخرى. وتساءلت في نفسها: "هل هي هادئة بطبعها... أم أن هناك سببًا يجعلها تتجنب الجميع؟" لكنها سرعان ما عادت لتركيزها. لم ترد أن يشغلها فضولها عن التعلم. مرت الساعات بسرعة أكبر مما توقعت. ولأول مرة منذ وصولها إلى المكتب، شعرت بأنها بدأت تنتمي إلى هذا المكان. نسيت تمامًا ارتباكها عندما رأت أشرف أمام المبنى. واندمجت في التدريب إلى درجة أنها لم تنتبه إلى مرور الوقت. حتى سمعت صوت أيمن يقول: — سارة... رفعت رأسها بسرعة. — نعم؟ ابتسم وهو يشير إلى الساعة المعلقة على الحائط. — انتهى الدوام منذ خمس دقائق. نظرت إلى الساعة بدهشة. لم تشعر بمرور الوقت إطلاقًا. أغلقت الحاسوب وهي تبتسم لنفسها. ربما... للمرة الأولى منذ تخرجها، شعرت أنها في المكان الذي كانت تحلم بالوصول إليه. أغلقت سارة الحاسوب بعناية، ثم أعادته إلى أيمن. تفقد هذا الأخير ما أنجزته بسرعة، ثم ابتسم ابتسامة رضا. — بداية ممتازة. شعرت سارة بسعادة غامرة. كان هذا أول ثناء تتلقاه منذ التحاقها بالمكتب. قال أيمن وهو يجمع بعض الملفات فوق مكتبه: — غدًا سنبدأ العمل على ملفات حقيقية، لكن لا تقلقي، سأكون معك خطوة بخطوة. أومأت برأسها وهي تخفي حماسها. كانت تتمنى منذ الصباح أن تبدأ العمل الفعلي، لا أن تكتفي بالقراءة والتدريب. وبينما كانت تضع أغراضها داخل حقيبتها، سمعت أحد الموظفين يسأل: — هل عاد الأستاذ جاد؟ أجابه آخر: — لا، اتصل قبل قليل. يبدو أنه سيبيت خارج المدينة، عنده اجتماع مع أحد العملاء صباح الغد. شعرت سارة بشيء من الاستغراب. كان هذا ثاني يوم لها في العمل، ومع ذلك لم تر المدير إلا دقائق معدودة في اليوم الأول. تساءلت في نفسها إن كان جميع المديرين يقضون معظم وقتهم خارج مكاتبهم. أنهى الموظفون أعمالهم واحدًا تلو الآخر، وبدأت القاعة تفرغ تدريجيًا. ودعت ليلى زملاءها وغادرت. ثم خرج بقية الموظفين تباعًا. لم يبق في القاعة سوى سارة وأيمن. كان منشغلًا بإرسال آخر رسالة إلكترونية قبل إغلاق حاسوبه. بعد لحظات وقف وهو يتمطى قليلًا. — يبدو أننا آخر من بقي اليوم. ابتسمت سارة وقالت: — لم أشعر أصلًا بمرور الوقت. ضحك أيمن. — هذا شيء جيد... معناه أنك بدأت تحبين العمل. حملت حقيبتها ووقفت. — إلى اللقاء، أراك غدًا. — إلى اللقاء يا سارة... ولا تنسي مراجعة الكتيب في البيت، سيساعدك كثيرًا. — سأفعل. خرجا معًا من المكتب، ثم أغلق أيمن الباب بالمفتاح. اتجه هو نحو الدرج، بينما توجهت سارة إلى المصعد. وقفت تنتظر، وما إن وصل حتى ضغطت زر الطابق الأرضي. أغلق الباب، وبدأ المصعد بالنزول. لكن قبل أن يتحرك، توقف فجأة. أضاء رقم الطابق التامن مرة أخرى. كان أحدهم قد استدعاه. تنهدت سارة وهي تنتظر فتح الباب. في تلك اللحظة، كانت منشغلة بكتابة رسالة قصيرة لوالدها. "انتهى الدوام... سأصل إلى البيت بعد قليل." صدر صوت خفيف معلنًا وصول المصعد. وانفتح الباب ببطء. دون أن ترفع رأسها، سمعت وقع خطوات تقترب. ثم دخل شخص إلى المصعد. ضغط زر الإغلاق. وبقي واقفًا بجانب الباب. كانت سارة لا تزال تنظر إلى شاشة هاتفها. وفجأة... سمعت صوتًا تعرفه أكثر من أي صوت آخر. — سارة...؟ توقفت أصابعها عن الحركة. ارتجف قلبها. رفعت رأسها ببطء. التقت عيناهما. ساد صمت ثقيل، وكأن الزمن توقف للحظة. ظل أشرف يحدق فيها غير مصدق. أما هي، فلم تستطع أن تنطق بكلمة. كانت ملامحه كما تتذكرها تمامًا. الشعر الأسود المرتب بعناية. الابتسامة التي كانت تحفظها عن ظهر قلب. والنظرة الدافئة التي اشتاقت إليها رغم كل ما حدث بينهما. اتسعت ابتسامة أشرف شيئًا فشيئًا. — معقول... أنتِ فعلًا؟ لم تستطع سارة سوى أن تومئ برأسها. ابتسم وهو يهز رأسه بعدم تصديق. — كنت أظن أنني أتخيل. ثم اقترب منها خطوة. — أين اختفيتِ كل هذه المدة؟ شعرت أن الكلمات خانتها. كل الجمل التي كانت تظن أنها ستقولها له يومًا ما، تبخرت في لحظة. لم تستطع إلا أن تهمس: — أشرف... ابتسم ابتسامة امتزجت فيها الراحة والاشتياق. ثم، دون تفكير، فتح ذراعيه وضمها إليه. تجمد جسدها للحظة. كانت تعلم أن عليها الابتعاد. لكن قلبها سبق عقلها. أغمضت عينيها للحظات، وشعرت بدفء ذلك العناق الذي افتقدته منذ أشهر. همس بالقرب من أذنها: — اشتقت إليك كثيرًا... ابتعد عنها قليلًا وهو ينظر إلى وجهها. — لم أتوقع أبدًا أن أراك هنا. ابتلعت سارة ريقها بصعوبة. ثم سألت بصوت مرتبك: — ماذا... ماذا تفعل في هذا المبنى؟ ابتسم أشرف ابتسامة غامضة. وقبل أن يجيب... توقف المصعد معلنًا وصوله إلى الطابق الأرضي. انفتح الباب ببطء. رفع أشرف عينيه نحوها وقال بهدوء: — يبدو أننا سنحتاج إلى حديث طويل... ثم خرج من المصعد. وبقيت سارة واقفة مكانها لثوانٍ، تنظر إلى الباب المفتوح أمامها، وقلبها يخفق بعنف. كانت تعلم... أن حياتها، التي بدأت تستقر أخيرًا، على وشك أن تنقلب من جديد.رنّ منبه سارة في السابعة صباحًا. فتحت عينيها بسرعة، وعلى غير عادتها نهضت من السرير فورًا. ارتدت ملابسها التي أعدتها مساء الأمس، رتبت شعرها بعناية، ثم ألقت نظرة أخيرة على الغرفة قبل أن تلتقط حقيبتها وتغادر المنزل. كان الهواء الصباحي منعشًا، والشوارع لا تزال هادئة نسبيًا. اشترت فطورًا خفيفًا من المخبزة القريبة، ثم واصلت طريقها نحو الشركة بخطوات ثابتة. وصلت قبل معظم الموظفين بدقائق. لكن ما إن دخلت الطابق المخصص للشركة حتى تفاجأت بشخص يجلس داخل المكتب. **جاد.** كان أول الواصلين. جلس خلف مكتبه، منكبًا على مجموعة من الملفات، بينما يتحرك مؤشر الفأرة بين النوافذ المفتوحة على شاشة حاسوبه. لم يرفع رأسه عندما دخلت، وكأنه كان غارقًا تمامًا في عمله. ألقت سارة تحية خافتة. ــ صباح الخير. رفع عينيه إليها للحظة قصيرة، وأومأ برأسه إيماءة مقتضبة قبل أن يعود مباشرة إلى شاشة الحاسوب. ــ صباح الخير. لم يضف كلمة أخرى. تقدمت سارة نحو مكتبها في صمت، وجلست وهي تشعر بأن المكان يختلف تمامًا عن الأيام السابقة. كان حضور جاد وحده كافيًا ليمنح المكتب هيبة غير مألوفة. بعد دقائق، وصلت ريم
ساد صمت قصير، ثم سألت السيدة: ــ وهل أنتِ بخير؟ ــ نعم، الحمد لله، لا تقلقي. تنهدت صاحبة المنزل براحة. ــ هذا أهم شيء. أما المفتاح فلا بأس، لدي نسخة احتياطية في المنزل. تنفست سارة الصعداء، وكأن جبلًا أزيح عن كتفيها. ــ حقًا؟ الحمد لله... أقلقتني كثيرًا هذه المسألة. ابتسمت السيدة من الطرف الآخر وقالت: ــ عندما تعودين مرّي عليّ، وسأعطيك النسخة، ثم نطلب لاحقًا نسخة جديدة بدل المفقودة. ــ شكرًا جزيلًا، خالتي... آسفة لأنني سببت لك هذا الإزعاج. ــ لا داعي للاعتذار يا ابنتي، يحدث هذا مع الجميع. المهم أن تنتبهي في المرة القادمة. أغلقت سارة المكالمة وهي تزفر براحة، ثم التفتت إلى أشرف وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة. ــ لقد نجونا... لديها نسخة أخرى. ابتسم أشرف بدوره، ثم رفع فنجان قهوته وقال مازحًا: ــ إذن نستطيع شرب قهوتنا بهدوء... دون أن نقلق من أن نضطر لكسر باب غرفتك. __ عندما تجاوزت الساعة الثانية بعد الظهر بقليل، توقفت السيارة عند مدخل الحي الذي تسكن فيه سارة. أطفأ أشرف المحرك، ثم التفت إليها بابتسامة هادئة. ــ يبدو أن عطلة نهاية الأسبوع انتهت أسرع مما تمن
تسللت أشعة الشمس الذهبية عبر ستائر الغرفة، لترسم خطوطًا دافئة على الجدار الأبيض. فتحت سارة عينيها ببطء، وهي تشعر براحة لم تختبرها منذ زمن. بقيت تحدق في السقف لثوانٍ، وقد غلبها ذلك الشعور الجميل الذي يرافق الاستيقاظ بعد ليلة هادئة. اعتدلت قليلًا فوق السرير، ثم أغمضت عينيها مجددًا وهي تتمطى بكسل. لم تستوعب في البداية أين هي، لكن ما إن وقع بصرها على تفاصيل الغرفة حتى عادت إليها ذكريات الليلة الماضية دفعة واحدة. شقة أشرف... ابتسمت ابتسامة عريضة دون أن تشعر. تذكرت رحلتهما، وضحكاتهما في الطريق، والهدية التي اشتراها لها، ثم الساعات الطويلة التي قضياها معًا في الشرفة، يتحدثان عن الماضي، وعن أحلامهما، وعن كل الأشياء التي فرّقتهما الأيام عنها. كان الوقت يمضي سريعًا حتى إنهما لم ينتبها إلى اقتراب الفجر إلا عندما غلبهما النعاس. وضعت يدها على شفتيها وهي تضحك بخفة. "لهذا السبب نمت كل هذا الوقت..." نظرت إلى الساعة الموضوعة على الطاولة الصغيرة بجانب السرير، فاتسعت عيناها قليلًا. ــ يا إلهي... لقد تأخر الوقت كثيرًا! قفزت من السرير بسرعة، ثم تنهدت عندما تذكرت أنه يوم عطلتها، وأنها ليست
خرجت سارة من الحمام، ثم غادرت غرفتها متجهة نحو الصالون، فظهر لها أشرف وهو منشغل في المطبخ. كان يحضر بعض الشطائر، إلى جانب إبريق من شاي الأعشاب. تقدمت سارة نحوه بنية مساعدته، لكنه توقف للحظة، ورفع عينيه إليها. ظل ينظر إليها دون أن يشعر. كانت وجنتاها لا تزالان حمراوين بفعل دفء الحمام، وشعرها المبلل ينسدل حول وجهها، بينما بدت البيجامة الزرقاء الداكنة واسعة قليلًا عليها. ومع ذلك، زادها لونها الغامق جمالًا، إذ أبرز بياض بشرتها ونعومة ملامحها. شعر أشرف برغبة مفاجئة في الاقتراب منها وتقبيل خديها، لكنه اكتفى بالنظر إليها للحظات. لاحظت سارة صمته، فكسرت ذلك السكون قائلة: ــ هل أساعدك؟ ابتسم أشرف وعاد إلى ما يفعله. ــ بالتأكيد. ابدئي بتقديم الشاي، فقد جهزته مسبقًا. أخرجي بعض الكؤوس وضعيها على الطاولة. ــ حسنًا. استدارت سارة لتنفذ ما طلبه، فتابعها أشرف بنظرة قصيرة قبل أن يقول مازحًا: ــ يبدو أن بيجامتي وجدت أخيرًا من يستحق ارتداءها. التفتت إليه سارة، ونظرت إلى البيجامة التي بدت واسعة قليلًا عليها. ــ أعرف أنك تسخر مني. رفع أشرف حاجبه متظاهرًا بالاستغراب. ــ أسخر منك؟
ظلت سارة تحدق في هاتفها، بينما كان اقتراح أشرف يتردد في رأسها بإلحاح. أن تبيت في شقته؟ لم تكن الفكرة مريحة تمامًا، ليس لأنها لا تثق به، بل لأن وجودها معه في مكان واحد، وفي هذا الوقت المتأخر، جعل قلبها أكثر اضطرابًا مما ينبغي. لكنها، مهما حاولت التفكير في الأمر، لم تجد أمامها خيارًا آخر. ففي هذه المدينة الكبيرة، لم يكن هناك سوى شخصين يمكنها اللجوء إليهما إن احتاجت إلى مساعدة؛ قريبتها رقية وأشرف. أما رقية، فلم يكن من اللائق أن تتصل بها في هذا الوقت المتأخر. كانت سارة متأكدة أنها، لو عرفت بما حدث، ستأتي فورًا لمرافقتها، رغم أن سكنها بعيد عن المكان. ولم تكن تريد إزعاجها، خصوصًا أنها ما زالت تشعر بالامتنان لكل ما فعلته من أجلها منذ وصولها إلى المدينة؛ فقد كانت رقية السبب في حصولها على هذه الوظيفة، وهي من ساعدتها في العثور على الغرفة التي تسكنها الآن. تنهدت سارة. لم يبقَ أمامها سوى أشرف. ــ ألو؟ جاء صوته عبر الهاتف، وكأنه انتشلها من أفكارها. ــ نعم؟ ــ هل أعود إليك؟ ترددت لحظة، ثم قالت بصوت خافت: ــ حسنًا... نعم. ــ سأجدك عند مدخل الحي. لم يمض وقت طويل حتى ظهرت
غادرا السوق الصغير ببطء، بينما كانت سارة تنظر إلى السوار بين الحين والآخر. لم تستطع إخفاء ابتسامتها. لاحظ أشرف ذلك، فضحك قائلًا: ــ يبدو أن الهدية أعجبتك أكثر مما تريدين الاعتراف. رفعت رأسها بسرعة. ــ لم أقل إنها لم تعجبني. ــ إذن؟ ــ لكنك لا تزال مسرفًا كما كنت. ضحك وهو يفتح باب السيارة لها. ــ وهل هناك إسراف في شراء شيء سيبقى معك؟ نظرت إلى السوار مرة أخرى. ــ سأحتفظ به. ــ هذا يكفيني. ... انطلقت السيارة من جديد، لكنهما لم يعودا مباشرة إلى المدينة. سلك أشرف طريقًا ضيقًا يمر بين الأشجار، حتى وصلا إلى نقطة مرتفعة تطل على سلسلة من الجبال المتداخلة. أوقف السيارة. ــ انزلي... أريد أن أريك مكانًا. ترجلت سارة، ثم سارت خلفه حتى وصلا إلى سور خشبي يطل على الوادي. كان المنظر يخطف الأنفاس. بدأت الشمس تميل نحو الغرب، وأخذت أشعتها الذهبية تنعكس فوق السفوح الخضراء، بينما كانت نسمات الهواء الباردة تحرك خصلات شعرها الطويل بهدوء. توقفت سارة إلى جانب أشرف دون أن تتكلم. التفت إليها، وفي اللحظة التي وقعت عيناه عليها، شعر بشيء يتغير في نظرته. كان يعرف أنها جميلة