Se connecter
من وجهة نظر لارا الكيلاني:
كان العشرون من أغسطس يومًا لن أنساه ما حييت.
ففي هذا اليوم، لم أكتشف فقط أنني حامل في الأسبوع الثالث، بل رأيت بعيني أيضًا المرأة التي تربطها بزوجي ريان منصور علاقة تتجاوز حدود المقبول... ريم الصياد، أرملة شقيقه الراحل.
"الحقنة آلمتني كثيرًا... أريد من أبي أن يقبّلها حتى يزول الألم!"
من مكاني في أحد أركان المستشفى، وعلى بُعد عشرات الأمتار من عيادة الأطفال، كنت أرى المشهد بوضوح.
كانت طفلة صغيرة ترتدي فستانًا ورديًا يشبه فساتين الأميرات، تتكور بين ذراعي ريان.
إنها ليال منصور، ابنة ريم وشقيق ريان الراحل، ذات الخمس سنوات.
كانت تتدلل بصوت طفولي عذب، بينما كان زوجي يتقبل بكل رضا أن تناديه بـ"أبي".
ابتسم لها برقة، ثم طبع قبلة لطيفة على خدها.
وقال بصوت مليء بالحنان:
"هل ما زال يؤلمك الآن؟"
هزّت ليال رأسها برقة وقالت:
"ما زال يؤلمني قليلًا... إذا قبّلتَ أمي مرة واحدة فسأشفى تمامًا!"
ضحكت ريم بخفة وهي تقرص خد ابنتها قائلة:
"ليال، لا تقولي كلامًا فارغًا."
ثم ابتسمت، ووقفت على أطراف أصابعها، وأحاطت عنق ريان بذراعيها.
وقبل أن تلتقي شفاههما...
اتصلت بريان.
لا بد أنه كره أنني أفسدت عليهم لحظة "العائلة السعيدة" تلك، لأنني رأيت بوضوح الانزعاج الذي ارتسم على وجهه، وحتى صوته عندما أجاب كان باردًا وجافًا.
"ماذا تريدين؟"
تشبثت بهاتفي بقوة، محاوِلة أن أبدو هادئة، وقلت:
"ريان... أين أنت؟ هل يمكنك أن تعود إلى المنزل؟"
لكن كل ما تلقيته كان رفضًا باردًا.
"أنا مشغول."
ابتلعت غصتي، ثم قلت بصوت خافت:
"لكن يا ريان... لدي أمر مهم جدًا أريد أن أخبرك به. لن يستغرق الأمر سوى بضع دقائق."
"إذا كنتِ تحتاجين إلى المال، فسأطلب من سكرتيري أن يحوّل المبلغ إلى حسابك."
"لا... أنا..."
قاطعني ببرود، وهو ينطق اسمي بنبرة خالية من أي دفء:
"لارا."
كان وجهه جامدًا، وعيناه تحملان اشمئزازًا واضحًا.
ثم قال ببرود:
"الناس الأذكياء يعرفون متى يتوقفون."
كنت زوجته الشرعية... والطفل الذي أحمله في أحشائي هو طفله.
كل ما أردته هو أن أشاركه هذه الفرحة، وأن أخبره بأنه سيصبح أبًا.
لكن في نظره...
لم أكن سوى امرأة جشعة، لا تعرف متى تكتفي.
ما إن أنهى المكالمة حتى دوّى في أذني صوت انقطاع الاتصال.
وبعد لحظات، ظهرت رسالة على هاتفي:
"تم إيداع خمسة ملايين دولار."
تجمدت في مكاني.
ورأيت ريم تشدّ طرف كمّه برقة، وتنظر إليه بعينين مليئتين بالحنان قبل أن تقول بصوت خافت:
"ريان... ماذا لو كانت لارا فعلًا لديها أمر عاجل؟ ربما عليك أن تذهب وتطمئن عليها."
سخر ريان باستخفاف وقال:
"إنها دائمًا تلجأ إلى هذه الحيل المقززة. لقد أرسلت لها المال بالفعل، فلا داعي لإعطائها أي اهتمام."
ابتسمت ريم ابتسامة مترددة وقالت:
"لا تقل ذلك. لارا يتيمة، وقد نشأت من دون حب أو عائلة. ربما لأنها تحبك كثيرًا، وتحاول التمسك بك، لذلك هي..."
قاطعها ريان ببرود أشد:
"لو كانت تحبني حقًا، لما استخدمت تلك الحيلة القذرة لتخديري والإيقاع بي منذ البداية. كل ما تريده هو أموالي ونفوذي."
لا يا ريان...
كنتُ أنا أيضًا ضحية تلك الليلة!
حتى أنا لا أعرف لماذا استيقظتُ إلى جوارك في ذلك الصباح!
ارتجف جسدي كله.
أردت أن أندفع نحوه وأشرح له الحقيقة...
لكن ريان لم يلحظ وجودي أصلًا.
كان يحمل ليال بإحدى ذراعيه، بينما كانت ريم تتشبث بذراعه الأخرى.
ابتسم ابتسامة هادئة وقال:
"حسنًا، دعينا لا نتحدث عن أشياء مزعجة. لقد وعدتُ ليال أننا سنذهب اليوم إلى مدينة الملاهي."
صفقت ليال بسعادة، ثم احتضنت عنقه وهي تهتف بمرح:
"أبي هو الأفضل! أحب أبي أكثر من أي أحد!"
كانَت ليال تُحكم عناقها لعنقه بكلتا ذراعيها.
وغادر الثلاثة المستشفى متقاربين إلى درجة أن أي شخص يراهم سيظن أنهم عائلة سعيدة ومتكاملة.
أما أنا...
زوجة ريان الشرعية...
فكنت أقف في زاوية مظلمة، كأنني اللصة التي لا يحق لها الظهور.
لكن حتى لو خرجت وواجهتهم، ماذا كان سيتغير؟
طوال عامين من زواجنا، لم تكن تلك المرة الأولى التي أحاول فيها أن أشرح الحقيقة لريان.
وفي كل مرة...
لم أحصد سوى السخرية والاستهزاء.
لابد أنه يكرهني إلى أبعد حد.
ففي نظره، لولا ما حدث في تلك الليلة...
ولولا إصرار جدته على أن يتحمل المسؤولية ويتزوجني...
لكان قد تزوج ريم منذ زمن بعيد.
من وجهة نظر لارافي الجناح الآخر...جلست أمام المرآة، بينما كانت خبيرة التجميل تضع اللمسات الأخيرة على مكياجي.لم تكن الفرشاة هي ما يشغلني.ولا تسريحة شعري.ولا حتى الفستان الذي كنت أرتديه.كل ما كنت أفكر فيه...أنني بعد دقائق سأراه.وسيراني.زوجتي المستقبلية...كم بدت هذه الكلمة غريبة وجميلة في الوقت نفسه.وقفت ليان خلفي، تتأملني عبر انعكاس المرآة، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة."هل تعلمين..."التفتُّ إليها بعيني فقط.ضحكت بخفة."لا أظن أن ريان سيتمكن من إبعاد عينيه عنك."شعرت بالحرارة تصعد إلى وجنتي.ابتسمت بخجل."ليان..."قهقهت وهي ترفع يديها باستسلام."أنا جادة."خفضت بصري إلى حضني.ولم أستطع منع نفسي من الابتسام.لأنني...كنت أعرف أنه سينظر إليّ.كما ينظر إليّ دائمًا.وكأنني المرأة الوحيدة في العالم.في تلك اللحظة...اقتربت ندى.كانت تحمل علبة مخملية صغيرة بكلتا يديها.فتحتها بهدوء.ثم أخرجت العقد الذي اختارته لي.وقفت خلفي.وأبعدت شعري برفق.ثم أغلقت القفل خلف عنقي.كانت يداها ثابتتين...لكنني شعرت بحنانهما أكثر من أي شيء آخر.بعد أن انتهت...تراجعت خطوة إلى الخلف.ساد الصمت في الغرفة
من وجهة نظر ريانفي الجهة الأخرى من القصر...وقفت أمام المرآة للمرة التي لا أعرف عددها.رفعت يدي إلى ربطة عنقي.عدلتها قليلًا.ثم عدلتها مرة أخرى.ثم تنهدت.لا أعلم إن كانت المشكلة في ربطة العنق...أم في الرجل الذي يرتديها.سمعت الباب يُفتح.دخل سامر.توقف عند الباب، وظل يراقبني لثوانٍ، قبل أن يهز رأسه ضاحكًا."إذا عدلت ربطة العنق مرة أخرى..."توقف متعمدًا."...فسأطلب من الخياط أن يأتي بنفسه."التفت إليه."هل تبدو جيدة؟"اقترب قليلًا، وأخذ يتأملني بجدية مبالغ فيها، وكأنه يقيّم مشروعًا جديدًا.ثم قال أخيرًا:"ممتازة."أطلقت زفرة طويلة.لكن راحتي لم تدم أكثر من ثانية.ابتسم سامر وأضاف:"المشكلة ليست في ربطة العنق."عقدت حاجبي."إذن في ماذا؟"ضحك وهو يشير إلى صدري."المشكلة أنك متوتر."لم أستطع إنكار ذلك.ضحكت أخيرًا.وللمرة الأولى منذ أن استيقظت...شعرت أن توتري أصبح أخف.لأن الاعتراف به...جعله يبدو أقل خوفًا.بعد ساعات قليلة...سأقف أمام المرأة التي أحببتها منذ سنوات.لكنني لن أقف اليوم لأعتذر.ولا لأطلب منها فرصة أخرى.سأقف أمامها...لأعدها بأن بقية عمرها ستكون مختلفة عن كل ما سبقها.
داخل غرفتي...دخلت ليان أولًا، تتبعها ندى، بينما حملت كل واحدة منهما عددًا من الحقائب وكأنهما تستعدان لرحلة طويلة لا ليوم زفاف واحد.أغلقت ليان الباب خلفها، ثم وضعت الحقائب فوق السرير.بعدها أخرجت صندوقًا أبيض كبيرًا بعناية، ووضعته أمامي.شعرت بأنفاسي تتباطأ.كنت أعرف تمامًا ما بداخله.لكن رؤيته في هذه اللحظة...كان مختلفًا.رفعت ليان الغطاء ببطء.وظهر فستان الزفاف.ذلك الفستان الذي اخترته قبل أيام، دون تردد، لأنه كان يشبهني أكثر من أي تصميم آخر.ظللت أحدق فيه بصمت.لم أرَ قماشًا أبيض فقط...رأيت كل الطريق الذي أوصلني إلى هذه اللحظة.سمعت صوت ندى إلى جواري."ما زلتِ مقتنعة بأنه بسيط جدًا؟"ابتسمت وأنا أمرر أصابعي فوق القماش الناعم."وهذا ما أحبه."اقتربت مني ليان، وعقدت ذراعيها وهي تبتسم."تعلمين..."نظرت إليّ بمكر."أي امرأة أخرى كانت ستختار أفخم فستان في المكان."ضحكت بهدوء."وأي امرأة أخرى..."رفعت عيني إليها."...ليست أنا."هزت رأسها باستسلام وهي تضحك."لهذا السبب استسلمت لرأيك."ابتسمت.لم أكن أحتاج إلى فستان يلفت الأنظار.كل ما أردته...أن أنظر إلى نفسي في المرآة، وأرى لارا.فقط
تسللت أولى خيوط الشمس عبر ستائر غرفتي...فتحت عيني ببطء، وأنا أشعر بأن هذا الصباح مختلف عن كل صباح مرّ في حياتي.بقيت أحدق في السقف الأبيض لثوانٍ طويلة، وكأن عقلي يحتاج إلى وقت ليستوعب أن اليوم الذي انتظرته، وخفت منه، وحلمت به في الوقت نفسه... قد وصل أخيرًا.جلست على حافة السرير.وضعت يدي فوق صدري.كان قلبي يخفق بسرعة لم أعرفها منذ سنوات.ابتسمت دون أن أشعر.وهمست لنفسي:"اليوم... سأتزوج ريان."أغمضت عيني للحظة.وتركت الكلمات تستقر داخلي.كم مرة تخيلت أن أنطق بهذه الجملة؟وكم مرة اعتقدت أن ذلك لن يحدث أبدًا؟لكن ها أنا هنا...بعد كل الدموع...وبعد كل الانكسارات...وبعد كل الطرق التي فرقتنا ثم أعادتنا إلى بعضنا.اليوم...لن يكون هناك خوف من أن يرحل.ولا قلق من أن يساء فهم كلمة.ولا وداع.اليوم...لن نبدأ قصة حب.بل سنبدأ حياة كاملة.كنت ما أزال غارقة في أفكاري، حين قطعها طرق خفيف على الباب.ابتسمت تلقائيًا."ادخلي."انفتح الباب ببطء.وظهرت جنى برأسها الصغير أولًا، كما تفعل دائمًا عندما تريد التأكد أنني مستيقظة.كانت ترتدي بيجامتها الوردية، وشعرها مبعثرًا قليلًا من النوم، لكن ابتسامتها
عندما عدت إلى الطابق السفلي...كان القصر قد استعاد هدوءه المعتاد.اختفت أصوات الضحكات التي ملأت أرجاءه قبل قليل، ولم يبقَ سوى صدى يوم جميل لن أنساه بسهولة.رأيت ندى تجمع الأكواب الفارغة فوق صينية كبيرة.اقتربت منها، وأخذت أحد الأكواب من يدها."دعي العاملات يقمن بذلك."ابتسمت وهي تضع آخر كوب في مكانه."أردت فقط أن أطمئن أن كل شيء انتهى."نظرت حولي.كانت الطاولة خالية تقريبًا، والفوانيس في الحديقة ما زالت ترسل ضوءها الذهبي عبر النوافذ.ابتسمت."انتهى بالفعل."لكنها هزت رأسها وهي تنظر إليّ بتلك النظرة التي لا تخطئها عين.نظرة الأم التي تعرف ما يدور في قلب ابنها قبل أن ينطق به.قالت بهدوء:"تبقى شيء واحد."رفعت حاجبي باستغراب."ما هو؟"لم تجب مباشرة.بل أشارت بعينيها إلى الجهة الأخرى من الغرفة.اتبعت نظرتها.كانت لارا تقف هناك...ترتب آخر باقة زهور فوق الطاولة بكل هدوء.بدت وكأنها تنتمي إلى هذا المكان منذ سنوات.ابتسمت ندى ابتسامة دافئة."لم تعد ضيفة في هذا القصر يا ريان."شعرت بأن قلبي خفق بهدوء.لم أحتج إلى التفكير في معنى كلماتها.لأنني كنت أشعر بالأمر نفسه منذ أيام.ابتسمت وأنا أجيبها
من وجهة نظر ريانفي تلك اللحظة...رأيت جنى تركض نحونا وهي تحمل كرة صغيرة بكلتا يديها، وكأنها جاءت لتنقذنا من حديث طال أكثر مما ينبغي."بابا!"التفت إليها مبتسمًا."نعم يا أميرتي؟"رفعت الكرة أمام وجهي بحماس."نريد أن نلعب."ضحكت."ومن الفريق الآخر؟"أشارت إلى رامي."عمو رامي."ثم وضعت يدها على صدرها بكل فخر."وأنا معه."لم أتمكن حتى من الرد، حتى رفع سامر يده بسرعة."وأنا مع ريان."التفتت ليان نحونا وهي تضحك."وماذا عني؟"وضعت جنى إصبعها الصغير فوق ذقنها، وأخذت تفكر بجدية، وكأنها تختار تشكيل أهم مباراة في العالم.ثم أعلنت بحماس:"أنتِ مع ماما."ضحكت لارا وهي تهز رأسها."ولم يسألني أحد إن كنت أريد اللعب."ابتسمت.اقتربت منها، ومددت يدي إليها."اليوم... لا يحق لك الرفض."نظرت إلى يدي للحظة.ثم رفعت عينيها إليّ.كانت تبتسم تلك الابتسامة الهادئة التي أصبحت أحبها أكثر من أي شيء آخر.وضعت يدها في يدي وهي تقول باستسلام جميل:"حسنًا."أغلقت أصابعي حول أصابعها برفق.ولوهلة...نسيت أننا لسنا وحدنا....بدأت المباراة.أو ما ظننته مباراة.لأن جنى كانت تغيّر القوانين كل دقيقة.مرة تكون الحكم.ومرة







