Home / الرومانسية / بنت الغجر / الفصل الثاني

Share

الفصل الثاني

last update publish date: 2026-03-28 09:36:31

"الفصل الثاني "

–خيام الغجر–

أشعلت "سماهر" النيران خارج الخيمة، وجلست بالقرب منها وهي تنظر للسماء تحدق بالنجوم التي بدأت تتناثر في السماء، كأنها تنتظر طقوس معينة لكي تفعلها، طوق الظلام كبد السماء وتلألأت النجمات والنيران تتوهج وأتت اللحظة المنتظرة، لكي تغربل النجمات وتهمس بصوت لم يسمعه غيرها، كأنها تلقى تعويذة من داخل بئر غائر، مرت بها ذكريات كثيرة قبل أن تنهي طقوسها، وعندما أستفاقت ، أخمدت النيران ثم استقامت ناهضة، لتجد "مرجان" أمامها 

هتف بغل:

-اليوم سيتحول زفافهم إلى عزاء

-لن تفعلها، حذاري وأن تفعل شيئاً دون علمي يا مرجان

ارتفع صوته بغضب قائلا:

-هل نسيتي الماضي؟ 

قاطعته بحدة وهي تضغط على أسنانها:

-جعلتهم يبكون طوال حياتهم وكان الثمن غاليا، أنسيت ؟!

-ولكن لن يشفي مرارة ما عشناه في الترحال، كيف حكموا علينا بالتشتت؟

اتت نجمة تركض على صوت شجار والديها، وقفت بجوار والدتها تتساءل بقلق:

-ما الأمر؟ لما هذا الصراخ؟ هل أنتِ بخير ؟

هزت راسها بالايجاب ولكن اعترض والدها بسخريته التي اعتادت عليها: 

-لا تخافي على سماهر يا ابنة سماهر .

-اغرب عن وجهي يا مرجان.

نطقت بها سماهر في ثورة غاضبة وهي تطوق ابنتها، لا تعلم نجمة رغم أنها ابنتهما ولكنها لم ترى يوما محبته ولم تشعر بحنانه كأنها حقًا ابنة سماهر فقط.

كلما طالعت عينيه يرتجف جسدها، كأنها ترى شبحًا، عيناه دائما تتوهج كالجمر المشتعل وملامح وجهه جامدة، لم يبتسم قط دائما عبوس الهيئة.

-ليلة الحناء حفيد شيخ القبائل غدا، سنحي ليلة الحناء والزفاف، استعدوا من الليلة.

قالها وهو يرمق نجمة بجمود ثم تركهن وابتعد ليجلس بعيدا على الرمال ويخرج لفافة الحشيش يشعلها ثم يستنشق دخانها يعبئ رئته ويشرد بخياله إلى الماضي الذي طوته الايام منذ قرابة العشرين عامًا...

 ❈-❈-❈

ضربت الرمال بقدميها لتصدح رنة خلخالها وقالت بنبرة منفعلة:

-هل حقًا سنحي زفافهم؟

اوقفتها بثبات وقبضت بكلتى كفيها على ذراعي نجمة وهي تنظر بقوة داخل مقلتيها قائلا:

-زرعت داخلك القوة وليس الضعف، ابنتي قطعة مصغرة مني، لن يهزمها حب ولن يكسرها رجُلاً، ستظلين شامخة، عنيدة، كالشجرة التي غرزت جذورها بالأرض ولن توجد رياح قادرة على أقتلاعها مهما عصفت بها .

ثم تابعت بهدوء ما قبل العاصفة:

-سألقن أبن البادية درسًا لن ينساه، صبرًا، أقفي وشاهدي بأستمتاع وابتسمي فقط، لا أريد أطفاء بسمتك الجميلة يا صغيرتي.

-لا أريد أن يؤذى سيف؟

قالتها برجاء 

ربتت والدتها على كتفها بشدة:

-لا تخافي، لن يتزوج "سيف" إلا إياكِ .

 ❈-❈-❈

على جانب أخر ، كان يجلس شابًا شاردًا حزينًا على ضياع فتاته، التي كبرت في أحضانه، طالما احتواها منذ أن اتت لعالمه وهو من علمها الغناء والعزف على الربابة، كانت خطواتهما تتقارب حينذاك ظن بأنها جزءًا منه، نصفه الآخر الذي لا يكتمل إلا بها، الآن يراها تبكي من أجل رجلا أخر، ليس منهما ولا ينتمي إليها، فلما تنجذب إليه وتتغافل عنه .

 عندما لمحه "مرجان" من بعيد، استقام وسار إليه مترنحًا في خطواته، تنغرز قدميه بالرمال، ثم هوى بجسده بجانب الشاب، سرعان ما فاق "زين" من شروده ورأى "مرجان"

يزفر أنفاسه بلهيث وهتف بصوت فحيح:

-ستظل كالصنم، هيا ثور يا فتى، أن لم تكن لك برضاها أجعلها بالقوة، غصبًا، خذها فأنت الاحق من غيرك.

تنهد بضيق ثم قال بأسى:

-ولكنها تُحب غيري، ولم أقبل على كرامتي بأن أخذها غضبًا.

ضحك بقوى وقال ساخرًا:

-وهل للغجري كرامة؟ 

اقتدت عينيه بالغضب ونهض من جانب مرجان :

-ليس كل رجال الغجر مثلك أنت يا مرجان بلا كرامة.

ابتعد عنه وهو غاضبًا ولكن أستوقفه رائحة عطرية مميزة هو يعرفها، وجدها تقترب منه برداءها الأزرق الذي يرفرف خلفها كأنها طائر الحسون تدنو منه وتهمس منادية بأسمه.

-زين.

تجمد مكانه وظل ينظر لها في صمت

عادت تهتف بصوتها الرقيق:

-أين أختفت؟ لم أجدك منذ الأمس؟

همس دون أن يرفع عيناه وينظر إليها:

-أمس لم تشعري بوجودي ، فقد كنتِ بحالة مذرية منذ أن علمتي بزفاف أبن البادية، انسيتي رقصة أمس وما جرى.

تذكر الدماء المتناثرة من قدميها بينما كانت ترقص على الزجاج ، أنشق صدره ونظر إلى كاحلها فوجدها حافية القدمين تساءل بقلق:

-هل داويتي جروح قدمك؟

لاحت شبح ابتسامة على ثغرها :

-ليت كل الجروح سهلة الألتام يا زين.

وضعت كفها برفق أعلى صدره حيث ينبض قلبه وقالت بتساءل:

-هل خفق قلبك بالحُب من قبل؟

ازاح كفها قبل أن ينفضح أمر خافقه ويصرخ من بين أضلعه بأنه لن يعشق سواها.

دار ظهره عنها وقال وهو يسير في الاتجاه المعاكس:

-نجمة.. دعيني وشأني.

ظلت تحدق في جسده الذي يبتعد عنها دون فهم لما هو غاضبًا منها؟ ماذا فعلت له ؟ فهو مثابة شقيقها الذي لم تلده أمها، هو من علمها كل خطوات حياتها.

توجها "زين" إلى خيمته، وسرعان ما هوى جسده أرضا ، لشعوره بارتجافة تسري في جسده أثر الحمى التي أصابته وهو تائها في الصحراء تحت أشعة الشمس القظة منذ أن رأها بتلك الحالة، وهو لم يعد إلى خيمته إلا الآن.

تساقطت حبات العرق على صفيحة وجهه وارتجفت شفتاه هامسًا بأسمها، ثم غاب عن وعيه..

قررت أن تذهب خلفه وأن تشاركه بما عليها أن تفعل، هل حقًا تُحي زفاف حبيبها على أخرى ؟

ولكنها تفاجئت به ملقى على الحصير ، اقتربت منه تحاول إيقاظه لكنها صعقت عندما وجدت حرارة جسده مرتفعه وينتفض برجفة كأن ماس كهربائي أمسك به، تحسست جبينه المتعرق ، مسحت عنه حبات العرق بطرف وشاحها الأزرق وجلبت صحن سكبت به الماء من القلة الفخار وبللت الوشاح ووضعته على جبينه، شاعره بالحزن بسبب تغافلها عن مرضه.

فتح عيناه ببطء ورأ ملامحها الهادئة همس بصوت خافت:

-أُحبك يا نجمة... لم أعشق إلا نجمة واحدة، ولا أريد سواها...

سمعت همسه ودنت منه تتأكد من كلماته الخافتة ثم تراجعت بصدمة وظلت تطالع وجهه النائم بعدم تصديق..

عند بزوغ الفجر، تأكدت من أنخفاض حرارة جسده، وتركت الخيمة وهي تتخبط في أفكارها، تطلاطم بها كامواج البحر، منذ أن علمت بما يخفيه عنها "زين" داخل قلبه من مشاعر اتجاهها.

هرولت أتجاة خيمتها ولم تعلم بالعيون التي كانت تتربص بها في الظلام، عينان ماكرتين وابتسامة سمجة تطغوا على ملامح تنبض بالحقد والشر معًا.

 ❈-❈-❈

أضرمت النيران داخل قبيلة البدو، التهمت الخيام واحدة تلو الأخرى، كوحش جائع يلتهم كل ما يقربه، الجميع في حالة ذهول، ركض الرجال يغادرون الخيام وهم يحملون أطفالهم والنساء تصرخ وهن يطالعنا تصاعد النيران والدخان الكثيف الذي غطى السُحب وأخفى الرؤية، وسعال المسنين اللذين عبئت رئتهم بالدخان، والشباب يركض في كل اتجاه يحاولون أنقاذ ما يمكن أنقاذه من أرواح ، أنهارت العروس هوت على ركبتيها وهي ترى خيمة عُرسها أصبحت كومة من الرماد، في لحظة تحول الزفاف إلى فاجعة..

ساعات متواصلة قضوها الرجال في أخماد الحريق الذي لا يعرفون سببه، وقف شيخ القبيلة ينظر بحزن لما طالته النيران من خسائر، ثم ازداد نوبة سعاله قبل أن يحدث أبناءه بحسرة قائلا:

-نحمد الله بأن الخسائر التي طالتنا لم تكن في الأرواح.

ثم سكت قليلا يسترد أنفاسه بهدوء ليكمل حديثه :

-سنعوض ما خسرناه، ستُقام الخيام من جديد وسنعمل بكل جد، ليست خسارتنا فادحة، خسارة بعض الخيام أو القماش أمر بسيط وسيعوض طالما لازلنا متماسكين.

تابع كلماته ببطء وهو ينظر إلى ولده الأكبر: 

-يُأجل الزفاف إلى حين عودة القبيلة كما كانت 

أطاعه وهو يؤمى برأسه :

-أمرك يُطاع يا شيخنا.

رغم الحريق الذي طال قبيلته فهو من داخله يشعر بالراحة بسبب تأجيل موعد زفافه ويتمنى ألغاءه نهائيًا، لكنه في الوقت ذاته حزينًا على تلك المصيبة وظل يبحث عن سبب أشعال تلك النيران.

 ❈-❈-❈

_خيام الغجر_

كانت قد ذهبت في النوم بعد أرهاق طويل، لتفتح عينيها بعد عدة ساعات على صوت والدتها وهي توقظها وتزف لها خبر ما صار مع البادية، شهقت بصدمة وركضت بخوف إلى حيث يناديها قلبها الذي يريد الأطمئنان على حبيبها.

لم تكترث لهيئتها فقد كانت حافية ، شعرها يتطاير حولها ونست وشاحها بخيمة "زين" 

ثوبها الازرق يتطاير حولها كحورية قذفها موج البحر على غير ارادتها ، كلما ركضت اشتمت رائحة الدخان ورأت السحابة السوداء التي غطت السماء، اختلطت دموع الخوف مع عرق التعب من كثرة الركض، فوقفت تستظل باقرب نخل لتلتقط انفاسها , تنادي حبيبها بقلب مُضطرب وصوت يأس ، إلى أن أزداد بكاؤها وظلت تسعل.

أت هو من خلفها هامسًا بصوته الدفئ:

-فداكِ بروحي يا محبوبي.

جحظت عيناها وتوقف السعال وهي تتحسس ذراعيه بلهفة وتنظر الى وجهه بتمعن، رفعت أناملها تلامس وجنتيه، شقت الأبتسامة ثعرها، كأنها ام تطمئن على مولودها بعد ان خرج من ظلمة رحمها .

-هل أصابك شيء ؟ 

قالتها بلهفة، بينما هو ابتسم بحب وهمس بهيام عاشق:

-لم أحترق في النيران ولكن قلبي كان يحترق من أجل بُعدك يا نجمتي.

افترشت الرمال أسفل النخيل وظلت تعبث بأطراف أناملها حبات الرمال بشرود، ثم رددت بحزن:

-ستتزوج نجمة أخرى.

جلس بجوارها وهو يتنهد بهدوء ثم قال بصدق:

-لا يوجد نجمة غيرك، تركت السماء وأحتلت موطنها بقلبي.

-غدا ستكون لغيري.

ضحك بصوت عالِ:

-يا غجريتي لم تفهمي بعد! تأجل الزفاف يا ملعونة.

رمقته بنظرات غاضبة وقالت بضيق:

-ألا تكف عن تلك الكلمة لتزيدها بملعونة أيضا 

عاد يقهقه ثم أرسل إليها غمزة بطرف عينه اليسرى:

-أذوب عشقًا في مشاكستك.. هيا أعزفي على وتر قلبي العاشق.

ابتسمت وهي تنظر للارض ، ثم التفتت له في جدية وتحدق في عينية بنظرة تساؤل:

-لما قبيلتك تكره الغجر ؟

 طال صمته فلم يجد جوابا يقوله، لا يريد حزنها، وجرحها برأى جده.

انهالات عليه بالتساؤلات:

-ماذا لو كنت أنت أيضا من الغجر؟  

تعلم لو كان الوضع متبادل وأنا ابنة البادية لكنت احببتك أيضا ولم يهمني رأى القبيلة، حتى لو تطلب الأمر الهروب معك إلى أرض بعيدة لا تنتمي إلى هذا أو ذاك.

صمتت برهة ثم تابعت قائلة:

-ما ذنبي أنا في إختيار أهلي؟ لا يحق لجدك رفضي كوني فتاة غجرية؟ لم أختار من أكون ولا إلى أي قبيلة انتمى؟ لم نختار أهلنا ولم نختار ديننا، ولدنا بالفطرة وعندما نكبر نحدد ونختار بأنفسنا، أنا إلى الأن أبحث عن هويتي، عن أعرافي، عن تقاليدي ، أنا فتاة ناضجة ووجب عليً الاختيار ممن أحب ومع من أعيش وأريد الانتماء.

جذب رأسها برفق لتتوسد صدره وضمها بذراعه ثم أراد أن يمزاحها:

-من اين اتيتي بهذا الكلام الكبير يا نجمتي؟ هل الغجر لديهم مدرسة وأنا لا أعلم ؟ هيا اعترفي من أي مدرسة تخرجتي؟

زفرت بضيق وبترت كلماتها بثقة:

-لا تمزح معي، تخرجت من أعظم مدرسة وهي مدرسة الحياة، لا تنسى كم تخبطت بي الدنيا؟ وتلاطمت بي الأمواج هُنا وهُناك، لم استقر في موطن ولكني تعلمت من كل مكان شيء أخترق عقلي وروحي.

ثم تابعت بحزن :

-نضج عقلي أضعاف عمري، بسبب معاناة ما ذقته منذ الصغر، لا تظن بأنِ سعيدة بتلك الحياة التي اعيشها ولكني مجبرة عليها.

شعر بمدا حزنها والدموع التي انهمرت من بركتي العسل خاصتها، همس بحب:

-ساخلصكِ من كل ما يورقكِ، أنا جانبك فلا تحزني، سأفعل كان ما بوسعي من أجلك يا حبيبتي، سننسى معا الماضي بكل أحرانه وألامه، أعدك بذلك.

 ❈-❈-❈

_عودة إلى قبيلة البدو_

لطمت "غفران" صدرها وهي تبكي بمرارة وصوتها مبحوحًا، ترمق والدتها بنظرات مبهمة متذكرة حديث الحنانة التي أخبرتها بنذير شؤم، هتفت بنبرة ملتاعة:

-حقًا يا أمي أنا نذير شؤم واحترقت القبيلة من أجل زفافي، تلك المشعوذة اخبرتني بإلا يتم الزفاف، فلابد أنها ترى ما لم نراه.

قالت الأم غاضبة:

-كفاكي جنون يا ابنتي، وأياكِ أن تأمني بكلمة عراف، فلا يعلم الغيب إلا الله.

خرج صوتها منفعلًا:

-إذا لما حدث كل هذا قبل زفافي بيوم؟ 

-أمر الله ... سنعترض على مشية الله؟! أستغفري ربك وعودي إلى رشدك، ما صار قضاء وقدر.

لم تكترث لحديث والدتها وظلت تفكر في أمور أخرى، تريد معرفتها ولابد وأن تبحث عن تلك السيدة وتجلس معها ثانيا لمعرفة ما أخفته عنها، أثناء قراءة كفها، لن يهدئ لها بال إلا برؤية العرافة مرة أخرى...

بينما أجتمع الجد بشيوخ القبيلة ليتشأورون بأمر إعادة بناء القبيلة من جديد، كما يبحثون عن مصدر الحريق، هل هي بفعل فاعل أم قضاء وقدر.

وأصدر أوامره الأخرى بطرد الغجر، فمنذ أن قدموا ثانياً والخراب يلاحقهم، أجتمعت شيوخ القبائل على قرار واحد وهو الخلاص منهما وتطهير الصحراء فهم يعلمون أنهم بلا دين ولا وطن، ولا يملكون الأعراف،فنساءهم متاحة وجودهم يشبههم وهم لن يقبلون بذلك.

أرتجف قلبه وهو يستمع لحديث جده الصارم، والأراء التي تؤيده من مشايخ القبائل المجاورة.

الآن هو متوجس خيفة على نجمته، لا يريد بأن يطالها الأذى ولم يقدر على فراقها، كما يشعر بأنه مكبل بالاغلال ولن يستطيع الفرار من مصيره. هل حُكم عليه بأن يعيش مُعذب الفؤاد؟! أذا خسر نجمة فلن يقبل ب غفران ولن يرضخ لأوامر جده، حتى لو قرر الهرب بنجمته بعيدا عنهما، لا يريد بأن ينقض وعده و يتخلى عنها حتى لو دفع حياته ثمناً لذاك البعد..

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بنت الغجر    الفصل الرابع والعشرون

    كانت تهرول كالغزال الذي فر من القطيع لكي لا تلتقفه فم الحيوانات المفترسة، شاردة لا تعرف خطواتها، تتعثر قدميها بالرمال تارة وتارة أخرى تقف تلهث أنفاسها المتسارعة، وجدت ذراعين يجذبها لكي تكف عن الركض، أغمضت عينيها مستسلمة لهذه اللحظة فلم يعد لديها قوة على أكمال ركضها، لكن أتاها صوتا حانيًا مطمئنًا-لا تخافي صغيرتي ، ها أنا ألتفت بجسدها المرتجف لتشعر بأن الدنيا تميد تحت قدميها الحافيتين، تعلقت مقلتيها المغرقة بالدموع وكأنها وجدت يد القدر التي تدخلت لكي تربت على كتفيها بحنان وطوقه بذراعيه لكي تستقر برأسها عند صدرته وتنساب دموع الأخرى وهو يهمس بصوته الدافئ:-لن يقدر مرجان على أذيتك بعد الأن، لا تخافي يا حبيبتيتشبست بذراعه وخرج صوتها بهمس خافت :-تعبت يا أبي، أريد أن أستريحأنسابت دموعه وأزادات نبضاته وهو يستمع لتلك الكلمة التي خرجت من فمها أخيرا، جاء الحين الذي أستمع لها تناديه بأبي وتعترف بوجوده، لكم تمنى تلك اللحظة منذ أن عادت إليه.شدد هو في ألصاقها بصدره كأنه يحاول تعويض نفسه عن غيابها وضياعها تلك السنوات الماضية ، يحاوطها بين ذراعيه خائفا من ضياعها ثانيا ، متلهفا لابنته الصغيرة الذي

  • بنت الغجر    الفصل الثالث والعشرون

    غادر المقدم عمر مبنى المشفى وزين يسير خلفه لا يعرف شيئا عما حدث بأقوال قوت، تساؤلات تلاحق عقله دون توقف من الذي فعلها ؟ ما الحديث الذي دار بين ضابط المباحث وقوت؟ هل رأت الجاني أم أنه لا زال ضمن المشتبه بهم ؟ أسئلة كثيرة ولم يجد إجابتها ، كما أن قلقه الاول والاخير على غياب نجمته ، هل هي تائهة بالشوارع ولم تعرف كيف اعود إلى المنزل؟ هل ساقتها قدميها بأن تتفتل بين الشوارع ونست الطريق إلى العودة؟ أين توجد الأن ؟ وماذا تفعل؟ هل تبكي ضياعها ، لابد أنها خائفة، مذعورة من تكرار ما حدث معها بالماضي ،هل الماضي اللعين سيظل يلاحقها حتى بعدما صارت فتاة ناضجة؟ فاق من شروده على صوت عمر المتسأل:-أخبرني ما تعرفه عن مرجان توقفت قدماه عن السير ونظر إليه بدهشة:-مرجان؟! أستقل عمر السيارة ولحق به زين مكرر سؤاله، رمقه عمر بهدوء قبل أن يقود السيارة وينطلق بها مسرعًا:-مرجان هذا هو من فعل ذلك بقوت، أخبرني هل تعلم أين يوجد.الأن ؟ أريد معرفة كل صغيرة وكبيرة تخصه.-لا يهمني مرجان هذا فليحترق في الجحيم، أريد معرفة أين توجد زوجتي الأنقال كلماته بأنفعال سرعان ما تحول قلق وتقازفت شياطين الغضب على رأسه عندما بتر

  • بنت الغجر    الفصل الثاني والعشرون

    أنشغل زين بجلي السيارات داخل جراج العمارة ولم يشعر بمرور الوقت ، بعدما أنتهى من عمله، جفف عرقه المتساقط وسار عائدا إلى منزله.طرق الباب برفق وانتظر أن تفتح نجمة الباب ولكن مرت بضع دقائق ولم تفتح ، ظن أنها عادت من السوبر ماركت وصعدت إلى فيروز فدلف هو الشقه واغلق الباب برفق ، توجها إلى المرحاض لينعش جسده بالماء ويزيل تعب اليوم، ثم أبدل ثيابه بأخرى ولا زالت نجمة لم تأتي بعد.زفر بضيق وهو ينظر من نافذة غرفته فقد حل ظلام الليل ولم يعتاد أن تظل عند فيروز كل هذا الوقت، ساقته قدماه واستقل المصعد الكهربائي وصولا إلى الطابق الثالث، وقف عند باب الشقة ثم ضغط زر الجرس انتظر برهة إلل أن فتحت الخادمة الباب وسألها عن زوجته-هل نجمة هنا مع الآنسة فيروز اتت فيروز على صوته واجابته:-زين تفضل -تنحنح وهو يعتذر منها عن قدومه ولكنه تفاجئ بقولها-نجمة لم تأتي منذ أن تركتني عصرًا-حقا !قالها بصدمة، ثم استطرد قائلا: -عند المغيب ذهبت إلى الجراج واستغرقت وقتا طويلا في غسل السيارات و لم أشعر بمرور الساعة، ونجمة أخبرتني أنها ستتفقد أغراضا من السوبر ماركت، وعندما عدت ولم أجدها ظننتها برفقتك اعتراها القلق وقالت

  • بنت الغجر    الفصل الحادي والعشرون

    مرت الأيام سريعا ولا زالت التحقيقات جارية في البحث عن الجاني الذي أراد قتل "قوت" وتحاول المباحث أن تبذل قصارى جهدها في إيجاد هوية صاحب البصمة المجهولة .منتظرين أيضا إفاقتها من غيبوبتها لمعرفة الحقيقة الكاملة.أما عن علاقة "نجمة" ب"زين" أزدادت قوة وترابط بعدما أفاضت بمشاعرها أتجاهه وهو فرح بذلك الالتحام الذي جمع بينهما ووثق زواجهما قولا وفعلا، كما أنها صدقته فهو لم يخونها قط وتفاجئ بأقتحام قوت منزلهم رغم طردها .وقررا معا بداية جديدة وطي صفحات الماضي البائس لكي لا يعكر صفو حياتهم الجديدة.تركته يباشر عمله وهي متواجدة عند صديقتها وشقيقتها التي تجد الراحة والسكينة في قربها .علمتها فيروز كل شيء بداية من الكتابة والقراءة وكل فنون العشق التي جعلتها تفعلها مع زوجها لكي يستمر الحب بينهما ولن تسمح للفتور أن يسكن عشهم الصغير .ذات يوم وهي بصحبة فيروز أعطتها حقيبة هدايا عندما فتحتها تفاجئت بمستواها:قالت مندهشة: -هاتف محمول لما؟ابتسمت فيروز وهي تخرج من الحقيبة الهاتف الاخر وقالت بود:-واحد لك والثانِ ل زين لكي تتبادلون المكالمات الهاتفية ويطمئن كل منكما على الآخر ، كما أنني أخبرتك كيف تستخدم

  • بنت الغجر    الفصل العشرون

    داخل الزنزانة ،حيث ألتفت زين إلى الشاب الذي أطربهم بصوته الشجي، بينما انتهى الشاب من غناءه ثم هتف متسألا لزين:-أنت مُستجد إليس كذلك؟هز رأسه بإيماءة خفيفة تنهد الشاب ثم لاحت بسمة هادئة وقال بلكنته الصعيدية المميزة:-أنا ناصر، وأنت-زين-عاشت الأسامي يا زين الرجال، أخبرني حكايتك ودع الأيام تمر؟تنهد بضيق وقال بأقتضاب:-جريمة لم أفعلها، وبدء يسرد كل منهما قصته للآخر تهوينا حياتهم بين الجدران المظلمة..جنى الليل وصمتت الأحاديث، عم السكون الزنزانة وغفلت عيون المساجين إلا عينه لم تغفل، ظل ساهرا لا يفكر إلا بنجمته ، تذكر أنه نسى أن يبرء نفسه أمامها من نظرة الخيانة التي رآها عندما وجدت قوت معه بالمنزل، ولكن ما شعر به لهفتها، ضمتها إليه، خوفها أن يصابه أذى، لمعت عيناها بنظرات عاشقة متلهفة لرؤية معشوقها، هذا ما جعله ينسى كل شيء إلا هي .قرع قلبه بالطبول متيقنًا مشاعر نجمته، ولكن راوده أحساس القلق والخوف عليها، ماذا تفعل وحدها ؟ نادما على تركه لها وعودته إلى هنا وجرا ما جرا، يا ليته ظل جوارها ولم يحدث كل هذا .❈-❈-❈تململت في فراشها وفتحت عيناها بوهن، لتجد ذراع فيروز تطوقها بدفء، تسللت من بين

  • بنت الغجر    الفصل التاسع عشر

    أستدعت "فيروز"والدها لكي يفحص جسد نجمة الهزيل، بدء على ملامحها الحزن والأرهاق، كما أن ضعف جسدها لم يتحمل تلك الصدمات التي تتقازف فوق رأسها واحدة تلو الأخرى، غرس الطبيب نادر المحلول المغذي بوريدها وحقنه بمهدئ ليساعدها على النوم ويخفف عنها ما تمر به .وترك ابنته فيروز جوارها إلى أن تستيقظ ثم غادر المنزل.تنهدت وهي تستلقى جانبها بالفراش ثم رفعت كفها تلامس خصلات نجمة المموجة التي فعلتها لها بيدها، سارت أناملها برفق كأنها تحاول بث الطمأنينة بجسدها الخاوي ، كان نومها مضطرباً، تزفر أنفاسها بأختناق كأنها تغرق في عمق البحر، تشهق بضيق بين برهة وأخرى ، يبدو أنها تطاردها الكوابيس في صحوها ومنامها، ضمتها إليها وأسندت رأسها تلتصق برأس نجمه بعد أن طبعت قبلة حانية على جبينها المتعرق أثر ما تراءه وهمست بجانب أذنها:-لا تخافي نجمة، لن أترككِ وحدك، أنا هنا جوارك.كلمات بسيطة لكنها خرجت بقلب محب، قلب بريء، لا يحمل داخله أي ضغينة، مشاعر صادقة تغدقها على غريبة حست بقربها كأنها جزء منها، كأنها شقيقتها التي لم تلدها والدتها، هكذا هي المشاعر الصادقة تُعطي دون مقابل.❈-❈-❈عاد رماح وسيف إلى القبيلة بينما عمار

  • بنت الغجر    الفصل الثالث

    "الفصل الثالث"داخل خيام الغجر، كانت تتقاذف الأقاويل عن علاقة خفية قامت بين "نجمة" و"زين" ولكنها مكيدة مُدبرة من شخص يبغضها.كانت عائدة من مقابلة "سيف" بقلب منتشي بالعشق، وتصدق وعوده ، لكنها قبل أن تقترب عند قبيلة الغجر، أدركت وقتها عندما أعترف صديق طفولتها وصباها بعشقه وهو لم يعي بذلك، فقد كان في

  • بنت الغجر    الفصل الاول

    "الفصل الأول"وسط غسق الليل،حين يسكن كل شيء إلا الوجع، وقفت بمنتصف الصحراء قابضة على الزجاج المشطور، حطمته لاشلاء عند الصخرة، ثم نثرته بالهواء كحبات رمال، اعتلته بقدميها العاريتان، إلا من خلخالٍ صغير يرنّ كأنّه نبض قلبها الأخير. كل خطوة تخطوها كانت الشظايا تغرز أنيابها في قدميها، وكل حركة كانت نزي

  • بنت الغجر    الفصل الخامس

    "الفصل الخامس"بدأ الطبيب عامر في معالجة " نجمة" يفعل كل ما بوسعه من أجل إنقاذها. يينما"سيف " يلبي له جميع ما يطلبه تحت نظرات قبيلته ولكن منعه الجد راجي من التقرب نهائيا إلى تلك الخيمة التي بها نجمة ووالدتها .وأرسل في مناداة مأذون القبيلة لاتمام عقد القران بين سيف وغفران لكي يخرس الألسنة التي تتح

  • بنت الغجر    الفصل الرابع

    "الفصل الرابع"أنفض حوش الغجر من رجال القبيلة البدوية وعاد الاستقرار إليهم بعض الشيء ولكن لا زالت قلوبهم متوجسة بالخيفة، لا يعلمون إلى أين سينساق قدرهم هذه المرة.كان يجوب المكان بعينيه بحثًا عنها فلم يجدها، تنهد بسأم وسار حيث خيمته بقلب منفطر، شاردًا في كل ذكريات طفولتهم معًا، انتابه الحنين وتمنى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status