LOGINالمطاردة
كانت أصابع ليان مشدودة حول المقود بقوة حتى شعرت بالألم في مفاصلها، بينما كانت سيارتها الصغيرة تشق الطريق المبتل خلف سيارة كريم السوداء. المطر ازداد كثافة. والمسافة بينهما لم تكن مستقرة أبدًا. مرة يبتعد عنها وسط الشوارع الفارغة، ومرة تظهر أضواء سيارته مجددًا عند إشارة أو منعطف حاد. تنفست ببطء محاولة تهدئة ارتجافها. هي لا تعرف أصلًا لماذا تفعل هذا. ربما لأنها تعبت من الخوف. أو لأن كل شخص حولها بدأ يتعامل معها وكأنها طفلة لا يجب أن تعرف الحقيقة. لكن شيئًا واحدًا كانت متأكدة منه… كريم يخفي أكثر مما يقول. انعطفت السيارة السوداء فجأة إلى طريق جانبي شبه مهجور. ترددت ليان للحظة. المنطقة بدت قديمة وخالية تقريبًا، والمحال مغلقة، وأعمدة الإنارة متباعدة بشكل مخيف. لكنها أكملت خلفه. بعد دقائق، أبطأ كريم السرعة حتى توقف أمام مبنى قديم من أربعة طوابق. لم يكن مبنى فاخرًا أو تابعًا لعائلة الدمنهوري. بل بدا كعمارة قديمة مر عليها الزمن. أطفأت ليان أنوار سيارتها بسرعة عندما رأته يترجل. كان يتحرك بسرعة وكأنه يعرف المكان جيدًا. ثم اختفى داخل المبنى. ظلت مكانها لثوانٍ، تتردد. لكن فضولها كان أقوى. فتحت باب السيارة ببطء ونزلت تحت المطر، ثم أغلقت الباب بحذر وركضت نحو العمارة. المدخل كان مظلمًا ورائحة الرطوبة تملأ المكان. رفعت رأسها نحو السلم القديم، ثم بدأت تصعد ببطء محاولة ألا تُصدر صوتًا. الطابق الأول. الثاني. ثم توقفت فجأة. صوت رجال. خفضت أنفاسها واقتربت أكثر. كان الصوت يأتي من شقة مفتوح بابها قليلًا. سمعت كريم يقول بحدة: — يعني إيه اختفى؟! جاءه صوت رجل آخر متوتر: — والله يا باشا ده اللي حصل… الراجل نقلوه قبل ما نوصل. شعرت ليان بالارتباك. عن أي رجل يتحدثون؟ اقتربت أكثر دون قصد، حتى أصبحت قادرة على رؤية جزء من الداخل. الغرفة كانت صغيرة، يجلس فيها ثلاثة رجال بوجوه متوترة، بينما وقف كريم أمامهم بغضب واضح لم تره منه من قبل. قال بحدة: — أنا قولت محدش يتحرك غير لما أعرف! رد الرجل نفسه: — المشكلة إن اللي أخدوه ناس تقال يا باشا… وإحنا ملناش دعوة بيهم. ساد صمت قصير. ثم سأل كريم بصوت أخفض: — اتأكدت إنه متكلمش؟ هز الرجل رأسه بسرعة. — لأ… بس واضح إنهم عرفوا إنه عايش. تجمدت ليان مكانها. عايش؟ هل يتحدثون عن آسر؟ شعرت بقلبها يخفق بعنف. لكن قبل أن تقترب أكثر… صرخت شهقة خافتة منها عندما تحرك لوح خشبي أسفل قدمها مُصدرًا صوتًا واضحًا. ساد الصمت داخل الشقة فورًا. رفعت يدها فوق فمها بصدمة. ثم سمعت صوت كريم البارد: — مين هناك؟ تراجعت للخلف بسرعة. لكن الأوان كان قد فات. خرج كريم إلى الممر خلال ثوانٍ، وعيناه تبحثان بحدة حتى وقعتا عليها. تجمد الاثنان للحظة. ثم اشتعل الغضب داخل ملامحه فورًا. — إنتِ بتعملي إيه هنا؟! ابتلعت ريقها بتوتر. — أنا… أمسك ذراعها فجأة وجذبها بعيدًا عن باب الشقة. — إنتِ اتجننتي؟! حاولت سحب يدها منه. — سيبني! لكنه لم يتركها. بل اقترب أكثر وقال بصوت منخفض وغاضب: — حد قالك تتبعيني؟ رفعت رأسها بعناد رغم خوفها. — طالما محدش راضي يقولي الحقيقة يبقى هدور عليها بنفسي. نظر إليها للحظات طويلة. ثم ضحك فجأة بسخرية مرهقة. — ودي كانت فكرتك العبقرية؟ تمشي ورايا نص الليل لحد مكان زي ده؟ اشتعل غضبها فورًا. — أحسن ما أفضل قاعدة في القصر مستنية رسائل التهديد! اختفت السخرية من وجهه فجأة. — إيه الرسائل اللي جتلك؟ لعنت نفسها داخليًا. لم تكن تقصد إخباره. لكن نظراته الحادة كانت مثبتة عليها بشكل جعل الكذب صعبًا. قالت بتردد: — مفيش. اقترب أكثر. — ليان. كان صوته هذه المرة أخطر. أخفضت عينيها أخيرًا وقالت: — حد بعتلي رسالة بيحذرني منك. ساد الصمت بينهما للحظة. ثم ترك ذراعها ببطء. ولأول مرة… بدا عليه القلق الحقيقي. مرر يده فوق وجهه بعصبية قبل أن يسأل: — الرسالة فين؟ ترددت. لكنه قال بحدة: — جاوبيني. — في الأوضة. أغلق عينيه لثانية وكأنه يحاول السيطرة على أعصابه. ثم أمسك هاتفه بسرعة وأجرى اتصالًا قصيرًا. — محدش يدخل جناح ليان لحد ما أوصل. ثم أغلق الخط ونظر إليها مباشرة. — هنرجع القصر دلوقتي. — بس— — دلوقتي يا ليان. كانت نبرته قاطعة بشكل أنهى أي محاولة للاعتراض. نزل الاثنان السلم بسرعة، بينما شعرت هي بتوتر يزداد داخلها مع كل خطوة. هناك شيء سيئ يحدث. شيء أكبر من مجرد اختفاء رجل. وصلوا إلى الخارج أخيرًا. لكن كريم توقف فجأة. شعرت ليان بالتوتر فور رؤيتها ملامحه تتغير. تبع نظرته نحو الشارع… ثم تجمدت بالكامل. سيارتها. زجاجها الأمامي محطم بالكامل. وفوق الغطاء الأمامي… كانت هناك صورة مثبتة بسكين كبير. صورة لها. التُقطت قبل دقائق فقط وهي تدخل العمارة خلف كريم. وفي أسفل الصورة… كلمات مكتوبة باللون الأحمر: “قولنالك تبعدي عنه.” شعرت ليان بأن الدم انسحب من وجهها بالكامل. حدقت في الصورة المثبتة فوق سيارتها بأنفاس متقطعة، بينما كان المطر ينهمر فوق الورقة البيضاء حتى بدأت الألوان تتلطخ ببطء. الصورة التُقطت منذ دقائق فقط. يعني… كان هناك من يراقبها طوال الوقت. ارتجفت أصابعها وهي تتراجع خطوة للخلف. لكن كريم كان أسرع. انتزع الصورة بعنف من فوق السيارة، ثم نظر حوله بحدة كأن عينيه تحاولان تمزيق الظلام نفسه. قال بصوت منخفض وخطير: — اركبي العربية. همست بتوتر: — كريم… التفت إليها فورًا. — اركبي. لم تجادله هذه المرة. أسرعت نحو سيارته بينما فتح لها الباب بنفسه، ثم أغلقه بقوة واستدار سريعًا ناحية الشارع مرة أخرى. راقبته من خلف الزجاج. كان واقفًا تحت المطر الغزير بملامح جامدة، لكن قبضته المشدودة فوق الصورة فضحت غضبه. ولأول مرة… شعرت أنه خائف فعلًا. ليس على نفسه. عليها. بعد دقائق، استقل السيارة وانطلق بسرعة كبيرة جعلتها تتشبث بالمقعد تلقائيًا. ساد الصمت بينهما. صمت ثقيل ومشحون بصورة جعلتها عاجزة عن الكلام. لكنها كانت تشعر بنظراته بين لحظة وأخرى، وكأنه يتأكد أنها ما تزال بجواره. وأخيرًا قالت بصوت خافت: — مين اللي عمل كده؟ ظل صامتًا للحظات. ثم قال: — ناس عايزين يوصلولك رسالة. — إيه الرسالة؟ ضغط على المقود بقوة قبل أن يجيب: — إن قربك مني خطر. التفتت إليه ببطء. كانت أضواء الشارع تنعكس فوق ملامحه الحادة، بينما بدا الإرهاق واضحًا في عينيه بشكل لم تره من قبل. همست: — والرسالة دي صح؟ ضحك ضحكة قصيرة بلا روح. — جدًا. شعرت بغصة غريبة داخل صدرها. ثم قالت دون تفكير: — طب ليه بتحاول تحميني؟ ساد الصمت مجددًا. طويلًا هذه المرة. حتى ظنت أنه لن يجيب. لكن صوته خرج أخيرًا منخفضًا بصورة أربكت قلبها: — لأنك الوحيدة اللي ملهاش ذنب وسط كل القرف ده. اختنقت أنفاسها للحظة. أبعدت عينيها بسرعة نحو النافذة تحاول تجاهل الارتباك الذي ضربها فجأة. لكن قلبها لم يكن متعاونًا أبدًا. توقفت السيارة فجأة عند إشارة خالية. وقبل أن تدرك ما يحدث… مال كريم نحوها فجأة. تجمد جسدها بالكامل. لكن يده مرت بجوارها مباشرة لتفتح الدرج الأمامي بعصبية. أخرج منه مسدسًا صغيرًا ووضعه بجواره. شهقت ليان بخوف. نظر إليها للحظة ثم قال بهدوء: — متخافيش… طول ما إنتِ معايا محدش هيقربلك. لا تعرف لماذا… لكن تلك الجملة تحديدًا جعلت قلبها يخفق بصورة مؤلمة. ربما لأن أحدًا لم يقل لها شيئًا مشابهًا منذ اختفاء آسر. وربما لأن كريم نفسه آخر شخص توقعت أن يمنحها شعورًا بالأمان. وصلت السيارة أخيرًا إلى القصر. لكن بدلًا من التوقف أمام المدخل الرئيسي، اتجه كريم إلى الجهة الخلفية حيث الحديقة القديمة. أطفأ المحرك. ثم بقي مكانه دون حركة. نظرت إليه بتوتر. — منزلناش ليه؟ مرر يده فوق وجهه بإرهاق واضح قبل أن يجيب: — لأنك لو دخلتي دلوقتي بالحالة دي… الكل هيبدأ يسأل. نظرت إلى نفسها. كانت ملابسها مبللة بالكامل، وشعرها ملتصق بوجهها من المطر. تنهدت بتعب. ثم همست: — أنا بقيت خايفة يا كريم. خرج الاعتراف منها أضعف مما أرادت. لكنها كانت مرهقة فعلًا. مرهقة من الخوف والرسائل والأسرار والشك في كل شيء حولها. التفت إليها ببطء. وكانت تلك أول مرة تراه ينظر إليها دون ذلك الجدار البارد المعتاد. قال بصوت هادئ: — وأنا طول عمري بحاول أخليكِ بعيدة عن الخوف ده. اتسعت عيناها قليلًا. — يعني إيه؟ خفض بصره للحظة ثم عاد ينظر إليها. — يوم فرحك… لما سمعتينا أنا وآسر بنتخانق. تجمدت مكانها. أكمل بهدوء: — كنت بحاول أقنعه يبعدك عن كل اللي داخل فيه. شعرت بأنفاسها تتسارع. — وليه مهتم؟ ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة. — سؤال متأخر أوي. ساد الصمت بينهما. لكن هذه المرة لم يكن مخيفًا. بل دافئًا بصورة غريبة. صوت المطر بالخارج صار أهدأ، بينما بقيت عيناها معلقتين بعينيه دون قدرة على الهروب. كانت قريبة منه أكثر من أي وقت مضى. قريبة لدرجة أنها استطاعت ملاحظة ذلك الحزن العميق المختبئ خلف قسوته. وفجأة… قال اسمها بصوت منخفض: — ليان. ارتجف قلبها فورًا. لا تعرف لماذا بدا صوتها مختلفًا حين خرج من شفتيه هكذا. ثم رفع يده ببطء شديد… وأبعد خصلة مبللة التصقت بوجنتها. تجمدت أنفاسها بالكامل. كان لمسه خفيفًا جدًا. لكن أثره ضرب قلبها بعنف أربكها. أما هو… فظل ينظر إليها بصمت طويل، وكأنه يحارب شيئًا داخله. ثم قال بصوت خافت: — أوعديني متبعديش عني الفترة الجاية. همست دون وعي: — ليه؟ اقترب قليلًا. قليلًا جدًا. حتى شعرت بحرارة أنفاسه قرب وجهها. ثم خرج صوته منخفضًا بصورة جعلت قلبها يختل تمامًا: — لأن أكتر حاجة مرعبة دلوقتي… إني بقيت خايف أخسرك إنتِ كمان.عودة الشبحتجمد جسد ليان بالكامل بعد الجملة الأخيرة.“افتح يا كريم… أخوك رجع.”شعرت بأن قلبها توقف لثانية كاملة.أما كريم…فظل واقفًا مكانه دون حركة، وعيناه مثبتتان على الباب بطريقة مرعبة.ثم قال بصوت منخفض: — ورايا.أمسك يد ليان بسرعة وسحبها خلفه مباشرة.كانت أصابعه دافئة وقوية بصورة جعلتها تشعر بالأمان رغم الرعب الذي يلتهمها.دوّى الطرق على الباب مجددًا.أقوى هذه المرة.ثم جاء الصوت مرة أخرى: — ولا نسيت صوتي يا كريم؟اختنقت أنفاسها.إنه آسر.الصوت نفسه.النبرة نفسها.لكن كان هناك شيء مختلف.شيء بارد… ومخيف.رفع كريم سلاحه ببطء بينما اقترب من الباب.همست ليان بخوف: — متفتحش…لكنه لم يرد.بل فتح الباب فجأة.شهقت ليان تلقائيًا وهي تتشبث بذراع كريم.لكن الممر بالخارج كان فارغًا.لا يوجد أحد.فقط…مصباح الممر يتأرجح ببطء، وصوت الرياح الباردة يعبر من النافذة البعيدة.اقترب كريم خطوة للخارج، وعيناه تتحركان بحذر.ثم انتبه فجأة لشيء على الأرض.ورقة سوداء.انحنى والتقطها بسرعة.شعرت ليان بالخوف وهي تراقب ملامحه تتغير تدريجيًا أثناء القراءة.— مكتوب فيها إيه؟لم يجب فورًا.ثم رفع عينيه إليها ب
أقرب مما يجب ظلت ليان تنظر إليه بأنفاس مرتبكة، بينما بقيت كلماته تتردد داخلها بصورة جعلتها عاجزة عن التفكير. “بقيت خايف أخسرك إنتِ كمان.” أخفضت عينيها بسرعة وكأنها هربت من شيء أخطر من النظر نفسه. ما الذي يحدث بينها وبين كريم؟ وكيف تحوّل الرجل الذي كانت تخشاه إلى الشخص الوحيد الذي تشعر بالأمان بجواره؟ ابتلعت ريقها بصعوبة ثم همست: — لازم ندخل… حد ممكن يشوفنا. ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة قبل أن يبتعد أخيرًا ويستند برأسه إلى المقعد بتعب واضح. وكأن مجرد اقترابه منها كان خطأ يحاول إقناع نفسه به. قال بصوت منخفض: — انزلي الأول… وأنا هاجي وراكِ بعد شوية. هزت رأسها بصمت ثم فتحت باب السيارة ونزلت. كان المطر قد خف قليلًا، لكن الهواء ما يزال باردًا بصورة جعلتها تضم ذراعيها تلقائيًا وهي تتجه نحو الباب الخلفي للقصر. دخلت بهدوء محاولة ألا يراها أحد. لكنها توقفت فورًا عندما سمعت صوتًا يأتي من آخر الممر. — كنتِ فين؟ تجمدت مكانها. كانت الحاجة دولت تقف قرب السلم بعباءتها الداكنة، تنظر إليها بعينين حادتين رغم عمرها. حاولت ليان التماسك. — كنت… برا شوية. اقتربت المرأة ال
المطاردةكانت أصابع ليان مشدودة حول المقود بقوة حتى شعرت بالألم في مفاصلها، بينما كانت سيارتها الصغيرة تشق الطريق المبتل خلف سيارة كريم السوداء.المطر ازداد كثافة.والمسافة بينهما لم تكن مستقرة أبدًا.مرة يبتعد عنها وسط الشوارع الفارغة، ومرة تظهر أضواء سيارته مجددًا عند إشارة أو منعطف حاد.تنفست ببطء محاولة تهدئة ارتجافها.هي لا تعرف أصلًا لماذا تفعل هذا.ربما لأنها تعبت من الخوف.أو لأن كل شخص حولها بدأ يتعامل معها وكأنها طفلة لا يجب أن تعرف الحقيقة.لكن شيئًا واحدًا كانت متأكدة منه…كريم يخفي أكثر مما يقول.انعطفت السيارة السوداء فجأة إلى طريق جانبي شبه مهجور.ترددت ليان للحظة.المنطقة بدت قديمة وخالية تقريبًا، والمحال مغلقة، وأعمدة الإنارة متباعدة بشكل مخيف.لكنها أكملت خلفه.بعد دقائق، أبطأ كريم السرعة حتى توقف أمام مبنى قديم من أربعة طوابق.لم يكن مبنى فاخرًا أو تابعًا لعائلة الدمنهوري.بل بدا كعمارة قديمة مر عليها الزمن.أطفأت ليان أنوار سيارتها بسرعة عندما رأته يترجل.كان يتحرك بسرعة وكأنه يعرف المكان جيدًا.ثم اختفى داخل المبنى.ظلت مكانها لثوانٍ، تتردد.لكن فضولها كان أقوى.ف
الظرف الأسودارتجفت يدها وهي تنحني لتلتقطه.كان الظرف الأسود موضوعًا أمام الباب بعناية مريبة، كأن من تركه كان متأكدًا أنها ستفتحه وحدها… وفي هذه الساعة تحديدًا.أغلقت الباب بسرعة ثم استندت إليه بأنفاس متوترة.القصر غارق في صمت ثقيل، لا يُسمع فيه سوى صوت المطر وهو يضرب النوافذ البعيدة، وصوت عقارب الساعة المعلقة فوق الجدار.نظرت إلى اسمها المكتوب على الظرف مرة أخرى.“ليان”ذلك الخط…تعرفه جيدًا.حفظته من الملاحظات الصغيرة التي كان آسر يتركها لها فوق الطاولة قبل ذهابه للعمل.“هرجع متأخر.”“متنسيش تاكلي.”“وحشتيني.”شعرت بقشعريرة تزحف أسفل ظهرها.ثم فتحت الظرف ببطء.كانت هناك ورقة واحدة فقط.لكن بمجرد أن قرأت السطر الأول، تجمد الدم داخل عروقها.“لو عايزة تعيشي… ابعدي عن كريم.”رفعت رأسها بصدمة، وكأنها تتوقع أن تجد أحدًا يراقبها داخل الغرفة.لكن المكان كان فارغًا.عادت إلى الورقة بسرعة.“كل اللي بيحصل دلوقتي سببه هو.ولو فضلتي تثقي فيه… هتبقي الضحية الجاية.”ارتجفت أنفاسها بعنف.شعرت بأن الكلمات تضغط فوق صدرها كحجارة ثقيلة.كريم؟لكن…هو من أنقذها قبل قليل.هو من وقف أمام الرصاص.وهو الوحي
الملف الأسود“جثة مين دي؟”خرج السؤال من بين شفتي ليان بصعوبة، كأن الكلمات نفسها تخشى الظهور.كانت أصابعها ترتجف حول الصورة، بينما شعرت بأن الهواء داخل المكتب أصبح أثقل من أن يُتنفَّس.لم يجب كريم.وقف أمامها بصمته المعتاد، مرتديًا بدلته السوداء التي التصقت أطرافها بالمطر، وعيناه الداكنتان معلقتان بالملف المفتوح فوق المكتب.ذلك الملف الذي قلب حياتها خلال ثوانٍ.ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تنظر إلى الصورة مرة أخرى.وجه آسر.زوجها.أو ما بدا أنه زوجها.لكن الدماء التي غطّت قميصه الأبيض كانت كافية لتحطم أي محاولة للإنكار.همست: — آسر مات… صح؟رفع كريم عينيه إليها أخيرًا.وللمرة الأولى منذ عرفته…رأت شيئًا يشبه القلق في وجهه.اقترب خطوة بطيئة، ثم انتزع الصورة من يدها بحركة حادة.— لو كنتِ ذكية يا ليان… هتنسي إنك شوفتي أي حاجة الليلة دي.تراجعت للخلف تلقائيًا.— إنت عارف هو فين؟صمت.كان ذلك الصمت أسوأ من أي إجابة.ثم فجأة—دوّى صوت إطلاق نار بالخارج.تجمدت في مكانها.صوت صراخ ارتفع من الطابق السفلي، تلاه تحطم زجاجٍ ضخم، ثم انطفأت الأنوار بالكامل.شهقت ليان بخوف.وفي الظلام…شعرت بيد كريم تمسك







