ANMELDEN## الفصل الخامس
مر شهران كاملان دون أي أخبار عن كاميليا. كان كالفين لا يزال جالسًا على كرسي مكتبه، يحدق في شاشة هاتفه المظلمة. لا مكالمات فائتة، لا رسائل، ولا حتى إشارة واحدة تدل على أن كاميليا تنوي العودة. تمتم بنبرة يسودها الضيق: "هل ستتركني حقًا؟" وقف رونال أمام مكتب كالفين بحذر قائلاً: "سيدي، هناك اجتماع بعد عشر دقائق". أجابه كالفين باختصار: "ألغه". تردد رونال: "إنه اجتماع مهم مع المستثمرين—" قاطعه كالفين: "قلتُ ألغه، لستُ في حالة تسمح لي بذلك". أومأ رونال برأسه وغادر الغرفة. فرك كالفين وجهه بقسوة. وفي رأسه، كانت هناك جملة واحدة تتردد بلا انقطاع: *ستأتي بالتأكيد متوسلة.* ولكن مع مرور الأيام، بدأت تلك الثقة تبدو واهية وهشة. كلما انفتح باب المنزل، كان يلتفت بالأمل نفسه، وكلما اهتز هاتفه، كان صدره يخفق عبثًا. سخر كالفين من نفسه قائلاً: "ما الذي تنتظره؟ أليس هذا ما أردته؟" ومع ذلك، فإن ذلك الغضب لم يجد طريقه للخروج حقًا، بل تحول إلى ضيق ذاتي ونقمة على النفس. بدأ يسهر لساعات متأخرة، ويستيقظ مبكرًا، ويكتفي بالقليل من الطعام. كانت سامانثا تأتي كثيرًا، لكن وجودها بات يبدو وكأنه مجرد إجراء شكلي؛ لم تكن تسأل عن شيء، ولم يكن كالفين يفسر شيئًا. قالت سامانثا ذات مساء: "تبدو متعبًا". أجابها كالفين دون أن ينظر إليها: "أنا بخير". سألت سامانثا بنعومة: "إذن، لماذا تبدو كمن ينتظر أحدًا؟" صمت كالفين للحظة ثم قال: "أنا لا أنتظر أحدًا". ابتسمت سامانثا ابتسامة خفيفة ولم تطل الحديث؛ فالمهم بالنسبة إليها هو أن كالفين أصبح لها. وفي مكان آخر، كانت كاميليا تخرج من متجر صغير بخطوات خفيفة، بعد أن اشترت زجاجة ماء معدني وبعض الخبز. ولكن بعد بضع خطوات فحسب، شعرت فجأة بدوار يجتاح رأسها. وضعت كاميليا يدها على فمها تحبس غثيانها: "لماذا فجأة—" حاولت تنفس الهواء ببطء، لكن رؤيتها تلاشت واهتزت ركبتاها. لم تسعفها القوة إلا للتمسك بالجدار قبل أن يظلم كل شيء حولها. ارتفع صوت أحدهم بذعر: "آنسة؟ آنسة، هل أنتِ بخير؟" عندما فتحت كاميليا عينيها، وجدت نفسها في غرفة الطوارئ، وكانت رائحة المطهرات نفاذة. كانت الممرضة تقيس ضغط دمها، بينما يقف طبيب بجانب الفراش. قال الطبيب بلطف: "الحمد لله على سلامتك، لقد أفقتِ. لقد أُغمي عليكِ قبل قليل". أجابت كاميليا بصوت واهن: "أشعر... بدوار". تابع الطبيب وهو ينظر إلى الملف: "هذا ليس غريبًا، فضغط دمكِ منخفض. وهناك أمر آخر—" توقف الطبيب لبرهة ثم قال: "أنتِ حامل". تسمرت كاميليا في مكانها: "ماذا؟" كرر الطبيب بهدوء: "حامل، في الأسبوع الثامن تقريبًا". وقعت الكلمة عليها كالصاعقة. التفتت كاميليا وتطلعت إلى السقف، وكان رأسها ينبض بالألم، وهمست بصوت خافت: "مستحيل... مستحيل". سألت الممرضة: "هل ترغبين في أن نتصل بعائلتكِ؟" أجابت كاميليا بسرعة: "لا، لا داعي لذلك". بعد إجراء فحوصات إضافية، جلست كاميليا بمفردها في الجناح، وكانت يداها ترتجفان وهي تمسك بنتيجة الفحص. همست: "لا... لا أريد ذلك". أغمضت عينيها وسحبت نفسًا عميقًا: "لن أحمل بطفل ذلك اللعين". بعد بضعة أيام، عادت كاميليا إلى المستشفى للاستشارة. نظر طبيب آخر إلى نتائج الفحوصات بتعابير جادة. قال الطبيب: "هناك أمر يجب أن تعلميه؛ حالة رحمكِ ليست مثالية. إذا تم إنهاء هذا الحمل، فمن المحتمل جدًا ألا تتمكني من الحمل مجددًا في المستقبل". صمتت كاميليا لوقت طويل. تابع الطبيب: "المخاطرة عالية. نحن لا نمنع أي قرار تتخذينه، ولكن من واجبنا إطلاعكِ على الوضع". خفضت كاميليا رأسها. عادت ذاكرتها إلى عشر سنوات من الحب الذي كتمته في صدرها، وإلى تلك الليلة التي ظنت أنها مجرد رغبة في إثبات شيء ما، وإلى قرارها بالرحيل. تمتمت في سرها: "لقد أردتُ فقط أن ألمسه حتى لا يدّعي أن حبه الأول هي أول امرأة تلمسه... لم يكن هذا ما أردته". سأل الطبيب: "عذرًا؟" هزت كاميليا رأسها وقالت: "لا شيء". في تلك الليلة، جلست كاميليا على حافة السرير وتشبثت بركبتيها. كانت تحدث نفسها بصوت يكاد لا يُسمع: "إذا لم يكن بإمكاني امتلاكه، فعلى الأقل لدي قطعة من دمه". بكت بلا صوت. لم يكن بكاؤها رجاءً في أن يأتي كالفين، بل لإدراكها مدى الوحدة التي ينطوي عليها هذا القرار. همست برقة: "سأحتفظ بك. لا أعلم كيف، لكني سأحاول". بعد بضعة أسابيع، لمحت كاميليا خبرًا على شاشة التلفاز في مقهى صغير تعمل فيه مؤقتًا: > **"قريبًا... خطوبة كالفين آشفورد وسامانثا روز."** > ظهرت صورتهما بوضوح وهما يبتسمان. حدقت كاميليا في الشاشة طويلاً، وقالت بصوت خافت: "آه". ورغم أنها كانت تخبر نفسها بأن الأمر لا يعنيها، إلا أن صدرها اعتصر ألمًا؛ لم يكن ألمًا حادًا، بل كان أشبه بشيء ينهار ببطء في داخلها. تذكرت العبارات القديمة، والوعود التي لم تكن موجهة إليها قط، والابتسامة التي لم تملكها كاملاً في يوم من الأيام. تمتمت قائلة: "هذا يكفي". في تلك الليلة، حزمت كاميليا أمتعتها. أغلقت الحقيبة، ثم جلست لبرهة وهي تمسك بطنها بتردد. قالت بصوت خافت: "لنرحل... لنرحل إلى أبعد مكان ممكن". وتابعت بحزم: "ولم أعد أريد معرفة أي شيء عنه بعد الآن. لا الآن، ولا في المستقبل". تطلعت كاميليا نحو النافذة. بدت المدينة غريبة وموحشة، رغم أنها كانت بيتها ذات يوم. تنهدت، ثم نهضت واقفة. وقالت لنفسها: "سنبدأ من جديد، دون التفات إلى الوراء. وداعًا إلى الأبد يا كالفين".الفصل 95 (ب)تجمدت كاميليا في مكانها، عاجزة عن النطق.في أعماق قلبها، كانت ترغب بشدة في رفض تلك الفكرة المجنونة رفضًا قاطعًا. لكن ما إن وقعت عيناها على النظرات المليئة بالرجاء في وجهي طفليها... حتى ابتلعت كل كلمات الرفض التي كانت على وشك الخروج من شفتيها.أما ريفان، الذي كان يقف على بعد خطوات خلف كاميليا، فقد قبض يديه بقوة. اسودّت ملامحه بوضوح، ولم يكن خافيًا على أحد أنه لم يكن راضيًا إطلاقًا عما يجري أمامه.قال أخيرًا:«إذا كنتِ تشعرين بعدم الارتياح لهذا الوضع، فلا داعي لأن تجبري نفسك على الموافقة يا كاميليا.»كان صوته هادئًا، لكن نبرته حملت إحساسًا قويًا بالامتلاك.ألقت كاميليا نظرة خاطفة نحو ريفان، ثم أعادت بصرها إلى طفليها.كان أورورا ودافين لا يزالان ينظران إليها بعينين مليئتين بالتوسل.تنهدت كاميليا بعمق، محاولة أن تخفف من الضيق الذي يخنق صدرها.«حسنًا...»قالتها أخيرًا باستسلام.فقفز الطفلان من شدة الفرح.«هيه!»ارتسمت على شفتي كالفن ابتسامة خفيفة، بينما بدأ دفء لطيف ينتشر ببطء في أعماق صدره.قال بصوت منخفض وصادق موجّهًا حديثه إلى كاميليا:«شكرًا لك.»لكن كاميليا لم تجبه، ولم ت
الفصل 95 (أ)أقبل الصباح بنوره الذي بدا أكثر رقة من المعتاد. أخذت خيوط الشمس تتسلل ببطء عبر شقوق الستائر، لترسم دوائر ذهبية على أرضية غرفة المعيشة في شقة كاميليا.ومنذ ساعات الفجر الأولى، كان جو الشقة يعج بالحركة والانشغال.وقفت أورورا أمام المرآة الصغيرة، وأصابعها الرقيقة ترتب الشريط المربوط في شعرها بعناية. أما دافين، فكان منشغلاً بوضع كتبه الدراسية داخل حقيبته المدرسية، لكنه أخطأ أكثر من مرة في اختيار الكتاب بسبب شروده.«ماما! هل هذا كتاب الرياضيات أم كتاب الرسم؟» سأل دافين وهو يعقد حاجبيه بحيرة.ألقت كاميليا نظرة سريعة عليه وهي لا تزال تعدّل موضع حذائها، وقالت دون أن تستدير إليه بالكامل: «هذا كتاب الرياضيات يا حبيبي. لا تخلطه مرة أخرى كما حدث بالأمس، حسنًا؟»«آه...»أومأ دافين برأسه سريعًا، ثم استبدل الكتاب على الفور.نهضت كاميليا على قدميها، ومررت أصابعها فوق قميص العمل الذي ترتديه لتزيل عنه أي تجاعيد.اليوم... كان أول يوم رسمي لها في العمل داخل شركة كالفن.ولسبب لا تعرفه...كانت هناك مشاعر غريبة تضطرب داخل صدرها بلا توقف.«هل أنتم مستعدون جميعًا؟» سألت لتتأكد.«جاهزون يا ماما!»
الفصل 94ازداد الليل عمقًا. كانت عقارب الساعة المعلقة على الحائط تقترب من العاشرة مساءً، لكن أجواء الشقة بدت أكثر دفئًا وحيوية مقارنة بأي ليلة مضت.ما زالت أورورا تجلس على الأرض، تعانق دميتها الجديدة ذات الفراء الناعم بكلتا ذراعيها الصغيرتين. وعلى مقربة منها، كان دافين منغمسًا في قيادة سيارته التي تعمل بالتحكم عن بُعد. كانت عيناه تلمعان بالحماس كلما حرّكت أصابعه جهاز التحكم، فتنطلق السيارة متعرجة في كل الاتجاهات.«انظري يا أمي! السيارة تستطيع أن تنعطف بسرعة!» صاح دافين بحماس، رافعًا رأسه بفخر.ارتسمت ابتسامة رقيقة على شفتي كاميليا، ولانت نظرتها وهي تنظر إلى ابنها. «نعم يا بطلي، لكن انتبه، لا تجعلها تصطدم بالحائط.»في زاوية أخرى من الغرفة، وقف كالفن صامتًا. كانت يداه داخل جيبي سرواله، لكن عينيه لم تفارقا الطفلين ولو للحظة.كان هناك شيء يهتز بعنف داخل صدره... شعور غريب يتدفق بقوة حتى خنق حلقه.فجأة رفعت أورورا رأسها واستدارت نحوه. «عمي...»وبشكل غريزي أجابها كالفن، وقد رقّ صوته كثيرًا: «نعم يا صغيرتي؟»«هل ستأتي غدًا مرة أخرى؟» سألته ببراءة، بينما كانت عيناها الواسعتان تنظران إليه بكل أ
الفصل 93بدأت أضواء المدينة تتلألأ بينما كانت سيارة كالفن تبتعد عن الفندق. وكان الصمت الذي خيّم داخل المقصورة أشدّ وطأة مما كان عليه عند وصولهما قبل قليل.حدّقت كاميليا بشرود عبر النافذة، وكأن أفكارها ما زالت عالقة في قاعة كبار الشخصيات.كانت تستعيد صورة كالفن وهو يمسك بيدها بإحكام... ونبرة صوته الهادئة وهو يقول: «إنها زوجتي.»دون أن تشعر، قبضت كاميليا على قماش سروالها الموضوع فوق ركبتيها.قطع كالفن الصمت فجأة قائلاً: «لماذا أنتِ صامتة؟»لم تلتفت إليه مباشرة. «أفكر فقط.»«بماذا تفكرين؟»التفتت إليه أخيرًا. «ما فعلته قبل قليل كان مبالغًا فيه.»ارتسمت على شفتي كالفن ابتسامة خفيفة، بينما بقيت عيناه مثبتتين على الطريق. «وما الذي تقصدينه؟»«قلتَ أمام الجميع إنني زوجتك.»قال ببساطة، وكأن الأمر طبيعي تمامًا: «وهل في ذلك خطأ؟»تنهدت كاميليا بعمق، وشعرت بثقل يخنق صدرها. «لم نعد كذلك يا كالفن.»لم يجبها على الفور. ظل ينظر إلى الطريق أمامه بوجه جامد يصعب قراءة ما يخفيه.ساد الصمت لعدة ثوانٍ.ثم قال بصوت خافت، يكاد يكون همسًا: «قلت فقط ما أريده.»عقدت كاميليا حاجبيها. «لا تبدأ من جديد.»لم يواصل
الفصل 92 (تكملة)رمقت كاميليا الرجل بنظرة حادة مليئة بالاستنكار."ليس كل الناس في هذا العالم يشعرون بالارتياح عندما يُجبرون ويُسحبون من طرف واحد ليُقدَّموا أمام الجميع على أنهم زوجة أحد، يا كالفين."والغريب أن كالفين لم يشعر بالإهانة أو الغضب من سخريتها.بل على العكس، ارتفعت زاوية شفتيه قليلًا، لترتسم عليها ابتسامة رضا."لكن بحسب تقييمي... فإن هذا اللقب يليق بك تمامًا."أدارت كاميليا وجهها إلى الجهة الأخرى بضيق."لا تبدأ بالتصرف بجنون هنا."وفي أثناء مأدبة الغداء—عادت إحدى السيدات في منتصف العمر، زوجة أحد شركاء كالفين التجاريين، لتكسر الصمت قائلة:"سيدتي، إن سمحتِ لي بالسؤال... منذ متى وأنتما متزوجان؟"تجمدت كاميليا في مكانها.انفرجت شفتاها قليلًا...لكن لم تخرج منهما كلمة واحدة.لم تكن تعرف أي كذبة أخرى يمكنها أن تقولها.وقبل أن يزداد الموقف حرجًا—قال كالفين بسرعة، متوليًا زمام الحديث قبل أن يُكشف سرهما:"لقد مضى على زواجنا وقت طويل."التفتت كاميليا إليه بذهول.وأكمل كالفين بهدوء تام، وكأنه لا يقول سوى الحقيقة:"كلانا لا يحب أن تتدخل وسائل الإعلام في حياتنا الخاصة أكثر من اللازم."
الفصل 92توقفت السيارة الفاخرة أخيرًا أمام مدخل فندق ضخم يجمع بين الطراز الكلاسيكي والحديث، حيث أُقيمت مأدبة الغداء الرسمية. انعكس وهج الثريات الكريستالية العملاقة المعلقة في بهو المدخل الخارجي بضوء دافئ، ليمنح المكان أجواءً راقية وفاخرة استقبلت أنظارهما منذ اللحظة التي وطئت فيها أقدامهما خارج السيارة.نزلت كاميليا أولًا. كان الفستان الرسمي الذي أعدّه رونال لها بسيط التصميم، لكنه انسدل على قوامها بانسيابية مثالية، فأبرز أناقتها دون مبالغة أو لفتٍ مفرط للأنظار، ومع ذلك كان كافيًا ليشع منها وقارٌ راقٍ لا يُخفى.ومن الجهة الأخرى، خرج كالفين بخطوات ثابتة وهيبة واضحة. وكانت البدلة الرمادية الداكنة التي اختارتها له كاميليا في ذلك الصباح تضفي عليه مظهرًا أكثر أناقة، وتبرز حضوره القيادي القوي.وقف الاثنان متجاورين لبضع ثوانٍ أمام مدخل الفندق.ودون أي تكلّف، بدا ظلهما وهما يقفان جنبًا إلى جنب متناغمًا بصورة لافتة، وكأنهما قطعتان من أحجية قديمة عادتا أخيرًا إلى موضعهما الصحيح.لاحظت كاميليا ذلك، فتسلل إليها شعور بالضيق والانزعاج.قال كالفين بصوت أكثر هدوءًا:"هيا، لندخل."سارا معًا عبر ممر الفن







