LOGINفي اليوم التالي، استيقظت ليان وهي تشعر بشيء مختلف.لم يكن الخوف هو أول شيء شعرت به عندما فتحت عينيها.بل الهدوء.هدوء غريب لم تعتده منذ فترة طويلة.بقيت للحظات تنظر إلى السقف، ثم تذكرت أن أمها موجودة في الغرفة المجاورة.ابتسمت دون أن تشعر.مدت يدها إلى الطاولة بجوار السرير، وأمسكت بالمفتاح الصغير الذي أعطتها إياه والدتها.٣.رقم واحد فقط.لا اسم.لا عنوان.لا تفسير.قلبته بين أصابعها، ثم وضعته في جيبها.لم تكن تريد أن تبدأ يومها بالبحث.قررت أن تتركه جانبًا.على الأقل اليوم.نزلت إلى غرفة الجلوس، فوجدت والدتها جالسة أمام النافذة.كانت تمسك بألبوم صور قديم.عندما رأت ليان، أغلقت الألبوم بسرعة.ابتسمت ليان.— كنتِ بتتفرجي على صور زمان؟ترددت الأم.— أيوه.— صورتي؟ابتسمت الأم.— صورك وصور أبوكي.جلست ليان بجانبها.— ممكن أشوفهم؟فتحت الأم الألبوم.كانت هناك صور كثيرة.ليان طفلة صغيرة.ليان في أول يوم مدرسة.ليان وهي تضحك أمام البحر.ليان بجانب والدها.توقفت عند صورة معينة.كانت ليان في الخامسة أو السادسة من عمرها، جالسة على كتفي والدها.وضعت أصبعها على الصورة.— أنا فاكرة اليوم ده.نظرت
لم تنم ليان تلك الليلة.كانت مستلقية على السرير، تنظر إلى السقف، بينما كانت كلمات أمها تعود إلى رأسها مرة بعد مرة.«لو إنتِ عايزة… هفضل معاكي.»كلمات بسيطة.لكن بالنسبة إلى ليان، كانت أثقل من كل الملفات التي قرأتها، وأقوى من كل الرسائل التي وصلتها.لأول مرة منذ سنوات، كانت تعرف أن أمها ليست مجرد صورة قديمة في ذاكرتها.كانت هنا.قريبة منها.تتنفس في الغرفة المجاورة.ومع ذلك، لم تستطع ليان أن تشعر بالراحة كاملة.فهي لم تكن تعرف كيف تعود ابنةً لأمها بعد كل هذه السنوات.هل يمكن لعلاقة انقطعت أكثر من عشرين عامًا أن تعود في ليلة واحدة؟سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.— ليان؟كان صوت ياسين.— ادخل.فتح الباب ببطء.دخل وهو يحمل كوبًا من الماء.— لسه صاحية؟أخذت الكوب منه.— مش عارفة أنام.جلس على المقعد المقابل لها.— طبيعي.نظرت إليه.— إنت كمان مش نايم.ابتسم.— واضح أوي؟— جدًا.سكتا قليلًا.ثم قالت ليان:— أنا مش عارفة أعمل إيه.— في إيه؟— في كل حاجة.خفضت عينيها إلى الكوب.— طول عمري كنت فاكرة إن أمي ماتت. بعدين اكتشفت إنها عايشة. ولما لقيتها، بدل ما أحس إن كل حاجة انتهت، حسيت إن حياتي بدأ
بقيت ليان تنظر إلى الشاشة دون أن تتحرك.كانت الرسالة ما زالت أمام عينيها:«أخيرًا قابلتِ أمك… لكن هل أخبرتك من هي أختك؟»لم تكن الجملة طويلة، لكنها كانت كافية لتعيد كل الخوف الذي حاولت إخفاءه منذ أن دخلت هذا المنزل.رفعت عينيها ببطء نحو أمها.كانت والدتها جالسة أمامها، وملامحها شاحبة.أما ياسين فكان واقفًا بالقرب من النافذة، يراقب الشارع بصمت.قالت ليان:— مين اللي بعت الرسالة دي؟أجاب ياسين دون أن يلتفت:— مش عارف.— بس هو عارف إحنا هنا.استدار ياسين إليها.— واضح إن حد كان بيراقب المكان.قالت ليان:— وده معناه إننا لسه مش بعيدين عن الخطر.لم تجب أمها.اقتربت ليان منها وجلست بجوارها.كانت تريد أن تسألها عشرات الأسئلة، لكنها هذه المرة لم تكن تريد أن تسمع إجابات متسرعة.قالت بهدوء:— ماما… أنا مش عايزة أسرار تاني.نظرت إليها أمها.— عارفة.— لا، مش عارفة.سكتت ليان للحظة، ثم تابعت:— أنا طول الوقت بحاول أفهم. كل ما ألاقي إجابة ألاقي وراها سؤالين. بقيت أخاف من أي حاجة جديدة أعرفها.انخفض صوتها:— أنا حتى بقيت مش عارفة أصدق مين.نظر ياسين إليها.كانت الجملة موجهة إليه أيضًا.شعر بذلك.اق
ظلت ليان تحدق في الصورة.لم تسمع أي صوت حولها.لم تعد ترى ياسين، ولا آدم، ولا كمال، ولا حتى فريدة.كل ما رأته كان وجه المرأة الموجودة في الصورة.وجه تعرفه.ملامح لا يمكن أن تنساها.نظرة كانت تراها في طفولتها كل ليلة قبل أن تنام.ابتسامة كانت تشعر معها بالأمان.أمها.لكن هذا مستحيل.والدتها ماتت.الجميع قال ذلك.شهادة الوفاة موجودة.قبرها موجود.ليلة موتها محفورة في ذاكرتها.فكيف يمكن لامرأة ماتت منذ سنوات أن تظهر في صورة التُقطت بالأمس؟قال آدم:— ليان…لم تجبه.اقترب ياسين.— بصي لي.رفعت عينيها إليه.— دي أمي.— عارف.— أمي عايشة.لم يرد.— ياسين!قال بهدوء:— ما نقدرش نتأكد من صورة واحدة.— أنا أعرف أمي.— الصورة ممكن تكون قديمة.— مكتوب عليها أمس.— ممكن يكون التاريخ متلاعب فيه.قالت:— وممكن تكون الحقيقة.سكت.ثم قالت:— أنا رايحة.قال ياسين فورًا:— مش لوحدك.رفعت الهاتف.— الرسالة قالت لوحدي.— والرسالة دي ممكن تكون فخ.— كل شيء أصبح فخًا.ثم أضافت:— لكن لو فيه احتمال واحد في المئة إن أمي عايشة، أنا لازم أروح.قال آدم:— وأنا هاجي.نظر إليه ياسين.— لا.— ليه؟— لأن الرسالة مو
تجمدت ليان في مكانها.لم تستطع أن تتحرك.كانت الجملة الأخيرة للطبيب سامي تدور داخل رأسها بلا توقف:«كانت أختك.»أختها.كلمة بسيطة، لكنها بالنسبة إلى ليان كانت كافية لتعيد ترتيب كل شيء عرفته عن حياتها.طوال عمرها كانت تعتقد أنها الابنة الوحيدة.لم يخبرها والدها يومًا أن لها أختًا.لم تقل والدتها شيئًا.حتى ياسين، الذي اكتشفت أنه يعرف تفاصيل أكثر مما ينبغي عن طفولتها، لم يخبرها.والآن يقف أمامها الطبيب الذي كان حاضرًا في يوم ولادتها ليخبرها أن هناك طفلة أخرى، وأن تلك الطفلة كانت أختها.ثم جاءت الأصوات من الأسفل.— افتح الباب!نظر الطبيب سامي إلى فريدة.— وصلوا.قالت ليان:— مين؟— الأشخاص الذين كنت أهرب منهم.قالت فريدة:— لازم نخرج من هنا.لكن ليان لم تتحرك.— مش قبل ما أعرف.اقترب منها الطبيب.— عندك دقائق فقط.— أنا استنيت ستة وعشرين سنة.صمت.— مش هخرج من هنا من غير إجابة.نظر إليها طويلًا.ثم قال:— والدتك كانت تعرف أن أحدًا سيبحث عنك.— مين؟— لا أعرف.— لكنك تعرف أين أختي.تغير وجهه.— أعرف أين بدأت قصتها.— يعني إيه؟— لا أعرف أين انتهت.⸻ارتفعت أصوات الخطوات في الطابق السفلي.
ظلّت ليان واقفة في مكانها، غير قادرة على استيعاب الجملة الأخيرة التي قالها كمال.«الشيء الذي كانوا يبحثون عنه لم يكن في القلادة… كان معكِ أنتِ منذ ولادتك.»وضعت يدها على صدرها دون وعي.ثم نظرت إلى كمال.— معايا أنا؟أومأ.— نعم.— إيه؟لم يجب.صرخت:— إيه اللي كان معايا؟قال ياسين بسرعة:— كمال، لازم تقول لها.لكن كمال لم ينظر إليه.ظل ينظر إلى ليان.— والدتك كانت تعرف إن اليوم ده هييجي.— أي يوم؟— اليوم اللي هتكتشفي فيه الحقيقة.اقتربت ليان خطوة.— أنا مش هتحرك من هنا قبل ما أعرف.قال كمال:— لو عرفتي كل شيء الليلة، مش هتقدري ترجعي لحياتك القديمة.ضحكت ليان بمرارة.— حياتي القديمة؟ثم نظرت حولها.— حياتي القديمة اختفت من أول يوم دخلت فيه المكتب بتاع ياسين وفتحت الدرج.سكتت لحظة.— من فضلك… قول الحقيقة.أغمض كمال عينيه للحظات.ثم قال:— كان معكِ شيء صغير جدًا.— إيه؟— شيء لا يُرى بسهولة.— ورقة؟— لا.— مفتاح؟— لا.— شريحة؟هز رأسه.— لا.قالت ليان:— إذن ماذا؟قال كمال:— علامة.لم تفهم.— علامة؟— نعم.تدخل محمود:— علامة وُلدت معك.حدقت ليان فيه.— علامة على جسمي؟أومأ.تراجعت خ







