Share

الفصل الخامس

last update publish date: 2026-05-27 12:46:48

عودة الشبح

تجمد جسد ليان بالكامل بعد الجملة الأخيرة.

“افتح يا كريم… أخوك رجع.”

شعرت بأن قلبها توقف لثانية كاملة.

أما كريم…

فظل واقفًا مكانه دون حركة، وعيناه مثبتتان على الباب بطريقة مرعبة.

ثم قال بصوت منخفض: — ورايا.

أمسك يد ليان بسرعة وسحبها خلفه مباشرة.

كانت أصابعه دافئة وقوية بصورة جعلتها تشعر بالأمان رغم الرعب الذي يلتهمها.

دوّى الطرق على الباب مجددًا.

أقوى هذه المرة.

ثم جاء الصوت مرة أخرى: — ولا نسيت صوتي يا كريم؟

اختنقت أنفاسها.

إنه آسر.

الصوت نفسه.

النبرة نفسها.

لكن كان هناك شيء مختلف.

شيء بارد… ومخيف.

رفع كريم سلاحه ببطء بينما اقترب من الباب.

همست ليان بخوف: — متفتحش…

لكنه لم يرد.

بل فتح الباب فجأة.

شهقت ليان تلقائيًا وهي تتشبث بذراع كريم.

لكن الممر بالخارج كان فارغًا.

لا يوجد أحد.

فقط…

مصباح الممر يتأرجح ببطء، وصوت الرياح الباردة يعبر من النافذة البعيدة.

اقترب كريم خطوة للخارج، وعيناه تتحركان بحذر.

ثم انتبه فجأة لشيء على الأرض.

ورقة سوداء.

انحنى والتقطها بسرعة.

شعرت ليان بالخوف وهي تراقب ملامحه تتغير تدريجيًا أثناء القراءة.

— مكتوب فيها إيه؟

لم يجب فورًا.

ثم رفع عينيه إليها ببطء وقال: — بيقول إنه مستنينا تحت.

تجمد الدم داخل عروقها. — تحت فين؟

— القبو.

لم تكن ليان تعلم أصلًا أن القصر يحتوي على قبو.

لكنها الآن كانت تسير خلف كريم داخل ممر ضيق مظلم أسفل الدرج الخلفي، بينما يتردد صوت خطواتهما فوق الأرض الحجرية الباردة.

الهواء هنا كان خانقًا.

ورائحة الرطوبة قديمة وثقيلة بصورة جعلتها تشعر بالغثيان.

همست: — المكان ده مرعب.

جاءها صوت كريم هادئًا رغم توتره: — لأن محدش بينزل هنا.

أضاء مصباحًا صغيرًا في هاتفه، فكشف الضوء عن جدران حجرية قديمة وأبواب معدنية مغلقة.

شعرت ليان بقشعريرة.

— آسر كان بينزل هنا؟

ساد الصمت للحظة.

ثم قال: — زمان.

توقفت فجأة. — يعني إيه زمان؟

التفت إليها ببطء.

وفي عينيه ظهر ذلك التردد الذي بدأت تلاحظه كلما اقترب من قول الحقيقة.

ثم قال: — بعد موت أمه… آسر اتغير.

شعرت بالارتباك. — أمه ماتت وهو صغير أصلًا.

— أيوه… بس محدش قالك ماتت إزاي.

تسارعت أنفاسها.

لكن قبل أن تسأله…

وصل الاثنان إلى آخر الممر.

كان هناك باب حديدي ضخم نصف مفتوح.

والظلام خلفه كثيف بصورة مخيفة.

اقترب كريم بحذر، ثم دفع الباب ببطء.

صدر صوت صرير حاد جعل ليان ترتجف.

دخل كريم أولًا، فتبعته مترددة.

الغرفة بالداخل كانت واسعة بشكل صادم.

أشبه بمكتب قديم مهجور.

لكن ما جعل أنفاسها تتوقف فعلًا…

هو الصور.

عشرات الصور المعلقة فوق الجدران.

صور لآسر.

صور لكريم.

صور للعائلة.

وصور لها هي شخصيًا.

شعرت بالرعب يجتاح جسدها بالكامل.

اقتربت ببطء من إحدى الصور.

كانت صورة لها يوم زفافها.

وأخرى داخل الحديقة.

وأخرى التُقطت لها من نافذة غرفتها.

همست بأنفاس مرتجفة: — إيه ده…؟

أما كريم…

فكان ينظر حوله بصدمة حقيقية لأول مرة.

وكأنه لم يرَ هذا المكان من قبل.

ثم انتبهت ليان فجأة إلى شيء في آخر الغرفة.

شاشة قديمة تعمل.

اقتربت منها ببطء.

ثم شهقت.

كانت تعرض تسجيلًا مباشرًا لكاميرا داخل غرفتها.

تراجعت للخلف بخوف.

— حد بيراقبني…

قبض كريم على فكه بعنف.

ثم اتجه بسرعة نحو المكتب القريب وفتح أحد الأدراج.

لكن ملامحه تغيرت فورًا.

اقتربت ليان ببطء. — في إيه؟

أخرج شيئًا من الدرج ثم نظر إليه بصمت ثقيل.

كان…

عقد زواج.

عقد زواج باسمها.

لكن ليس مع آسر.

شعرت الأرض تميد تحت قدميها وهي تقترب أكثر.

ثم قرأت الاسم المكتوب بصدمة:

“كريم سليم الدمنهوري.”

شعرت ليان بأن أنفاسها اختفت تمامًا.

حدقت في الورقة بين يدي كريم وكأن عقلها يرفض استيعاب ما تراه.

اسمها.

واسم كريم.

وعقد زواج كامل موثق بتاريخ قديم.

أقدم من زواجها بآسر بشهرين.

رفعت عينيها إليه ببطء، بينما كانت الصدمة واضحة فوق وجهه هو الآخر.

همست بصوت مرتجف: — إيه ده…؟

لم يجب.

ظل يحدق في العقد وكأن شخصًا ما سحب الأرض من تحته.

اقتربت منه بسرعة وانتزعت الورقة من يده.

بدأت تقرأ بعينين مرتجفتين.

كل شيء حقيقي.

الأسماء.

الأختام.

التوقيع.

لكن…

توقيعها لم يكن موجودًا.

رفعت رأسها نحوه بصدمة: — أنا عمري ما شفت الورقة دي!

قال كريم أخيرًا بصوت خافت: — وأنا كمان.

ساد الصمت داخل الغرفة.

صمت ثقيل بصورة خانقة.

ثم فجأة…

انطلقت ضحكة منخفضة من أحد أركان الغرفة المظلمة.

شهقت ليان بعنف والتفتت فورًا.

أما كريم فرفع سلاحه مباشرة نحو مصدر الصوت.

وخرج الصوت مجددًا.

هادئًا.

باردًا.

ومرعبًا.

— كنت مستني اللحظة دي من زمان.

شعرت ليان بأن قلبها سيتوقف.

لأنها عرفت الصوت فورًا.

آسر.

خرج ببطء من الظلام.

مرتديًا ملابس سوداء بالكامل، بينما كانت ملامحه أكثر حدة وقسوة مما تتذكر.

لكن عينيه…

عينيه كانتا أكثر شيء أخافها.

باردتان بصورة مخيفة.

تراجعت ليان خطوة دون وعي.

همست بأنفاس متقطعة: — آسر…؟

ابتسم ببطء.

— وحشتيني يا ليان.

لكنها لم تشعر بالراحة.

ولا الأمان.

ولا حتى الفرحة.

فقط الخوف.

خوف غريب جعل جسدها يرتجف رغم اشتياقها الطويل له.

أما كريم…

فكان واقفًا أمامها مباشرة، وكأنه يمنع آسر من الاقتراب.

قال ببرود قاتل: — إنت مجنون إنك ترجع هنا.

ضحك آسر بخفة. — البيت بيتي يا كريم… ولا نسيت؟

— البيت ده دفنته بإيدك.

اختفت الابتسامة تدريجيًا من وجه آسر.

ثم قال بصوت أخفض: — وأنا جيت أكمل اللي بدأته.

شعرت ليان بالتوتر يتضاعف.

كانت تنظر بين الاثنين، وتشعر وكأنها تقف بين نارين جاهزتين للانفجار.

ثم فجأة…

نظر آسر إليها مباشرة.

نظرة طويلة جعلت قلبها ينقبض.

وقال بهدوء: — تعالي عندي يا ليان.

تجمدت مكانها.

لكن كريم تحرك فورًا أمامها أكثر.

— مستحيل.

ارتفعت عينا آسر إليه ببطء.

ثم ابتسم ابتسامة باردة جدًا.

— واضح إنك نسيت إنها مراتي.

رد كريم دون أن يبعد عينيه عنه: — وإنت نسيت تحافظ عليها.

ساد الصمت لثوانٍ مشتعلة.

ثم تحرك آسر فجأة للأمام.

وفي اللحظة نفسها رفع كريم سلاحه نحوه مباشرة.

شهقت ليان: — كريم لا!

لكن الأخطر…

أن آسر لم يبدُ خائفًا أبدًا.

بل نظر إلى السلاح… ثم إلى ليان.

وقال بابتسامة مرعبة:

— قوليلي يا ليان… لو عرفتي مين فينا قتل أم التاني… هتوقفي مع مين؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بعد اختفائه   الفصل الخامس

    عودة الشبحتجمد جسد ليان بالكامل بعد الجملة الأخيرة.“افتح يا كريم… أخوك رجع.”شعرت بأن قلبها توقف لثانية كاملة.أما كريم…فظل واقفًا مكانه دون حركة، وعيناه مثبتتان على الباب بطريقة مرعبة.ثم قال بصوت منخفض: — ورايا.أمسك يد ليان بسرعة وسحبها خلفه مباشرة.كانت أصابعه دافئة وقوية بصورة جعلتها تشعر بالأمان رغم الرعب الذي يلتهمها.دوّى الطرق على الباب مجددًا.أقوى هذه المرة.ثم جاء الصوت مرة أخرى: — ولا نسيت صوتي يا كريم؟اختنقت أنفاسها.إنه آسر.الصوت نفسه.النبرة نفسها.لكن كان هناك شيء مختلف.شيء بارد… ومخيف.رفع كريم سلاحه ببطء بينما اقترب من الباب.همست ليان بخوف: — متفتحش…لكنه لم يرد.بل فتح الباب فجأة.شهقت ليان تلقائيًا وهي تتشبث بذراع كريم.لكن الممر بالخارج كان فارغًا.لا يوجد أحد.فقط…مصباح الممر يتأرجح ببطء، وصوت الرياح الباردة يعبر من النافذة البعيدة.اقترب كريم خطوة للخارج، وعيناه تتحركان بحذر.ثم انتبه فجأة لشيء على الأرض.ورقة سوداء.انحنى والتقطها بسرعة.شعرت ليان بالخوف وهي تراقب ملامحه تتغير تدريجيًا أثناء القراءة.— مكتوب فيها إيه؟لم يجب فورًا.ثم رفع عينيه إليها ب

  • بعد اختفائه   الفصل الرابع

    أقرب مما يجب ظلت ليان تنظر إليه بأنفاس مرتبكة، بينما بقيت كلماته تتردد داخلها بصورة جعلتها عاجزة عن التفكير. “بقيت خايف أخسرك إنتِ كمان.” أخفضت عينيها بسرعة وكأنها هربت من شيء أخطر من النظر نفسه. ما الذي يحدث بينها وبين كريم؟ وكيف تحوّل الرجل الذي كانت تخشاه إلى الشخص الوحيد الذي تشعر بالأمان بجواره؟ ابتلعت ريقها بصعوبة ثم همست: — لازم ندخل… حد ممكن يشوفنا. ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة قبل أن يبتعد أخيرًا ويستند برأسه إلى المقعد بتعب واضح. وكأن مجرد اقترابه منها كان خطأ يحاول إقناع نفسه به. قال بصوت منخفض: — انزلي الأول… وأنا هاجي وراكِ بعد شوية. هزت رأسها بصمت ثم فتحت باب السيارة ونزلت. كان المطر قد خف قليلًا، لكن الهواء ما يزال باردًا بصورة جعلتها تضم ذراعيها تلقائيًا وهي تتجه نحو الباب الخلفي للقصر. دخلت بهدوء محاولة ألا يراها أحد. لكنها توقفت فورًا عندما سمعت صوتًا يأتي من آخر الممر. — كنتِ فين؟ تجمدت مكانها. كانت الحاجة دولت تقف قرب السلم بعباءتها الداكنة، تنظر إليها بعينين حادتين رغم عمرها. حاولت ليان التماسك. — كنت… برا شوية. اقتربت المرأة ال

  • بعد اختفائه   الفصل الثالث

    المطاردةكانت أصابع ليان مشدودة حول المقود بقوة حتى شعرت بالألم في مفاصلها، بينما كانت سيارتها الصغيرة تشق الطريق المبتل خلف سيارة كريم السوداء.المطر ازداد كثافة.والمسافة بينهما لم تكن مستقرة أبدًا.مرة يبتعد عنها وسط الشوارع الفارغة، ومرة تظهر أضواء سيارته مجددًا عند إشارة أو منعطف حاد.تنفست ببطء محاولة تهدئة ارتجافها.هي لا تعرف أصلًا لماذا تفعل هذا.ربما لأنها تعبت من الخوف.أو لأن كل شخص حولها بدأ يتعامل معها وكأنها طفلة لا يجب أن تعرف الحقيقة.لكن شيئًا واحدًا كانت متأكدة منه…كريم يخفي أكثر مما يقول.انعطفت السيارة السوداء فجأة إلى طريق جانبي شبه مهجور.ترددت ليان للحظة.المنطقة بدت قديمة وخالية تقريبًا، والمحال مغلقة، وأعمدة الإنارة متباعدة بشكل مخيف.لكنها أكملت خلفه.بعد دقائق، أبطأ كريم السرعة حتى توقف أمام مبنى قديم من أربعة طوابق.لم يكن مبنى فاخرًا أو تابعًا لعائلة الدمنهوري.بل بدا كعمارة قديمة مر عليها الزمن.أطفأت ليان أنوار سيارتها بسرعة عندما رأته يترجل.كان يتحرك بسرعة وكأنه يعرف المكان جيدًا.ثم اختفى داخل المبنى.ظلت مكانها لثوانٍ، تتردد.لكن فضولها كان أقوى.ف

  • بعد اختفائه   الفصل الثاني

    الظرف الأسودارتجفت يدها وهي تنحني لتلتقطه.كان الظرف الأسود موضوعًا أمام الباب بعناية مريبة، كأن من تركه كان متأكدًا أنها ستفتحه وحدها… وفي هذه الساعة تحديدًا.أغلقت الباب بسرعة ثم استندت إليه بأنفاس متوترة.القصر غارق في صمت ثقيل، لا يُسمع فيه سوى صوت المطر وهو يضرب النوافذ البعيدة، وصوت عقارب الساعة المعلقة فوق الجدار.نظرت إلى اسمها المكتوب على الظرف مرة أخرى.“ليان”ذلك الخط…تعرفه جيدًا.حفظته من الملاحظات الصغيرة التي كان آسر يتركها لها فوق الطاولة قبل ذهابه للعمل.“هرجع متأخر.”“متنسيش تاكلي.”“وحشتيني.”شعرت بقشعريرة تزحف أسفل ظهرها.ثم فتحت الظرف ببطء.كانت هناك ورقة واحدة فقط.لكن بمجرد أن قرأت السطر الأول، تجمد الدم داخل عروقها.“لو عايزة تعيشي… ابعدي عن كريم.”رفعت رأسها بصدمة، وكأنها تتوقع أن تجد أحدًا يراقبها داخل الغرفة.لكن المكان كان فارغًا.عادت إلى الورقة بسرعة.“كل اللي بيحصل دلوقتي سببه هو.ولو فضلتي تثقي فيه… هتبقي الضحية الجاية.”ارتجفت أنفاسها بعنف.شعرت بأن الكلمات تضغط فوق صدرها كحجارة ثقيلة.كريم؟لكن…هو من أنقذها قبل قليل.هو من وقف أمام الرصاص.وهو الوحي

  • بعد اختفائه   الفصل الأول

    الملف الأسود“جثة مين دي؟”خرج السؤال من بين شفتي ليان بصعوبة، كأن الكلمات نفسها تخشى الظهور.كانت أصابعها ترتجف حول الصورة، بينما شعرت بأن الهواء داخل المكتب أصبح أثقل من أن يُتنفَّس.لم يجب كريم.وقف أمامها بصمته المعتاد، مرتديًا بدلته السوداء التي التصقت أطرافها بالمطر، وعيناه الداكنتان معلقتان بالملف المفتوح فوق المكتب.ذلك الملف الذي قلب حياتها خلال ثوانٍ.ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تنظر إلى الصورة مرة أخرى.وجه آسر.زوجها.أو ما بدا أنه زوجها.لكن الدماء التي غطّت قميصه الأبيض كانت كافية لتحطم أي محاولة للإنكار.همست: — آسر مات… صح؟رفع كريم عينيه إليها أخيرًا.وللمرة الأولى منذ عرفته…رأت شيئًا يشبه القلق في وجهه.اقترب خطوة بطيئة، ثم انتزع الصورة من يدها بحركة حادة.— لو كنتِ ذكية يا ليان… هتنسي إنك شوفتي أي حاجة الليلة دي.تراجعت للخلف تلقائيًا.— إنت عارف هو فين؟صمت.كان ذلك الصمت أسوأ من أي إجابة.ثم فجأة—دوّى صوت إطلاق نار بالخارج.تجمدت في مكانها.صوت صراخ ارتفع من الطابق السفلي، تلاه تحطم زجاجٍ ضخم، ثم انطفأت الأنوار بالكامل.شهقت ليان بخوف.وفي الظلام…شعرت بيد كريم تمسك

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status