Home / الرومانسية / بنت الغجر / الفصل الثالث

Share

الفصل الثالث

last update publish date: 2026-03-28 09:37:23

"الفصل الثالث"

داخل خيام الغجر، كانت تتقاذف الأقاويل عن علاقة خفية قامت بين "نجمة" و"زين" ولكنها مكيدة مُدبرة من شخص يبغضها.

كانت عائدة من مقابلة "سيف" بقلب منتشي بالعشق، وتصدق وعوده ، لكنها قبل أن تقترب عند قبيلة الغجر، أدركت وقتها عندما  أعترف صديق طفولتها وصباها بعشقه وهو لم يعي بذلك، فقد كان في حالة إعياء شديدة.

تسمرت مكانها تتخبط في حيرتها،  قلبها يود الأطمئنان عليه، ولكنها خائفة من زيادة تعلقه بها ، فهي تعلم أن العشق لعنة أذا أصابت قلب فلن تتركه إلا على فراش الموت.

تنهدت بضيق وحسمت أمرها، ستتعامل وكأنها لم تسمع بشيء وتحاول الأبتعاد عنه رويداً رويداً.

كلما اقتربت بخطواتها، كانت تسمع همهمات وصراخًا وحشدًا متجمّعًا، دون أن تفهم ما الذي يحدث. لكن صوت والدتها العالي اخترق الضوضاء، وهي تلطم فتاة من القبيلة وتعنفها:

-إياكِ أن تنطقي باسم ابنتي في خطيئة لم ترتكبها إلا أمثالك. أنسيتِ نفسكِ يا راقصة الغجر؟

رفعت كفها تتحسس خدها بنظرات تقتد غضبًا ثم هتفت وهي تكتظ على أسنانها:

-الجميع على علم بما أفعله، ولكن أبنتك المصون تتودد لشباب القبيلة سرًا، ترتدي ثوب العفاف والطهارة كما لو كانت لم تنتمي للغجر يومًا

قبضت سماهر على خصلات شعرها الغجري المموج وجذبتها بقوه ناحيتها تهمس بقرب أذنها :

-كلمة أخرى ، ستدفني مكانك.

أبتلعت الفتاة ريقها بصعوبة خوفا من تهديد سماهر، أما عن والدة الفتاة جذبت ابنتها من بين قبضة الأخرى وهي تفصل بينهما قائلة بضيق:

-أبعدي عن سماهر وابنتها، فهي لن تترككِ تنعمي بالراحة بعد اليوم، نسيتي أنها عرافة يا مخبولة؟!

رفعت خصلة من شعرها المموج وهي تلفها حول اصابع يدها والقت نظرة تحدي إلى سماهر:

-لم أكن قوت سارقة القلوب أن ما جعلتها تندم على صفعها لي.

كانت واقفة تشاهد الشجار، ركضت عند والدتها تتساءل بقلق :

-ماذا يحدث هنُا؟ لما تتشجارين مع "قوت"

تحولت من نمرة مصارعة إلى حملا وديع وربتت على كتف ابنتها قائلة بابتسامة دافئة:

-لا تهتمي بالأمر، مجرد حرباء تتلون بالغدر، وأنا أخرست لسانها.

بينما كان متعب داخل خيمته، استمع لصوت الشجار المدوي، تحامل على كفيه لكي يحاول النهوض، وقعت عيناه على وشاحها الأزرق التقطه بلهفة يشتم رائحتها العبقة واغمض عيناه لوهلة سرعان ما عاد يفتحهما بشخوص ، كيف وصل وشاحها خيمته؟ هل كانت معه حقًا بالأمس ولم يكن يحلم ؟

أتسعت بؤبؤى عيناه وهو ينظر للفراغ متذكرًا الحلم الذي عاشه ليلة أمس، همساته، كل تفاصيله، رؤية ملامح وجهها الرقيق، بسمتها التي تزيد من براءتها وكأنها لم تولد غجرية.

أستقام واقفًا يسير ببطء على قدميه تاركًا الخيمة، متوجهًا إلى مصدر الصوت. وقف على أعتابها متيبس الجسد بعدما أستمع لهمسات بقربه تردد ما قالته "قوت" ونظرات مبهمة تخترقه كأنها تعريه، أشاح بوجهه مبتعدًا عن حوش الغجر وعن النظرات التي تلاحقه كلما دار بوجهه.

سحب لجام الفرس خاصته وامتطئة يهرول به مبتعدًا عن رمال الصحراء وكأنه يهرب من نفسه، من مشاعره، من نظرة جُبن لم يقدر على التطلع إلى عينيها بعد ما راودهم من إشاعات كاذبة.

أما عن الراقصة "قوت" ولجت خيمتها وعيناها تتوهج بلهيب مشتعل، ليست من عادتها قبول الهزيمة، فهي الغجرية التي لا تُقهر، سيرتها غير مزدانة بالفضائل، فتاة لعوب تسرق القلوب والجيوب، هوايتها جمع الرجال على معصمها تتزين بهم كالاساور،ثم تلفظهم وقتما شاءت ، تمتلك عينان ماكرتين،عندما تدق بقدميها وتعري كاحليها ،يرن خلاخلها على دقات القلوب المحترقة و تتحول الساحة لرغبات عطشة تتساقط حولها يتتوقون  لنظرة، لضحكة، وحتى لمسة، تغري سُبر أغوارها.

هكذا تفعل راقصة الغجر بأعتى الرجال، ولكنها تعشق رجلا واحد، تتمناه. كلما حاولت التقرب إليه يلفظها لأنه يعشق تلك الفتاة التي تبغضها وتريد الخلاص منها.

دلف خلفها فتى صغيرًا يلهث أنفاسه كأنه خارجا من سباق للركض، استرد أنفاسه بعد برهة وأعطاها القنينة التي طلبتها، التقطتها بلهفة وتنهدت براحة كأنها حصلت على مرادها أخيرًا، دست يدها في صدرها تخرج بعض النقود ثم أعطتها إياه ليغادر الصبي خيمتها فرحا بالمال.

 ❈-❈-❈

عند البدو

دعاه جده لكي يتكئ عليه ويسير معه متفقدًا الأغنام والناقات، كما أنه يريد الحديث معه دون أن يستمع إليهما أخر.

كان "سيف" العون لجده، لم يعصى له أمرًا ولكن منذ ذاك اليوم الذي رفض الجد زواجه من الفتاة التي أختارها قلبه. ثار غضب الجد وهو يلعن الغجر والغجريات، لم يقدر حينها سيف على مجادلة جده ولا الدفاع عن محبوبته ، شعر بالعجز حينذاك بأنها غير قادر على حمايتها ولا اخراس الألسنة التي تشكك في شرفها .

ظل صامتًا وهي يسير بخطئ متبطئة من أجل خطوات جده، قطع الصمت بينهما هبوب رياح وازيز الأشجار منما جعل الجد يحاوط عنقه مستندا عليه هاتفًا بود:

-أين سيف الذي يجادلني دائما ويمرح معي؟ هل سحرتك الغجرية إلى هذا الحد ؟

قال مدافعًا:

-لم تسحرني"نجمة" يا جدي، أنت تظلمها.

ضرب بعصاه الرمال لتنغرز أكثر وخرج صوته بحده:

-أذا جدك ظالم إليس كذلك؟!

مال على كفه يقبله:

-أعتذر جدي لم اقصد ذلك، ولكن هي فتاة بريئة حكمت عليها من أجل قبيلتها فقط لا من أجلها هي، لما لا تلتقي بها وتتحدث معها، لما تصدر الأحكام حسب عاداتنا فقط، إليس من حق قلبي أن يُحب ويختار شريكة الدرب ؟!

-لا أنت تكسر الأعراف والتقاليد التي وضعت في قبائل البدو منذ قديم الأزل، من أنت لتزرع الفتنة بينا وبين القبائل، أتجعلهم يلقون اللوم عليَّ ويقولون حفيد شيخ القبيلة خرج عن طوعه.

تابع كلماته الفجة:

-تترك ابنة عمك من أجل راقصة عاهرة كل ليلة تقضيها بأحضان شاب أخر، عار عليك يا حفيد الشيخ راجي، عار على رجولتك، الغجريات لن تؤتمن ، هن يسرقون قلبك ويقتلعون كبدك دون أن تشعر.

قاطعه بعيون مخضبة بلون الدم: 

-نجمة ليست راقصة ولا عاهرة هي فتاة نقية و

-أصمت وإلا دفنتك حيًا وتلقيت بك العزاء اليوم، خيام الغجر ستقتلتع الليلة ، لم يعد لديهم مكان بيننا بعد اليوم.

أبتلع لسانه وفضل السكوت الأن وأكمل السير وهو مطأطأ الرأس لا ينظر إلا بخطواته على الرمال التي تركت أثرها...

 ❈-❈-❈

زحف الليل بثقل مهيب يغزو السماء وبدأت الظلمة تنسدل، والنجوم تتناثر كحبات لؤلؤ على عباءته السوداء.

في قلب هذا السكون تضئ خيام الغجر بالنيران التي تتراقص في موقدها، والدفوف تُقرع بإيقاعٍ مجنون، والراقصات يدُرن كأنهن فراشات  تتطايرن في الافق.

الرجال يصفقون، الأطفال يضحكون، ولكن الفرح لم يدم طويلًا.

حيث امتطى شباب البدو خيولهم كأنهم عاصفة من رمال الغضب، واندفعوا عبر الصحراء اللامتناهية.

كان صهيل الخيول يعلو فوق سكون الرمال، وعيون الشباب تلمع بعزم وقوة.

الغبار يتطاير خلفهم كسحابة من نار، والريح تحمل صدى صرخاتهم، كأنها نذير شؤم يتقدّمهم.

 بدت خيام الغجر كأطياف راقصة، تتمايل مع النسيم، لا تدري ما ينتظرها.

لكن البدو لم يأتوا للرقص، بل جاؤوا ليقتلعوا جذور الغربة من أرضهم، كما يقتلع السيف غمده.

كان في عيونهم حنقٌ قديم، وفي قلوبهم نارٌ لا تطفئها سوى المواجهة.

اقتربوا، وبدأت الخيول تبطئ خطواتها، كأنها تستعد للانقضاض.

وفي تلك اللحظة، توقفت الموسيقى، تجمّدت الأجساد، وساد صمتٌ ثقيل كأن الصحراء نفسها حبست أنفاسها.

ثم جاء الصوت الغليظ يأمروهم بإخلاء الخيام وحزم امتعتهم. عليهم مغادرة أرضهم قبل بزوغ الفجر.

على صراخ النساء، وركضت نحو أطفالهن، والراقصات سحبن أثوابهن وركضن كأن النار تطارد أقدامهن.

أما عن الرجال أمسكوا بالعصي في محاولة لحماية أنفسهم ، لكنهم كانوا يعلمون أن الغضب القادم لا يُقاوَم.

بيتما وسط الحلبة، ظلت سماهر واقفة، لم تهرب.

شعرها يتطاير على كتفيها كموج البحر، عيناها تلمعان بتحدِ، رفعت ذراعيها تحتضن كتف ابنتها، وهي  تقول: 

-نحن لا نُطرد... نحن أصحاب أرض.

وفي تلك اللحظة، التقت نظراتها بنظرة "سيف" الخانع ، الصامت على جواده، صاحت بوجهه:

-أخبر جدك بأنني أطلب مقابلته.

تحدث "رماح" شقيقه الأكبر:

-هذه أوامر شيخ القبيلة، لم يعد لكم وجود هُنا بأرضنا بعد اليوم.

تدخل مرجان وهو يحدق في وجه الشاب:

-لم نأتي لنرحل بل اتينا من أجل شئ أخر

أخرج من جيب جلبابه مسدسًا وصوب فوهته بقلب "سيف" ثم رفع صمام الأمان لتنطلق أول رصاصة تشق طريقها...

 ❈-❈-❈

عاد "زين" مهرولا على جواده الأصيل بعدما  علم بما يدور بخيام الغجر، ارتفع صهيل الجواد وزين يحثه على الركض أسرع، قلبه يقرع بصخب قلقًا، يريد حماية محبوبته وقبيلته من أي بطش.

كانت معركة تدار حقًا بالعصا والحصى وحبات الرمال التي تتناثر لتحجب الرؤية عن العيون، الغجر لا يمتلكون أسلحة بينما البدو يحملون البنادق ويصوبونها على أجساد الغجر، يحاولون إخراجهم دون إراقة دمائهم، تهديدًا صريحًا إذ لم يستجيبوا لأوامر شيخ القبيلة فترتوي الصحراء من دماءهم اليوم.

في تلك اللحظة التي أشهر بها "مرجان" سلاحه وضغط الزناد تدخل "زين" في الحال وأبعد يده عاليًا لتخرج الطلقة في الهواء.

صرخت نجمة وهرولت أتجاه"سيف"

تدارك شقيقه الموقف ولكم مرجان لكمة قوية جعلته طريحًا ثم جسى على قامته ينهال عليه بالضربات.

-إذا إرادتها بحور من الدم سنفعل ولكن اتينا حفاظا على أرضنا وليس لكم مكانا وسطنا

وقفت سماهر وزين يحاولون أبعاد رماح عن مرجان 

-كفاك يا رجل سيموت في يدك

نطق بها زين وهو يجذبه بعيدا عن جسد مرجان الغارق في دمائه.

أما سيف فترك حصانه وهبط ليطمئن نجمته أنه بخير وكل ما يحدث الأن دون إرادته فقد أتى معهم مُرغما على ذلك.

تنهدت بحزن ورفعت عينيها تلتقي بعينيه ولكنها تراجعت للخلف فهذا فراق بينهما، أنسلت دموعها بألم وسارت مبتعدة عنه دلفت خيمتها تحاول أن تلملم شتاتها.

طالعه مرجان بنظرات غاضبة ود لو فتح فاه وانفجر بالسر الذي أصبح طي الكتمان لسنوات طويلة ولكن حدجته سماهر ليصمت وأصرت على مقابلة شيخ القبيلة "راجي"

أخبر جدك بضرورة مقابلتي وبعد ذلك سنرحل 

ربت سيف على كتف شقيقه مؤيدا لما قالته سماهر:

-نخبر جدي بالرسالة أولا 

-حسنا سأخبر جدي بالأمر وسأعود ثانيًا لوضع حدا بيننا.

أنهى كلماته وهو يمتطى الجواد ويصدر أوامره لرجال القبيلة أن يظلوا منتظرين عودته.

 ❈-❈-❈

أقتربت "قوت" تقف بجوار "سيف" الشارد في الفراغ ، وضعت كفها على صدره وهي تدنو من وجهه، شعر بانفاسها تلفح بشرته لينتفض مبتعدًا خطوة للخلف.

لوت ثغرها ببسمة ماكرة وعادت تطالعه بعينين حادتين قائلة بخفوت:

-أراك مُتعلق بقلب غجرية، الغجريات لا يتزوجن إلا من غجري مثلها، لا تثق بحبها هذا كله خداع من أجل الأرض فقط.

أعطته ظهرها وهي تبتسم بمكر لانه لحق بها يريد توضيحًا لما قالته ، لتعود تهمس بخبث:

-سحر فعلته سماهر لتجذبك إلى ابنتها وتمتلك الأرض بعد كثرة الترحال، أنت لست الرجل الأول فدائما ما تلف حِبال الهوى حول الضحية الجديدة .

بترت كلماتها وفرت من أمامه في لمح البصر لتتركه متخبطًا بعدم فهم، يتساءل داخله هل حديث جده صادقًا بأنهن سحروا له لينالوا قلبه ويعدهم بالأمان والأرض ليستقرون هُنا؟! أما كل ما يحدث مجرد صدفة !

ظل مكانه يراقب سماهر التي تعقم جراح زوجها بالماء الفاتر والقطن وتهمس بكلمات مبهمة لم تصل إلى مسامعه ولكن نظراتها توحي بالغضب.

أما "زين" فقد كان يرمقه بغيرة ولكنه مديون له بحياته، أقترب بخطواته الثابتة قائلا بود:

-ما فعلته اليوم سيظل دينًا في رقبتي، أنقذت حياتي من بطش هذا المعتوه.

أخبره بصدق:

-لم أفعل ذلك من أجلك وإنما فعلته من أجل صديقة طفولتي لا أريد حزنها ولا رؤية دموعها، كما أننا لا نريد أزهاق روح، نسعى للسلام لا للحرب كما تفعلون أنتم يا أهل البادية.

أردف بأنفعال وهو يطالع نظرات الذعر بين القبيلة ودموع النساء ورجفة الأطفال وعاد ينظر إليه:

-شاهد بنفسك ما فعلتوا عند قدومكم، اشهرتوا السلاح وافزعتوا النساء والأطفال لما كل هذا الغضب الساكن داخلكم؟ إلا يعلم شيخ قبيلتك أن أرض الله الواسعة وسنجد ما يأوينا .

تركه يشعر بالخزي فكل ما قاله زين صادقا هما مسالمون لكن البدو أتوا ليقتلعوهم عنوة وغصب ولم يكترثوا لصرخات الغجريات أو بكاء وذعر الأطفال.

 ❈-❈-❈

بعدما تشاور رماح مع جده ووالده بما قالته سماهر وأنها تتحدث بثقة وكل ما تطلبه هو مقابلة شيخ القبيلة أولا ثم بعد ذلك سترحل وتجعل الجميع يرحل خلفها.

تنهد راجي وهتف بجدية:

-حسنًا ... أجعلها تاتي صباحًا ولكن عليهم جمع أغراضهم الليلة وأنتظار الصباح بعد مقابلة هذه الغجرية.

عاد رماح يمتطى فرسة ويشق طريق الصحراء متوجهًا مرة أخرى إلى خيام الغجر، وزف لهم خبر موافقة الشيخ راجي على مقابلة سماهر صباحًا والليلة فقط سيدعهم يحزمون أغراضهم وعادت الخيول إلى البادية ولكن لا زال عقل "سيف" منشغلا بما قالته تلك الراقصة، ود لو ألتقى بنجمته ولكنها هربت منه واحتمت بخيمتها ولم يتحمل نظراتها الحزينة ولا دموعها المتلألئة التي تطعن قلبه العليل بعشقها.

 ❈-❈-❈

 حيكت مكيدتها في الخفاء، مكيدة من فتاة  أعماها الحقد والشر الذي تملك قلبها. كان هدفها نجمة، تلك الفتاة البريئة التي لم تكن تعرف أن هناك من يتربص بها.

وضعت القنينة التي جلبها الفتى وكانت تخفيها بين ثيابها، وسكبتها في كوب ماء خلطته بالعسل ، وانتظرت اللحظة المناسبة لتنفيذ مخططها الشيطاني. 

غادرت خيمتها وهي تحمل الكوب ثم أشارت لنفس الفتى قائلة  بود مصطنع: 

- حمزة ... خد هذا الكوب وأذهب إلى خيمة "نجمة" فقد لمحتها تبكي ، أجعلها تتجرعه بأكمله لكي تهدى ولكن إياك أن تخبر أحد بأنني من أعطيتك هذا ، هيا يا بطلي 

تبسم لها ببراءة وسار اتجاة خيمة نجمه وهو يحمل الكوب بين كفية الصغيرتين .

كانت تبكي بأنين على وسادتها وعندما ولج "حمزة" خيمتها استمع لصوت بكاءها وربت على ظهرها برفق قائلا ببراءة:

-لا تبكي يا نجمة لقد غادروا البدو، هيا انهضي وأشربي هذا من يدي.

كفكفت دموعها من أجل الصغير واعتدلت في جلستها تنظر إليه ببسمة حانية ثم ألتقطت منه كوب الماء ورفعته إلى شفتيها تجرعته مرة واحدة فقد كانت عطشة، ولم تدرك أنها  تشرب كأس الموت... 

 ❈-❈-❈

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بنت الغجر    الفصل العاشر

    "الفصل العاشر"مَرت عدة أيام، حاول فيهما المحامي أستخراج أوراق تخص زين ونجمة لاتمام عقد الزواج بينهما، ولكن أبت كل المحاولات بالفشل، نجمة غير مقيدة بالسجلات وزين كأنهما مجهولين الهوية. سعى المحامي في توثيق بعض الأوراق من الجهات الحكومية من فيش وتشبيه ثم السجل المدني وأخراج بطاقة هوية لكلاهما.ذات يوم كعادة زين يباشر عمله اليومي، إذ أتى إليه العم عمران يخبره أن المحامي فاضل ينتظره الآن في مكتبه، أسرع زين يلبي ذلك النداء، وقف على أعتاب المكتب وعندما أذن له بالدخول، هاتفه فاضل قائلا:-ابشر يا زين لقد أستلمت اليوم بطاقة هويتك أنت ونجمة، من الأن تسطيع أتمام الزفاف، فلا يوجد أي عائق يمنعكما.تهللت أساريره وسار بخطوات واسعة متلهفة يضم بيده البطاقتين ويطالعهما بفرحة عارمة ثم نظر إليه يهتف بأمتنان:-أنا مديون لك بالكثير ، فلولاك ما حصلنا على إثبات الشخصية هذا ولم نقدر على الزواج ربت على ظهره برفق :-أنت مثال شاب مكافح وأنا أردت مساعدتك لأنك معدن أصيل، الليلة سنعقد القرأن في مكتبي وسأكون شاهدا على تلك الزيجة والعم عمران سيتولى وكالة العروس.-هذا شرف لي -هيا أذهب وأستدع وبشر العروس، مبارك لكما

  • بنت الغجر    الفصل التاسع

    "الفصل التاسع"بعد مصارحة نجمة بأنها تريد الزواج من زين وهو لم يصدق أن تلك المصارحة حدثت بالفعل، وأفصح عن كل ما يكنه داخل قلبه منذ أن كانت طفلة صغيرة، قرر منذ تلك اللحظة أن يبحث عن عمل لكي يتأقلمون على العيش بالقاهرة. وأثناء بحثه اليومي التقى بحارس عقار مسن، قرر مساعدته بعد أن تردد عليه كثيرا ونمت بينهما علاقة وطيدة، جلب إليه المسن عملا بالعقار المقابل له، وهذا ما جعل زين يتحمس في العيش هنا بالقاهرة وأن يجلب لنجمة كل ما تتمناه، يريد شراء الملابس المناسبة لكلاهما، كما يحاول أقناعها بعدم الرجوع إلى البدو إلا بعدما تتعافى من حالتها تلك، ولم يتم الزفاف بعد ، فقد أراد أن يفعل لها كل ما يلزمها لتكون عروس وبعد ذلك يتم الزفاف وسط عائلتها لكي لا يشعرها بالوحدة ، وعدها بأن يظل جانبها لآخر أنفاسه.مرت الأسابيع التالية والقلق ينهش قلبه كلما تحدثت وكأنها شخصًا أخر غير نجمة الفتاة الرقيقة الهادئة كأنها نجمة بعيدة منفردة وسط السماء.لكنه كان يسترضيها لكي لا تغضب منه وتتجنبه فهو لم يقبل عتابها أو ابتعادها عنه، يتحمل لحظات أنهيارها ونوبات جنونها وغضبها،خوفا من أذية نفسها، كان يرى الانكسار محتضن عين

  • بنت الغجر    الفصل الثامن

    "الفصل الثامن"بعد كل ما تذكره في الأونة الأخيرة، لأول مرة يشعر بأنه ظلم حفيدته التي لم يقبل بها بعد حتى أعترافات سماهر، رغم لديه من الحكمة والرصانة لكي يتأكد من اقاويلها إذ كانت صادقة أم كاذبة، لكنه أختار عدم تصديقها لحماية القبيلة من صراعات الماضي التي كانت ستتجدد من جديد وهذا نذير شؤم عليهما جميعًا.الأن يرأف بحالة الحفيدة المفقودة، وسيصدر قرارا في صباح الغد بالبحث عنها وعودتها لقبيلتها، فلن يقبل أن ابنة البادية تعيش بعيدة عن عائلتها، ستعود إلى أصولها ويحاول زرع بذور اعرافهم لتتأقلم على المعيشة وتعود إلى أحضان والدتها التي تبكي مرارة فقدها للمرة الثانية.❈-❈-❈خرج صوتها بغلظة وكفت عن الضحكات التي لم يفهم زين ما سببها وهي على تلك الحالة المبهمة، لا يعلم مما تعاني الأن بعد فقدانها والدتها، يبدو أنها فقدت السيطرة على أنفعالتها فلم تعد تميز بكاءها من ضحكاتها التي تصدح داخل الغرفة بصدى مسموع.تسمر مكانه مندهشًا من تبديل ملامحها وصوتها الذي خرج متوعدًا لقبيلة البادية.أراد أن يهون عليها محاولة تخفيف ما تشعر به وهتف قائلا:-لا أظن بأن الذي فعلها البدوبعيون تتقتد غضبًا:-لم يقدر على تلك ا

  • بنت الغجر    الفصل السابع

    لم تستعب بعد ما يحدث معها، ابتعدت بصدمة وهي لا تجد إلا أحضان سماهر تطوقها وتشدد في ضمتها بقوة خوفا من سلبها منها، وظلت تصرخ وتتراجع للخلف وهي تشد بقبضتها على نجمة :-هي ابنتي وحدي ولن يأخذها أحد مني إلا بخروج روحي.تحولت ساحة الزفاف إلى ملحمة من العراك والصراخ وأصوات أستغاثة ، كأنه داخل ساحة الحرب.صوت تحطيب النبوة يتهاوى على الرؤوس بدلا من تحطيب العرُس، الدماء تتساقط والرجال تهوي بأجسادهم أرضا، فقد تجمهر الغجر عندما صرخت سماهر وأستدعتهم في لمح البصر، معركة لا تريد الخروج منها خاسرة حتى لو كلفتها حياتها.أرادت أشغال البدو عنها هي وابنتها لكي تفر من بينهما دون أن يدركونها، وأثناء الشجار تتسلل بين الخيام هاربة، استجمعت قوتها في السحر لتخفي العيون عنها ولكنها لا تعلم بأن يد القدر تسبقها وتريد أن تنهل منها. لتسقطت على وجهها تتاوة بأنين مكتوب والدماء تدفق من ظهرها لتكون بركة صغيرة مختلطة بالرمال.وتركت يد نجمة تتهاوى كالريح خاوية لتدرك حينها بأن والدتها جثة هامدة ويتبين الخنجر الذي غُرس بظهرها، هوت على ركبتيها تهزها بخوف وتناديها بحرقة قلب إلا تتركها فهي ضائعة بدونها انسل وقتها زين من بي

  • بنت الغجر    الفصل السادس

    "الفصل السادس"لا زالت نجمة على حالها، غير مدركة بمن حولها، والطبيب عامر لم ييأس في معالجتها، وعاد الأمل ينبض بقلب والدتها بعدما زف لها الطبيب بأن الحمى تختفي تدريجيا وقلبها عاد يخفق بانتظام.أما عن زين فكاد قلبه أن يخرج من محجره فرحًا بذاك الخبر الذي جعل الحياة تعود إليه ثانيًا.رفع وجهه إلى السماء يناجي ربه ويتضرعه، طالبًا بإلحاح شفاء صغيرته ونجمة طفولته وشبابه.بينما سيف جالسًا بمجلس الجد راجي والعائلة ملتفة حوله، مستكينًا والشيخ الذي أحضره جده يبدأ في تلاوة الفاتحة وينثر البخور على جمرات مشتعلة، عندما اشتم سيف الرائحة بدأ يسعل عدة مرات متتالية إلى أن أحمر وجه وغامت عيناه.امسكه شقيقه رماح بقوة من ساعده وحاوطه والده من الجانب الأخر.أخرج الشيخ ورقة بيضاء من داخل جلبابه مزق أطرافها وصنع منها دومية ورقية ثم قربها من النيران لتحترق وتصير رماد ، نفخ بها بقوة فتطايرت زراته على وجه سيف فخار جسده تماما وارتخت مفاصله حتى لم يعد قادرًا على فتح عيناه.هتف بصوته الغليظ :-اريده عاري كما ولدته أمه.تنهد راجي بحزن وأشار إلى حفيده رماح بأن ينزع الثياب عن شقيقه. فعل ذلك بقلب منفطر، يرثى حال شقيقه

  • بنت الغجر    الفصل الخامس

    "الفصل الخامس"بدأ الطبيب عامر في معالجة " نجمة" يفعل كل ما بوسعه من أجل إنقاذها. يينما"سيف " يلبي له جميع ما يطلبه تحت نظرات قبيلته ولكن منعه الجد راجي من التقرب نهائيا إلى تلك الخيمة التي بها نجمة ووالدتها .وأرسل في مناداة مأذون القبيلة لاتمام عقد القران بين سيف وغفران لكي يخرس الألسنة التي تتحاكي عن علاقة ابن البادية بفتاة من الغجر.وقع ورقة زواجه وكأنه يوقع شهادة وفاته ، تحجرت الدموع داخل مقلتيه وارتجفت يداه قبل أن يخطى أسمه ويكتب رحيله عن الدنيا بأسرها.تحطمت أحلامه وأماله التي بناها مع حبيبته ، قلبه يعتصر ألما من الداخل وأختنقت أنفاسه داخل صدره كأنه يحتضر وينازع الموت بعد أن تحرك القلم ببطء موقعًا نهاية قصته مع نجمته، حدأ مؤلمًا لتلك العلاقة التي حُكم عليها بالأعدام ، تحطيم قلبين من أجل مظاهر خادعة وأحكام غير أدمية بحجة العادات والتقاليد والأعراف التي يكرهها ونافر منها ، تمنى داخله لو كانت تلك الأعراف والقوانين رجلا لقتله وتحرر من تلك القيود ..على عكس أحساس غفران التي كانت ترقص فرحًا ونساء العائلة محاوطينها بالزغاريد والمباركات.توردت ملامحها كشروق الشمس في سماء صافية ، مشعة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status