LOGIN"الفصل الواحد و الستون بعد المئتين".....تحركت السيارة بهدوء نحو مبنى المحكمة، بينما ظلت ماريا صامتة، تراقب انعكاس وجهها في زجاج النافذة. كانت تلمس حافة الشال المنسدل على ذراعيها بأطراف أصابعها، وتتأكد من ثبات حقيبتها بجانبها. شعرت بدقات قلبها تتسارع كلما اقتربت السيارة من البوابة الرئيسية، لكنها أخذت نفساً عميقاً وأخرجته ببطء، محاولة السيطرة على رجفة خفيفة في يدها.توقفت السيارة أمام المدخل. ترجلت ماريا، ووقفت لثانية واحدة تعدل من وضعية فستانها الأحمر. شعرت بنظرات المارة تلاحقها، وبهمسات خافتة بدأت تعلو من حولها بسبب جرأة لون فستانها في مكان رسمي كهذا. لم تلتفت لأي منهم، بل سارت بجانب تسنيم بخطوات ثابتة، وصوت كعبها يطرق الرصيف بقوة تعكس إصرارها.عند دخولهما إلى الردهة الواسعة، كانت الرائحة تمتزج بين رائحة الورق القديم والمنظفات القوية. توجهت تسنيم نحو مكتب السكرتارية لتتأكد من رقم القاعة وموعد الجلسة. وقفت ماريا بجانبها، تفرك كفيها ببعضهما البعض لتدفئتهما من برودة التكييف العالية.قالت تسنيم وهي تراجع ورقة صغيرة: القاعة رقم أربعة، الجلسة ستبدأ بعد عشر دقائق. كل شيء جاهز يا ماريا، ال
"الفصل الستون بعد المئتين" ..... حدق مالك في الفراغ بصمت طويل، وبدت عيناه تائهتين تعكسان صراعاً مريراً. شد على قبضتيه بقوة حتى برزت عروق يده واصطكت مفاصله. أخذ يتنفس ببطء، بينما كانت كلمات سلسبيل تتردد في ذهنه كأنها تملي عليه حقيقة جديدة. شعر بضغط شديد في صدره، وبأن الأرض تحت قدميه لم تعد ثابتة. مال بجسده إلى الخلف على الأريكة، وأغمض عينيه وهو يضغط بأصابعه على صدغيه، محاولاً طرد صورة ماريا وهي ترفضه. كان معتادا على وجودها و على حبها له و من جهة اخرى لا يعرف كيف يتصرف معها كي ترجع اليه دون استعمال العنف معها . ذبلت عينيه عندما تذكر ذلك اليوم قبل عامين عندما ذهب الى طبيب نفسي و اخبره انه آذى زوجته من شدة الغيرة . في ذلك الوقت شخصه الطبيب النفسي المحترف بانه لديه حالة نفسية حادة و اقترح عليه السفر من اجل العلاج لكنه رفض و كاد يدمر عمله فهو يعتبر نفسه شخصا طبيعيا فوصفه بالمريض النفسي لم يزده سوى تعقدا . كان متاكد انه يفعل هذا من اجلها . من اجل حمايتها منه و من الاخرين . فهو لا يعلم متى قد يؤذيها ان رآها مع رجل اخر لذلك حبسها بجانبه كي لايضطر لفعل شيء كذلك و الندم طول حياته . راقب
من اجل اولئك الذين يقولون ان روايتي متناقضة و البطل متناقض ، هذا هو المرض الذي يعاني منه مالك :اضطراب الشخصية الحدية (Borderline Personality Disorder)هذا الاضطراب هو الحاضن الأكبر للتناقض الحاد في التصرفات والمشاعر.• لماذا يبدو الشخص نرجسياً؟ يظهر المصاب بهذا الاضطراب أحياناً سلوكاً دفاعياً يتمحور حول الذات، أو شعوراً بالاستحقاق لحماية نفسه من الهجر.• التناقض الصارخ: يتميز المصابون به بآلية دفاعية تُسمى "الانفصام" (Splitting)، حيث يرون الأشخاص والأحداث إما بلون أبيض ناصع أو أسود قاتم. قد يحبك الشخص بجنون اليوم (مثالية نرجسية)، ويكرهك بشدة غداً دون سبب واضح (تناقض حاد).. عندما يشعر هذا الشخص بحب الاخرين مباشرة يشكل الية دفاع ضده و لكن في نفس الوقت يشكل هوسا غير طبيعي بالشخص • الخوف المرعب من الهجر والانفصال: هو يعتقد داخلياً أنه "غير جدير بالحب" وأن الآخر سيكتشف ذلك عاجلاً أم آجلاً ويتركه. لذلك، كآلية دفاعية استباقية، يبدأ بالهجوم أو الابتعاد ليحمي نفسه من ألم الهجر المتوقع. (منطق لسان حاله: "سأرفضك وأبعدك قبل أن تتاح لك الفرصة لترفضني وتكسرني").• الخوف من الابتلاع وفقدان الهوية
" الفصل التاسع و الخمسون بعد المئتين" .... تصلبت ملامح ماريا فوراً. لم تمنحه ثانية واحدة ليستمتع بلحظته، بل وضعت كفيها على صدره ودفعته بقوة للخلف. تراجعت خطوة إلى الوراء وهي تنظر إليه بتقزز، وصرخت بنبرة منخفضة لكنها حادة: ابتعد عني! اخرج من هنا فوراً. وقفت ماريا عند عتبة الباب، تحاول إغلاقه في وجهه، لكن صوتاً صغيراً قطع المشهد من جهة الدرج. بابا؟ توقفت ماريا والتفتت لتجد ليو واقفاً عند بداية السلم. لمعت عيناه بفرحة عارمة، واختفت كل ملامح الحزن التي كانت تكسو وجهه. لم ينتظر رداً، بل ركض بسرعة نحو والده وارتمى في حضنه بقوة. انحنى مالك ليلتقطه، ولف ذراعيه حول الصغير بحنان لم تعهده ماريا في هذا الرجل. دفن مالك وجهه في عنق ابنه لثانية، ثم أبعده قليلاً ليتفقد وجهه. سأله بصوت هادئ ودافئ: هل أكلت جيداً؟ نظر ليو إلى ماريا، ثم التفت إلى والده وأجاب بابتسامة واسعة: نعم. ابتسم مالك لليو، فرفع الصغير رأسه وسأله ببراءة: لقد جئت لتأخذني، صحيح؟ صمت مالك لبرهة، ونظر إلى ماريا بنظرة غامضة قبل أن يعيد بصره إلى ابنه ويقول: صحيح. اذهب إلى السيارة الآن، ريثما أتحدث مع عمتك. استدارت ماريا
" الفصل الثامن و الخمسون بعد المئتين"..... تنهدت ماريا بصمت وهي تنظر إلى ليو. لاحظت ارتجاف شفته السفلى وكيف يتمسك بطرف قميصها بأصابعه الصغيرة. خففت من حدة نظراتها وقالت: حسناً، تستطيع البقاء الليلة فقط. أمسكت بهاتفها واتصلت بمالك. لم تمنحه فرصة للحديث فور رده، بل قالت بنبرة حاسمة: سيبقى الليلة عندي، وغداً صباحاً تأتي لأخذه قبل أن أغادر إلى عملي. صمتت لثانية ثم تابعت بحدة: توقف عن التصرف كالمراهقين وكن مسؤولاً عن طفلك. أغلقت الخط مباشرة قبل أن يسمع صوت أنفاسه أو رده. خفضت الهاتف ووجهت نظرها إلى ليو. كان الصغير يفرك عينيه بيده، لكن زوايا فمه ارتفعت في ابتسامة خجولة ظهرت رغم تعبه. سألته بهدوء: هل تنام بشكل صحيح؟ تثاءب ليو وهو يميل برأسه قليلاً، ثم أجاب بصوت خافت: اعتدت أن تقرأ لي الخادمة قصة قبل النوم، لكن والدتي طردتها عندما رأتني أتعلق بها. منذ ذلك الوقت لم يعد أحد يقرأ لي القصص، لذا لا أستطيع النوم جيداً. شعرت ماريا بانقباض في صدرها. مدت يدها وأمسكت يده الصغيرة، التي بدت باردة في كفها. قالت له: تعال لتنام. قادته إلى الغرفة، وساعدته على الاستلقاء. غطته جيداً وتأكدت من إغلاق الإض
" الفصل السابع و الخمسون بعد المئتين"..... ودعت ماريا تسنيم بابتسامة هادئة، ثم استدارت لتغادر المقهى. وبينما تخطو أولى خطواتها خارج الباب، شعرت بجسد صغير يصطدم بساقها بقوة. تراجعت خطوة للخلف، ثم خفضت نظرها لترى طفلاً يقف أمامها. اتسعت عيناها من الصدمة وهي تتعرف على ملامحه؛ إنه ليو، ابن مالك. رفع ليو رأسه، وحدقت عيناه في ماريا بنظرة ملؤها الاشمئزاز والحقد، نظرة نسخة طبق الأصل عن نظرات أمه أثينا. شد الطفل على قبضتيه، وقال بصوت حاد: "أنتِ السبب في أن ماما وبابا تركا ليو!". وبحركة سريعة، رفع يده ليضرب ساقها، لكن ماريا لم تتحرك ولم تحاول الدفاع عن نفسها. نظرت ماريا إلى حالته المأساوية؛ ثيابه متسخة، وشعره أشعث، وعيناه غائرتان. سألته بنبرة خالية من العاطفة: "هل أكلت؟". صمت ليو للحظة، ثم أدار وجهه عنها وقال بضيق: "لا دخل لكِ!". صمتت ماريا، واستدارت لتبتعد عنه وتكمل طريقها، لكن ليو سارع في حركته وأمسك بطرف فستانها بقوة. توقفت ماريا والتفتت إليه، ليتعثر بها وهو يخفض رأسه، ويقول بصوت خافت يكاد يُسمع: "أنا جائع جداً". تنهدت ماريا، ثم مدت يدها نحوه وقالت: "هيا نذهب إلى منزلي كي ننظف







