تسجيل الدخولكانت الرسالة من أشرف.
حدقت سارة في الشاشة لثوانٍ طويلة دون أن تفتح المحادثة. مر أكثر من شهران تقريبًا منذ آخر حديث بينهما. أو بالأحرى، منذ آخر شجار بينهما. تنهدت وأعادت رأسها إلى الوسادة. تعرفت على أشرف خلال سنتها الأولى في الجامعة. كان يكبرها بسنة دراسية واحدة فقط، وفي البداية لم يكن أكثر من زميل تتبادل معه الأحاديث بين المحاضرات. لكن مع مرور الوقت، تحول التعارف إلى صداقة، ثم إلى شيء أكبر من ذلك. أصبحا يتحدثان يوميًا، يتبادلان الرسائل طوال النهار، ويقضيان ساعات طويلة في المكالمات الليلية. كانت علاقتها به مختلفة عن أي علاقة أخرى عرفتها من قبل. أحبت اهتمامه بها، وصدق مشاعره، والطريقة التي كان يجعلها تشعر بها بأنها مهمة في حياته. لكن العلاقة لم تكن مثالية أبدًا. فقد كانا يختلفان كثيرًا. أحيانًا بسبب أمور بسيطة لا تستحق النقاش أصلًا. يتشاجران، ثم يتصالحان بعد ساعات أو أيام قليلة. وكأنهما لا يستطيعان الابتعاد عن بعضهما مهما حدث. بعد تخرجه، حصل أشرف على وظيفة وانتقل إلى مدينة أخرى. أما سارة فبقيت في الجامعة تكمل سنتها الأخيرة. ورغم البعد، استمر التواصل بينهما. لكن مع مرور الوقت، بدأت أحاديثهما تتغير. أصبح أشرف يتحدث أكثر عن المستقبل. عن البيت. عن الاستقرار. وعن الزواج. أغلقت سارة عينيها للحظة. كانت تعلم أنه يحبها بصدق. وربما كانت تبادله جزءًا كبيرًا من تلك المشاعر. لكن فكرة الزواج كانت تخيفها. ليس لأنها لا تحبه... بل لأنها كانت ترى مستقبلًا مختلفًا لنفسها. منذ طفولتها، حلمت بأن تبني مسيرتها المهنية أولًا. أن تعمل. أن تنجح. أن تثبت لنفسها وللجميع أن الفتاة القادمة من عائلة بسيطة قادرة على صنع مستقبلها بنفسها. أما الزواج مباشرة بعد التخرج، فقد بدا لها وكأنه نهاية ذلك الحلم قبل أن يبدأ. في البداية، كان أشرف يتفهم موقفها. لكنه مع الوقت أصبح أكثر إلحاحًا. خصوصًا بعد حصوله على وظيفة مستقرة. كان يقول لها دائمًا: "أنا قادر على إعالتك. لا داعي لأن تتعبي نفسك بالعمل." لكن سارة لم تكن تريد من يعيلها. كانت تريد أن تعتمد على نفسها. وهنا بدأت الخلافات بينهما تكبر شيئًا فشيئًا. نظرت مجددًا إلى الرسالة. "مرحبًا حبيبتي... اشتقت إليك." شعرت بوخزة خفيفة في قلبها. ثم أطفأت شاشة الهاتف. غدًا لديها يوم عمل جديد. ولم تكن مستعدة الليلة للعودة إلى الماضي. بعد أن أغلقت سارة هاتفها، تلقت اتصالًا جديدًا بعد دقائق قليلة. نظرت إلى الشاشة فظهر اسم والدها. ابتسمت فورًا وأجابت: — مرحبًا أبي. جاءها صوته الدافئ من الطرف الآخر: — كيف حالك يا ابنتي؟ اشتقنا إليك. شعرت سارة براحة كبيرة وهي تسمع صوته. تبادلا أطراف الحديث لدقائق طويلة. أخبرته عن غرفتها الجديدة، وعن يومها الأول في العمل، وعن المدينة التي بدت أكبر بكثير مما تخيلته. ثم تحدثت مع والدتها وإخوتها واحدًا تلو الآخر. كانت المكالمة بسيطة، لكنها جعلتها تشعر وكأنها عادت إلى منزلها لبضع دقائق. بعد انتهاء المكالمة، بدأ النعاس يسيطر عليها. كانت منهكة من كل التغييرات التي حدثت في حياتها خلال الأيام الأخيرة، ومن كمية التركيز التي بذلتها في العمل. وضعت هاتفها جانبًا وأغمضت عينيها. ولم تمضِ دقائق حتى غرقت في النوم. استيقظت سارة في صباح اليوم التالي قبل موعد المنبه. نظرت إلى الساعة ثم نهضت من السرير. لم يكن لديها الكثير من الملابس المناسبة للعمل، لذلك ارتدت الملابس نفسها التي ارتدتها بالأمس. قميص أبيض بسيط. سروال أسود أنيق. حذاء جلدي نظيف. وحقيبة يد قديمة بعض الشيء. وقفت أمام المرآة الصغيرة تتفقد مظهرها. ثم ابتسمت بخفة وغادرت الغرفة. اشترت فطورها المعتاد من المتجر القريب، قطعة كعك وعلبة حليب بالفراولة، ثم تابعت طريقها نحو العمل. بعد عشر دقائق تقريبًا، وصلت إلى المبنى. هذه المرة جاءت قبل أيمن. دخلت القاعة وجلست في مكانها تنتظر. ألقت نظرة نحو المكتب الزجاجي. كان مغلقًا. يبدو أن السيد جاد لم يصل بعد. بعد دقائق قليلة، دخل أيمن إلى القاعة. وأثناء مروره بجانب مكتبها، انحنى قليلًا مبتسمًا وقال بصوت منخفض: — صباح الخير يا سارة، كيف حالك اليوم؟ تفاجأت من أسلوبه الودي، خصوصًا أنهما تعارفا بالأمس فقط. لكنها أجابت بابتسامة مهذبة: — بخير، شكرًا. وأنت؟ — الآن أصبحت أفضل. ثم تابع طريقه نحو مكتبه وكأن شيئًا لم يكن. أما سارة فبقيت للحظات تتساءل إن كانت قد سمعت الجملة الأخيرة فعلًا أم أنها تتوهم. جلس أيمن أمام حاسوبه، ثم نهض بعد لحظات واتجه إلى خزانة الملفات الموجودة في آخر القاعة. كانت خزانة ضخمة تمتد على طول الجدار، مليئة بالمستندات والملفات المرتبة بعناية. بدأ يسحب مجموعة كبيرة من الملفات. ثم مجموعة أخرى. ثم ثالثة. حتى أصبح يحمل كمية كبيرة بين ذراعيه. عاد بها إلى مكتب سارة ووضعها أمامها. قال: — هذه ملفات بعض العملاء. لم أجد الوقت الكافي لترتيبها خلال الأيام الماضية. أشار إلى الأكوام المكدسة أمامها ثم أكمل: — مهمتك الأولى هي ترتيبها أبجديًا. لدي الكثير من العمل المستعجل اليوم، لذلك انشغلي بها حتى أنتهي. نظرت سارة إلى الملفات. لم تكن المهمة معقدة. بل كانت من نوع المهام التي توقعت أن تُعطى للمتدربين الجدد. ابتسمت وقالت: — حسنًا. ثم بدأت العمل فورًا. كانت المهمة سهلة نسبيًا. لذلك استطاعت سارة أن تعمل وفي الوقت نفسه تراقب ما يحدث حولها. وعلى عكس اليوم السابق، بدا المكتب أكثر حيوية. كان الموظفون يتبادلون الأحاديث أثناء العمل. يضحكون أحيانًا. ويتناقشون أحيانًا أخرى. بدأت سارة تحفظ أسماء بعضهم. كما بدأت تلاحظ طبيعة العلاقات بينهم. بعضهم كان ودودًا ومنفتحًا. وبعضهم الآخر أكثر هدوءًا. أما ليلى، الفتاة التي استقبلتها في يومها الأول، فكانت تجلس قرب مكتب الاستقبال المؤقت. كانت أنيقة كعادتها، ترتدي ملابس متناسقة وتضع مكياجًا واضحًا، لكنها بدت اجتماعية وتتحدث مع الجميع بسهولة. في المقابل، لفت انتباه سارة وجود فتاة أخرى. كانت تجلس وحدها بالقرب من النافذة. لم تشارك في أي حديث. ولم تضحك لأي مزحة. حتى عندما كان أحد الموظفين يوجه لها الكلام، كانت ترد بكلمات قليلة ثم تعود إلى شاشة حاسوبها. بدت وكأنها تعيش في عالم منفصل عن بقية المكتب. ولأن سارة كانت تملك فضولًا كبيرًا بطبعها، بدأت تراقبها من حين لآخر مرت الساعات بسرعة. وحين اقترب موعد استراحة الغداء، كانت سارة قد انتهت من ترتيب جميع الملفات. نظر أيمن إلى الأكوام المرتبة أمامها واتسعت عيناه بدهشة. — انتهيتِ فعلًا؟ أومأت برأسها. تفحص الملفات بسرعة ثم قال: — بصراحة... لم أتوقع أن تنتهي منها اليوم. شعرت سارة بشيء من الفخر. فقد اعتادت منذ صغرها على سرعة التعلم وقوة الملاحظة. قال أيمن مبتسمًا: — جيد جدًا. اذهبي الآن لتناول الغداء، وسنكمل بعد الاستراحة. في تلك اللحظة رن هاتفها. ألقت نظرة على الشاشة. أشرف. أغلقت المكالمة فورًا. تابعت حديثها مع أيمن وكأن شيئًا لم يحدث. لكن الهاتف عاد للرنين مجددًا. ثم مرة ثالثة. تجاهلته مرة أخرى. خرجت من المبنى واتجهت إلى أحد المتاجر القريبة. اشترت وجبة خفيفة وجلست وحدها. وبينما كانت تتناول طعامها، عاد الهاتف للرنين. أشرف مرة أخرى. ترددت للحظات. ثم أجابت أخيرًا. لم تقل شيئًا. لكنها سمعت صوته فورًا. — سارة... اشتقت إليك كثيرًا. خفق قلبها بقوة. رغم كل شيء... كانت لا تزال تشتاق إليه أيضًا. قالت بهدوء: — أنا بخير. كيف حالك؟ بدأ يحدثها بحماس. يسألها عن حياتها. عن أخبارها. عن سبب اختفائها طوال الفترة الماضية. لكنه لم يكن يعلم شيئًا عن انتقالها إلى المدينة الجديدة. ولا عن العمل. ولا عن كل التغييرات التي حدثت في حياتها. قبل أن ينهي المكالمة قال: — سأكلمك الليلة. أرجوك هذه المرة لا تتجاهليني. تنهدت سارة. — حسنًا. وأغلقت الهاتف. أوبينما كانت تستعد للمغادرة، لمحت الفتاة المنعزلة من المكتب تدخل المتجر. جمعت شجاعتها واقتربت منها. — مرحبًا... هل تتذكرينني؟ أنا سارة، المتدربة الجديدة. رفعت الفتاة عينيها إليها. — نعم، أتذكرك. ابتسمت سارة وقالت: — كيف حالك؟ أجابتها الفتاة ببرود: — بخير. ثم أضافت: — آسفة، أنا مستعجلة. وغادرت مباشرة. بقيت سارة واقفة في مكانها لثوانٍ. لم تكن تتوقع هذا الجفاء. أنهت استراحتها وعادت باتجاه المكتب. كانت تفكر في أشرف. وفي حياتها الجديدة التي بدأت للتو. لكنها توقفت فجأة. على بعد أمتار قليلة من مدخل المبنى. كان هناك شخص يقف أمام الباب. طويل القامة. يرتدي قميصًا داكن اللون. ويمسك هاتفه بيده. انقطع نفسها فجأة. تجمدت في مكانها. واتسعت عيناها من شدة الصدمة. كان شخصًا تعرفه جيدًا. شخصًا لم تتوقع أبدًا أن تراه هنا. في هذه المدينة. وفي هذا الوقت بالذات. شعرت بقلبها يخفق بعنف.ظلت سارة تحدق في هاتفها، بينما كان اقتراح أشرف يتردد في رأسها بإلحاح. أن تبيت في شقته؟ لم تكن الفكرة مريحة تمامًا، ليس لأنها لا تثق به، بل لأن وجودها معه في مكان واحد، وفي هذا الوقت المتأخر، جعل قلبها أكثر اضطرابًا مما ينبغي. لكنها، مهما حاولت التفكير في الأمر، لم تجد أمامها خيارًا آخر. ففي هذه المدينة الكبيرة، لم يكن هناك سوى شخصين يمكنها اللجوء إليهما إن احتاجت إلى مساعدة؛ قريبتها رقية وأشرف. أما رقية، فلم يكن من اللائق أن تتصل بها في هذا الوقت المتأخر. كانت سارة متأكدة أنها، لو عرفت بما حدث، ستأتي فورًا لمرافقتها، رغم أن سكنها بعيد عن المكان. ولم تكن تريد إزعاجها، خصوصًا أنها ما زالت تشعر بالامتنان لكل ما فعلته من أجلها منذ وصولها إلى المدينة؛ فقد كانت رقية السبب في حصولها على هذه الوظيفة، وهي من ساعدتها في العثور على الغرفة التي تسكنها الآن. تنهدت سارة. لم يبقَ أمامها سوى أشرف. ــ ألو؟ جاء صوته عبر الهاتف، وكأنه انتشلها من أفكارها. ــ نعم؟ ــ هل أعود إليك؟ ترددت لحظة، ثم قالت بصوت خافت: ــ حسنًا... نعم. ــ سأجدك عند مدخل الحي. لم يمض وقت طويل حتى ظهرت
غادرا السوق الصغير ببطء، بينما كانت سارة تنظر إلى السوار بين الحين والآخر. لم تستطع إخفاء ابتسامتها. لاحظ أشرف ذلك، فضحك قائلًا: ــ يبدو أن الهدية أعجبتك أكثر مما تريدين الاعتراف. رفعت رأسها بسرعة. ــ لم أقل إنها لم تعجبني. ــ إذن؟ ــ لكنك لا تزال مسرفًا كما كنت. ضحك وهو يفتح باب السيارة لها. ــ وهل هناك إسراف في شراء شيء سيبقى معك؟ نظرت إلى السوار مرة أخرى. ــ سأحتفظ به. ــ هذا يكفيني. ... انطلقت السيارة من جديد، لكنهما لم يعودا مباشرة إلى المدينة. سلك أشرف طريقًا ضيقًا يمر بين الأشجار، حتى وصلا إلى نقطة مرتفعة تطل على سلسلة من الجبال المتداخلة. أوقف السيارة. ــ انزلي... أريد أن أريك مكانًا. ترجلت سارة، ثم سارت خلفه حتى وصلا إلى سور خشبي يطل على الوادي. كان المنظر يخطف الأنفاس. بدأت الشمس تميل نحو الغرب، وأخذت أشعتها الذهبية تنعكس فوق السفوح الخضراء، بينما كانت نسمات الهواء الباردة تحرك خصلات شعرها الطويل بهدوء. توقفت سارة إلى جانب أشرف دون أن تتكلم. التفت إليها، وفي اللحظة التي وقعت عيناه عليها، شعر بشيء يتغير في نظرته. كان يعرف أنها جميلة
لم تنم سارة تلك الليلة إلا لساعات قليلة. كلما أغمضت عينيها، وجدت نفسها تتخيل لقاء الغد، ثم تعود لتفتح عينيها من جديد وتنظر إلى شاشة هاتفها للتأكد من الوقت. ابتسمت لنفسها وهي تتنهد. منذ متى أصبحت تنتظر الصباح بهذه اللهفة؟ آخر مرة شعرت فيها بهذا الحماس كانت أيام الجامعة، حين كانت تخرج مع أشرف بعد انتهاء المحاضرات، يتجولان لساعات دون وجهة محددة، وكأن الوقت لا يملك سلطة عليهما. رن المنبه في السابعة صباحًا. لكنها كانت مستيقظة قبله بدقائق. وقفت أمام خزانتها الصغيرة، تحدق في ملابسها القليلة. أخرجت قميصًا أبيض، ثم أعادته مكانه. جربت فستانًا بسيطًا، ثم هزت رأسها. وفي النهاية اختارت بنطالًا جينز أزرق وقميصًا سماوي اللون، مع حذائها الرياضي الأبيض الذي كانت تحافظ عليه بعناية منذ سنوات. نظرت إلى نفسها في المرآة. ابتسمت. ــ جيد... لا أريد أن أبدو وكأنني بذلت جهدًا كبيرًا. ثم ضحكت من نفسها. ــ بينما فعلت ذلك فعلًا. ... في تمام التاسعة وخمسين دقيقة، كانت تقف أمام مبنى الشركة. الشارع هادئ على غير عادته في عطلة نهاية الأسبوع. كانت تنظر بين الحين والآخر إلى السيار
كان الطريق إلى المنزل أطول من المعتاد... ليس لأن المسافة تغيرت، بل لأن أفكار سارة كانت أثقل من أن تسمح لها بالشعور بالوقت. كانت كلمات ليلى تتردد في رأسها بلا توقف. *"نحن نسكن في العمارة نفسها..."* *"أراه كل يوم..."* *"سيكون زوجي يومًا ما."* هزت رأسها أكثر من مرة محاولة التخلص من تلك الأفكار، لكنها كانت تعود في كل مرة بإلحاح أكبر. هل كانت ليلى تبالغ؟ أم أن هناك فعلًا شيئًا تخفيه؟ تنهدت وهي تعبر الزقاق الشعبي المؤدي إلى المنزل، ثم توقفت عند محل صغير اعتادت شراء عشاءها منه. ــ سندويش جبن... مع الطماطم والخيار، من فضلك. دفعت ثمنه، وأكملت طريقها حتى وصلت إلى المنزل. ألقت التحية على صاحبة المنزل، ثم صعدت إلى الطابق العلوي حيث غرفتها الصغيرة. قبل أن تدخل، وقفت للحظة أمام الطاولة الرخامية الموجودة في الممر. كانت لا تتجاوز مترًا ونصف، تتوسطها مغسلة قديمة، لكنها خالية تمامًا من أي أدوات مطبخ. لا أطباق... لا أكواب... ولا حتى غلاية صغيرة. منذ أن انتقلت إلى هنا، كانت تعتمد على الطعام الجاهز في كل وجباتها. لم يكن ذلك خيارًا تحبه، لكنه كان الحل الوحيد في غرفة لا تسمح حتى بإعداد كو
انقضت الساعات الأخيرة من الدوام بهدوء على غير العادة. كانت سارة منهمكة في ترتيب الملفات التي كلفت بها، تراجع كل ورقة بعناية قبل أن تضعها في مكانها الصحيح، مستعينة بالملاحظات التي شرحها لها أيمن في الصباح. لم تكن المهمة سهلة، لكنها شعرت بشيء من الرضا وهي ترى آخر ملف يستقر فوق الكومة المرتبة أمامها. أغلقت الملف الأخير، ثم حملت الأوراق واتجهت إلى مكتب أيمن. ــ انتهيت. رفع أيمن رأسه عن شاشة الحاسوب، ثم أخذ الملفات منها وبدأ يقلبها بسرعة. توقفت سارة تراقب تعابير وجهه، تنتظر أن يعثر على خطأ ما. مرّت ثوانٍ بدت لها أطول من المعتاد. ثم أغلق آخر ملف، وأعاد ترتيبها كما كانت. ــ ممتاز... لم أجد أي ملاحظة. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه سارة دون أن تشعر. ــ شكرًا. ــ يبدو أنك تتعلمين بسرعة، وهذا سيوفر علينا الكثير من الوقت لاحقًا. هزت رأسها بخجل، ثم عادت إلى مكتبها تجمع أغراضها استعدادًا للمغادرة. في الجهة الأخرى، كانت ريم قد أغلقت حاسوبها هي أيضًا. اقتربت منها وهي تحمل حقيبتها. ــ هيا؟ ابتسمت سارة. ــ هيا. خرجتا معًا من المكتب، وساد بينهما صمت مريح، قطعه صوت خطوات سريعة خلفهما. ـ
... كان الهواء الخارجي أكثر لطفًا من حرارة المكتب، والشمس تميل ببطء نحو الغروب، ناشرة لونًا برتقاليًا فوق المباني. سارت في الطريق المعتاد. أصبحت تحفظه عن ظهر قلب؛ البقالة عند الزاوية، محل الخضر، بائع الذرة، رائحة الخبز الساخن المنبعثة من الفرن الصغير، وضحكات الأطفال الذين يركضون بين الأزقة الضيقة. كانت هذه التفاصيل، رغم بساطتها، تجعل المكان يبدو أقل قسوة. اشترت قطعة خبز وبعض الجبن لتوفر ثمن وجبة كاملة، ثم تابعت سيرها وهي تفكر في مصاريف الأيام القادمة. "يجب أن أكون أكثر حذرًا... لم يبق معي الكثير." كلما اقتربت من الحي الذي تسكن فيه، تغيرت الأصوات. ازدادت ضوضاء الباعة، وتعالت أصوات الدراجات النارية، واختلطت روائح الطعام بروائح الدخان والغبار. ثم... سمعت صرخة. رفعت رأسها تلقائيًا. في منتصف الزقاق، كان شابان يتشاجران بعنف. تبادلا اللكمات وسط تجمع صغير من الناس. بعضهم يراقب بصمت. وآخرون يحاولون الفصل بينهما دون جدوى. توقفت سارة. لم تكن تملك طريقًا آخر إلى المنزل. ابتلعت ريقها، ثم قررت المرور بسرعة من جانب الجدار. "لن أنظر إليهما... فقط اعبري." شدت حق