LOGINرنّ منبه سارة في السابعة صباحًا.
فتحت عينيها بسرعة، وعلى غير عادتها نهضت من السرير فورًا. ارتدت ملابسها التي أعدتها مساء الأمس، رتبت شعرها بعناية، ثم ألقت نظرة أخيرة على الغرفة قبل أن تلتقط حقيبتها وتغادر المنزل. كان الهواء الصباحي منعشًا، والشوارع لا تزال هادئة نسبيًا. اشترت فطورًا خفيفًا من المخبزة القريبة، ثم واصلت طريقها نحو الشركة بخطوات ثابتة. وصلت قبل معظم الموظفين بدقائق. لكن ما إن دخلت الطابق المخصص للشركة حتى تفاجأت بشخص يجلس داخل المكتب. **جاد.** كان أول الواصلين. جلس خلف مكتبه، منكبًا على مجموعة من الملفات، بينما يتحرك مؤشر الفأرة بين النوافذ المفتوحة على شاشة حاسوبه. لم يرفع رأسه عندما دخلت، وكأنه كان غارقًا تمامًا في عمله. ألقت سارة تحية خافتة. ــ صباح الخير. رفع عينيه إليها للحظة قصيرة، وأومأ برأسه إيماءة مقتضبة قبل أن يعود مباشرة إلى شاشة الحاسوب. ــ صباح الخير. لم يضف كلمة أخرى. تقدمت سارة نحو مكتبها في صمت، وجلست وهي تشعر بأن المكان يختلف تمامًا عن الأيام السابقة. كان حضور جاد وحده كافيًا ليمنح المكتب هيبة غير مألوفة. بعد دقائق، وصلت ريم. ابتسمت بمجرد أن رأت سارة. ــ صباح الخير يا سارة. ــ صباح النور. اقتربت منها هامسة: ــ يبدو أن المدير سبق الجميع اليوم. ابتسمت سارة ابتسامة خفيفة. ــ لاحظت ذلك. توالى بعد ذلك دخول الموظفين واحدًا تلو الآخر، لكن شيئًا واحدًا كان مشتركًا بينهم جميعًا؛ ما إن يلقوا التحية حتى يتجه كل منهم مباشرة إلى مكتبه دون الأحاديث المعتادة. حتى ليلى... دخلت وهي تحمل كوب قهوتها، ألقت التحية بصوت واضح: ــ صباح الخير جميعًا. رد الجميع عليها، بينما مرّت بجانب مكتب سارة دون أن تنظر إليها، كما لو أنها غير موجودة. شعرت سارة بوخزة انزعاج، لكنها تجاهلت الأمر وفتحت حاسوبها. كان آخر الواصلين أيمن. دخل بخطوات سريعة، وبدا من ملامحه أنه لم يبدأ يومه بمزاج جيد. وضع حقيبته فوق مكتبه، ثم جلس دون أن يتبادل المزاح المعتاد مع أحد. بعد دقائق، اقترب من مكتب سارة يحمل ملفًا أزرق متوسط الحجم. وضعه أمامها وقال بنبرة عملية: ــ أعتقد أن فترة التدريب الأساسية انتهت. رفعت سارة رأسها إليه باستغراب. ابتسم ابتسامة خفيفة. ــ حان الوقت لتتولي أول ملف بنفسك. اتسعت عيناها قليلًا. ــ حقًا؟ ــ لا تقلقي، إنه ملف بسيط لعميل جديد، ولن تواجهك فيه أي تعقيدات. اعتبريه أول اختبار حقيقي لك. شعرت بمزيج من الحماس والتوتر. ــ سأبذل جهدي. ــ وأنا موجود إذا احتجت إلى أي شيء. فتحت الملف، وبدأت تراجع بيانات العميل بعناية، ثم شرعت بإدخال المعلومات إلى النظام الإلكتروني كما تعلمت خلال الأسبوع الماضي. مر الوقت سريعًا. غرق الجميع في أعمالهم، ولم يعد يُسمع في المكتب سوى صوت لوحات المفاتيح، وصفير أجهزة التكييف، وتقليب الأوراق. بعد نحو ساعتين، نهض جاد من مكتبه. حمل مجموعة من المستندات، ثم اتجه نحو مكتب أيمن. توقف بجوار مكتب سارة، لكنها لاحظت، كما في المرات السابقة، أنه لم ينظر إليها مباشرة. قال مخاطبًا أيمن: ــ هل انتهيت من تجهيز ملف التحويل الأخير للعميل نجمي؟ رفع أيمن رأسه عن الشاشة. ــ ليس بعد... سأُنهيه قبل نهاية الدوام. عقد جاد حاجبيه قليلًا. ــ أسرع، لدينا مواعيد يجب الالتزام بها. أومأ أيمن. ــ حاضر. ساد صمت قصير، ثم أضاف جاد وهو يقلب إحدى الأوراق التي بين يديه: ــ سأذهب الآن إلى مقر النعمان، أحتاج إلى من يُدخل البيانات مباشرة على نظامهم. رفع أيمن رأسه منتظرًا بقية التعليمات. عندها قال جاد بهدوء: ــ دع سارة تأتي معي. تجمدت أصابع سارة فوق لوحة المفاتيح. للحظة، ظنت أنها لم تسمع جيدًا. هذه أول مرة يذكر اسمها منذ التحقت بالشركة. رفع جاد نظره إليها للمرة الأولى. ــ الملفات فوق مكتبي... خذيها، ثم الحقي بي في موقف السيارات. قالها بهدوء، ثم استدار وغادر المكتب دون أن ينتظر ردًا. ظلت سارة تحدق نحو الباب الذي خرج منه، وكأن عقلها يحتاج إلى وقت ليستوعب ما حدث. التفتت إلى أيمن مرتبكة. ــ أنا...؟ ابتسم أيمن ابتسامة خفيفة. ــ نعم، أنتِ. ــ لكن... لم أخرج من قبل في أي مهمة. ابتسم أيمن ابتسامة مطمئنة وقال: ــ لا تقلقي، جاد معتاد على اصطحاب أحد المتدربين معه عندما يذهب إلى مقر هذا العميل. فهو يتولى هذا الملف بنفسه، وعادةً يحتاج إلى من يساعده في إدخال البيانات أو مراجعة بعض المستندات هناك. ازدادت حيرة سارة قليلًا. ــ وهل سأكون قادرة على القيام بذلك؟ ــ بالتأكيد. لن يطلب منك شيئًا لم تتعلميه، وإذا احتجتِ إلى أي مساعدة فسيخبرك بما يجب فعله خطوة بخطوة. ــ وهل أفعل شيئًا محددًا هناك؟ أغلق أيمن الملف الذي أمامه، ثم قال مطمئنًا: ــ لا تقلقي، الأمر أبسط مما تتصورين. سيطلب منك إدخال بعض البيانات على برنامج الشركة الموجود في مقر العميل، وربما مراجعة بعض الملفات. افعلي ما يطلبه منك فقط، وإذا واجهت أي شيء غير واضح فاتصلي بي. أخذت نفسًا عميقًا وهي تحاول تهدئة ارتباكها. ــ حسنًا... ثم سألت: ــ وأين سأجده؟ أشار أيمن بإصبعه نحو النافذة المطلة على الشارع. ــ في الموقف الخلفي للمبنى. جاد يركن سيارته دائمًا في المكان نفسه، بجانب السور مباشرة. توقف لحظة قبل أن يضيف: ــ ستعرفينها بسهولة... سيارة سيدان سوداء لامعة، لا يغير مكانها أبدًا. هزت سارة رأسها وهي تضم الملف إلى صدرها. شعرت بأن قلبها بدأ يخفق أسرع. كانت هذه أول مهمة خارج الشركة... وأول مرة ستقضي فيها وقتًا مع جاد بعيدًا عن بقية الموظفين. أخذت الملفات من فوق مكتبه كما طلب، ثم اتجهت بخطوات مترددة نحو باب المكتب، بينما كانت عشرات الأسئلة تتزاحم في رأسها، دون أن تجد إجابة لأي منها.انقضت الساعات الأخيرة من الدوام بهدوء، ولم يبق في المكتب سوى صوت لوحات المفاتيح وتقليب الأوراق بين الحين والآخر.ومع اقتراب موعد الانصراف، بدأ الموظفون يحفظون ملفاتهم ويغلقون حواسيبهم استعدادًا للمغادرة.أغلقت سارة حاسوبها، ثم رتبت مكتبها بعناية كما اعتادت، وحملت حقيبتها.في الخارج، كانت ريم تنتظرها، بينما لحقت بهما ليلى بعد لحظات.دخلت الفتيات الثلاث المصعد.ساد الصمت في البداية، حتى ضغطت أحداهن زر الطابق الأرضي.وقبل أن تُفتح أبواب المصعد، التفتت ليلى نحو سارة، وقالت بابتسامة يصعب معرفة إن كانت صادقة أم ساخرة:ــ يبدو أنك كنت محظوظة اليوم... ليس كل متدرب يذهب في أول مهمة خارجية ويعود بكل هذا الثناء.ابتسمت سارة ابتسامة خفيفة.ــ ربما.هزت ليلى كتفيها.ــ على كل حال... لا تدعي النجاح الأول يخدعك، فما زال أمامك الكثير لتتعلميه.لم تجبها سارة.أما ريم، فاكتفت بالنظر إلى شاشة المصعد بصمت.كانت تعرف ليلى جيدًا...تعرف أنها لا تحب أن يسلط الضوء على أحد غيرها داخل المكتب.فهي تهتم دائمًا بأن تكون الأكثر أناقة والأكثر لفتًا للأنظار، لكنها في المقابل لم تكن تمتلك التميز نفسه في العمل، لذلك ك
عاد لؤي إلى مكتب الإدارة، ليجد جاد قد انتهى من مراجعة آخر بنود الاجتماع، وأغلق الملف الذي أمامه. تقدم نحوه ووضع الملف الذي أحضره من مكتب سارة فوق الطاولة. رفع جاد نظره إليه باستغراب. ــ انتهت من العمل بهذه السرعة؟ أجاب لؤي وهو يفتح الملف: ــ ليس هذا ما أردت الحديث عنه. عقد جاد حاجبيه. ــ ماذا هناك؟ مرر لؤي عدة صفحات، ثم قال بهدوء: ــ سارة أوقفت إدخال أحد الملفات. نظر إليه جاد باستغراب أكبر. ــ سارة؟ رفع لؤي عينيه عن الأوراق. ــ تقول إن هناك خللًا في بيانات الطلبية. مد جاد يده نحو الملف. ــ أي خلل؟ أخذ لؤي يقلب الصفحات الواحدة تلو الأخرى، ثم وضع طلبية الشراء إلى جانب فاتورة الشحن، وأخذ يقارن بين الأرقام بصمت. مرّت ثوانٍ ثقيلة. ثم توقف فجأة عند إحدى الصفحات. اقترب أكثر من الأوراق. وأعاد مراجعة الأرقام مرة أخرى. في تلك اللحظة، تناول الهاتف الداخلي وضغط أحد الأزرار. ــ أرسل إليّ السيد سامي من قسم المبيعات... حالًا. لم تمض سوى دقيقة حتى طرق الباب. ــ تفضل. دخل رجل في منتصف الأربعينيات يحمل جهازًا لوحيًا. ــ طلبتني سيد لؤي؟ أشار لؤي إلى الكرسي المقابل. ــ اجلس.
استفاقت سارة من شرودها على صوت جاد وهو يناديها. ــ سارة. انتبهت بسرعة إليه. كان جاد يقف إلى جانب الرجل الذي شغلت ملامحه وعطره أفكارها أكثر من مرة، ثم قال بصوته الهادئ: ــ لؤي، هذه سارة. جاءت لإدخال المعطيات في النظام. أرجو أن توفروا لها مكتبًا تعمل فيه، سأسبق إلى الداخل. أومأ لؤي برأسه. ــ حسنًا، سألحق بك بعد قليل. غادر جاد نحو مكتب الإدارة دون أن يضيف كلمة أخرى. أما لؤي، فالتفت إلى سارة للمرة الأولى منذ وصولها، وقال بهدوء: ــ تفضلي... اتبعيني من فضلك. تفاجأت سارة من أسلوبه. رغم حضوره المهيب، كانت طريقته في الحديث هادئة ولطيفة، تختلف كثيرًا عن جاد الذي نادرًا ما يتجاوز كلماته الضرورية. سارت خلفه عبر ممر يقع إلى يسار مكتب الإدارة. وفي نهايته كان هناك مكتب منفصل تحيط به جدران زجاجية شفافة، تسمح برؤية معظم المكاتب المجاورة، بينما يبقى معزولًا عنها في الوقت نفسه. في الداخل مكتب عملي متوسط الحجم، تتوسطه طاولة أنيقة، وحاسوب محمول موصول بشاشة إضافية، إلى جانب طابعة صغيرة وبعض الأدوات المكتبية المرتبة بعناية. توقف لؤي عند الباب، ثم أشار إلى الداخل. ــ تفضلي، هذا
ضمت سارة الملفات إلى صدرها، ثم خرجت من المكتب متجهة نحو الموقف الخلفي للمبنى كما وصفه لها أيمن. كانت هذه أول مرة تخرج فيها في مهمة عمل خارج الشركة، لذلك لم تستطع منع نفسها من الشعور بشيء من التوتر. ما إن وصلت إلى الموقف حتى لمحت سيارة سوداء لامعة متوقفة بمحاذاة السور، تبدو نظيفة بعناية وكأنها خرجت لتوها من معرض للسيارات. وقف جاد بجانب صندوقها الخلفي ينتظرها. اقتربت بخطوات مترددة. ــ مرحبا. اكتفى بإيماءة قصيرة، ثم ضغط زر فتح الصندوق. وضعت سارة الملفات بعناية في الداخل، وأغلقت الصندوق برفق. اتجه جاد إلى مقعد السائق، بينما جلست هي في المقعد المجاور، وربطت حزام الأمان بصمت. تحركت السيارة بهدوء، وغادرت الموقف متجهة نحو الشارع الرئيسي. لم يحاول جاد فتح أي حديث. كان تركيزه منصبًا بالكامل على القيادة، بينما تنقلت عيناه بين الطريق والمرايا من حين لآخر. أما سارة، فجلست تنظر من نافذتها إلى المباني التي تمر بجانبها، تحاول كسر ذلك الصمت في داخلها، لكنها لم تجد ما تقوله. كانت هذه أول مرة تجلس معه بمفردها. وبعد دقائق قليلة، أدركت أن صمته ليس برودًا، بل عادة. مضت السيارة
رنّ منبه سارة في السابعة صباحًا. فتحت عينيها بسرعة، وعلى غير عادتها نهضت من السرير فورًا. ارتدت ملابسها التي أعدتها مساء الأمس، رتبت شعرها بعناية، ثم ألقت نظرة أخيرة على الغرفة قبل أن تلتقط حقيبتها وتغادر المنزل. كان الهواء الصباحي منعشًا، والشوارع لا تزال هادئة نسبيًا. اشترت فطورًا خفيفًا من المخبزة القريبة، ثم واصلت طريقها نحو الشركة بخطوات ثابتة. وصلت قبل معظم الموظفين بدقائق. لكن ما إن دخلت الطابق المخصص للشركة حتى تفاجأت بشخص يجلس داخل المكتب. **جاد.** كان أول الواصلين. جلس خلف مكتبه، منكبًا على مجموعة من الملفات، بينما يتحرك مؤشر الفأرة بين النوافذ المفتوحة على شاشة حاسوبه. لم يرفع رأسه عندما دخلت، وكأنه كان غارقًا تمامًا في عمله. ألقت سارة تحية خافتة. ــ صباح الخير. رفع عينيه إليها للحظة قصيرة، وأومأ برأسه إيماءة مقتضبة قبل أن يعود مباشرة إلى شاشة الحاسوب. ــ صباح الخير. لم يضف كلمة أخرى. تقدمت سارة نحو مكتبها في صمت، وجلست وهي تشعر بأن المكان يختلف تمامًا عن الأيام السابقة. كان حضور جاد وحده كافيًا ليمنح المكتب هيبة غير مألوفة. بعد دقائق، وصلت ريم
ساد صمت قصير، ثم سألت السيدة: ــ وهل أنتِ بخير؟ ــ نعم، الحمد لله، لا تقلقي. تنهدت صاحبة المنزل براحة. ــ هذا أهم شيء. أما المفتاح فلا بأس، لدي نسخة احتياطية في المنزل. تنفست سارة الصعداء، وكأن جبلًا أزيح عن كتفيها. ــ حقًا؟ الحمد لله... أقلقتني كثيرًا هذه المسألة. ابتسمت السيدة من الطرف الآخر وقالت: ــ عندما تعودين مرّي عليّ، وسأعطيك النسخة، ثم نطلب لاحقًا نسخة جديدة بدل المفقودة. ــ شكرًا جزيلًا، خالتي... آسفة لأنني سببت لك هذا الإزعاج. ــ لا داعي للاعتذار يا ابنتي، يحدث هذا مع الجميع. المهم أن تنتبهي في المرة القادمة. أغلقت سارة المكالمة وهي تزفر براحة، ثم التفتت إلى أشرف وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة. ــ لقد نجونا... لديها نسخة أخرى. ابتسم أشرف بدوره، ثم رفع فنجان قهوته وقال مازحًا: ــ إذن نستطيع شرب قهوتنا بهدوء... دون أن نقلق من أن نضطر لكسر باب غرفتك. __ عندما تجاوزت الساعة الثانية بعد الظهر بقليل، توقفت السيارة عند مدخل الحي الذي تسكن فيه سارة. أطفأ أشرف المحرك، ثم التفت إليها بابتسامة هادئة. ــ يبدو أن عطلة نهاية الأسبوع انتهت أسرع مما تمن