Share

الفصل الخامس

last update publish date: 2026-07-31 07:45:07

عندما جئت لأول مرة إلى قصر آل منصور...

كان جاد منصور وريم يعيشان خارج البلاد.

لذلك لم ألتقِ بهما قط.

لكنني كنت أعرف أنه رجل شديد اللطف.

وحين علم أن عائلة منصور تبنتني، كان يحرص على إرسال هدية لي كل عام.

لكن ذلك الرجل الطيب...

مات في حادث أثناء الغوص في أعماق البحر...

بعد أن أصرت ريم على الذهاب معه.

ما إن ذكرت ندى الماضي حتى ارتجفت ريم كلها، وانفجرت بالبكاء.

وقالت وهي تنتحب:

"جدتي... أنا آسفة. كل ذلك كان بسببي أنا من قتلت جاد."

رأيت بوضوح الألم يلمع في عيني ريان.

ثم التفت إليّ وأرسل إليّ نظرة واضحة، يطلب مني أن أتوسط لها.

كان يعرف أن تدخله بنفسه لن يزيد ندى إلا كراهية لريم.

في الماضي كنت سأفعل ما يريده فورًا.

لكن هذه المرة تظاهرت بأنني لم أفهم شيئًا.

وبقيت جالسة بصمت إلى جانب ندى.

منذ لحظة دخولي وحتى الآن...

لم ينظر إليّ ريان إلا من أجل ريم.

ولم أستطع منع نفسي من التساؤل...

هل يراني إنسانة لها مشاعر وأفكار؟

أم مجرد أداة يستخدمها لحماية ريم؟

قالت ندى بصرامة:

"كفى بكاءً وإثارةً للفوضى في غرفة الجلوس, ما هذا التصرف؟"

ثم تابعت:

"لقد ارتكبتِ أخطاءً جسيمة وليس فقط ما يتعلق بجاد. اذهبي الآن وأجلسي في الشرفة لمدة ساعتين. وفكري جيدًا في كل ما اقترفته ولا تدخلي حتى تراجعي نفسك."

"جدتي!"

نهض ريان فجأة، وقد بدا الغضب واضحًا على وجهه.

لكن ندى تجاهلته تمامًا.

وأمرت كبير الخدم مروان بأن يأخذ ريم بعيدًا.

ثم التفتت إلى ريان وقالت:

"تعال معي إلى غرفة المكتب."

وقبل أن تصعد...

ربتت برفق على ظهر يدي، وقالت بنبرة ذات مغزى:

"ريان وأنا بحاجة إلى التحدث. أما أنتِ يا لارا فانتظريني هنا قليلًا وفكري جيدًا في نفسك وفي عائلتك."

كان ريان يكرهني أصلًا.

وبعد ما حدث اليوم...

لن يزداد إلا كرهًا لي.

فأي عائلة كانت تقصدها؟

راقبت ظهره وهو يصعد الدرج.

وابتسمت لنفسي بسخرية.

وبدأت أهيئ نفسي في داخلي للغضب الذي سينفجر في وجهي الليلة.

لكن...

طالما أريته تقرير الحمل لاحقًا...

ومادامت ندى إلى جانبي...

فلن يستطيع أن يطلقني.

ولن أسمح أبدًا لطفلي...

أن يولد بلا أب أو أم، كما حدث معي.

حتى لو كان هذا الزواج مجرد اسم...

وحتى لو أصبحنا زوجين يملؤهما الحقد.

فما دام طفلي سيحظى بعائلة كاملة...

فكل شيء يستحق التضحية.

مررت يدي برفق على الصورة الصغيرة الداكنة في تقرير الحمل.

وتخيلت طفلي وهو يكبر يومًا بعد يوم داخل رحمي.

وشعرت بشيء من السكينة.

لكن...

قطع ذلك صوت طفولي غاضب.

"أيتها المرأة الشريرة! أمي تُعاقَب الآن وهي تجلس وحيدة في الشرفة، وأبي يتعرض للتوبيخ من جدتي الكبرى. فلماذا أنتِ وحدك جالسة هنا بكل راحة؟"

رفعت رأسي.

كانت ليال ترتدي بيجاما لطيفة عليها أرنب صغير.

وكانت تنظر إليّ بتعالٍ.

ولم تبدُ عليها أي علامة من علامات المرض أو الحمى.

عندما توفي جاد كانت ريم حاملًا بليال.

ولأنها، مثلي، لم تعرف والدها الحقيقي...

لم أستطع أن أقسو عليها.

فخفضت صوتي وقلت برفق:

"ليال, ريان عمكِ وليس والدك."

صرخت بعناد:

"لا! إنه أبي! ولولا أنكِ تتمسكين به، لكان انتقل للعيش معي ومع أمي منذ وقت طويل!"

ثم اندفعت نحوي محاولة ركلي.

كنت أمسك تقرير الحمل.

فتراجعت غريزيًا وأنا أحمي بطني.

لكنها استغلت انشغالي...

وانتزعت التقرير من يدي.

ثم مزقته بقوة.

وهي تصرخ:

"أيتها المرأة الشريرة! أكرهك! إذا واصلتِ منافستي على أبي فسأمزق كل شيء يخصك!"

كان ذلك التقرير يحمل أول صورة لطفلي.

وكان الدليل الوحيد الذي أملكه لأثبت لريان أنني حامل.

قفزت بسرعة لأستعيده منها.

لكنني في الوقت نفسه كنت أحمي بطني بكلتا يدي.

أما ليال...

فكانت سريعة وخفيفة الحركة.

قفزت فوق طاولة القهوة، وأخذت تمزق التقرير إلى قطع صغيرة.

ثم هتفت بانتصار:

"اغضبي! اغضبي أكثر!"

شعرت فجأة بدوار شديد.

ولم أعد قادرة على الوقوف.

فسقطت بقوة على الأرض.

وأصبحت رؤيتي مشوشة.

وفي اللحظة التالية...

سمعت ليال، التي كانت تضحك قبل ثوانٍ، تنفجر بالبكاء فجأة وهي تصرخ بأعلى صوتها:

"أبي! العمة لارا  تضربني!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بعد الطلاق ركع يتوسل عودتي   الفصل ثلاثمئة وخمسة وستون

    بعد أن غادر آخر الضيوف، وعاد الهدوء ليحتضن أرجاء القصر، سمعت ريان يغلق باب جناحنا برفق.استدار نحوي ببطء.كنت لا أزال أقف بالقرب من الباب، وقد خلعت حذائي أخيرًا، وأطلقت زفرة طويلة شعرت معها وكأنني أحرر جسدي من تعب يوم كامل.ابتسم وهو يراقبني."يبدو أن يوم الزفاف متعب أكثر مما توقعت."ضحكت بخفة، وأنا أهز رأسي."لو أخبرتني بذلك منذ البداية... لكنت وافقت على حفل أصغر."رأيته يقترب مني بخطوات هادئة.ثم قال وهو ينظر إليّ بعينين امتلأتا بالدفء:"ولو كان أصغر..."توقفت أنفاسي للحظة وأنا ألتقي بنظرته."...لما رأيت تلك الابتسامة التي لم تفارق وجهك طوال اليوم."شعرت بحرارة الخجل تزحف إلى وجنتي.خفضت عيني دون أن أستطيع إخفاء ابتسامتي.أخذ باقة الورد من بين يدي برفق، ووضعها على الطاولة المجاورة، ثم عاد ينظر إليّ.طويلًا...وبصمت.حتى بدأت أشعر بالارتباك.ابتسمت وأنا أبادله النظر."ما الأمر؟"هز رأسه ببطء."لا شيء."ثم أضاف بصوت خافت جعل قلبي يخفق أسرع:"أحاول فقط أن أصدق أنك هنا... وأن هذا اليوم أصبح حقيقة."ابتسمت دون أن أشعر.ومددت يدي حتى لامست كفه برفق."وأنا أيضًا."وكأن أيدينا تعرف الطريق و

  • بعد الطلاق ركع يتوسل عودتي   الفصل ثلاثمئة وأربعة وستون

    من وجهة نظر ريانانتهت الموسيقى ببطء.لكنني بقيت ممسكًا بيد لارا للحظة أطول، وكأنني لم أرد أن تنتهي تلك الرقصة أبدًا.تعالت التصفيقات في القاعة.ثم ابتعدت عنها خطوة واحدة.ألقيت نظرة سريعة حولي.رأيت الوجوه التي شاركتنا هذا اليوم...جدتي.سامر.رامي.ليان.وجنى، التي كانت ما تزال تحتضن سلة الشوكولاتة وكأنها جزء من مسؤولياتها الرسمية.ابتسمت.ثم اتجهت نحو المنصة.ناولني مدير الحفل الميكروفون.أخذته منه.وللحظة...لم أقل شيئًا.ساد الهدوء في القاعة.لم أكن أخشى الحديث أمام الناس.وقفت آلاف المرات على منصات أكبر من هذه.لكن هذه المرة...كانت الكلمات تخرج من القلب، لا من العقل.تنفست بعمق.ثم قلت:"لم أكن أنوي إلقاء كلمة."ارتسمت بعض الابتسامات بين الحضور.ابتسمت أنا أيضًا."لكن..."التفتُّ نحو لارا.كانت تنظر إليّ بعينيها الهادئتين، وكأنها تعرف مسبقًا ما سأقوله."...هناك شخص يستحق أن يسمعها."توقفت لحظة.ثم أكملت:"قبل سنوات..."خفضت بصري قليلًا."اعتقدت أن النجاح يعني المال."رفعت عيني إلى الحضور."والنفوذ.""والسلطة."تنهدت.كم كنت مقتنعًا بذلك يومًا."واكتشفت متأخرًا..."عدت أنظر إلى

  • بعد الطلاق ركع يتوسل عودتي   الفصل ثلاثمئة وثلاثة وستون

    بينما كنت أرقب الضيوف، وقعت عيناي على سامر ورامي وهما يقفان في الجهة الأخرى من القاعة.كانا يتحدثان ويبتسمان وهما ينظران نحونا.لم أسمع ما قالاه...لكنني رأيت في ملامحهما راحة صادقة.راحة رجلين شهدا أصعب فصول قصتنا، وها هما اليوم يقفان شاهدين على نهايتها السعيدة.ابتسمت في سري.كنت ممتنًا لهما أكثر مما تستطيع الكلمات أن تعبر.وفي تلك اللحظة، دوّى صوت مدير الحفل في أرجاء القاعة."سيداتي سادتي..."ساد الهدوء تدريجيًا."حان وقت الرقصة الأولى للعروسين."ارتفع التصفيق.التفتُّ إلى لارا.كانت تقف على بعد خطوة واحدة مني، لكنها بدت لي وكأنها أجمل امرأة في العالم.مددت يدي إليها.واستقرت عيناي في عينيها."هل تسمحين لي؟"ابتسمت تلك الابتسامة التي تجعل كل شيء حولي يختفي.نظرت إلى يدي للحظة.ثم وضعت يدها بين أصابعي برقة."يشرفني."أغلقت أصابعي حول يدها بحنان.وقُدتها إلى منتصف القاعة.بدأ اللحن الهادئ ينساب في المكان.وضعت يدي حول خصرها برفق، وكأنني أخشى أن أوقظها من حلم جميل.وشعرت بيدها تستقر على كتفي.بدأنا نتحرك ببطء.ولم أعد أرى أحدًا.لا الضيوف.ولا الأضواء.ولا القاعة.كان العالم كله قد اخ

  • بعد الطلاق ركع يتوسل عودتي   الفصل ثلاثمئة واثنين وستون

    من وجهة نظر لارابعد انتهاء مراسم عقد القران...وقفت للحظة أحاول أن أستوعب ما حدث.أخفضت بصري إلى يدي.كان خاتم الزواج يلمع فوق إصبعي.مررت عليه بإبهامي برفق.لم أعد أحمل خاتم خطوبة...بل خاتمًا يقول إنني أصبحت زوجة ريان.كم بدت الفكرة جميلة...وهادئة...وحقيقية.بدأ الجميع يقترب منا.الابتسامات...التهاني...والدموع التي اختلطت بالضحكات.كل شيء مر أمامي كأنه حلم.شعرت بذراعين تحتضنانني بقوة.لم أكن بحاجة إلى رفع رأسي لأعرف صاحبة ذلك العناق.ليان.ضحكت وهي تشدني إليها أكثر."أخيرًا."أغمضت عيني للحظة.ورددت الكلمة نفسها، لكن بصوت خرج من أعماق قلبي:"أخيرًا."ابتعدت قليلًا وهي تمسح دموعها، ثم ابتسمت لي تلك الابتسامة التي كانت تقول أكثر مما تستطيع الكلمات.التفتُّ بعدها نحو ندى.كانت تقف أمام ريان.راقبتهما بصمت.لم تقل له الكثير.لم تكن بحاجة إلى ذلك.رفعت يدها...وضعتها على خده كما تفعل الأم مع طفلها.ثم قالت بصوت اختنق بالمشاعر:"احفظها..."توقفت لحظة."...فهي أمانة."شعرت بأن قلبي ارتجف.نظرت إلى ريان.رأيته يمسك يدها بكل احترام.ثم قال بثبات لم أسمع مثله من قبل:"أقسم لك..."رفع عي

  • بعد الطلاق ركع يتوسل عودتي   الفصل ثلاثمئة وواحد وستون

    من وجهة نظر ريانساد الصمت داخل القاعة.هدأت الموسيقى تدريجيًا، بينما وقف جميع الحاضرين تتجه أنظارهم نحو الباب الرئيسي.أما أنا...فكنت أقف أمام منصة عقد القران، أحاول أن أبدو هادئًا كما اعتدت دائمًا.لكنني كنت أعرف الحقيقة.كل شيء في داخلي كان بعيدًا عن الهدوء.تنفست ببطء.وشبكت يدي أمامي حتى لا يلاحظ أحد ارتجافهما.حاولت أن أركز على شيء آخر...على الزهور...على الأضواء...على الضيوف...لكنني فشلت.لم أكن أسمع همسات الحاضرين.ولا صوت الفرقة الموسيقية.ولا حتى المأذون وهو يراجع الأوراق.كل ما كنت أسمعه...هو نبضات قلبي.اقترب سامر مني، وهمس ساخرًا:"إذا بقيت تحدق في الباب هكذا... فسيفتح قبل موعده."ابتسمت دون أن أحول نظري."دعني أتوتر بطريقتي."ضحك وربت على كتفي."كما تشاء."أخذت نفسًا عميقًا آخر.ثم رفعت رأسي.وفي اللحظة نفسها...بدأ الباب الكبير ينفتح ببطء.ارتفعت أنغام الموسيقى.وشعرت بأن العالم كله توقف.دخلت جنى أولًا.كانت تنثر بتلات الورد بكل حماس، لكنها نسيت الطريق الصحيح أكثر من مرة، وأخذت تدور حول نفسها قبل أن تعود إلى الممر، فضحك بعض الحاضرين برقة.ابتسمت.حتى في أهم يوم في

  • بعد الطلاق ركع يتوسل عودتي   الفصل ثلاثمئة وستون

    من وجهة نظر لارافي الجناح الآخر...جلست أمام المرآة، بينما كانت خبيرة التجميل تضع اللمسات الأخيرة على مكياجي.لم تكن الفرشاة هي ما يشغلني.ولا تسريحة شعري.ولا حتى الفستان الذي كنت أرتديه.كل ما كنت أفكر فيه...أنني بعد دقائق سأراه.وسيراني.زوجتي المستقبلية...كم بدت هذه الكلمة غريبة وجميلة في الوقت نفسه.وقفت ليان خلفي، تتأملني عبر انعكاس المرآة، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة."هل تعلمين..."التفتُّ إليها بعيني فقط.ضحكت بخفة."لا أظن أن ريان سيتمكن من إبعاد عينيه عنك."شعرت بالحرارة تصعد إلى وجنتي.ابتسمت بخجل."ليان..."قهقهت وهي ترفع يديها باستسلام."أنا جادة."خفضت بصري إلى حضني.ولم أستطع منع نفسي من الابتسام.لأنني...كنت أعرف أنه سينظر إليّ.كما ينظر إليّ دائمًا.وكأنني المرأة الوحيدة في العالم.في تلك اللحظة...اقتربت ندى.كانت تحمل علبة مخملية صغيرة بكلتا يديها.فتحتها بهدوء.ثم أخرجت العقد الذي اختارته لي.وقفت خلفي.وأبعدت شعري برفق.ثم أغلقت القفل خلف عنقي.كانت يداها ثابتتين...لكنني شعرت بحنانهما أكثر من أي شيء آخر.بعد أن انتهت...تراجعت خطوة إلى الخلف.ساد الصمت في الغرفة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status