FAZER LOGINظلت ليان واقفة في منتصف الغرفة، والصورة بين يديها.
كانت تنظر إلى القلادة الصغيرة في يد نونو. ثم إلى القلادة التي كانت تحتفظ بها منذ أيام. قالت بهدوء: — ياسين… — أنا معاكي. — القلادتان متشابهتان. — عارف. — يعني إيه؟ اقترب منها. — ممكن يكون بينهم علاقة. — أو… توقفت. — أو إيه؟ — يمكن كانت واحدة. نظرت إليه. — واحدة؟ — يمكن القلادة كانت لها واتقسمت بينكم. جلست ليان على الأريكة. — ليه حد يعمل كده؟ جلس بجانبها. — يمكن عشان يفضل بينكم شيء مهما حصل. نظرت إلى الصورة مرة أخرى. — أنا حاسة إني كنت بحبها جدًا. ابتسم. — واضح. — كنت بخاف عليها. — وإنتِ لسه بتخافي عليها. رفعت عينيها إليه. — رغم إني مش فاكرة شكلها كويس. — القلب ساعات بيفتكر قبل العقل. ابتسمت. — أنت بتقول كلام حلو أوي النهاردة. — عشان زوجتي محتاجة كلام حلو. ضحكت للمرة الأولى منذ عودتهما. ⸻ بعد قليل، ذهبت ليان إلى غرفتها وأخرجت صندوق الذكريات. وضعت الصورة بجانب القلادة. ثم بدأت تقارن التفاصيل. في الصورة، كانت نونو ترتدي القلادة في رقبتها. لكن شيئًا آخر لفت انتباهها. كانت ليان نفسها ترتدي سلسلة صغيرة أخرى. قالت: — استنى. اقترب ياسين. — إيه؟ أشارت إلى رقبتها في الصورة. — أنا كمان كنت لابسة قلادة. نظر إليها. — فعلاً. — بس أنا مش فاكرة إنها كانت عندي. فتحت الصندوق بسرعة. بحثت بين الأشياء القديمة. ثم وجدت قطعة صغيرة ملفوفة داخل منديل. فتحتها. كانت قلادة أخرى. توقفت. — دي هي. نظر إليها ياسين. — متأكدة؟ — أيوه. رفعتها أمام الضوء. كان الحرف محفورًا عليها. «ل.م» قالت: — إذن كان عندنا اثنتين. ثم قلبت الصورة. وعلى ظهرها كان هناك تاريخ: 27 أبريل 2006. تجمدت ليان. — ست سنوات. نظر إليها ياسين. — إيه؟ — التاريخ ده بعد ولادتي بست سنين. ثم نظرت إلى الصورة. — يعني الصورة مش من وقت ولادتي. — لا. — يبقى نونو كانت موجودة في حياتي بعد كده. أومأ. — بالضبط. تنفست ببطء. — إذن ليه كل ده اختفى من ذاكرتي؟ لم يجب ياسين. هذه المرة لم يحاول أن يجد تفسيرًا. فقط أمسك يدها. ⸻ في المساء، كانت ليان جالسة في الشرفة. جاء ياسين ووضع كوبًا بجانبها. — شاي. نظرت إليه. — شكرًا. جلس بجانبها. بقي الاثنان صامتين قليلًا. ثم قالت: — أنا كنت خايفة إن الماضي ياخدك مني. نظر إليها باستغراب. — أنا؟ — أيوه. — ليه؟ — كل ما نكتشف حاجة، بحس إننا بنرجع لحياة ما أعرفهاش. أمسك يدها. — أنا مش جزء من الماضي يا ليان. نظرت إليه. — أمال إيه؟ — أنا الشخص اللي اخترتيه في الحاضر. ابتسمت. — حتى لو الماضي كان فيه نونو؟ — حتى لو كان فيه ألف نونو. ضحكت. — ألف نونو؟ — المهم إن في واحدة ليان. — واحدة؟ — واحدة بس. اقتربت منه قليلًا. — وأنا اخترتك. ابتسم. — وأنا كل يوم بختارك من جديد. سكتت وهي تنظر إليه. ثم قالت: — ممكن أطلب منك حاجة؟ — أي حاجة. — لما الحقيقة تظهر… ما تتغيرش. نظر إليها بثبات. — الحقيقة ممكن تغير حاجات كتير. ثم أمسك يدها أكثر. — بس مش اختياري ليكِ. ابتسمت. ⸻ في تلك اللحظة، وصل إشعار على هاتف ليان. رسالة من نورا. فتحتها. «القلادة ليست دليلًا على من تكون نونو… بل دليل على ما حدث في يوم 27 أبريل 2006.» ثم رسالة ثانية: «غدًا سأعطيكِ الشيء الذي احتفظت به لكِ طوال عشرين عامًا.» رفعت ليان عينيها. — عشرين سنة؟ حسبت السنوات بسرعة. ثم نظرت إلى ياسين. — نورا احتفظت بشيء من أجلي من عشرين سنة. — يبقى بكرة مهم. وضعت الهاتف جانبًا. — أنا خايفة. اقترب منها. — وأنا هنا. ابتسمت. ثم أسندت رأسها إلى كتفه. ولأول مرة، لم تكن تنتظر الحقيقة وحدها. كانت تنتظرها وهي تعرف أن هناك يدًا ستبقى ممسكة بيدها مهما كانت الحقيقة.لم تفهم ليان جملة فؤاد.— مش أبي بالطريقة اللي أظنها؟قالت وهي تنظر إليه:— يعني إيه؟لم يجب فورًا.كان الجميع ينتظر.وأخيرًا قال:— أنا والدكِ بالدم.توقفت ليان.— لكن؟— لكن محمود هو الرجل اللي ربّاكِ.قال مالك:— يعني فؤاد أبونا الحقيقي؟— أيوه.قالت سارة:— وليه اتقال لنا إن محمود أبونا؟أجاب فؤاد:— لأن الحقيقة كانت هتقتلكم.ضحكت ليان بمرارة.— كل واحد بيقول نفس الجملة.اقتربت نادين منها.— المرة دي لازم تسمعي للنهاية.قالت ليان:— اتفضلي.أخذت نادين الصورة القديمة.— والدتك وفؤاد كانوا متزوجين قبل محمود.تجمدت ليان.— متزوجين؟أومأت.— نعم.— وإزاي؟— انفصلوا بعد ولادة مالك.نظر مالك إلى فؤاد.— ليه؟قال فؤاد:— لأنني كنت أعمل مع والدكِ في المشروع.سألت ليان:— أي مشروع؟— مشروع حماية الأطفال الذين كانت الشبكة تطاردهم.قال آدم:— ومالك كان واحدًا منهم؟— نعم.قالت سارة:— وأنا؟— أنتِ كنتِ الأصغر.ثم نظر إلى ليان.— وأنتِ كنتِ آخر طفلة.قالت ليان:— ورامي؟— رامي لم يكن من أطفال المشروع.تغير وجه رامي.— إيه؟قال فؤاد:— رامي ابني من زواج آخر.توقفت ليان.— يعني مش أخونا؟أجاب:
تجمدت ليان.لم تتحرك.الرجل الواقف عند الباب كان يحمل صورة والدها القديمة.لكن وجهه لم يكن وجه والدها.كان أكبر سنًا، وشعره رمادي، وملامحه مختلفة.قال ياسين:— مين إنت؟أجاب الرجل:— اسمي فؤاد.نظرت إليه ليان.— وبتقول إنك أبونا؟— أيوه.ضحك مالك بمرارة.— مستحيل.قال فؤاد:— عارف إنكم مش هتصدقوا.ثم وضع الصورة على الطاولة.— عشان كده جبت الدليل.اقتربت ليان.كانت الصورة قديمة جدًا.والدتها تقف في المنتصف.بجانبها رجل أصغر سنًا.وفي ذراعيه طفل.قالت ليان:— ده مين؟أجاب:— أنا.ثم أشار إلى الطفل.— وده مالك.تقدم مالك.— أنا؟— أيوه.قالت سارة:— لكن والدي كان اسمه محمود.تغير وجه فؤاد.— محمود كان زوج أمكم.سألته ليان:— مش أبويا؟صمت.ثم قال:— لا.ساد الصمت.شعرت ليان بأن كل شيء داخلها انهار.— يعني بابا اللي عشت وأنا فاكرة إنه أبويا… مش أبي؟أجاب فؤاد:— كان يحبكم.— أنا ما سألتش إذا كان يحبنا.نظرت إليه بعينين دامعتين.— أنا بسألك: هل هو أبي؟هز رأسه.— لا.قال مالك:— وإنت اختفيت ليه؟— لأن محمود عرف بوجودي.سألت ليان:— وماما؟خفض عينيه.— كانت تحاول تحميكم جميعًا.قالت سارة:—
لم تستطع ليان أن تتحرك.كانت كلمة نادين ما تزال معلقة في الهواء:«أنتم أربعة.»قال مالك:— مين الرابع؟لم تجب نادين.نظرت إلى سارة.ثم إلى آدم.وأخيرًا إلى ليان.قالت ليان:— قولي.أخرجت نادين ملفًا قديمًا.— الطفل الرابع اتولد قبل سارة ومالك وليان بسنوات.سأل ياسين:— من أمه؟— نفس الأم.تجمدت ليان.— أمي؟أومأت نادين.— أيوه.قالت سارة:— أنا كنت أعرف.نظر إليها مالك.— كنتِ تعرفي إن لينا أخ رابع؟— كنت أعرف إن عندنا أخًا.— فين؟خفضت سارة عينيها.— ما أعرفش.قالت نادين:— أنا أعرف.اقتربت ليان.— مين هو؟فتحت نادين الملف.كانت الصفحة الأولى تحمل صورة لطفل صغير.لم يكن وجهه واضحًا.لكن على كتفه ظهرت العلامة نفسها.قالت نادين:— اسمه عند الولادة كان نور.تجمدت ليان.— نور؟قالت سارة:— الاسم ده مش اسم ولد.أجابت نادين:— لأنه لم يكن اسمه الحقيقي.قلبت الصفحة.ظهر اسم آخر:«آدم.»نظر الجميع إلى آدم.لم يتحرك.قال ياسين:— تاني؟أجاب آدم بصوت منخفض:— أنا قلت لكم إني كنت الطفل ٣٠٩.قالت نادين:— لكن الطفل ٣٠٩ لم يكن آدم.تجمد آدم.— إيه؟قالت نادين:— أنت كنت الطفل الذي تم نقله بعده.ن
توقفت ليان أمام المرأة.لم تستطع الكلام.كانت ملامحها تشبه أمها بطريقة غريبة.لكن عينيها…كانتا تحملان شيئًا شعرت ليان أنها تعرفه منذ زمن.قالت المرأة:— ليان؟همست ليان:— سارة؟أومأت.— أيوه.تقدمت ليان خطوة.لكن ياسين أمسك بذراعها.— استني.نظرت إليه.— دي ممكن تكون خدعة.قالت المرأة:— معاه حق.ثم أضافت:— بعد كل اللي حصل، أنا نفسي ما كنتش هصدقني.أخرجت شيئًا من جيبها.كانت قلادة صغيرة.نفس الرمز الموجود على قلادة ليان.قالت:— دي كانت معايا يوم اختفائي.اقتربت ليان.— منين جبتيها؟— أمي أعطتهالي.تجمدت.— أمي؟— والدتك.نظرت ليان إلى مالك.— يعني هي قابلت أمي؟أجابته سارة:— أكتر من مرة.قال مالك:— وإنتِ كنتِ عارفة إننا إخوات؟هزت رأسها.— عرفت من زمان.— ليه ما رجعتيش؟خفضت عينيها.— لأنني كنت أعتقد إن رجوعي هيعرّضكم للخطر.قال ياسين:— مين كان بيهددك؟— كريم.تدخل آدم:— كريم كان يعرف مكانها؟— أيوه.ثم نظرت إلى ليان.— لكنه ما كانش يعرف كل شيء.قالت ليان:— إيه اللي ما كانش يعرفه؟أجابت سارة:— إن والدتك أخفت الدليل الأخير.— فين؟ابتسمت سارة بحزن.— معك.وضعت ليان يدها على ك
ظلت ليان تحدق في الصورة.طفلة صغيرة بين ذراعي هالة.والتاريخ:٢٨ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— أنا كنت مع أمي في المستشفى.قال آدم:— أيوه.— إذن مين الطفلة دي؟لم يجب.اقتربت مريم وأخذت الصورة.قلبتها.كان خلفها رقم:٣٠٩.تغير وجهها.— لا…سألها مالك:— إيه؟قالت مريم:— الطفل ٣٠٩ ما كانش طفلًا مجهولًا.نظرت إليها ليان.— أمال؟— كان اسمًا مستعارًا.قال ياسين:— لمين؟رفعت مريم عينيها.— لليان.ساد الصمت.قالت ليان:— يعني أنا كنت المريضة ٣٠٩؟أومأت.— أيوه.قال آدم:— وده يفسر ليه السجلات كانت متناقضة.قالت ليان:— بس الصورة…— هالة كانت تحملك بعد ما خرجتِ من المستشفى.— خرجت؟— مؤقتًا.قال مالك:— والدتك كانت بتحاول تخفيك عن كريم.سألت ليان:— وسارة؟قالت مريم:— سارة كانت في نفس المبنى.— يعني أنا وسارة كنا مع بعض؟— لفترة قصيرة.بدأت ذكريات مبهمة تعود إلى ليان.ممر أبيض.صوت طفلة تضحك.امرأة تقول:— خدي بالك منها.ثم صوت آخر:— لازم نفصلهم.وضعت ليان يدها على رأسها.قال ياسين:— ليان؟— أنا فاكرة حاجة.اقترب منها.— إيه؟— كان فيه سريرين.نظر الجميع إليها.— وأنا كنت في واحد.توقفت.—
لم تستطع ليان أن تبعد عينيها عن الصورة.امرأة شابة تحملها بين ذراعيها.وخلفها ممر المستشفى.وفي زاوية الصورة، ظهر تاريخ:٢٧ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— دي كانت موجودة يوم ولادتي؟أومأ آدم.— أيوه.سأل ياسين:— اسمها إيه؟قال آدم:— نادية.تدخلت مريم:— اسمها الحقيقي مش نادية.نظرت إليها ليان.— أمال؟— هالة.تجمدت.قال مالك:— هالة زوجة كريم؟— أيوه.سألت ليان:— إيه علاقتها بأمي؟أجابت مريم:— كانوا يعرفوا بعض قبل سنوات من ولادتك.— منين؟— من والدك.صمتت ليان.— بابا كان يعرفها؟— كان يعرف زوجها، ويعرف إنها كانت بتساعده في بعض الأمور.قال ياسين:— أي أمور؟نظرت مريم إلى آدم.— نقل الأطفال.تغير وجه ليان.— الأطفال؟— أيوه.قال آدم:— هالة كانت واحدة من الأشخاص اللي بينقلوا الأطفال بين المستشفيات.قالت ليان:— ليه؟— عشان يختفوا من السجلات.سألت:— ومين كان بيطلب منها ده؟صمت آدم.ثم قال:— كريم.شعرت ليان بالاختناق.— يعني كريم كان يعرفني من يوم ولادتي؟— أيوه.— وكان عايزني أختفي؟— في البداية.— ليه؟أجاب آدم:— لأنك كنتِ تحملين العلامة.وضعت ليان يدها على كتفها.— العلامة اللي عندي؟







