FAZER LOGINفي صباح اليوم التالي، استيقظت ليان قبل المنبه.
لم تستطع النوم جيدًا. ظلت كلمة واحدة تدور في رأسها: بيتنا. لماذا قالت نورا «بيتنا»؟ ومن كانت نونو بالنسبة لها؟ التفتت إلى ياسين. كان مستيقظًا. ابتسم عندما رأى عينيها مفتوحتين. — من إمتى وأنتِ صاحيّة؟ — من بدري. — خايفة؟ فكرت للحظة. — شوية. اقترب منها. — عايزة نأجل؟ هزت رأسها. — لا. ثم ابتسمت. — المرة دي أنا عايزة أعرف. أمسك يدها. — وأنا معاكي. ⸻ وصل الاثنان إلى العنوان قبل الموعد بقليل. كان بيتًا قديمًا، لكنه مألوف بطريقة غريبة. نظرت ليان إلى الباب. ثم قالت: — أنا شفت المكان ده قبل كده. — فاكرة؟ — مش بالكامل. اقتربت من الباب. كانت هناك شجرة كبيرة بجانبه. وضعت يدها على جذعها. وفجأة ظهرت صورة صغيرة في ذاكرتها: طفلة تجري. طفلة أخرى تضحك خلفها. وصوت يقول: — ليان، استنيني! سحبت يدها بسرعة. — أنا سمعت صوتها. وضع ياسين يده على كتفها. — نونو؟ أومأت. — أيوه. ⸻ فُتح الباب. ظهرت نورا. كانت امرأة هادئة الملامح، تحمل في عينيها شيئًا يشبه الحزن والحنين. نظرت إلى ليان طويلًا. ثم قالت: — كبرتي. لم تعرف ليان ماذا تقول. قالت بصوت خافت: — أنتِ نورا؟ ابتسمت. — أيوه. ثم نظرت إلى ياسين. — وأنت ياسين. أومأ. — نعم. فتحت الباب أكثر. — ادخلوا. دخلت ليان ببطء. كان البيت بسيطًا. لكنها شعرت براحة غريبة. كأنها دخلت مكانًا تعرفه منذ زمن بعيد. قالت: — أنا كنت هنا. أجابت نورا: — كتير. التفتت إليها. — مع نونو؟ أومأت نورا. — مع نونو. ⸻ جلست ليان. لم تعرف من أين تبدأ. فقالت نورا: — اسألي. — نونو مين؟ ابتسمت نورا بحزن. — أولًا… هي كانت أقرب شخص ليكِ وأنتِ صغيرة. — أختي؟ سكتت نورا. نظرت إلى ياسين، ثم إلى ليان. — أنا مش جاية النهارده أقول لكِ كل الحقيقة. شعرت ليان بالخيبة. لكنها لم تغضب. — طيب جاية ليه؟ أخرجت نورا صورة قديمة. وضعتها أمامها. كانت صورة لليان ونونو وهما صغيرتان. وخلفهما نورا. لكن هذه المرة، ظهر رجل يقف بعيدًا. عرفه ياسين فورًا. — فارس. رفعت ليان عينيها إليه. — أنت متأكد؟ — أيوه. قالت نورا: — فارس كان يحاول يحميكم. — يحمي مين؟ — أنتِ ونونو. سكتت ليان. — ليه؟ نورا لم تجب. بدلًا من ذلك، قالت: — لأن وجودكما معًا كان خطرًا على أشخاص لم يكونوا يريدون أن تعرفا الحقيقة. قالت ليان: — مين؟ — مش دلوقتي. ⸻ نظرت ليان إلى الصورة مرة أخرى. ثم قالت: — أين نونو الآن؟ نورا ابتسمت. — أقرب مما تظنين. تسارعت دقات قلبها. — يعني إيه؟ — يعني أنها لم تختفِ من حياتك تمامًا. نظرت إلى ياسين. ثم عادت إلى نورا. — هل تعرفني الآن؟ — أكثر مما تتخيلين. — هل تعرف أنني أبحث عنها؟ — تعرف. صمتت ليان. ثم قالت: — إذًا لماذا لا تأتي؟ خفضت نورا عينيها. — لأنها خائفة. — مني؟ — لا. — من ماذا؟ قالت نورا بهدوء: — من اليوم الذي ستعرف فيه الحقيقة. ⸻ خرجت ليان من البيت وهي شاردة. جلس ياسين بجانبها في السيارة. لم يشغل المحرك فورًا. — عايزة تتكلمي؟ هزت رأسها. — مش دلوقتي. — تمام. بقي بجانبها. بعد دقائق، قالت: — كنت متوقعة إني لما أعرف حاجة عن نونو هفرح. — وما فرحتيش؟ — فرحت. ثم نظرت إليه. — بس حاسة إن كل إجابة بتجيب سؤالين. ابتسم. — يبقى هنمشي سؤال سؤال. ضحكت بخفة. — أنت دايمًا هادي كده؟ — لا. — أمال؟ — أنا خايف زيك. نظرت إليه بدهشة. — أنت؟ — طبعًا. — بس مش باين عليك. — عشان لو أنا خوفت، مين هيطمنك؟ ابتسمت. ثم مدت يدها. أمسكها فورًا. — شكرًا. — على إيه؟ — إنك بتخاف معايا… بس ما بتخلينيش أخاف لوحدي. نظر إليها طويلًا. — ده دوري. ⸻ عندما عادا إلى المنزل، وجدت ليان ظرفًا صغيرًا عند الباب. لم يكن عليه اسم. فتحت الظرف. كانت بداخله صورة واحدة. صورة لطفلتين. وعلى ظهرها جملة بخط يد قديم: «أنتِ لم تنسي نونو… أنتِ فقط نسيتِ لماذا كان يجب أن تحبيها من بعيد.» توقفت ليان. ثم قلبت الصورة مرة أخرى. هذه المرة لاحظت شيئًا لم تنتبه له من قبل. في يد نونو… كان نفس القلادة الصغيرة التي احتفظت بها ليان منذ أيام. قلادة تحمل الأحرف: «ل.م» رفعت ليان عينيها إلى ياسين. — القلادة… قال بهدوء: — أيوه. — كانت عندها هي كمان. وفي تلك اللحظة، لم تعد نونو مجرد فتاة من طفولتها. بل أصبحت قطعة مفقودة من قصة ليان نفسها.لم تفهم ليان جملة فؤاد.— مش أبي بالطريقة اللي أظنها؟قالت وهي تنظر إليه:— يعني إيه؟لم يجب فورًا.كان الجميع ينتظر.وأخيرًا قال:— أنا والدكِ بالدم.توقفت ليان.— لكن؟— لكن محمود هو الرجل اللي ربّاكِ.قال مالك:— يعني فؤاد أبونا الحقيقي؟— أيوه.قالت سارة:— وليه اتقال لنا إن محمود أبونا؟أجاب فؤاد:— لأن الحقيقة كانت هتقتلكم.ضحكت ليان بمرارة.— كل واحد بيقول نفس الجملة.اقتربت نادين منها.— المرة دي لازم تسمعي للنهاية.قالت ليان:— اتفضلي.أخذت نادين الصورة القديمة.— والدتك وفؤاد كانوا متزوجين قبل محمود.تجمدت ليان.— متزوجين؟أومأت.— نعم.— وإزاي؟— انفصلوا بعد ولادة مالك.نظر مالك إلى فؤاد.— ليه؟قال فؤاد:— لأنني كنت أعمل مع والدكِ في المشروع.سألت ليان:— أي مشروع؟— مشروع حماية الأطفال الذين كانت الشبكة تطاردهم.قال آدم:— ومالك كان واحدًا منهم؟— نعم.قالت سارة:— وأنا؟— أنتِ كنتِ الأصغر.ثم نظر إلى ليان.— وأنتِ كنتِ آخر طفلة.قالت ليان:— ورامي؟— رامي لم يكن من أطفال المشروع.تغير وجه رامي.— إيه؟قال فؤاد:— رامي ابني من زواج آخر.توقفت ليان.— يعني مش أخونا؟أجاب:
تجمدت ليان.لم تتحرك.الرجل الواقف عند الباب كان يحمل صورة والدها القديمة.لكن وجهه لم يكن وجه والدها.كان أكبر سنًا، وشعره رمادي، وملامحه مختلفة.قال ياسين:— مين إنت؟أجاب الرجل:— اسمي فؤاد.نظرت إليه ليان.— وبتقول إنك أبونا؟— أيوه.ضحك مالك بمرارة.— مستحيل.قال فؤاد:— عارف إنكم مش هتصدقوا.ثم وضع الصورة على الطاولة.— عشان كده جبت الدليل.اقتربت ليان.كانت الصورة قديمة جدًا.والدتها تقف في المنتصف.بجانبها رجل أصغر سنًا.وفي ذراعيه طفل.قالت ليان:— ده مين؟أجاب:— أنا.ثم أشار إلى الطفل.— وده مالك.تقدم مالك.— أنا؟— أيوه.قالت سارة:— لكن والدي كان اسمه محمود.تغير وجه فؤاد.— محمود كان زوج أمكم.سألته ليان:— مش أبويا؟صمت.ثم قال:— لا.ساد الصمت.شعرت ليان بأن كل شيء داخلها انهار.— يعني بابا اللي عشت وأنا فاكرة إنه أبويا… مش أبي؟أجاب فؤاد:— كان يحبكم.— أنا ما سألتش إذا كان يحبنا.نظرت إليه بعينين دامعتين.— أنا بسألك: هل هو أبي؟هز رأسه.— لا.قال مالك:— وإنت اختفيت ليه؟— لأن محمود عرف بوجودي.سألت ليان:— وماما؟خفض عينيه.— كانت تحاول تحميكم جميعًا.قالت سارة:—
لم تستطع ليان أن تتحرك.كانت كلمة نادين ما تزال معلقة في الهواء:«أنتم أربعة.»قال مالك:— مين الرابع؟لم تجب نادين.نظرت إلى سارة.ثم إلى آدم.وأخيرًا إلى ليان.قالت ليان:— قولي.أخرجت نادين ملفًا قديمًا.— الطفل الرابع اتولد قبل سارة ومالك وليان بسنوات.سأل ياسين:— من أمه؟— نفس الأم.تجمدت ليان.— أمي؟أومأت نادين.— أيوه.قالت سارة:— أنا كنت أعرف.نظر إليها مالك.— كنتِ تعرفي إن لينا أخ رابع؟— كنت أعرف إن عندنا أخًا.— فين؟خفضت سارة عينيها.— ما أعرفش.قالت نادين:— أنا أعرف.اقتربت ليان.— مين هو؟فتحت نادين الملف.كانت الصفحة الأولى تحمل صورة لطفل صغير.لم يكن وجهه واضحًا.لكن على كتفه ظهرت العلامة نفسها.قالت نادين:— اسمه عند الولادة كان نور.تجمدت ليان.— نور؟قالت سارة:— الاسم ده مش اسم ولد.أجابت نادين:— لأنه لم يكن اسمه الحقيقي.قلبت الصفحة.ظهر اسم آخر:«آدم.»نظر الجميع إلى آدم.لم يتحرك.قال ياسين:— تاني؟أجاب آدم بصوت منخفض:— أنا قلت لكم إني كنت الطفل ٣٠٩.قالت نادين:— لكن الطفل ٣٠٩ لم يكن آدم.تجمد آدم.— إيه؟قالت نادين:— أنت كنت الطفل الذي تم نقله بعده.ن
توقفت ليان أمام المرأة.لم تستطع الكلام.كانت ملامحها تشبه أمها بطريقة غريبة.لكن عينيها…كانتا تحملان شيئًا شعرت ليان أنها تعرفه منذ زمن.قالت المرأة:— ليان؟همست ليان:— سارة؟أومأت.— أيوه.تقدمت ليان خطوة.لكن ياسين أمسك بذراعها.— استني.نظرت إليه.— دي ممكن تكون خدعة.قالت المرأة:— معاه حق.ثم أضافت:— بعد كل اللي حصل، أنا نفسي ما كنتش هصدقني.أخرجت شيئًا من جيبها.كانت قلادة صغيرة.نفس الرمز الموجود على قلادة ليان.قالت:— دي كانت معايا يوم اختفائي.اقتربت ليان.— منين جبتيها؟— أمي أعطتهالي.تجمدت.— أمي؟— والدتك.نظرت ليان إلى مالك.— يعني هي قابلت أمي؟أجابته سارة:— أكتر من مرة.قال مالك:— وإنتِ كنتِ عارفة إننا إخوات؟هزت رأسها.— عرفت من زمان.— ليه ما رجعتيش؟خفضت عينيها.— لأنني كنت أعتقد إن رجوعي هيعرّضكم للخطر.قال ياسين:— مين كان بيهددك؟— كريم.تدخل آدم:— كريم كان يعرف مكانها؟— أيوه.ثم نظرت إلى ليان.— لكنه ما كانش يعرف كل شيء.قالت ليان:— إيه اللي ما كانش يعرفه؟أجابت سارة:— إن والدتك أخفت الدليل الأخير.— فين؟ابتسمت سارة بحزن.— معك.وضعت ليان يدها على ك
ظلت ليان تحدق في الصورة.طفلة صغيرة بين ذراعي هالة.والتاريخ:٢٨ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— أنا كنت مع أمي في المستشفى.قال آدم:— أيوه.— إذن مين الطفلة دي؟لم يجب.اقتربت مريم وأخذت الصورة.قلبتها.كان خلفها رقم:٣٠٩.تغير وجهها.— لا…سألها مالك:— إيه؟قالت مريم:— الطفل ٣٠٩ ما كانش طفلًا مجهولًا.نظرت إليها ليان.— أمال؟— كان اسمًا مستعارًا.قال ياسين:— لمين؟رفعت مريم عينيها.— لليان.ساد الصمت.قالت ليان:— يعني أنا كنت المريضة ٣٠٩؟أومأت.— أيوه.قال آدم:— وده يفسر ليه السجلات كانت متناقضة.قالت ليان:— بس الصورة…— هالة كانت تحملك بعد ما خرجتِ من المستشفى.— خرجت؟— مؤقتًا.قال مالك:— والدتك كانت بتحاول تخفيك عن كريم.سألت ليان:— وسارة؟قالت مريم:— سارة كانت في نفس المبنى.— يعني أنا وسارة كنا مع بعض؟— لفترة قصيرة.بدأت ذكريات مبهمة تعود إلى ليان.ممر أبيض.صوت طفلة تضحك.امرأة تقول:— خدي بالك منها.ثم صوت آخر:— لازم نفصلهم.وضعت ليان يدها على رأسها.قال ياسين:— ليان؟— أنا فاكرة حاجة.اقترب منها.— إيه؟— كان فيه سريرين.نظر الجميع إليها.— وأنا كنت في واحد.توقفت.—
لم تستطع ليان أن تبعد عينيها عن الصورة.امرأة شابة تحملها بين ذراعيها.وخلفها ممر المستشفى.وفي زاوية الصورة، ظهر تاريخ:٢٧ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— دي كانت موجودة يوم ولادتي؟أومأ آدم.— أيوه.سأل ياسين:— اسمها إيه؟قال آدم:— نادية.تدخلت مريم:— اسمها الحقيقي مش نادية.نظرت إليها ليان.— أمال؟— هالة.تجمدت.قال مالك:— هالة زوجة كريم؟— أيوه.سألت ليان:— إيه علاقتها بأمي؟أجابت مريم:— كانوا يعرفوا بعض قبل سنوات من ولادتك.— منين؟— من والدك.صمتت ليان.— بابا كان يعرفها؟— كان يعرف زوجها، ويعرف إنها كانت بتساعده في بعض الأمور.قال ياسين:— أي أمور؟نظرت مريم إلى آدم.— نقل الأطفال.تغير وجه ليان.— الأطفال؟— أيوه.قال آدم:— هالة كانت واحدة من الأشخاص اللي بينقلوا الأطفال بين المستشفيات.قالت ليان:— ليه؟— عشان يختفوا من السجلات.سألت:— ومين كان بيطلب منها ده؟صمت آدم.ثم قال:— كريم.شعرت ليان بالاختناق.— يعني كريم كان يعرفني من يوم ولادتي؟— أيوه.— وكان عايزني أختفي؟— في البداية.— ليه؟أجاب آدم:— لأنك كنتِ تحملين العلامة.وضعت ليان يدها على كتفها.— العلامة اللي عندي؟







