تسجيل الدخولغادرا السوق الصغير ببطء، بينما كانت سارة تنظر إلى السوار بين الحين والآخر.
لم تستطع إخفاء ابتسامتها. لاحظ أشرف ذلك، فضحك قائلًا: ــ يبدو أن الهدية أعجبتك أكثر مما تريدين الاعتراف. رفعت رأسها بسرعة. ــ لم أقل إنها لم تعجبني. ــ إذن؟ ــ لكنك لا تزال مسرفًا كما كنت. ضحك وهو يفتح باب السيارة لها. ــ وهل هناك إسراف في شراء شيء سيبقى معك؟ نظرت إلى السوار مرة أخرى. ــ سأحتفظ به. ــ هذا يكفيني. ... انطلقت السيارة من جديد، لكنهما لم يعودا مباشرة إلى المدينة. سلك أشرف طريقًا ضيقًا يمر بين الأشجار، حتى وصلا إلى نقطة مرتفعة تطل على سلسلة من الجبال المتداخلة. أوقف السيارة. ــ انزلي... أريد أن أريك مكانًا. ترجلت سارة، ثم سارت خلفه حتى وصلا إلى سور خشبي يطل على الوادي. كان المنظر يخطف الأنفاس. بدأت الشمس تميل نحو الغرب، وأخذت أشعتها الذهبية تنعكس فوق السفوح الخضراء، بينما كانت نسمات الهواء الباردة تحرك خصلات شعرها الطويل بهدوء. توقفت سارة إلى جانب أشرف دون أن تتكلم. التفت إليها، وفي اللحظة التي وقعت عيناه عليها، شعر بشيء يتغير في نظرته. كان يعرف أنها جميلة، لكنه اعتاد أن يراها بملابسها البسيطة وتسريحة شعرها المعتادة، حتى بدا جمالها أحيانًا أكثر هدوءًا مما هو عليه في الحقيقة. أما الآن، فقد فعل الغروب بها شيئًا آخر. انعكس الضوء الذهبي على ملامحها، فأبرز نعومة وجهها، وبدت خصلات شعرها الطويلة وهي تتطاير مع الهواء وكأنها تكشف شيئًا من جمالها الذي تخفيه عادة خلف بساطتها. وحين أبعدت شعرها عن وجهها، انكشف عنقها الرقيق للحظة، فتوقفت عيناه عندها أكثر مما ينبغي. لاحظت سارة نظرته، لكنها لم تسأله عن سببها. اكتفت بأن خفضت عينيها، بينما تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها. اقترب أشرف خطوة. لم يكن بينهما الآن سوى مسافة قصيرة، ومع ذلك بدت له أكبر مما يحتمل. رفع عينيه إلى عينيها، فوجد فيهما شيئًا لم يكن بحاجة إلى تفسير. كانت سارة تنظر إليه بالطريقة نفسها. تعلقت عيناه بشفتيها للحظة، ثم عادتا إلى عينيها، وكأن السؤال كان واضحًا دون أن ينطق به. شعرت سارة بتسارع أنفاسها، ولم تتراجع. اقترب أكثر. وللمرة الأولى منذ بداية رحلتهما، لم يكن أي منهما يبحث عن كلمة ينقذ بها الموقف. كانا يريدان الشيء نفسه. مال أشرف نحوها ببطء، وتعلقت عينا سارة بعينيه قبل أن تنخفضا تلقائيًا نحو شفتيه. أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما عندما شعرت بأن المسافة بينهما أصبحت ضئيلة جدًا. لكن قبل أن تلتقي شفتاهما، توقف. توقفت سارة بدورها، وكأن اللحظة نفسها أمسكت بهما ومنعتهما من إكمالها. ظل أشرف قريبًا منها، ينظر إليها بصمت، بينما راحت الريح تعبث بشعرها من جديد. لم تبتعد سارة. ولم يقترب هو أكثر. فقط بقيا هناك، في تلك المسافة الصغيرة التي كان يمكن أن تنتهي بقبلة، لكن شيئًا ما جعلهما يتوقفان في اللحظة الأخيرة. عاد الصمت بينهما من جديد، بينما حاول كلٌّ منهما إخفاء ابتسامته وخجله. وبعد لحظات، قال أشرف وهو يحدق في الأفق: ــ عندما أكون متعبًا... آتي إلى هنا. التفتت إليه. ــ وحدك؟ أومأ. ــ نعم. سكت قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة باهتة. ــ لكن المكان يبدو أجمل اليوم. ــ لأن الطقس جميل؟ نظر إليها هذه المرة. ــ لا... لأنك معي. خفضت رأسها وهي تشعر بحرارة وجنتيها. لم تجد ما تقوله. فقط ابتسمت. ... جلسا على مقعد خشبي قديم. كان الصمت يملأ المكان، لكنه لم يكن مزعجًا. بل كان يشبه راحة طويلة بعد تعب. قطعته سارة وهي تنظر إلى الجبال البعيدة. ــ هل تصدق... كنت أظن أننا لن نجلس هكذا مرة أخرى. تنهد أشرف. ــ وأنا كنت أخاف من الفكرة نفسها. ــ لماذا تركنا كل هذا الوقت يمرّ دون أن نتحدث؟ نظر إليها طويلًا. ــ حاولت. رفعت عينيها إليه. ــ لكن في كل مرة كنت أشعر أنك تحتاجين إلى وقت... وخفت أن أفرض نفسي عليك. ابتسمت بحزن. ــ وأنا كنت أظن أنك نسيتني. هز رأسه ببطء. ــ هناك أشخاص... لا يستطيع الإنسان أن ينساهم مهما حاول. ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة... كان الصمت يحمل اعترافات أكثر من الكلمات. ... في طريق عودتهما إلى السيارة، كانت الأرض غير مستوية، تنتشر فيها الصخور الصغيرة. انشغلت سارة بالنظر إلى الوادي أكثر من الطريق. وفجأة... انزلقت قدمها فوق حصى متناثر. ــ آه! مال جسدها إلى الأمام. لكن أشرف أمسك بذراعها قبل أن تسقط. في اللحظة نفسها، أفلتت حقيبتها من يدها. ارتطمت بالأرض، وتناثرت محتوياتها فوق التراب. ــ يبدو أن هذه الحقيبة لا تحب البقاء مغلقة. قالها أشرف ضاحكًا وهو ينحني يجمع الأغراض. ضحكت هي الأخرى. ــ يبدو ذلك. جلسا على الأرض يجمعان كل شيء. الهاتف... المحفظة... علبة المناديل... علبة صغيرة للكريم... وسماعات الأذن. ناولها آخر شيء وجده. ــ أعتقد أن هذا كل شيء. ألقت نظرة سريعة داخل الحقيبة. ــ نعم... أظن ذلك. أغلقتها دون أن تنتبه إلى أن شيئًا صغيرًا بقي بين الأعشاب القريبة... ... عادا إلى المدينة مع غروب الشمس. كانت الشوارع تستعيد ازدحامها المعتاد. فتح أشرف المذياع على موسيقى هادئة، بينما أسندت سارة رأسها إلى النافذة. لم تشعر بنفسها إلا عندما قال: ــ وصلنا. نظرت من النافذة. كان الزقاق المؤدي إلى منزلها. أطفأ المحرك، ثم التفت إليها. ــ شكرًا على هذا اليوم. ابتسمت. ــ بل أنا من يجب أن أشكرك. ــ إذن اتفقنا... لن يكون الأخير. أومأت برأسها. ــ لن يكون الأخير. فتحت الباب، ثم التفتت نحوه مرة أخيرة. ــ تصبح على خير. ــ وأنت أيضًا. راقبها حتى دخلت الزقاق، ثم انطلق بسيارته. ... وصلت إلى باب المنزل. أدخلت يدها إلى الحقيبة. بحثت عن المفتاح. لم تجده. ابتسمت بهدوء. "لابد أنه في الجيب الصغير." فتحت الجيب. فارغ. انتقلت إلى الجيب الآخر. ثم الآخر. بدأت الابتسامة تختفي. وضعت الحقيبة فوق الرصيف امام الباب الخارجي، وأخرجت كل ما بداخلها. المحفظة... الهاتف... المناديل... السوار الجديد... كل شيء... إلا المفتاح. تجمدت. عادت تفتش الحقيبة مرة ثانية. ثم ثالثة. وقلبت بطانتها الداخلية بيديها. لا شيء. اتسعت عيناها فجأة. مشهد سقوط الحقيبة فوق الجبل عاد إلى ذاكرتها. همست لنفسها: ــ لا... مستحيل... أخرجت هاتفها بسرعة، وضغطت على اسم أشرف. لم يمر سوى ثوانٍ حتى جاءها صوته. ــ هل وصلتِ؟ تنفست بعمق. ــ أشرف... أظن أنني فقدت مفتاح غرفتي. ساد الصمت للحظة. ــ ماذا؟ ــ فتشت حقيبتي كلها... ليس موجودًا. أوقف السيارة على جانب الطريق فورًا. ــ انتظري... سأفتش السيارة. سمعت صوت فتح الأبواب. ثم صوت تحريك المقاعد. مرّت دقائق بدت لها طويلة. عاد إلى الهاتف. ــ قلبت السيارة كلها... ولم أجده. أغمضت سارة عينيها. ــ إذن... سقط هناك. ــ غالبًا عندما انزلقتِ. نظرت إلى باب المنزل. كان الظلام يلف المكان. جميع الأنوار مطفأة. قالت بصوت خافت: ــ لا أستطيع طرق الباب الآن... الجميع نائمون. ــ وهل لديك مكان آخر؟ ابتلعت ريقها. ــ لا. ساد الصمت بينهما. ثم قال أشرف بتردد واضح: ــ سارة... ــ نعم؟ ــ أعرف أن اقتراحي قد يضعك في موقف محرج... لكنني لا أريد أن تبقي في الشارع حتى الصباح. لم تجب. أكمل بهدوء: ــ شقتي فيها غرفة فارغة لم أستعملها منذ استأجرتها. تجمدت سارة مكانها. ــ يمكنك المبيت فيها الليلة فقط. ثم نذهب صباحًا لنبحث عن المفتاح، أو نجد أي حل آخر. وأردف بسرعة، وكأنه يخشى أن تفهمه خطأ: ــ ستكون لك غرفة مستقلة تمامًا... ولن أسمح لنفسي أن تشعري بعدم الارتياح ولو للحظة. بقيت سارة صامتة. كانت تنظر إلى الباب المغلق أمامها... ثم إلى الشارع الخالي... وقلبها يخفق بعنف. وفي الطرف الآخر من الهاتف... كان أشرف ينتظر جوابها بصبر. أما هي... فلم تكن تعرف... هل تقول نعم... أم إن كلمة واحدة قد تغير كل شيء؟عاد لؤي إلى مكتب الإدارة، ليجد جاد قد انتهى من مراجعة آخر بنود الاجتماع، وأغلق الملف الذي أمامه. تقدم نحوه ووضع الملف الذي أحضره من مكتب سارة فوق الطاولة. رفع جاد نظره إليه باستغراب. ــ انتهت من العمل بهذه السرعة؟ أجاب لؤي وهو يفتح الملف: ــ ليس هذا ما أردت الحديث عنه. عقد جاد حاجبيه. ــ ماذا هناك؟ مرر لؤي عدة صفحات، ثم قال بهدوء: ــ سارة أوقفت إدخال أحد الملفات. نظر إليه جاد باستغراب أكبر. ــ سارة؟ رفع لؤي عينيه عن الأوراق. ــ تقول إن هناك خللًا في بيانات الطلبية. مد جاد يده نحو الملف. ــ أي خلل؟ أخذ لؤي يقلب الصفحات الواحدة تلو الأخرى، ثم وضع طلبية الشراء إلى جانب فاتورة الشحن، وأخذ يقارن بين الأرقام بصمت. مرّت ثوانٍ ثقيلة. ثم توقف فجأة عند إحدى الصفحات. اقترب أكثر من الأوراق. وأعاد مراجعة الأرقام مرة أخرى. في تلك اللحظة، تناول الهاتف الداخلي وضغط أحد الأزرار. ــ أرسل إليّ السيد سامي من قسم المبيعات... حالًا. لم تمض سوى دقيقة حتى طرق الباب. ــ تفضل. دخل رجل في منتصف الأربعينيات يحمل جهازًا لوحيًا. ــ طلبتني سيد لؤي؟ أشار لؤي إلى الكرسي المقابل. ــ اجلس.
استفاقت سارة من شرودها على صوت جاد وهو يناديها. ــ سارة. انتبهت بسرعة إليه. كان جاد يقف إلى جانب الرجل الذي شغلت ملامحه وعطره أفكارها أكثر من مرة، ثم قال بصوته الهادئ: ــ لؤي، هذه سارة. جاءت لإدخال المعطيات في النظام. أرجو أن توفروا لها مكتبًا تعمل فيه، سأسبق إلى الداخل. أومأ لؤي برأسه. ــ حسنًا، سألحق بك بعد قليل. غادر جاد نحو مكتب الإدارة دون أن يضيف كلمة أخرى. أما لؤي، فالتفت إلى سارة للمرة الأولى منذ وصولها، وقال بهدوء: ــ تفضلي... اتبعيني من فضلك. تفاجأت سارة من أسلوبه. رغم حضوره المهيب، كانت طريقته في الحديث هادئة ولطيفة، تختلف كثيرًا عن جاد الذي نادرًا ما يتجاوز كلماته الضرورية. سارت خلفه عبر ممر يقع إلى يسار مكتب الإدارة. وفي نهايته كان هناك مكتب منفصل تحيط به جدران زجاجية شفافة، تسمح برؤية معظم المكاتب المجاورة، بينما يبقى معزولًا عنها في الوقت نفسه. في الداخل مكتب عملي متوسط الحجم، تتوسطه طاولة أنيقة، وحاسوب محمول موصول بشاشة إضافية، إلى جانب طابعة صغيرة وبعض الأدوات المكتبية المرتبة بعناية. توقف لؤي عند الباب، ثم أشار إلى الداخل. ــ تفضلي، هذا
ضمت سارة الملفات إلى صدرها، ثم خرجت من المكتب متجهة نحو الموقف الخلفي للمبنى كما وصفه لها أيمن. كانت هذه أول مرة تخرج فيها في مهمة عمل خارج الشركة، لذلك لم تستطع منع نفسها من الشعور بشيء من التوتر. ما إن وصلت إلى الموقف حتى لمحت سيارة سوداء لامعة متوقفة بمحاذاة السور، تبدو نظيفة بعناية وكأنها خرجت لتوها من معرض للسيارات. وقف جاد بجانب صندوقها الخلفي ينتظرها. اقتربت بخطوات مترددة. ــ مرحبا. اكتفى بإيماءة قصيرة، ثم ضغط زر فتح الصندوق. وضعت سارة الملفات بعناية في الداخل، وأغلقت الصندوق برفق. اتجه جاد إلى مقعد السائق، بينما جلست هي في المقعد المجاور، وربطت حزام الأمان بصمت. تحركت السيارة بهدوء، وغادرت الموقف متجهة نحو الشارع الرئيسي. لم يحاول جاد فتح أي حديث. كان تركيزه منصبًا بالكامل على القيادة، بينما تنقلت عيناه بين الطريق والمرايا من حين لآخر. أما سارة، فجلست تنظر من نافذتها إلى المباني التي تمر بجانبها، تحاول كسر ذلك الصمت في داخلها، لكنها لم تجد ما تقوله. كانت هذه أول مرة تجلس معه بمفردها. وبعد دقائق قليلة، أدركت أن صمته ليس برودًا، بل عادة. مضت السيارة
رنّ منبه سارة في السابعة صباحًا. فتحت عينيها بسرعة، وعلى غير عادتها نهضت من السرير فورًا. ارتدت ملابسها التي أعدتها مساء الأمس، رتبت شعرها بعناية، ثم ألقت نظرة أخيرة على الغرفة قبل أن تلتقط حقيبتها وتغادر المنزل. كان الهواء الصباحي منعشًا، والشوارع لا تزال هادئة نسبيًا. اشترت فطورًا خفيفًا من المخبزة القريبة، ثم واصلت طريقها نحو الشركة بخطوات ثابتة. وصلت قبل معظم الموظفين بدقائق. لكن ما إن دخلت الطابق المخصص للشركة حتى تفاجأت بشخص يجلس داخل المكتب. **جاد.** كان أول الواصلين. جلس خلف مكتبه، منكبًا على مجموعة من الملفات، بينما يتحرك مؤشر الفأرة بين النوافذ المفتوحة على شاشة حاسوبه. لم يرفع رأسه عندما دخلت، وكأنه كان غارقًا تمامًا في عمله. ألقت سارة تحية خافتة. ــ صباح الخير. رفع عينيه إليها للحظة قصيرة، وأومأ برأسه إيماءة مقتضبة قبل أن يعود مباشرة إلى شاشة الحاسوب. ــ صباح الخير. لم يضف كلمة أخرى. تقدمت سارة نحو مكتبها في صمت، وجلست وهي تشعر بأن المكان يختلف تمامًا عن الأيام السابقة. كان حضور جاد وحده كافيًا ليمنح المكتب هيبة غير مألوفة. بعد دقائق، وصلت ريم
ساد صمت قصير، ثم سألت السيدة: ــ وهل أنتِ بخير؟ ــ نعم، الحمد لله، لا تقلقي. تنهدت صاحبة المنزل براحة. ــ هذا أهم شيء. أما المفتاح فلا بأس، لدي نسخة احتياطية في المنزل. تنفست سارة الصعداء، وكأن جبلًا أزيح عن كتفيها. ــ حقًا؟ الحمد لله... أقلقتني كثيرًا هذه المسألة. ابتسمت السيدة من الطرف الآخر وقالت: ــ عندما تعودين مرّي عليّ، وسأعطيك النسخة، ثم نطلب لاحقًا نسخة جديدة بدل المفقودة. ــ شكرًا جزيلًا، خالتي... آسفة لأنني سببت لك هذا الإزعاج. ــ لا داعي للاعتذار يا ابنتي، يحدث هذا مع الجميع. المهم أن تنتبهي في المرة القادمة. أغلقت سارة المكالمة وهي تزفر براحة، ثم التفتت إلى أشرف وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة. ــ لقد نجونا... لديها نسخة أخرى. ابتسم أشرف بدوره، ثم رفع فنجان قهوته وقال مازحًا: ــ إذن نستطيع شرب قهوتنا بهدوء... دون أن نقلق من أن نضطر لكسر باب غرفتك. __ عندما تجاوزت الساعة الثانية بعد الظهر بقليل، توقفت السيارة عند مدخل الحي الذي تسكن فيه سارة. أطفأ أشرف المحرك، ثم التفت إليها بابتسامة هادئة. ــ يبدو أن عطلة نهاية الأسبوع انتهت أسرع مما تمن
تسللت أشعة الشمس الذهبية عبر ستائر الغرفة، لترسم خطوطًا دافئة على الجدار الأبيض. فتحت سارة عينيها ببطء، وهي تشعر براحة لم تختبرها منذ زمن. بقيت تحدق في السقف لثوانٍ، وقد غلبها ذلك الشعور الجميل الذي يرافق الاستيقاظ بعد ليلة هادئة. اعتدلت قليلًا فوق السرير، ثم أغمضت عينيها مجددًا وهي تتمطى بكسل. لم تستوعب في البداية أين هي، لكن ما إن وقع بصرها على تفاصيل الغرفة حتى عادت إليها ذكريات الليلة الماضية دفعة واحدة. شقة أشرف... ابتسمت ابتسامة عريضة دون أن تشعر. تذكرت رحلتهما، وضحكاتهما في الطريق، والهدية التي اشتراها لها، ثم الساعات الطويلة التي قضياها معًا في الشرفة، يتحدثان عن الماضي، وعن أحلامهما، وعن كل الأشياء التي فرّقتهما الأيام عنها. كان الوقت يمضي سريعًا حتى إنهما لم ينتبها إلى اقتراب الفجر إلا عندما غلبهما النعاس. وضعت يدها على شفتيها وهي تضحك بخفة. "لهذا السبب نمت كل هذا الوقت..." نظرت إلى الساعة الموضوعة على الطاولة الصغيرة بجانب السرير، فاتسعت عيناها قليلًا. ــ يا إلهي... لقد تأخر الوقت كثيرًا! قفزت من السرير بسرعة، ثم تنهدت عندما تذكرت أنه يوم عطلتها، وأنها ليست







