LOGINفي صباح اليوم التالي، لم تستيقظ ليان على صوت رسالة مجهولة، ولا على طرقات على الباب، ولا على ورقة مخبأة في مكان غريب.
استيقظت على صوت ياسين وهو يقول: — ليان… اصحي. فتحت عينيها ببطء. — في إيه؟ — مفيش. — أمال بتصحيني ليه؟ ابتسم. — عشان عندنا ميعاد. عقدت حاجبيها. — ميعاد إيه؟ — مش هقول. — ياسين! — قومي الأول. جلست على السرير وهي تنظر إليه بشك. — أنت بتخطط لحاجة. — طبعًا. — حاجة كويسة؟ — أتمنى. ابتسمت رغمًا عنها. — طيب اديني عشر دقايق. — عندك عشرين. — ليه عشرين؟ — عشان عارف إنك هتحتاجي نص الوقت تختاري تلبسي إيه. ضحكت. — أنت بقيت فاهمني زيادة عن اللزوم. — دي مهمتي. ⸻ بعد قليل خرجت ليان من الغرفة. كانت ترتدي فستانًا بسيطًا، وحجابًا بلون هادئ، دون مبالغة. توقف ياسين للحظة وهو ينظر إليها. قالت: — إيه؟ — ولا حاجة. — بتبصلي ليه؟ — بحاول أفتكر أول مرة شفتك فيها كده. ابتسمت. — وحسيت بإيه؟ — إن الدنيا هتتعبني. ضحكت. — يا سلام! — بس مكنتش أعرف إنها هتخليني أسعد واحد. مد يده إليها. — يلا. أمسكت يده. — فين؟ — هتعرفي. ⸻ قاد ياسين السيارة لبعض الوقت. كانت ليان تحاول تخمين المكان. — إحنا رايحين فين؟ — لو قلتلك، المفاجأة هتبوظ. — طب اديني تلميح. — مكان قديم. — قديم قد إيه؟ — قديم بما يكفي إني كنت بروحه قبل ما أعرفك. نظرت إليه باهتمام. — يعني في حياتك حاجات قبلّي؟ ضحك. — غيرة؟ — مجرد سؤال. — طبعًا كان في حياتي حاجات قبلك. سكتت. ثم قال: — لكن مفيش حاجة بعدك تشبهك. نظرت من النافذة حتى تخفي ابتسامتها. — الكلام ده بتحفظه؟ — لأ. — أمال؟ — بيطلع لما أشوفك. ⸻ توقفت السيارة أمام مكان هادئ يطل على البحر. نظرت ليان حولها. — ياسين… — فاكرة؟ حدقت في المكان. ثم ابتسمت فجأة. — ده المكان اللي جبتني فيه أول مرة بعد جوازنا! — أيوه. — بس كان شكل المكان مختلف. — عشان كده رتبت كل حاجة. دخلت معه. كانت هناك طاولة صغيرة، عليها فطور بسيط، وبجانبها صورتان قديمتان لهما. اقتربت ليان من الصور. — أنت محتفظ بيهم؟ — بكل حاجة تخصنا. — حتى الصور اللي أنا مكنتش بحبها؟ — خصوصًا دي. ضحكت. — ليه؟ — عشان كل مرة أشوفها أفتكر إنك كنتِ بتقولي إنك مش بتبتسمي في الصور. — كنت بكذب. — عارف. جلسا معًا. قالت ليان: — ليه عملت كل ده؟ نظر إليها. — عشان الفترة اللي فاتت كانت مليانة كلام عن الماضي. — صح. — وأنا عايز أفتكرك بحاجة تانية. — بإيه؟ — إن عندنا مستقبل. سكتت. ثم قالت: — أنا أحيانًا بخاف إن كل الأسرار دي تفرقنا. — وأنا بخاف من نفس الحاجة. — بجد؟ — أيوه. — بس أنت دايمًا بتبان قوي. ابتسم. — قدام الناس آه. ثم أمسك يدها. — قدامك إنتِ، أنا مجرد ياسين اللي خايف يخسر مراته. تأثرت ليان. — مش هتخسرني. — وعد؟ — وعد. ⸻ بعد الفطور، مشيا بالقرب من البحر. كان الهواء يحرك أطراف حجابها، فمد ياسين يده يعدله لها بلطف. نظرت إليه. — فاكر لما كنت بخاف منك؟ — فاكر. — كنت فاكرة إنك قاسي. — كنت قاسي. — شوية. — كتير. ضحكت. — بس بعدين اكتشفت إنك بتخبي خوفك ورا القسوة. — وإنتِ اكتشفتي ده إزاي؟ — عشان كنت بتعمل حاجات صغيرة من غير ما تتكلم. — زي إيه؟ — لما كنت بتتأكد إني أكلت. — عادي. — لما كنت تستناني أرجع حتى لو كنت بتقول إنك مش مستنيني. ابتسم. — كنتي بتعرفي؟ — كنت عارفة. — وكنتِ ساكتة؟ — كنت بحب أشوفك بتتصرف من غير ما تعرف إني ملاحظة. ضحك. — طلعتِ أخطر مما توقعت. — أكيد. ثم توقفا أمام البحر. قالت ليان: — ياسين؟ — نعم؟ — لو رجعنا لأول يوم قابلنا فيه بعض، كنت هتختارني تاني؟ أجاب دون تردد: — كل مرة. ابتسمت. — حتى لو كنت تعرف كل اللي حصل؟ — حتى لو كنت أعرف كل الأسرار. — حتى لو عرفت إن حياتي مش سهلة؟ — خصوصًا وقتها. نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع. — بحبك. ابتسم. — عارف. — مغرور. — بس بحبك أكتر. ضحكت. ثم أسندت رأسها على كتفه للحظات. ⸻ في طريق العودة، كانت ليان هادئة. فتحت حقيبتها وأخرجت القلادة القديمة. تأملتها. ظل الحرفان واضحين: ل.م لاحظ ياسين ذلك. — لسه بتفكري فيها؟ — شوية. — مش هنخليها تسرق اليوم. ابتسمت. — مش هتسرقه. ثم أعادت القلادة إلى حقيبتها. — بس لما نعرف، عايزة أعرف منك كل حاجة. — هقولك. — من غير أسرار؟ — من غير أسرار. وفي تلك اللحظة رن هاتف ياسين. نظر إلى الشاشة. تغيرت ملامحه للحظة. لاحظت ليان ذلك. — مين؟ صمت قليلًا. ثم قال: — رقم مش مسجل. — هترد؟ نظر إليها. — أيوه. فتح المكالمة. جاء صوت امرأة هادئ عبر الهاتف: — ياسين… لازم نتكلم. تجمد مكانه. لم تقل ليان شيئًا. استمر الصوت: — الموضوع يخص ليان… والقلادة اللي معاها. ثم انقطع الاتصال. نظر ياسين إلى ليان. أما هي، فلم تسأله من تكون المرأة. فقط قالت بهدوء: — أنت وعدتني. أمسك يدها. — وأنا هفي بوعدي. نظرت إليه. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. — خلاص. لكن هذه المرة… لم يكن الخوف هو ما شعرت به. كان الفضول. وللمرة الأولى، كانت مستعدة لسماع الحقيقة مهما كان اسم صاحبتها.لم تفهم ليان جملة فؤاد.— مش أبي بالطريقة اللي أظنها؟قالت وهي تنظر إليه:— يعني إيه؟لم يجب فورًا.كان الجميع ينتظر.وأخيرًا قال:— أنا والدكِ بالدم.توقفت ليان.— لكن؟— لكن محمود هو الرجل اللي ربّاكِ.قال مالك:— يعني فؤاد أبونا الحقيقي؟— أيوه.قالت سارة:— وليه اتقال لنا إن محمود أبونا؟أجاب فؤاد:— لأن الحقيقة كانت هتقتلكم.ضحكت ليان بمرارة.— كل واحد بيقول نفس الجملة.اقتربت نادين منها.— المرة دي لازم تسمعي للنهاية.قالت ليان:— اتفضلي.أخذت نادين الصورة القديمة.— والدتك وفؤاد كانوا متزوجين قبل محمود.تجمدت ليان.— متزوجين؟أومأت.— نعم.— وإزاي؟— انفصلوا بعد ولادة مالك.نظر مالك إلى فؤاد.— ليه؟قال فؤاد:— لأنني كنت أعمل مع والدكِ في المشروع.سألت ليان:— أي مشروع؟— مشروع حماية الأطفال الذين كانت الشبكة تطاردهم.قال آدم:— ومالك كان واحدًا منهم؟— نعم.قالت سارة:— وأنا؟— أنتِ كنتِ الأصغر.ثم نظر إلى ليان.— وأنتِ كنتِ آخر طفلة.قالت ليان:— ورامي؟— رامي لم يكن من أطفال المشروع.تغير وجه رامي.— إيه؟قال فؤاد:— رامي ابني من زواج آخر.توقفت ليان.— يعني مش أخونا؟أجاب:
تجمدت ليان.لم تتحرك.الرجل الواقف عند الباب كان يحمل صورة والدها القديمة.لكن وجهه لم يكن وجه والدها.كان أكبر سنًا، وشعره رمادي، وملامحه مختلفة.قال ياسين:— مين إنت؟أجاب الرجل:— اسمي فؤاد.نظرت إليه ليان.— وبتقول إنك أبونا؟— أيوه.ضحك مالك بمرارة.— مستحيل.قال فؤاد:— عارف إنكم مش هتصدقوا.ثم وضع الصورة على الطاولة.— عشان كده جبت الدليل.اقتربت ليان.كانت الصورة قديمة جدًا.والدتها تقف في المنتصف.بجانبها رجل أصغر سنًا.وفي ذراعيه طفل.قالت ليان:— ده مين؟أجاب:— أنا.ثم أشار إلى الطفل.— وده مالك.تقدم مالك.— أنا؟— أيوه.قالت سارة:— لكن والدي كان اسمه محمود.تغير وجه فؤاد.— محمود كان زوج أمكم.سألته ليان:— مش أبويا؟صمت.ثم قال:— لا.ساد الصمت.شعرت ليان بأن كل شيء داخلها انهار.— يعني بابا اللي عشت وأنا فاكرة إنه أبويا… مش أبي؟أجاب فؤاد:— كان يحبكم.— أنا ما سألتش إذا كان يحبنا.نظرت إليه بعينين دامعتين.— أنا بسألك: هل هو أبي؟هز رأسه.— لا.قال مالك:— وإنت اختفيت ليه؟— لأن محمود عرف بوجودي.سألت ليان:— وماما؟خفض عينيه.— كانت تحاول تحميكم جميعًا.قالت سارة:—
لم تستطع ليان أن تتحرك.كانت كلمة نادين ما تزال معلقة في الهواء:«أنتم أربعة.»قال مالك:— مين الرابع؟لم تجب نادين.نظرت إلى سارة.ثم إلى آدم.وأخيرًا إلى ليان.قالت ليان:— قولي.أخرجت نادين ملفًا قديمًا.— الطفل الرابع اتولد قبل سارة ومالك وليان بسنوات.سأل ياسين:— من أمه؟— نفس الأم.تجمدت ليان.— أمي؟أومأت نادين.— أيوه.قالت سارة:— أنا كنت أعرف.نظر إليها مالك.— كنتِ تعرفي إن لينا أخ رابع؟— كنت أعرف إن عندنا أخًا.— فين؟خفضت سارة عينيها.— ما أعرفش.قالت نادين:— أنا أعرف.اقتربت ليان.— مين هو؟فتحت نادين الملف.كانت الصفحة الأولى تحمل صورة لطفل صغير.لم يكن وجهه واضحًا.لكن على كتفه ظهرت العلامة نفسها.قالت نادين:— اسمه عند الولادة كان نور.تجمدت ليان.— نور؟قالت سارة:— الاسم ده مش اسم ولد.أجابت نادين:— لأنه لم يكن اسمه الحقيقي.قلبت الصفحة.ظهر اسم آخر:«آدم.»نظر الجميع إلى آدم.لم يتحرك.قال ياسين:— تاني؟أجاب آدم بصوت منخفض:— أنا قلت لكم إني كنت الطفل ٣٠٩.قالت نادين:— لكن الطفل ٣٠٩ لم يكن آدم.تجمد آدم.— إيه؟قالت نادين:— أنت كنت الطفل الذي تم نقله بعده.ن
توقفت ليان أمام المرأة.لم تستطع الكلام.كانت ملامحها تشبه أمها بطريقة غريبة.لكن عينيها…كانتا تحملان شيئًا شعرت ليان أنها تعرفه منذ زمن.قالت المرأة:— ليان؟همست ليان:— سارة؟أومأت.— أيوه.تقدمت ليان خطوة.لكن ياسين أمسك بذراعها.— استني.نظرت إليه.— دي ممكن تكون خدعة.قالت المرأة:— معاه حق.ثم أضافت:— بعد كل اللي حصل، أنا نفسي ما كنتش هصدقني.أخرجت شيئًا من جيبها.كانت قلادة صغيرة.نفس الرمز الموجود على قلادة ليان.قالت:— دي كانت معايا يوم اختفائي.اقتربت ليان.— منين جبتيها؟— أمي أعطتهالي.تجمدت.— أمي؟— والدتك.نظرت ليان إلى مالك.— يعني هي قابلت أمي؟أجابته سارة:— أكتر من مرة.قال مالك:— وإنتِ كنتِ عارفة إننا إخوات؟هزت رأسها.— عرفت من زمان.— ليه ما رجعتيش؟خفضت عينيها.— لأنني كنت أعتقد إن رجوعي هيعرّضكم للخطر.قال ياسين:— مين كان بيهددك؟— كريم.تدخل آدم:— كريم كان يعرف مكانها؟— أيوه.ثم نظرت إلى ليان.— لكنه ما كانش يعرف كل شيء.قالت ليان:— إيه اللي ما كانش يعرفه؟أجابت سارة:— إن والدتك أخفت الدليل الأخير.— فين؟ابتسمت سارة بحزن.— معك.وضعت ليان يدها على ك
ظلت ليان تحدق في الصورة.طفلة صغيرة بين ذراعي هالة.والتاريخ:٢٨ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— أنا كنت مع أمي في المستشفى.قال آدم:— أيوه.— إذن مين الطفلة دي؟لم يجب.اقتربت مريم وأخذت الصورة.قلبتها.كان خلفها رقم:٣٠٩.تغير وجهها.— لا…سألها مالك:— إيه؟قالت مريم:— الطفل ٣٠٩ ما كانش طفلًا مجهولًا.نظرت إليها ليان.— أمال؟— كان اسمًا مستعارًا.قال ياسين:— لمين؟رفعت مريم عينيها.— لليان.ساد الصمت.قالت ليان:— يعني أنا كنت المريضة ٣٠٩؟أومأت.— أيوه.قال آدم:— وده يفسر ليه السجلات كانت متناقضة.قالت ليان:— بس الصورة…— هالة كانت تحملك بعد ما خرجتِ من المستشفى.— خرجت؟— مؤقتًا.قال مالك:— والدتك كانت بتحاول تخفيك عن كريم.سألت ليان:— وسارة؟قالت مريم:— سارة كانت في نفس المبنى.— يعني أنا وسارة كنا مع بعض؟— لفترة قصيرة.بدأت ذكريات مبهمة تعود إلى ليان.ممر أبيض.صوت طفلة تضحك.امرأة تقول:— خدي بالك منها.ثم صوت آخر:— لازم نفصلهم.وضعت ليان يدها على رأسها.قال ياسين:— ليان؟— أنا فاكرة حاجة.اقترب منها.— إيه؟— كان فيه سريرين.نظر الجميع إليها.— وأنا كنت في واحد.توقفت.—
لم تستطع ليان أن تبعد عينيها عن الصورة.امرأة شابة تحملها بين ذراعيها.وخلفها ممر المستشفى.وفي زاوية الصورة، ظهر تاريخ:٢٧ أبريل ٢٠٠٠.قالت ليان:— دي كانت موجودة يوم ولادتي؟أومأ آدم.— أيوه.سأل ياسين:— اسمها إيه؟قال آدم:— نادية.تدخلت مريم:— اسمها الحقيقي مش نادية.نظرت إليها ليان.— أمال؟— هالة.تجمدت.قال مالك:— هالة زوجة كريم؟— أيوه.سألت ليان:— إيه علاقتها بأمي؟أجابت مريم:— كانوا يعرفوا بعض قبل سنوات من ولادتك.— منين؟— من والدك.صمتت ليان.— بابا كان يعرفها؟— كان يعرف زوجها، ويعرف إنها كانت بتساعده في بعض الأمور.قال ياسين:— أي أمور؟نظرت مريم إلى آدم.— نقل الأطفال.تغير وجه ليان.— الأطفال؟— أيوه.قال آدم:— هالة كانت واحدة من الأشخاص اللي بينقلوا الأطفال بين المستشفيات.قالت ليان:— ليه؟— عشان يختفوا من السجلات.سألت:— ومين كان بيطلب منها ده؟صمت آدم.ثم قال:— كريم.شعرت ليان بالاختناق.— يعني كريم كان يعرفني من يوم ولادتي؟— أيوه.— وكان عايزني أختفي؟— في البداية.— ليه؟أجاب آدم:— لأنك كنتِ تحملين العلامة.وضعت ليان يدها على كتفها.— العلامة اللي عندي؟







