ログインساد صمت قصير، ثم سألت السيدة:
ــ وهل أنتِ بخير؟ ــ نعم، الحمد لله، لا تقلقي. تنهدت صاحبة المنزل براحة. ــ هذا أهم شيء. أما المفتاح فلا بأس، لدي نسخة احتياطية في المنزل. تنفست سارة الصعداء، وكأن جبلًا أزيح عن كتفيها. ــ حقًا؟ الحمد لله... أقلقتني كثيرًا هذه المسألة. ابتسمت السيدة من الطرف الآخر وقالت: ــ عندما تعودين مرّي عليّ، وسأعطيك النسخة، ثم نطلب لاحقًا نسخة جديدة بدل المفقودة. ــ شكرًا جزيلًا، خالتي... آسفة لأنني سببت لك هذا الإزعاج. ــ لا داعي للاعتذار يا ابنتي، يحدث هذا مع الجميع. المهم أن تنتبهي في المرة القادمة. أغلقت سارة المكالمة وهي تزفر براحة، ثم التفتت إلى أشرف وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة. ــ لقد نجونا... لديها نسخة أخرى. ابتسم أشرف بدوره، ثم رفع فنجان قهوته وقال مازحًا: ــ إذن نستطيع شرب قهوتنا بهدوء... دون أن نقلق من أن نضطر لكسر باب غرفتك. __ عندما تجاوزت الساعة الثانية بعد الظهر بقليل، توقفت السيارة عند مدخل الحي الذي تسكن فيه سارة. أطفأ أشرف المحرك، ثم التفت إليها بابتسامة هادئة. ــ يبدو أن عطلة نهاية الأسبوع انتهت أسرع مما تمنيت. ابتسمت سارة وهي تشد حقيبتها إلى صدرها. ــ وأنا أيضًا... لم أشعر بالوقت. ساد بينهما صمت قصير، تبادلا خلاله نظرات دافئة اختزلت ساعات طويلة من الحديث والضحك والذكريات. قال أشرف وهو يضع يده على المقود: ــ أخبريني فورًا إذا واجهت أي مشكلة. هزت رأسها مطمئنة. ــ لا تقلق، سأفعل. فتحت الباب، ثم توقفت قبل أن تنزل. ــ شكرًا... على كل شيء. ابتسم أشرف ابتسامته الهادئة التي أصبحت تحفظها عن ظهر قلب. ــ لا داعي للشكر يا سارة... المهم أنك بخير. أغلقت الباب برفق، ولوحت له بيدها. انتظر حتى دخلت زقاق الحي، ثم انطلقت السيارة بهدوء واختفت في نهاية الشارع. تنهدت سارة وهي تتابعها بعينيها، قبل أن تستدير نحو المنزل. طرقت الباب الخشبي مرتين. لم يطل انتظارها، إذ فُتح الباب سريعًا، لتطل منه فتاة في أواخر سنوات المراهقة، ذات ملامح مرحة وابتسامة مألوفة. ــ سارة! ابتسمت سارة تلقائيًا. ــ أهلًا يا سلمى. فتحت سلمى الباب أكثر وهي تقول: ــ عدت أخيرًا. أمي أخبرتني أنك اتصلت بها صباحًا. دخلت سارة إلى بهو المنزل وهي تخلع حذاءها. ــ نعم... للأسف أضعت مفتاح الغرفة أمس. ضحكت سلمى بخفة. ــ ظننت أن شيئًا خطيرًا حدث. ابتسمت سارة بحرج. ــ بالنسبة لي كان الأمر خطيرًا فعلًا. ضحكتا معًا، ثم قالت سلمى: ــ انتظري هنا، سأحضر المفتاح. اختفت داخل المنزل، بينما وقفت سارة تتأمل البهو الهادئ الذي اعتادت رؤيته كل يوم. لم تمض سوى لحظات حتى عادت سلمى تتبعها والدتها، التي كانت تحمل مفتاحًا صغيرًا مربوطًا بحلقة معدنية. ناولته لسارة قائلة: ــ هذه النسخة الاحتياطية. احتفظي بها جيدًا هذه المرة. أخذته سارة بكلتا يديها. ــ شكرًا جزيلًا، خالتي... أعتذر لأنني سببت لكم هذا الإزعاج. ابتسمت المرأة بلطف. ــ لا تشغلي بالك، يحدث هذا مع الجميع. ثم أضافت: ــ فقط اصنعي نسخة جديدة في أقرب فرصة. هزت سارة رأسها بسرعة. ــ بالتأكيد، سأفعل ذلك خلال الأيام القادمة. ابتسمت سلمى وهي تقول مازحة: ــ ولا تنسي أن تربطيه بحقيبتك هذه المرة. ضحكت سارة. ــ أعدك. بعد أن ودعتهما، صعدت الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي. وما إن فتحت باب غرفتها حتى استقبلها ذلك الهدوء الذي اعتادت عليه منذ انتقالها إلى المدينة. ألقت حقيبتها فوق الكرسي، ثم تمددت على السرير وهي تزفر براحة. أغمضت عينيها لدقائق قليلة، فعادت إليها صور اليومين الماضيين؛ الطريق بين الجبال، ضحكات أشرف، السوق الشعبي، الشرفة، والحديث الذي امتد حتى ساعة متأخرة من الليل. ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة. لكنها سرعان ما اعتدلت وهي تنظر إلى الساعة. ــ غدًا يبدأ أسبوع جديد... نهضت من مكانها، وفتحت خزانتها الصغيرة، ثم أخرجت الملابس التي ارتدتها خلال الأسبوع الماضي، وجمعتها في سلة الغسيل. بعد ذلك نزلت إلى الطابق السفلي واستأذنت صاحبة المنزل في استعارة المكواة. ابتسمت المرأة وهي تسلمها إياها. ــ خذيها يا ابنتي، وأعيديها عندما تنتهين. ــ شكرًا لك. عادت إلى غرفتها، وغسلت ملابسها بعناية، ثم علقتها حتى تجف، وبعد أن جف بعضها استخدمت المكواة لتجهيز ما ستحتاج إليه في صباح الغد. وضعت القميص الأبيض بعناية فوق ظهر الكرسي، ورتبت البنطال الأسود والحذاء الجلدي بجانبه، ثم أعادت المكواة إلى صاحبة المنزل. عندما عادت إلى غرفتها، كان الليل قد بدأ يرخي ستاره على المدينة. جلست قرب النافذة تتأمل الأضواء المتناثرة بين المباني، قبل أن يهتز هاتفها معلنًا عن اتصال. ابتسمت قبل أن تنظر إلى الشاشة. **أشرف.** أجابت سريعًا. ــ ألو؟ جاءها صوته الهادئ: ــ مساء الخير... أردت فقط أن أطمئن عليك. ابتسمت وهي تنظر إلى المفتاح الموضوع فوق الطاولة. ــ وصلت بخير، وحصلت على نسخة أخرى من المفتاح. تنهد أشرف براحة. ــ ممتاز... بقيت أفكر في الأمر طوال الطريق. ضحكت بخفة. ــ انتهت الأزمة. ساد صمت قصير، قبل أن يقول بصوت خافت: ــ اشتقت إليك. شعرت بحرارة تسري في وجنتيها، رغم أن ساعات قليلة فقط مرت على وداعهما. ابتسمت وهي تخفض رأسها. ــ لقد افترقنا قبل وقت قصير فقط. ضحك أشرف. أعرف... لكن بعد اليومين اللذين قضيناهما معًا، يبدو أنني اعتدت وجودك أكثر مما كنت أتوقع. سكتت لحظة، ثم قالت بخجل: ــ وأنا... سعدت كثيرًا بلقائنا. ابتسم أشرف من الطرف الآخر. ــ سنكرر ذلك قريبًا... أعدك. ــ سأنتظر. تبادلا كلمات الوداع، وأغلقت سارة الهاتف وهي تشعر بخفة لم تعرفها منذ زمن. وضعت الهاتف بجانب الوسادة، وأطفأت المصباح. غدًا... سيبدأ أسبوع جديد، ولم تكن تعلم أن أول أيامه سيحمل معها مفاجأة لم تتوقعها.حاولت سارة تهدئتها وتغيير الموضوع، فقالت وهي تنهض من مكانها: — أنا جائعة... لنذهب لتناول الغداء. نظرت إليها ريم نظرة باردة. كانت تعرف جيدًا أن سارة تحاول إنهاء الحديث والهروب من الموضوع، لكنها لم ترغب في الاستمرار في الجدال. — حسنًا، هيا بنا. خرجتا من المكتب واتجهتا نحو المصعد، ثم نزلتا إلى الطابق الأرضي وتوجهتا إلى مطعم صغير يقع بجانب البناية. جلستا إلى إحدى الطاولات وطلبتا وجبتيهما. حاولت سارة أن تتحدث في مواضيع أخرى، لكن ريم بقيت شاردة، وكأن شيئًا ما لا يزال يشغل تفكيرها. وبعد أن بدأتا تناول الطعام، قالت ريم فجأة: — لكن اعتذاره... رفعت سارة عينيها إليها. — ماذا عنه؟ وضعت ريم شوكتها جانبًا وقالت بانزعاج: — لا أفهم كيف يستطيع أن يتصرف بهذه الطريقة. قال «آسف» وكأن الكلمة وحدها تمحو كل شيء! — لكنه اعتذر لكِ بالفعل. — نعم، لكنه لم يشرح شيئًا. لماذا قال ما قاله أصلًا؟ ولماذا غادر بهذه السرعة؟ لو كان صادقًا فعلًا، لبقي وانتظر ردي. تنهدت سارة. — ربما كان يريد فقط أن يعتذر، ولم يرغب في إجبارك على الحديث معه. — لا، لا... هناك شيء آخر. نظرت إليها سارة باستغرا
..... استيقظت سارة في الصباح وهي تشعر بخفة لم تعهدها منذ فترة. كانت ابتسامتها لا تزال عالقة على وجهها، وكأن آخر كلمات أشرف قبل النوم بقيت ترافقها حتى الصباح. اختارت فستانها الأزرق، ذلك الفستان الذي غالبًا ما ترتديه عندما تكون في مزاج جيد، وانتعلت حذاءها الجلدي، ثم جمعت شعرها على شكل ذيل حصان. وقفت أمام المرآة للحظات. كان وجهها مشرقًا على غير عادته، وعيناها تحملان شيئًا من الحيوية. ابتسمت لنفسها قبل أن تغادر. في طريقها إلى العمل، توقفت عند المخبزة التي تمر بها عادة، واشترت قطعة كعك صغيرة وعلبة عصير معلب. لم تكن تملك وقتًا لتناول فطور حقيقي، لكنها شعرت أن صباحها يستحق بداية مختلفة. وصلت إلى المكتب في وقت مبكر، حتى إنها توقعت أن تجد المكان شبه فارغ كعادته. لكن ما إن دخلت حتى فوجئت بوجود أحدهم. توقفت عند الباب للحظة. كان أيمن هناك. رفع رأسه عندما سمع صوت الباب، ونظر إليها. تجمدت سارة قليلًا. أيمن؟ لقد كان من النادر أن يصل قبلها، بل كان في العادة من آخر الموظفين الذين يدخلون المكتب. تقدمت بضع خطوات وهي لا تزال تنظر إليه باستغراب. — صباح الخير. أجابها أيمن بهدوء: — صباح ا
أما هي، فلم تشعر بشيء. كانت منشغلة بأشرف، وباللحظة البسيطة التي تجمعهما... بينما ظلت تلك النظرات معلقة بهما، باردة وغامضة، وكأن صاحبها لم يكن راضيًا تمامًا عما يراه. كانت ليلى هي التي تراقبهما من زاوية المطعم. كانت تجلس إلى طاولة مع صديقتيها، وقد وصلت إلى المكان قبل سارة وأشرف بوقت كافٍ. كانت تتحدث معهما وتحاول متابعة الحديث، لكن عينيها كانتا تعودان بين لحظة وأخرى إلى الطاولة المقابلة. اشتعل قلبها بنار الغيرة. فهي لم تستطع بعد ابتلاع مرارة تفوق سارة السريع في العمل، ولا قدرتها على إثبات نفسها وذكائها في فترة قصيرة، والآن جاء ما هو أسوأ بالنسبة إليها. سارة تجلس أمام الفتى الذي يعجبها. أشرف. الشخص الذي طالما حاولت التودد إليه كلما صادفته في المبنى الذي يسكنان فيه، لكنه لم يمنحها في كل مرة سوى تحية قصيرة وابتسامة عابرة. أما الآن، فكان يجلس أمام سارة بكل راحة، يتحدث معها ويضحك، وهي تبدو سعيدة إلى جواره. كانت عينا ليلى تكادان تخترقان الطاولة من شدة الغيظ. حاولت أن تشارك صديقتيها الحديث، لكن عقلها ظل طوال العشاء معهما. قالت إحدى صديقتيها: — ما رأيك يا ليلى، هل نذهب في نهاية ال
بينما بقي أشرف يسير خطوتين أمامها قبل أن ينتبه إلى أنها لم تعد بجانبه. التفت إليها، فوجدها واقفة في مكانها والهاتف على أذنها، وقد تبدلت ملامحها قليلًا. — هل كل شيء بخير؟ رفعت سارة يدها إشارةً له بأن ينتظر، ثم عادت للاستماع إلى والدها. شعرت سارة بالفضول. — خبر؟ ما هو يا أبي؟ قال والدها بعد لحظة صمت: — هل تتذكرين جدتك قبل وفاتها؟ كانت قد تركت قطعة أرض للأحفاد. عقدت سارة حاجبيها وهي تحاول استرجاع التفاصيل. — أجل، أتذكرها. — لقد وضعتها أنا وعمك للبيع منذ عدة أشهر. كان طارق، ابن عمك، يحتاج إلى بعض المال، ففكرنا في بيعها على أن يستفيد جميع الأحفاد من نصيبهم. هزت سارة رأسها، رغم أن والدها لا يستطيع رؤيتها. — جيد... وماذا حدث بعد ذلك؟ ابتسم والدها من الطرف الآخر قبل أن يقول: — لقد بيعت أخيرًا. اتسعت عينا سارة. — حقًا؟ — نعم. أخذ الأمر وقتًا طويلًا، لأن بيعها لم يكن سهلًا بسبب موقعها، لكننا وجدنا المشتري أخيرًا وانتهى الأمر. شعرت سارة بفرحة مفاجئة. تابع والدها: — لذلك نفذنا وصية جدتك وقسمنا المبلغ بالتساوي بين جميع الأحفاد. وسأرسل لكِ نصيبك من المبلغ.
كانت الرسالة مفتوحة أمامها، ولم تكن تحتاج إلى أكثر من بضع كلمات لتفهم أنها ليست رسالة عادية. "نأسف لإبلاغك بأن طلب التأشيرة الخاص بك لم تتم الموافقة عليه..." توقفت سارة عن التنفس للحظة. واصلت عيناها قراءة السطور بسرعة، فاكتشفت أن الأمر يتعلق بطلب سفر مرتبط بعرض عمل حصل عليه أيمن. عرض عمل؟ شعرت بالحرج فورًا. لم يكن من حقها قراءة هذه الرسالة، حتى لو ظهرت أمامها بالخطأ. أغلقت النافذة بسرعة، ثم أغلقت البريد بالكامل، وعادت إلى حساب العمل. جلست لثوانٍ وهي تحدق في الشاشة دون أن تفعل شيئًا. الآن فهمت. لم يكن أيمن غاضبًا من الطابعة. كان ينتظر ذلك البريد منذ الصباح. وتذكرت كيف كان يدخل إلى بريده الإلكتروني كل بضع دقائق، وكيف كان وجهه متجهمًا، وكيف لم يكلم أحدًا تقريبًا. ثم جاء خبر الرفض. وربما لم يجد طريقة لإخراج غضبه إلا عندما رأى الأوراق المطبوعة بشكل خاطئ. تنهدت سارة. ــ مسكين... قالتها بصوت منخفض، ثم التفتت سريعًا حولها، وكأنها تخشى أن يكون أحد قد سمعها. لم تكن تعرف ما الذي ينبغي أن تفعله. هل تسأل عنه؟ لا. فهي لم تكن تعرف تفاصيل حياته، وما رأته كان خاصًا، حتى لو لم تتع
بقي الجميع في حالة من الصمت والارتباك بعد مغادرة أيمن. كانت ريم لا تزال غاضبة، لكن حدة غضبها بدأت تخفت شيئًا فشيئًا. جلست أمام حاسوبها، تحدق في الشاشة دون أن تقرأ شيئًا. وكلما تذكرت ما حدث، شعرت بشيء من الندم. ربما بالغت قليلًا. لكنها في الوقت نفسه كانت مقتنعة بأنها لم تخطئ عندما دافعت عن نفسها وعن زملائها، خصوصًا أن أيمن لم يكن على طبيعته منذ دخوله المكتب ذلك الصباح. بعد دقائق، خرج جاد من مكتبه. توقف للحظة وسط القاعة، ونظر إلى الموظفين الذين كانوا يتظاهرون بالانشغال بأعمالهم، ثم قال بهدوء كعادته: ــ عودوا إلى عملكم. لم يشرح ما حدث داخل مكتبه، ولم يسأل أحدًا عن أيمن، وكأن الأمر لا يعنيه أو أنه لا يريد مناقشته أمام الجميع. عاد إلى مكتبه بهدوء، وأغلق الباب الزجاجي خلفه. تنفست ريم بعمق، ثم مالت قليلًا نحو سارة وقالت بصوت منخفض: ــ لا أعرف لماذا انفعلت هكذا... لكن طريقته استفزتني. نظرت إليها سارة وقالت: ــ أتفهمك، لكنني أظن أنه كان متوترًا أصلًا قبل أن تبدأ المشكلة. منذ دخوله وهو ليس على طبيعته. أومأت ريم برأسها. ــ لاحظت ذلك أيضًا... ربما كان لديه شيء يشغله. ثم تنهدت وأضا







