بيت / الآخر / بائعة الجسد / المخبأ (الجزء الثاني)

مشاركة

المخبأ (الجزء الثاني)

مؤلف: DAMDOMA
last update تاريخ النشر: 2026-07-03 05:04:29

بائعة الجسد

بقلم: DAMDOMA

ساد صمت ثقيل داخل الكوخ.

لم يقطعه سوى صوت الحطب المتقد في المدفأة، ورنين المطر الذي بدأ يداعب سقف الخشب.

أغلقت أريام دفتر الرسومات برفق، كأنها تخشى أن تمحو لمسته آخر ذكرى جميلة بقيت لها.

سألت بصوت خافت:

"كيف وصل هذا الدفتر إليك؟"

نظر آدم إلى الغلاف البالي، ثم قال:

"بعد وفاة والدتك، دخل رجال الشبكة المنزل. كانوا يبحثون عن وثائق وأدلة، ولم يهتموا بشيء آخر. عندما وصلت لاحقًا وجدت الدفتر ملقى بين الأوراق الممزقة، فأخذته... لأن ليلى كانت قد أخبرتني أن رسوماتك تعني لك الكثير."

ارتجفت شفتا أريام.

لم تكن تصدق أن شخصًا غريبًا احتفظ بحلمها كل تلك السنوات، بينما كانت هي تظن أنه ضاع إلى الأبد.

جلست على المقعد الخشبي قرب النافذة، وأخذت تقلب الصفحات ببطء.

توقفت عند رسم لفستان أبيض طويل مطرز بأغصان الزيتون.

ابتسمت بحزن.

"رسمته عندما كنت في السادسة عشرة... كنت أقول لأمي إنني سأصمم فستان زفافي بنفسي."

ساد الصمت.

ثم أضافت وهي تخفض عينيها:

"لم أكن أعرف أن الحياة ستسرق مني حتى حق الحلم."

لم يجد آدم جوابًا.

كان يراقبها بصمت، مدركًا أن الكلمات لن تخفف ما تحمله في قلبها.

اتجه نحو الطاولة ووضع الصندوق الخشبي أمامه.

أخرج المفتاح الفضي الذي تركه فؤاد، ثم نظر إلى أريام.

"أظن أن الوقت قد حان."

اقتربت وجلست قبالته.

كانت نظراتها مترددة، لكنها مليئة بالإصرار.

أدار المفتاح داخل القفل.

صدر صوت خافت...

ثم انفتح الصندوق ببطء.

في داخله كانت هناك مفكرة جلدية سوداء، وبطاقة ذاكرة صغيرة، وقلادة فضية على شكل جناح، ورسالة مطوية بعناية.

ما إن وقعت عينا أريام على القلادة حتى انحبس نفسها.

رفعتها بين أصابعها المرتجفة.

انعكس ضوء المدفأة على سطحها، فعادت بها الذكريات سنوات إلى الوراء.

كانت والدتها لا تنزع تلك القلادة أبدًا.

كانت تمسكها كلما شعرت بالخوف، ثم تبتسم وتقول:

"إذا شعرتِ يومًا أنك وحيدة... فتذكري أن الجناح لا يطير وحده، بل يبحث دائمًا عن جناحه الآخر."

ضغطت أريام القلادة إلى صدرها، وأغمضت عينيها.

تسللت دمعة صامتة على خدها.

لم تمسحها.

تركَتها تنزل كما لو كانت تحمل معها جزءًا من الألم.

فتح آدم الرسالة بحذر.

لكن الورقة كانت فارغة.

نظر إليها باستغراب.

"لا يوجد شيء."

أخذتها أريام منه.

قلبتها أكثر من مرة.

ثم لاحظت شيئًا صغيرًا في الزاوية.

كانت هناك عبارة مكتوبة بحبر شفاف لا يكاد يُرى.

قرأتها بصعوبة.

"النور يكشف ما لا تراه العيون."

رفع آدم رأسه بسرعة.

"حبر سري."

فتح أحد الأدراج، وأخرج مصباحًا صغيرًا يصدر أشعة فوق بنفسجية.

سلط الضوء على الورقة.

وببطء...

بدأت الكلمات تظهر.

امتلأت الصفحة بخط يد ليلى.

شعرت أريام أن قلبها سيتوقف.

كانت تقرأ رسالة كتبتها والدتها قبل سنوات طويلة.

"إلى ابنتي أريام... إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أعد معك. أعلم أنك ستكرهينني لأنني أخفيت عنك الحقيقة، لكنني فعلت ذلك حتى أمنحك فرصة لحياة طبيعية. إذا جاء اليوم الذي تعرفين فيه كل شيء، فلا تجعلي الانتقام يقودك... اجعلي العدالة هي طريقك."

لم تستطع أريام إكمال القراءة.

اختنق صوتها بالبكاء.

وضعت الرسالة على الطاولة، وأخفت وجهها بين كفيها.

اقترب آدم، لكنه توقف قبل أن يضع يده على كتفها.

كان يعلم أن بعض الأحزان تحتاج إلى الصمت أكثر من المواساة.

وفجأة...

انطلق صوت إنذار حاد من أحد الأجهزة الإلكترونية.

التفت آدم بسرعة.

ظهرت نقطة حمراء تقترب من موقع الكوخ.

اتسعت عيناه.

"هذا مستحيل..."

نهض فورًا، وأطفأ جميع الأضواء.

ثم اقترب بحذر من النافذة، وأزاح الستارة مسافة صغيرة.

في أسفل التل، توقفت سيارة سوداء فاخرة.

نزل منها رجل في أواخر الخمسينيات، أنيق المظهر، يرتدي بدلة رمادية، ويحمل مظلة سوداء تحميه من المطر.

كان يسير بخطوات هادئة، وكأنه يعرف المكان جيدًا.

همست أريام:

"من يكون؟"

ظل آدم يراقبه، وقد تبدلت ملامحه لأول مرة منذ عرفته.

قال بصوت منخفض امتزج فيه الذهول بالحذر:

"الرجل الذي أقسمت أنه لن يعثر علينا أبدًا..."

ثم رفع الرجل رأسه ببطء...

ونظر مباشرة نحو نافذة الكوخ...

ورسم على شفتيه ابتسامة غامضة.

انتهى الفصل الثامن.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • بائعة الجسد   الفصل الرابع والعشرون: الخطة الثانية

    "حين يفشلون في تشويه موهبتك... يبدأون بمحاولة تحطيم روحك."لم تغادر أريام مكانها.كانت تحدق في الظرف البني الموضوع فوق الطاولة، وكأنه قنبلة انفجرت داخل حياتها.كيف وصل إلى حقيبتها؟ومن الذي فعل ذلك؟ولماذا هي؟التفتت إلى آدم، فرأت في عينيه هدوءًا غريبًا، ذلك الهدوء الذي لا يسبق إلا العواصف.اقترب سليم المنصوري من الطاولة، ثم أغلق الظرف بنفسه.قال بصوت حازم:"ستنتهي الجلسة هنا. لن تُعلن أي عقوبة قبل انتهاء التحقيق."اعترضت المتسابقة التي ادعت السرقة، وقالت بانفعال:"لكن الأدلة أمامكم!"رفع سليم نظره إليها.لم يكن صوته مرتفعًا، لكنه حمل سلطة جعلت القاعة كلها تصمت."الأدلة تُفحص... ولا تُصدق بمجرد ظهورها."ساد الصمت.ثم أشار إلى رجال الأمن."لا يغادر أحد من المتسابقين حتى ننتهي من مراجعة تسجيلات المراقبة."تغيرت ملامح المرأة للحظة...كانت واثقة قبل قليل.أما الآن، فقد ارتسم على وجهها ارتباك خاطف، سرعان ما أخفته.لم يفت ذلك آدم.قال في نفسه:"إذن... هناك ما تخشاه."بعد دقائق...دخل أحد موظفي الأمن مسرعًا.اقترب من سليم وهمس في أذنه.تغيرت ملامح سليم للمرة الأولى."ماذا تعني أنها لا تعمل؟"

  • بائعة الجسد   الفصل الثالث والعشرون: بصمة لا تُنسى

    بائعة الجسد"هناك مواهب تُكتسب بالتعلّم... وأخرى تتركها الدماء إرثًا لا يستطيع الزمن محوه."أغلقت نورا الباب بهدوء خلف أريام.للحظة، شعرت وكأن العالم في الخارج قد اختفى.لم يعد هناك ضجيج ماكينات الخياطة، ولا همسات المتسابقين، ولا أصوات خطوات المنظمين. لم يبقَ سوى صمت ثقيل يملأ قاعة التقييم.اصطف أعضاء لجنة التحكيم حول طاولة طويلة تتوسطها التصاميم المتأهلة، بينما وقف في نهايتها رجل تجاوز الخمسين بقليل، يرتدي بدلة داكنة أنيقة، وتستقر في عينيه نظرة يصعب تفسيرها.كان سليم المنصوري.أشار إليها بالجلوس.— تفضلي.جلست أريام، لكنها أبقت ظهرها مستقيمًا، وكأنها تستعد لمعركة لا تعرف طبيعتها.نظر سليم إلى الملف أمامه، ثم رفع عينيه إليها.— أريام... أليس كذلك؟أومأت برأسها.— نعم.ساد صمت قصير قبل أن يدير التصميم نحوها.— أخبريني... لماذا اخترت هذا الأسلوب؟نظرت إلى الفستان المعلق أمامها، وشعرت بشيء غريب.لأول مرة تراه مكتملًا تحت الإضاءة الاحترافية.بدا كأنه يروي قصة لم تكتبها الكلمات.قالت بهدوء:— لأنني أردت أن أصنع فستانًا يشبه الإنسان... قد يتمزق، لكنه لا يفقد جماله.رفع أحد المحكمين حاجبه بإ

  • بائعة الجسد   الحرية لها ثمن

    بائعة الجسدالفصل الثاني والعشرون: الحرية لها ثمن"ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح... فبعضها يُحسم بفكرةٍ تولد في اللحظة المناسبة."دوّى صوت الجرس في أنحاء القاعة."تبقّت ساعة واحدة."رفعت أريام رأسها عن الطاولة للمرة الأولى منذ بداية التحدي.تسللت نظراتها سريعًا إلى القاعة.كانت الحركة لا تهدأ.أصوات المقصات تمتزج بأزيز ماكينات الخياطة، وروائح الأقمشة الجديدة تعبق في المكان، بينما كان المشرفون يتنقلون بين الطاولات، يدونون ملاحظاتهم بصمت.شعرت أن الوقت يركض أسرع منها.خفضت بصرها نحو تصميمها.كان الرسم قد اكتمل تقريبًا، لكن تنفيذه على القماش احتاج إلى دقة أكبر مما توقعت.التقطت قطعة الحرير البيضاء، ومررت أصابعها فوقها برفق.همست لنفسها:"لا تخذليني..."بدأت بقص القماش بحذر، محافظة على انحناءات الخطوط التي رسمتها قبل قليل.كانت يدها ثابتة، لكن قلبها لم يكن كذلك.على الطاولة المقابلة، كانت إحدى المتسابقات تعمل بثقة لافتة، تحيط بها مساعدتها بعدد من العينات، بينما أخذ بعض المشاركين يلتفتون إليها بإعجاب.لاحظت أريام ذلك، لكنها سرعان ما أعادت تركيزها إلى عملها.قالت في سرها:"إذا انشغلت بالآخر

  • بائعة الجسد   بوابة الأحلام

    بائعة الجسد الفصل الحادي والعشرون: بوابة الأحلام "ليست أصعب الخطوات تلك التي تقودك إلى القمة... بل تلك التي تجبرك على مواجهة ماضيك وأنت في طريقك إليها." لم تنم أريام إلا ساعات قليلة. كانت الرسالة الإلكترونية ما تزال مفتوحة على شاشة هاتفها، وكأنها تخشى أن تستيقظ فتكتشف أن قبولها في المسابقة لم يكن سوى حلم قصير. أعادت قراءة السطور للمرة العاشرة. "تم اختيار المتسابقة أريا ضمن أفضل خمسين مشاركًا..." مررت أصابعها برفق فوق الشاشة، ثم أغلقت الهاتف وأطلقت زفرة طويلة. غدًا... ستدخل المكان الذي سمعت عنه في طفولتها عشرات المرات. المكان الذي كانت والدتها تصفه بعينين تلمعان بالشغف، وتقول إن كل مصمم يحلم بأن تطأ قدماه قاعاته يومًا. لكن القدر اختار أن تدخله الابنة... لا الأم. وقفت أمام النافذة، وكانت أول خيوط الفجر تلوّن السماء بلون أزرق باهت. امتدت أمامها الحقول ساكنة، يلامسها ضباب الصباح، بينما حملت الرياح رائحة التراب الرطب. أغمضت عينيها للحظة. وضعت يدها فوق قلبها. كان يخفق بسرعة. لم يكن خوفًا فقط... بل مزيجًا من الترقب، والرهبة، والأمل. همست لنفسها بصوت بالكاد سمعته: "هذه ال

  • بائعة الجسد   الفصل الخاص (1): أريام... حين تصبح الندوب بدايةً للحياة

    بائعة الجسدبقلم: DAMDOMA"ليست كل الأرواح التي نجت من الموت قد شُفيت... فبعضها يعيش عمرًا كاملًا وهو يتعلم كيف يتنفس من جديد."لم تكن أريام فتاةً تلفت الأنظار منذ اللحظة الأولى، لكنها كانت من ذلك النوع الذي يبقى عالقًا في الذاكرة بعد الرحيل. لم يكن جمالها صاخبًا، ولا حضورها قائمًا على المبالغة، بل كانت تملك هدوءًا غريبًا، وكأنها تحمل في داخلها بحرًا من الأسرار لا يسمح لأحد بالاقتراب منه.في الرابعة والعشرين من عمرها، كانت تقف على أعتاب حياة جديدة، بعد أن دفعت ثمنًا باهظًا لم تختره يومًا. كانت طويلة القامة نسبيًا، يبلغ طولها مئة وثمانية وستين سنتيمترًا، بجسد رشيق اكتسب تناسقه من الحركة والعمل أكثر مما اكتسبه من الاهتمام بالمظهر.كان وجهها بيضاويًا ناعم الملامح، تعلوه بشرة قمحية فاتحة تضفي عليها دفئًا خاصًا. أما عيناها، فكانتا أكثر ما يميزها؛ عسليتان تميلان إلى الأخضر عندما تعانقهما أشعة الشمس، وتحملان تناقضًا غريبًا بين الحزن والرجاء. من ينظر إليهما يدرك أنها عاشت أكثر مما ينبغي في سنوات قليلة، وأنها ما زالت، رغم كل شيء، ترفض أن تستسلم.كان شعرها بنيًا داكنًا، طويلًا وناعمًا، ينساب حت

  • بائعة الجسد   خطوة نحو الضوء

    بائعة الجسدبقلم: DAMDOMA"هناك أبواب لا تُفتح بالمفاتيح... بل بالشجاعة."مرّت ثلاثة أيام منذ أحداث الكوخ.كانت المزرعة التي تقيم فيها أمينة أكثر هدوءًا من أي وقت مضى، لكن الهدوء لم يكن يعني أن الخطر قد انتهى.في إحدى الغرف الواسعة، التي حوّلتها أمينة إلى مشغل صغير، وقفت أريام أمام طاولة كبيرة غطتها الأوراق والأقمشة وأدوات الرسم.أمامها عشرات الرسومات.لكنها لم تكن راضية عن أي واحدة منها.مزقت ورقة.ثم أخرى.وألقت القلم بعيدًا وهي تتنهد."لا... ليس هذا."راقبتها أمينة بصمت، ثم اقتربت منها."لماذا تمزقين كل شيء؟"أجابت أريام بإحباط:"لأنني كلما رسمت، أشعر أنني أقلد أمي."ابتسمت أمينة برقة."وهل تعلمين ماذا كانت ليلى تقول لي عندما أمر بالموقف نفسه؟"رفعت أريام رأسها.قالت أمينة:"التلميذ يبدأ بالتقليد... لكن الفنان ينتهي باكتشاف نفسه."ساد الصمت.جلست أريام على الكرسي، وأغمضت عينيها.كانت تتذكر كل ما مرت به...الخوف...الفقد...الأمل...ثم أمسكت قلم الرصاص من جديد.هذه المرة لم تفكر في الموضة.بل فكرت في نفسها.بدأت الخطوط تنساب على الورقة.ببطء...ثم بثقة.بعد ساعة كاملة...دخل آدم الم

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status