로그인المطاردة
كانت أصابع ليان مشدودة حول المقود بقوة حتى شعرت بالألم في مفاصلها، بينما كانت سيارتها الصغيرة تشق الطريق المبتل خلف سيارة كريم السوداء. المطر ازداد كثافة. والمسافة بينهما لم تكن مستقرة أبدًا. مرة يبتعد عنها وسط الشوارع الفارغة، ومرة تظهر أضواء سيارته مجددًا عند إشارة أو منعطف حاد. تنفست ببطء محاولة تهدئة ارتجافها. هي لا تعرف أصلًا لماذا تفعل هذا. ربما لأنها تعبت من الخوف. أو لأن كل شخص حولها بدأ يتعامل معها وكأنها طفلة لا يجب أن تعرف الحقيقة. لكن شيئًا واحدًا كانت متأكدة منه… كريم يخفي أكثر مما يقول. انعطفت السيارة السوداء فجأة إلى طريق جانبي شبه مهجور. ترددت ليان للحظة. المنطقة بدت قديمة وخالية تقريبًا، والمحال مغلقة، وأعمدة الإنارة متباعدة بشكل مخيف. لكنها أكملت خلفه. بعد دقائق، أبطأ كريم السرعة حتى توقف أمام مبنى قديم من أربعة طوابق. لم يكن مبنى فاخرًا أو تابعًا لعائلة الدمنهوري. بل بدا كعمارة قديمة مر عليها الزمن. أطفأت ليان أنوار سيارتها بسرعة عندما رأته يترجل. كان يتحرك بسرعة وكأنه يعرف المكان جيدًا. ثم اختفى داخل المبنى. ظلت مكانها لثوانٍ، تتردد. لكن فضولها كان أقوى. فتحت باب السيارة ببطء ونزلت تحت المطر، ثم أغلقت الباب بحذر وركضت نحو العمارة. المدخل كان مظلمًا ورائحة الرطوبة تملأ المكان. رفعت رأسها نحو السلم القديم، ثم بدأت تصعد ببطء محاولة ألا تُصدر صوتًا. الطابق الأول. الثاني. ثم توقفت فجأة. صوت رجال. خفضت أنفاسها واقتربت أكثر. كان الصوت يأتي من شقة مفتوح بابها قليلًا. سمعت كريم يقول بحدة: — يعني إيه اختفى؟! جاءه صوت رجل آخر متوتر: — والله يا باشا ده اللي حصل… الراجل نقلوه قبل ما نوصل. شعرت ليان بالارتباك. عن أي رجل يتحدثون؟ اقتربت أكثر دون قصد، حتى أصبحت قادرة على رؤية جزء من الداخل. الغرفة كانت صغيرة، يجلس فيها ثلاثة رجال بوجوه متوترة، بينما وقف كريم أمامهم بغضب واضح لم تره منه من قبل. قال بحدة: — أنا قولت محدش يتحرك غير لما أعرف! رد الرجل نفسه: — المشكلة إن اللي أخدوه ناس تقال يا باشا… وإحنا ملناش دعوة بيهم. ساد صمت قصير. ثم سأل كريم بصوت أخفض: — اتأكدت إنه متكلمش؟ هز الرجل رأسه بسرعة. — لأ… بس واضح إنهم عرفوا إنه عايش. تجمدت ليان مكانها. عايش؟ هل يتحدثون عن آسر؟ شعرت بقلبها يخفق بعنف. لكن قبل أن تقترب أكثر… صرخت شهقة خافتة منها عندما تحرك لوح خشبي أسفل قدمها مُصدرًا صوتًا واضحًا. ساد الصمت داخل الشقة فورًا. رفعت يدها فوق فمها بصدمة. ثم سمعت صوت كريم البارد: — مين هناك؟ تراجعت للخلف بسرعة. لكن الأوان كان قد فات. خرج كريم إلى الممر خلال ثوانٍ، وعيناه تبحثان بحدة حتى وقعتا عليها. تجمد الاثنان للحظة. ثم اشتعل الغضب داخل ملامحه فورًا. — إنتِ بتعملي إيه هنا؟! ابتلعت ريقها بتوتر. — أنا… أمسك ذراعها فجأة وجذبها بعيدًا عن باب الشقة. — إنتِ اتجننتي؟! حاولت سحب يدها منه. — سيبني! لكنه لم يتركها. بل اقترب أكثر وقال بصوت منخفض وغاضب: — حد قالك تتبعيني؟ رفعت رأسها بعناد رغم خوفها. — طالما محدش راضي يقولي الحقيقة يبقى هدور عليها بنفسي. نظر إليها للحظات طويلة. ثم ضحك فجأة بسخرية مرهقة. — ودي كانت فكرتك العبقرية؟ تمشي ورايا نص الليل لحد مكان زي ده؟ اشتعل غضبها فورًا. — أحسن ما أفضل قاعدة في القصر مستنية رسائل التهديد! اختفت السخرية من وجهه فجأة. — إيه الرسائل اللي جتلك؟ لعنت نفسها داخليًا. لم تكن تقصد إخباره. لكن نظراته الحادة كانت مثبتة عليها بشكل جعل الكذب صعبًا. قالت بتردد: — مفيش. اقترب أكثر. — ليان. كان صوته هذه المرة أخطر. أخفضت عينيها أخيرًا وقالت: — حد بعتلي رسالة بيحذرني منك. ساد الصمت بينهما للحظة. ثم ترك ذراعها ببطء. ولأول مرة… بدا عليه القلق الحقيقي. مرر يده فوق وجهه بعصبية قبل أن يسأل: — الرسالة فين؟ ترددت. لكنه قال بحدة: — جاوبيني. — في الأوضة. أغلق عينيه لثانية وكأنه يحاول السيطرة على أعصابه. ثم أمسك هاتفه بسرعة وأجرى اتصالًا قصيرًا. — محدش يدخل جناح ليان لحد ما أوصل. ثم أغلق الخط ونظر إليها مباشرة. — هنرجع القصر دلوقتي. — بس— — دلوقتي يا ليان. كانت نبرته قاطعة بشكل أنهى أي محاولة للاعتراض. نزل الاثنان السلم بسرعة، بينما شعرت هي بتوتر يزداد داخلها مع كل خطوة. هناك شيء سيئ يحدث. شيء أكبر من مجرد اختفاء رجل. وصلوا إلى الخارج أخيرًا. لكن كريم توقف فجأة. شعرت ليان بالتوتر فور رؤيتها ملامحه تتغير. تبع نظرته نحو الشارع… ثم تجمدت بالكامل. سيارتها. زجاجها الأمامي محطم بالكامل. وفوق الغطاء الأمامي… كانت هناك صورة مثبتة بسكين كبير. صورة لها. التُقطت قبل دقائق فقط وهي تدخل العمارة خلف كريم. وفي أسفل الصورة… كلمات مكتوبة باللون الأحمر: “قولنالك تبعدي عنه.” شعرت ليان بأن الدم انسحب من وجهها بالكامل. حدقت في الصورة المثبتة فوق سيارتها بأنفاس متقطعة، بينما كان المطر ينهمر فوق الورقة البيضاء حتى بدأت الألوان تتلطخ ببطء. الصورة التُقطت منذ دقائق فقط. يعني… كان هناك من يراقبها طوال الوقت. ارتجفت أصابعها وهي تتراجع خطوة للخلف. لكن كريم كان أسرع. انتزع الصورة بعنف من فوق السيارة، ثم نظر حوله بحدة كأن عينيه تحاولان تمزيق الظلام نفسه. قال بصوت منخفض وخطير: — اركبي العربية. همست بتوتر: — كريم… التفت إليها فورًا. — اركبي. لم تجادله هذه المرة. أسرعت نحو سيارته بينما فتح لها الباب بنفسه، ثم أغلقه بقوة واستدار سريعًا ناحية الشارع مرة أخرى. راقبته من خلف الزجاج. كان واقفًا تحت المطر الغزير بملامح جامدة، لكن قبضته المشدودة فوق الصورة فضحت غضبه. ولأول مرة… شعرت أنه خائف فعلًا. ليس على نفسه. عليها. بعد دقائق، استقل السيارة وانطلق بسرعة كبيرة جعلتها تتشبث بالمقعد تلقائيًا. ساد الصمت بينهما. صمت ثقيل ومشحون بصورة جعلتها عاجزة عن الكلام. لكنها كانت تشعر بنظراته بين لحظة وأخرى، وكأنه يتأكد أنها ما تزال بجواره. وأخيرًا قالت بصوت خافت: — مين اللي عمل كده؟ ظل صامتًا للحظات. ثم قال: — ناس عايزين يوصلولك رسالة. — إيه الرسالة؟ ضغط على المقود بقوة قبل أن يجيب: — إن قربك مني خطر. التفتت إليه ببطء. كانت أضواء الشارع تنعكس فوق ملامحه الحادة، بينما بدا الإرهاق واضحًا في عينيه بشكل لم تره من قبل. همست: — والرسالة دي صح؟ ضحك ضحكة قصيرة بلا روح. — جدًا. شعرت بغصة غريبة داخل صدرها. ثم قالت دون تفكير: — طب ليه بتحاول تحميني؟ ساد الصمت مجددًا. طويلًا هذه المرة. حتى ظنت أنه لن يجيب. لكن صوته خرج أخيرًا منخفضًا بصورة أربكت قلبها: — لأنك الوحيدة اللي ملهاش ذنب وسط كل القرف ده. اختنقت أنفاسها للحظة. أبعدت عينيها بسرعة نحو النافذة تحاول تجاهل الارتباك الذي ضربها فجأة. لكن قلبها لم يكن متعاونًا أبدًا. توقفت السيارة فجأة عند إشارة خالية. وقبل أن تدرك ما يحدث… مال كريم نحوها فجأة. تجمد جسدها بالكامل. لكن يده مرت بجوارها مباشرة لتفتح الدرج الأمامي بعصبية. أخرج منه مسدسًا صغيرًا ووضعه بجواره. شهقت ليان بخوف. نظر إليها للحظة ثم قال بهدوء: — متخافيش… طول ما إنتِ معايا محدش هيقربلك. لا تعرف لماذا… لكن تلك الجملة تحديدًا جعلت قلبها يخفق بصورة مؤلمة. ربما لأن أحدًا لم يقل لها شيئًا مشابهًا منذ اختفاء آسر. وربما لأن كريم نفسه آخر شخص توقعت أن يمنحها شعورًا بالأمان. وصلت السيارة أخيرًا إلى القصر. لكن بدلًا من التوقف أمام المدخل الرئيسي، اتجه كريم إلى الجهة الخلفية حيث الحديقة القديمة. أطفأ المحرك. ثم بقي مكانه دون حركة. نظرت إليه بتوتر. — منزلناش ليه؟ مرر يده فوق وجهه بإرهاق واضح قبل أن يجيب: — لأنك لو دخلتي دلوقتي بالحالة دي… الكل هيبدأ يسأل. نظرت إلى نفسها. كانت ملابسها مبللة بالكامل، وشعرها ملتصق بوجهها من المطر. تنهدت بتعب. ثم همست: — أنا بقيت خايفة يا كريم. خرج الاعتراف منها أضعف مما أرادت. لكنها كانت مرهقة فعلًا. مرهقة من الخوف والرسائل والأسرار والشك في كل شيء حولها. التفت إليها ببطء. وكانت تلك أول مرة تراه ينظر إليها دون ذلك الجدار البارد المعتاد. قال بصوت هادئ: — وأنا طول عمري بحاول أخليكِ بعيدة عن الخوف ده. اتسعت عيناها قليلًا. — يعني إيه؟ خفض بصره للحظة ثم عاد ينظر إليها. — يوم فرحك… لما سمعتينا أنا وآسر بنتخانق. تجمدت مكانها. أكمل بهدوء: — كنت بحاول أقنعه يبعدك عن كل اللي داخل فيه. شعرت بأنفاسها تتسارع. — وليه مهتم؟ ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — سؤال متأخر أوي. ساد الصمت بينهما. لكن هذه المرة لم يكن مخيفًا. بل دافئًا بصورة غريبة. صوت المطر بالخارج صار أهدأ، بينما بقيت عيناها معلقتين بعينيه دون قدرة على الهروب. كانت قريبة منه أكثر من أي وقت مضى. قريبة لدرجة أنها استطاعت ملاحظة ذلك الحزن العميق المختبئ خلف قسوته. وفجأة… قال اسمها بصوت منخفض: — ليان. ارتجف قلبها فورًا. لا تعرف لماذا بدا صوتها مختلفًا حين خرج من شفتيه هكذا. ثم رفع يده ببطء شديد… وأبعد خصلة مبللة التصقت بوجنتها. تجمدت أنفاسها بالكامل. كان لمسه خفيفًا جدًا. لكن أثره ضرب قلبها بعنف أربكها. أما هو… فظل ينظر إليها بصمت طويل، وكأنه يحارب شيئًا داخله. ثم قال بصوت خافت: — أوعديني متبعديش عني الفترة الجاية. همست دون وعي: — ليه؟ اقترب قليلًا. قليلًا جدًا. حتى شعرت بحرارة أنفاسه قرب وجهها. ثم خرج صوته منخفضًا بصورة جعلت قلبها يختل تمامًا: — لأن أكتر حاجة مرعبة دلوقتي… إني بقيت خايف أخسرك إنتِ كمان.رسالة في منتصف الليلظل كريم ممسكًا بالهاتف، وعيناه معلقتان بالمبنى المقابل.الشخص الذي كان يقف خلف النافذة اختفى.لكن الرسالة كانت كافية.هم هنا.داخل المستشفى... أو حولها.استدار بسرعة نحو آسر.— اقفل كل مداخل المستشفى.قطب آسر حاجبيه.— كريم... إحنا مش في عملية عسكرية.— اعمل اللي بقولك عليه.نبرة صوته كانت كفيلة بإنهاء أي نقاش.التقط آسر هاتفه واتصل بأحد معارفه في الشرطة، بينما اندفع مالك إلى غرفة المراقبة بالمستشفى.أما ليان...فدخلت غرفة آدم بسرعة.وجدته جالسًا على السرير، يخفي الشريحة الإلكترونية في جيبه بمجرد أن رآها.ابتسمت له.— لسه صاحي؟أومأ برأسه.اقتربت منه وربتت على شعره.— من وإنت صغير، أول ما تقلق متعرفش تنام.ابتسم بخفة.لكنه لم يخبرها شيئًا عن الرسالة.كان يشعر أن مريم أخفت الشريحة عنه تحديدًا، وليس عن والده.في غرفة المراقبة...كان مالك يراجع تسجيلات الكاميرات.مرت الدقائق دون شيء.ثم فجأة...توقفت يده.أعاد المقطع مرة أخرى.ثم للمرة الثالثة.دخل كريم في تلك اللحظة.— لقيت حاجة؟أشار مالك إلى الشاشة.ظهر كريم وهو يدخل المستشفى مع ليان وآسر.ثم...ظهرت الممرضة.لكنه
الممرضةأغلقت الممرضة الباب خلفها بهدوء.كانت تحمل ملفًا طبيًا وجهازًا لوحيًا صغيرًا، وعلى وجهها ابتسامة مهنية هادئة.اقتربت من سرير آدم وقالت:— حمد لله على السلامة... إزيك دلوقتي؟أجابها آدم بابتسامة متعبة:— أحسن شوية.لكن مالك لم ينطق بكلمة.كان يحدق فيها دون أن يرمش.لاحظت ليان ذلك، فسألته بصوت منخفض:— مالك... في إيه؟لم يجب.بل تقدم خطوة إلى الأمام وهو لا يرفع عينيه عن الفتاة.هي أيضًا شعرت بنظراته.رفعت رأسها ونظرت إليه لثوانٍ، ثم عادت تكتب شيئًا في الملف كأن شيئًا لم يحدث.قال مالك فجأة:— إحنا اتقابلنا قبل كده.توقفت يدها عن الكتابة.ثم رفعت عينيها إليه مرة أخرى.ابتسمت ابتسامة صغيرة.— يمكن حضرتك شبهت عليّ.رد ببرود:— لا... أنا عمري ما بنسى وش.ساد الصمت داخل الغرفة.شعر كريم أن الجو تغير بالكامل.اقترب من مالك ووضع يده على كتفه.— متأكد؟قال وهو لا يزال ينظر إليها:— متأكد مليون في المية.أغلقت الفتاة الملف.ثم قالت بهدوء:— ضغطه كويس... والارتجاج بسيط. لو فضل تحت الملاحظة للصبح هيخرج.ثم التفتت لتغادر.لكن قبل أن تفتح الباب...قال كريم:— استني.توقفت.استدارت ببطء.— نع
الورثةظل كريم ينظر إلى الورقة عدة ثوانٍ.لم يرمش.لم يتكلم.كانت عينه معلقة بذلك الرمز الجديد...تاج فوق دائرة سوداء.شعر بوخزة في صدره.ليست بسبب الذكرى...بل لأنه أدرك أن ما انتهى منذ عشرين عامًا لم يعد هو العدو.العدو هذه المرة...أكثر تنظيمًا.وأذكى.وأكثر صبرًا.اقترب آسر منه.— تعرف الرمز ده؟هز كريم رأسه ببطء.— أول مرة أشوفه.أخذ مالك الورقة وقلبها بين يديه.ثم توقف فجأة.— استنوا...رفع الجميع رؤوسهم نحوه.أشار إلى حافة الورقة.— دي مش مطبوعة.دي مكتوبة بإيد.اقتربت ليان.— يعني إيه؟أجاب مالك:— يعني اللي كتب الرسالة كان موجود هنا من دقائق... ومش خايف يسيب أي أثر.سأل آدم وهو يمسك رأسه المتألمة:— هو كان يقصد إيه بـ"اختبار الأب"؟نظر كريم إلى ابنه.ثم قال بهدوء:— كان عايز يشوف أنا هتصرف إزاي.— ولو ماكنتش جيت؟ابتسم كريم بمرارة.— كنت هخسر الاختبار.في ركن بعيد من المخزن...كان زين يقلب في بقايا الصناديق المحطمة.ثم انحنى فجأة.— يا جماعة!اقترب الجميع.كان يمسك بجهاز صغير جدًا، بحجم علبة الكبريت.قال:— دي كاميرا تجسس.تناولها آسر.نظر إليها باهتمام.— يعني كانوا بيتفرجوا
الأب آدم دون تفكير.صرخ:— انبطحوا!دوى صوت الرصاصة داخل المخزن.لكنها لم تصب أحدًا.كان زين قد دفع يارا بقوة إلى الأرض، بينما قفز سليم خلف عمود خرساني وسحب آدم معه.ارتطمت الرصاصة بالحائط، وتناثر الأسمنت في كل مكان.لم يمنحهم الملثم فرصة لالتقاط أنفاسهم.أطلق دفعة أخرى من الرصاص.طاخ... طاخ... طاخ...تناثرت الشرارات من الحديد، وتحطم زجاج قديم في آخر المخزن.أمسك سليم بمسدس كان مخبأ أسفل سترته، وأشار إلى آدم أن يبقى منخفضًا.همس:— أول قاعدة...ما تبقاش بطل.رد آدم بعصبية:— أختي هناك!نظر سليم إلى يارا التي كانت تحتمي خلف صندوق معدني مع زين، ثم قال:— لو طلعت دلوقتي... هتموتوا أنتم الاتنين.في تلك اللحظة، صاح أحد الملثمين من الخارج:— اقتحموا المكان!وفجأة...انفتح الباب الجانبي.دخل ثلاثة رجال آخرين.أصبحوا محاصرين من جهتين.في الخارج...كانت سيارة كريم تقترب بسرعة هائلة من المنطقة الصناعية.أشار مالك إلى مبنى بعيد تصاعد منه الدخان.— هناك!ضغط كريم بقوة على دواسة البنزين.دارت إطارات السيارة بعنف، وانطلقت كالسهم.قال آسر وهو يجهز سلاحه:— شكلنا وصلنا في الوقت المناسب.لكن مالك لم
ليست وحدهاابتلع الدخان المكان كله.سعلت يارا وهي تغطي أنفها بكم قميصها.حاولت أن ترى أي شيء...لكن الرؤية كانت شبه معدومة.وفجأة...سمعت صوت خطوات خلفها.استدارت بسرعة.ورفعت خوذتها لتضرب بها الشخص الذي اقترب.لكن يدًا أمسكت معصمها قبل أن تضرب.— اهدي... أنا مش عدو.حاولت أن تفلت نفسها.— سيبني!جاءها صوت شاب في مثل عمرها تقريبًا.— لو كنت عايز أخطفك، كنت عملتها من أول دقيقة.توقفت للحظة.بدأ الدخان يخف تدريجيًا.فرأت شابًا يرتدي ملابس سوداء، ووجهه مغطى بقناع نصفه فقط.لم تكن ملامحه مخيفة...بل كان يبدو مرتبكًا.قالت بحذر:— إنت تبعهم؟هز رأسه.— كنت.ضيقت عينيها.— يعني إيه "كنت"؟خلع القناع ببطء.وقال:— اسمي زين... وأنا جيت أحذرك.في الداخل...كان آدم يسمع ضجة في الخارج.نظر إلى الشاب الذي يسمي نفسه سليم.— دي أختي؟أومأ سليم.— شكلها ورثت عن أمها العند.ابتسم آدم رغم قلقه.— أكيد راحت لوحدها.رد سليم بسرعة:— ولازم نلحقها.نظر إليه آدم باستغراب.— مش إنت اللي خاطفني؟تنهد سليم.— لو كنت عايز أأذيك... مكنتش هتفضل عايش لحد دلوقتي.ثم فتح بابًا جانبيًا.— يلا.في الخارج...قال زين ب
"الدائرة – الورثة"الرسالة التي عادت بعد عشرين عامًامر عشرون عامًا...هدأت فيها العواصف.واختفت أسماء كانت ترعب الجميع.وأصبحت "الدائرة" مجرد قضية قديمة يتحدث عنها الناس في البرامج الوثائقية، بينما اعتبرها الجيل الجديد قصة من الماضي.أما كريم...فلم يعد ذلك الرجل القاسي الذي كان يخشاه الجميع.أصبح أبًا.وزوجًا.ورجل أعمال ناجحًا، يعيش مع ليان في فيلا هادئة بعيدًا عن المدينة.وكان يظن أن الماضي انتهى.لكنه كان مخطئًا.— يلا يا آدم... هنتأخر!صرخت ليان من أسفل السلم.نزل شاب في التاسعة عشرة من عمره بخطوات سريعة، طويل القامة، بعينين تشبهان كريم، وابتسامة تشبه أمه.انحنى وقبّل رأسها.— صباح الخير يا أحلى أم.ضحكت وهي تربت على كتفه.— لو فضلت تعرف تتكلم حلو كده، البنات هيجننوا عليك.ظهر كريم من خلفه وهو يعدل ساعة يده.— وأنا أول واحد هجننهم لو قربوا منك.ضحك آدم.— بابا... أنا داخل جامعة، مش داخل حضانة.وقبل أن يرد كريم...ركضت فتاة في السابعة عشرة من عمرها وهي تحمل حقيبتها.— استنوني!كانت يارا...ابنة كريم وليان الصغرى.مرحة، وعنيدة، ولا تخاف من أحد.نظرت إلى آدم بغيظ.— كالعادة هتسيبن
عودة الشبحتجمد جسد ليان بالكامل بعد الجملة الأخيرة.“افتح يا كريم… أخوك رجع.”شعرت بأن قلبها توقف لثانية كاملة.أما كريم…فظل واقفًا مكانه دون حركة، وعيناه مثبتتان على الباب بطريقة مرعبة.ثم قال بصوت منخفض: — ورايا.أمسك يد ليان بسرعة وسحبها خلفه مباشرة.كانت أصابعه دافئة وقوية بصورة جعلتها تشعر ب
أقرب مما يجب ظلت ليان تنظر إليه بأنفاس مرتبكة، بينما بقيت كلماته تتردد داخلها بصورة جعلتها عاجزة عن التفكير. “بقيت خايف أخسرك إنتِ كمان.” أخفضت عينيها بسرعة وكأنها هربت من شيء أخطر من النظر نفسه. ما الذي يحدث بينها وبين كريم؟ وكيف تحوّل الرجل الذي كانت تخشاه إلى الشخص الوحيد الذي تشعر ب
الظرف الأسودارتجفت يدها وهي تنحني لتلتقطه.كان الظرف الأسود موضوعًا أمام الباب بعناية مريبة، كأن من تركه كان متأكدًا أنها ستفتحه وحدها… وفي هذه الساعة تحديدًا.أغلقت الباب بسرعة ثم استندت إليه بأنفاس متوترة.القصر غارق في صمت ثقيل، لا يُسمع فيه سوى صوت المطر وهو يضرب النوافذ البعيدة، وصوت عقارب ال
الملف الأسود“جثة مين دي؟”خرج السؤال من بين شفتي ليان بصعوبة، كأن الكلمات نفسها تخشى الظهور.كانت أصابعها ترتجف حول الصورة، بينما شعرت بأن الهواء داخل المكتب أصبح أثقل من أن يُتنفَّس.لم يجب كريم.وقف أمامها بصمته المعتاد، مرتديًا بدلته السوداء التي التصقت أطرافها بالمطر، وعيناه الداكنتان معلقتان







