LOGIN"الفصل الرابع"
أنفض حوش الغجر من رجال القبيلة البدوية وعاد الاستقرار إليهم بعض الشيء ولكن لا زالت قلوبهم متوجسة بالخيفة، لا يعلمون إلى أين سينساق قدرهم هذه المرة.
كان يجوب المكان بعينيه بحثًا عنها فلم يجدها، تنهد بسأم وسار حيث خيمته بقلب منفطر، شاردًا في كل ذكريات طفولتهم معًا، انتابه الحنين وتمنى العودة صغيرًا لكي يحظى دائما بقربها، وقف عند شطيرة المرآة المعلقة بخيمته، أزاح فتحته صدر الجلباب الذي كان يرتديه، ليكشف عن صدره العاري وجود وشمًا بارزًا، لملامح نجمة، تلك الفتاة التي عشقها بكل كيانه.
تحسس زين الوشم برقة، بأصابعه التي تلامس بشرته، كأنه يلامس بشرتها هي، محفورة في قلبه، تسكن جسده كما تسكن قلبه فهي جزءًا من روحه . همس بصوت مليء بالعاطفة كأنه يحدثها: - ستظلين في قلبي، في روحي، سجينة قلبي... سجينة عشقي... لن أخرجكِ منه أبدًا..❈-❈-❈
تعرق جبينها وتقاطرت منه حبات العرق البارد، كم جف حلقها وانتشر الخدر في جسدها، لم تعد قادرة على تحريكه، حاولت الصراخ ومناداة والدتها ولكن شُل لسانها تماما، رجفة قوية صارت بأوصالها، أغمضت عينيها في أستسلام تام.
في ذلك الوقت بعد أن طهرت جراح زوجها، تركته بغضب وقررت أن تذهب إلى ابنتها لتواسي حزنها وتطمئنها. ولجت خيمتنا ببطء لتجدها ممددة على فراشها نائمة، دنت منها فهي أيقنت بأنها تتهرب من الحديث معها، هزتها برفق: -لا تستطعين الهروب من والدتك يا صغيرتي، هيا انهضي . شهقت بفزع عندما تحسست جسد نجمة وجدته ساكن متجمد وكأنها لوح ثلج، امسكتها من ذراعيها تهزهما بقوة -نجمة افتحي عيناكي... ماذا جرى لكُ يا ابنتي؟ نجمة ... حبات العرق البارد تغطي جسدها، طريحة الفراش كأن روحها هربت من جسدها، صرخت سماهر باعلى طبقات صوتها تنادي مرجان وزين . استمع زين صراخها القوي ركض إليها مسرعًا ودلف خيمة نجمة ليرى سماهر تهز جسدها ، تنادي باسمها، تولول ولكنها ساكنة لا تستجيب. أنفطر قلبه وهرول عندها يتفقدها ويضرب وجنتيها بخفة ليشعر ببرودة جسدها وشحوب بشرتها هربت منه دماء الحياء وتحولت لزرقه شاحبة. تجمع بالخيمة قليلا من الغجر لمعرفة سبب صراخ سماهر ، نظر لهم زين بلهفة: -أشعلوا نيران وضعوها هنا لتدفئتها، واريد غطاء جلبوا له بعض الاغطية ودثرها جيدا كأنه يطوق طفل صغير لطمت سماهر وجنتيها وهي تندب ببكاء: -ابنة عمري .. تضيع من بين يدي، أريد حكيما يتفقدها، زين أفعل شيئاً من أجلها . ردد زين : -حكيم ؟!. ولكن من أين أتي بالحكيم المدينة تبعدنا بألاف الأميال. هزت راسها بتوتر : -لا. .. لا... البدو هم قبائل كثيرة ولابد من وجود حكيما بينهما.. أرجوك أذهب إليهم أبنتي تموت ولم أستطيع فعل شئ من أجلها. ابتسمت قوت بتشفي ولمعت عيناها بخبث وهمست بأذن والدتها: -العرافة عاجزة عن أنقاذ حياة ابنتها. أما عن زين امتطى الجواد وأمسك باللجام ضربه بقوة طالبا منه الركض مسرعًا، وصولا إلى قبائل البادية، يتملكه الخوف والأفكار تطلاطم في رأسه كالنهر الجارف ، خوف، قلق، حزن، يخاف فقدها، لا يمكنه العيش بدونها. هتف زين به صارخًا: -هيا أسرع... أسرع أستجاب له الجواد وبداء يركض باقصى سرعة يمتلكها، الأرض تهتز تحت أقدامه والغبار يتصاعد خلفه كأنها عاصفة هوجاء، الرياح تزمجر في أذنه كالوحوش الضارية وشعره يتطاير خلفه بينما الخوف يملئ قلبه إلى أن وصلا إلى خيام البادية فأستوقفه "رماح"معترضًا طريقه. -قف مكانك يا غجري، وأياك أن تخطو خطوة واحدة. ترجل زين من على فرسه وقال بنبرة متوسلة: -أتيت بحثًا عن حكيم .. أرجوك ساعدني من أجل أنقاذ حياة نجمة. ضحك باستهزاء : -هذه مكيدة إليس كذلك؟ تعتقد أننا نستطيع أن نأمن لكم ، أنتم أعداءنا وعد من حيث أتيت وإلا دفنتك مكانك . أحمر وجهه غضبًا وعلى صياحه: -قولت لك أريد حكيما على وجه السرعة جاء سيف بعدما أستمع لصياح زين فهو يعرفه وسار بخطوات واسعة يتفقد الأمر عندما لمحه زين هتف مناديا بأسمه مستغيثًا: -سيف أرجوك الأمر يتعلق بحياة نجمة وأتيت هنا من أجل أحضار طبيب يتفحصها. قرع قلبه خوفا وتساءل بلهفة: -نجمة ... ما بها نجمة؟ هتف رماح بغضب: -لا تصدقه، هذا طُعم ، يريدون خداعنا ليس إلا عاد يردد بغيظ مكتوم : -ما شأنك أنت، كل ما طلبته هو طبيب وقف سيف أمام شقيقه قائلا بثقة: -ساذهب معه إلى خيمة الحكيم "عامر" -أخبر جدك أولا قبل أن تتحرك قالها رماح وهو يبتعد عن شقيقه ولكن سيف لم يعني كلماته أهتمامًا ، كل ما يشغله الأن هو"نجمة" عاد يكرر تساءله بخوف أكبر: -ما الذي أصابها؟ هز رأسه نافيًا وقال بنبرة متألمة: -جسدها ساكن لا يتحرك، باردًا كالاموات، ولم تشعر بمن حولها. امتطى سيف جواده على عجلًا مهرولا إلى خيمة حكيم قبيلته وزين يلحق به، ثم توقفًا عند وجهته، ترجل سيف وصرخ مناديا الطبيب الأربعيني الذي يقضى نصف عمره في المدينة يتعلم الطب البديل ثم عاد إلى قبيلته ليهتم بشؤونهم الصحية. خرج على نداء سيف العالِ، طالعه بدهشة قائلا: -هل أصاب الشيخ راجي مكروه؟ هز سيف رأسه نافيًا : -لا جدي بخير ولكن الأمر يتعلق بفتاة من الغجر. ضبط من وضع نظارته الطبيه وهو يحدق سيف بغرابه . ولكن هتف "زين" من خلفهم متوسلا إليه، لكي يصطحبه معه إلى خيام الغجر ليتفقد حالة "نجمة" أوما لهم بالايجاب وعاد إلى خيمته ليجلب معه حقيبة صغيرة وضع بها أعشابًا طبيبة، ثم امتطى الفرس خلف سيف متوجهين إلى خيام الغجر... ❈-❈-❈غضب الشيخ راجي من تصرفات حفيده الهوجاء وقرر معاقبة على كسر كلمته، كما ظن بأنها مكيدة مدبرة من الغجر باختطاف حفيده وتهديده ،حيث أن الغجرية تريد مقابلته صباحًا .
صمت برهة وهو يفكر ماذا عليه أن يفعل الأن، ثم رنا ببصره إلى رماح قائلاً: -إذا بزغ نور الفجر قبل عودة شقيقك، سانزع بيدي قلب تلك الغجرية التي تدعى بالعرافة وابنتها الشمطاء التي سحرت لحفيد الشيخ راجي شيخ القبائل.أما عن "غفران" فقد سمعت والديها يتحدثان بما فعله سيف من أجل الفتاة وأنه عاشقا لها، يبدو أن والدتها سحرته ، وهو الأن مصاب بلعنة من الغجرية ولذلك مُنساق خلفها كالمجذوب، لا يرى ولا يسمع إلا صوت قلبه المعطوب بحب الفتاة.
أنهمرت دموعها عندما عرفت بأن الحنانة وقارئة الودع هي نفسها والدة الفتاة ، ظلت تبكي لا تلوم إلا حظها العثر، من بين الرجال لم تختار إلا ابن عمها ورفيق صباها وعشقها الاول والاخير ، بطل أحلامها الوردية شعرت أن الأرض تميد بها وتزلزلت تحت اقدامها،وكأن السماء انهارت فوق رأسها، وقلبها تحطم إلى ألف قطعة، احتضنت وسادتها وظلت تبكي بعجز على ما ألت إليه أمورها ، فقد تحولت بين ليلة وضحاها من عُروس تزف إلى شبح خاوي فارقتها البسمة والسعادة وطُمست فرحتها.❈-❈-❈
لا أحد يعلم بما أصابها منهم ينظر إلى جسدها الشاحب بحزن على حالها، فهي فتاة شابة في ريعان الشباب، حسنة الوجه والمعاملة، تحنوا على الأطفال وتجلس معهم تقص عليهم الحكايات وتتعامل بحنو مع الجميع ولكن بعض العيون تحدجها بنظرات مليئة بالحقد والحسد يتمنون لها الموت.
أنهمرت دموع الصغار حزنا على رفيقتهم عندما سمعوا همسات بأنها فارقت الحياة. ولكن صرخات سماهر خرجت كالبركان الذي أنفجر محدثا جلبة قوية، أهتز على أثره قماش الخيام وهبت الرياح تعصف بكل من وجد بالخيمة. طردت الجميع بعلو صوتها، لا تريد سماع همهماتهم ولا حديثهم الفج ولا نظراتهم الحادة التي تخترق جسد ابنتهاعاد الأمل ينبض داخلها بعدما رأت زين يدلف إليها يخبرها بأنه أحضر الطبيب، ثم دعاه زين للدخول ووقف سيف على أعتاب الخيمة ينهشه القلق والزعر على نجمته التي تسبب في إطفاءها ومرضها.
فحصها الطبيب جيدًا وعندما شعر ببرودة جسدها وزرقة بشرتها نظر إلى والدتها متسائلا: -هل لدغها عقرب أو أفعى سامة؟ تجمد زين مكانه ورمق سماهر بقلق لكنها أجابت نافية وهي تبتلع ريقها بصعوبة: -لم تصرخ ولم تخبرني بشئ كما أنني لما أرى عقربا أو أفعى بالخيمة، لقد وجدتها ساكنة هكذا لم يصدر منها إلا أنين خافت وبعد لحظات صمتت تمامًا. بذكاءه المهني علم بما حدث، أخرج من حقيبته أعشابًا طبيبة وأعطاها منها قائلا: -امزجي هذه الأعشاب على حليب ماعز -لكننا لا نملكهم قالتها بصوت منفطر. زفر الطبيب بضيق ثم قال بجدية: -حالتها تشبه لدغات الأفاعي السامة، ولا تداوى إلا بمعرفة مكان اللدغة ، ساترككي تتفقدي جسدها بأكمله.غادروا الخيمة ليجدوا سيف متلهفا لمعرفة ما أصابها ، همس له "عامر" ببضع كلمات مقتضبة .
أما عن الوضع بالداخل، دنت سماهر من ابنتها نزعت عنها ثيابها وجردتها تماما تتفقد كل أنش لكنها لم تجد أي لدغة أو أحمرار ولكن ما رأته جعل قلبها ينتفض بحسرة، اصطبغ جسدها بزرقة كاتمة ،ابنتها تصارع الموت ، عادت ترتديها ملابسها ثانيا ودموعها تنهمر كالشلال، هتفت بصوت متقطع تستدعي الطبيب: -يا حكيم دلف ثانيا لتخبره لم تجد أي شيء ،فتأكد هو من ظنونه ثم قال: -إذا سم الأفعى تناولته وهو يسكن معدتها الأن، لابد من احتساء حليب رائب وأعشاب تمزج على حليب الماعز لكى تخرج كل ما في جوفها ثم تطلع لها بأسى: -لا أخفي عليكِ حالتها خطرة، إذا لم يخرج منها قبل مرور 24 ساعة ستموت لا محالة. لم تفهمه ولكنها قاربت على أن تقبل يده من أجل أنقاذ وحيدتها. ربت على كتفها بهدوء : - سأفعل كل ما في وسعي من أجل أنقاذها ولكن الشافي هو الله. تركها قليلا يتحدث مع سيف وزين يخبرهم الأمر اغمض زين عينيه بألم ثم فتحهما باتساع وقال بصوت غاضب: -أنت السبب .. رغم شعوره بالحزن الذي يقسم قلبه وأحساسه الأكبر بالذنب، فيما قاله زين فهو محق، تنهد بعمق وهتف بصوت جاد: -نجمة تأتي إلى قبيلتنا من أجل العلاج، إذا ظلت هُنا لم يستطع الطبيب عامر فعل شيء أيده عامر الرأي فالغجر لم يملكون ما يملكه البادية حياتها مهددة ، خرجت سماهر وافقته الحديث هي أيضا. حينها شعر زين بالعجز ولكن قالت سماهر: -أنا وزين لا نفارقها. لم يحملها سوا زين وهذا ما جعل الغيرة تنهش قلب سيف ولكنه سيتحمل كل شيء من أجل شفاء محبوبته. بعدما وضعها على جواده وسماهر جلست خلفها تضمها ، امتطى زين الجواد متوجهين إلى أرض البادية خلف جواد سيف والطبيب الجالس خلفه، الذي يهمس بأذنه : -هل الشيخ راجي سيقبل بوجود الغجر بعدما قرر طردهم. لم يجد سيف إجابه لكنه على أمل استعطاف قلب جده من أجل حياة شخص بريء.حينها وصلا إلى قبيلة البدو عند بزوغ الفجر ليجدوا الجد واقفا في انتظار حفيده وأولاده وأحفادوا ملتفون حوله ليرون سيف يترجل من على جواده، أقترب من جده منحني على يده يريد تقبيلها ولكن الجد غاضبًا ابعد كفه عنه وقال :
-أنت تخرج عن طوعي وتكسر العادات والتقاليد، ثم تعود تقبل يدي وتعتذر لم أقبل ذلك ستعاقب مثلك مثل أي شابا طائشًا في القبيلة، لن أرضا البدو يتحدثون خلف ظهري ويقولون أمرر أخطاء حفيدي دون عقاب رادع. وقف الطبيب عامر يخبر الجد بما حدث وأن الفتاة ووالدتها أتت معهم لقبيلتهم من أجل معالجتها وأسترداد صحتها. شهق الجميع معترضين عن وجودهم ولكن تدخلت سماهر ووقفت أمام الشيخ راجي قائلة بصوت خافت: -أسمح لي الحديث منفردًا دعاها إلى خيمة المجلس، ولجت خلفه بخطوات مئتدة، تعرق جبينها بتوتر كما جف حلقها، رجلا ذا هيبة يخشاه الجميع ويهابه، الرجال، النساء، الشباب والصغار، لذلك هي رغم قوتها تخاف القادم. حسمت أمرها فلا مفر من الخوف، على الماضي أن يعود وتظهر الحقائق الخفية، لم يعد السكوت إجبارًا بعد تعرض ابنتها لتلك الوعكة الصحية التي كادت على أثرها مغادرة الحياة بأكملها.. ❈-❈-❈ أما في الخارج، العيون مترقبة بما يدار داخل الخيمة، و"سيف" أمر بخلو خيمة من أجل نجمة ووالدتها قبل أن يعرف برأي جده، وطلب من الطبيب أن يبدأ في معالجتها. وذهب بنفسه يحضر حليب الماعز والحليب الرائب. كل ذلك يحدث تحت نظرات عائلته وكلما حاول "رماح"أن يخبره بانتظار قرار جده. لكن الأخير مغيبًا تماما منساق خلف قلبه فقط لايريد إلا نجمته، يدعو الله داخله أن تفتح عينيها وتبصره ،وهو سيتحمل أي عقاب يقع عليه من قبيلته إلا فقدانها. بعد مرور لحظات مرت عليهم جميعا كالدهر وهم ينتظرون حكم والدهم شيخ القبيلة ، الذي طل عليهم مناديا إلى حفيده أن يلحق به داخل المجلس. غادرت سماهر الخيمة وأثر الدموع على صفيحة وجهها. من يصدق أنها تلك العرافة والغجرية حادة الطباع إذا أصابتك بسهام كلامها عندما تقرأ لك الودع وترى طالعك وما ينذر إليه، تجعل جسدك ينتفض رعبًا من صدق حديثها، ولم تقدر على الهروب من قدرك ، الأن هي التي تشعر بالضعف والوهن بمجرد أنها رأت ابنتها وحيدتها طريحة الفراش. اخبرها زين بمكان نجمة، ذهبت إليها. أما عن الشيخ راجي بعد أن دلف سيف خيمة الإجتماع كم أمر جده، هتف بنبرة جادة : -إذا أردت موافقتي على وجود الغجرية ومراعاة مرضها فعليك أيضا أن توافق على أمري -عاقبني كيفما تشاء يا جدي ولن أعصى لك أمرًا قالها بصدق وعيناه تلمع ليس بالحب ولكنها تلمع بالخوف والفزع على محبوبته كأن دموعه مهددة بأن تترك محجرها ولكنها أبت أن تفضح وجعه. -حسنًا سيتم عقد قرأنك على غفران اليوم والزفاف والدخلة بعد أسبوع . جحظت عيناه هامسًا بعدم صدق: ماذا..؟! كرر الجد كلماته بحسم لا يقبل النقاش صمت سيف لوهلة شاردًا في نجمة التي تصارع بين الحياة والموت، أنسابت دمعة خائنة من مقلتيه ثم رفع رأسه ونظر إلى جده هامسًا بنبرة مليئة بالحزن والألم معًا: -سأرضى بالعقاب الذي اخترته يا شيخ القبيلة ولن أعصى أمرك. ثم أخرج تنهيدة حارقة خارجة من أعماق قلبه الممزق وتابع بصوته المُعذب: -كل ما يهمني الحين هو شفاء نجمة وإذا أستطعت أن أدفع حياتي ثمنًا لحياتها لن أتأخر -لهذا الحد تمكن السحر منك؟ ابتسم بمرارة ورد: -ليس سحرًا يا جدي ولكنه العشق ضرب على صدره بقوة وهو يهتف بصوت ملتاع: -قلبي هو المتحكم في جسدي، أختار نجمة ولن يسكنه سواها حتى لو تزوجت من أخرى، حتى لو تزوجت كل يوم من امرأة فلن تنسيني عشقها ولا براءة روحها ونقاء قلبها."الحب الصادق هو ذاك الشعور الجميل ، الذي يجمع بين القلب والعقل معًا، يصل بالشخص لدرجة كبيرة من التضحية والأخلاص لأجل حبيبه"
كانت تهرول كالغزال الذي فر من القطيع لكي لا تلتقفه فم الحيوانات المفترسة، شاردة لا تعرف خطواتها، تتعثر قدميها بالرمال تارة وتارة أخرى تقف تلهث أنفاسها المتسارعة، وجدت ذراعين يجذبها لكي تكف عن الركض، أغمضت عينيها مستسلمة لهذه اللحظة فلم يعد لديها قوة على أكمال ركضها، لكن أتاها صوتا حانيًا مطمئنًا-لا تخافي صغيرتي ، ها أنا ألتفت بجسدها المرتجف لتشعر بأن الدنيا تميد تحت قدميها الحافيتين، تعلقت مقلتيها المغرقة بالدموع وكأنها وجدت يد القدر التي تدخلت لكي تربت على كتفيها بحنان وطوقه بذراعيه لكي تستقر برأسها عند صدرته وتنساب دموع الأخرى وهو يهمس بصوته الدافئ:-لن يقدر مرجان على أذيتك بعد الأن، لا تخافي يا حبيبتيتشبست بذراعه وخرج صوتها بهمس خافت :-تعبت يا أبي، أريد أن أستريحأنسابت دموعه وأزادات نبضاته وهو يستمع لتلك الكلمة التي خرجت من فمها أخيرا، جاء الحين الذي أستمع لها تناديه بأبي وتعترف بوجوده، لكم تمنى تلك اللحظة منذ أن عادت إليه.شدد هو في ألصاقها بصدره كأنه يحاول تعويض نفسه عن غيابها وضياعها تلك السنوات الماضية ، يحاوطها بين ذراعيه خائفا من ضياعها ثانيا ، متلهفا لابنته الصغيرة الذي
غادر المقدم عمر مبنى المشفى وزين يسير خلفه لا يعرف شيئا عما حدث بأقوال قوت، تساؤلات تلاحق عقله دون توقف من الذي فعلها ؟ ما الحديث الذي دار بين ضابط المباحث وقوت؟ هل رأت الجاني أم أنه لا زال ضمن المشتبه بهم ؟ أسئلة كثيرة ولم يجد إجابتها ، كما أن قلقه الاول والاخير على غياب نجمته ، هل هي تائهة بالشوارع ولم تعرف كيف اعود إلى المنزل؟ هل ساقتها قدميها بأن تتفتل بين الشوارع ونست الطريق إلى العودة؟ أين توجد الأن ؟ وماذا تفعل؟ هل تبكي ضياعها ، لابد أنها خائفة، مذعورة من تكرار ما حدث معها بالماضي ،هل الماضي اللعين سيظل يلاحقها حتى بعدما صارت فتاة ناضجة؟ فاق من شروده على صوت عمر المتسأل:-أخبرني ما تعرفه عن مرجان توقفت قدماه عن السير ونظر إليه بدهشة:-مرجان؟! أستقل عمر السيارة ولحق به زين مكرر سؤاله، رمقه عمر بهدوء قبل أن يقود السيارة وينطلق بها مسرعًا:-مرجان هذا هو من فعل ذلك بقوت، أخبرني هل تعلم أين يوجد.الأن ؟ أريد معرفة كل صغيرة وكبيرة تخصه.-لا يهمني مرجان هذا فليحترق في الجحيم، أريد معرفة أين توجد زوجتي الأنقال كلماته بأنفعال سرعان ما تحول قلق وتقازفت شياطين الغضب على رأسه عندما بتر
أنشغل زين بجلي السيارات داخل جراج العمارة ولم يشعر بمرور الوقت ، بعدما أنتهى من عمله، جفف عرقه المتساقط وسار عائدا إلى منزله.طرق الباب برفق وانتظر أن تفتح نجمة الباب ولكن مرت بضع دقائق ولم تفتح ، ظن أنها عادت من السوبر ماركت وصعدت إلى فيروز فدلف هو الشقه واغلق الباب برفق ، توجها إلى المرحاض لينعش جسده بالماء ويزيل تعب اليوم، ثم أبدل ثيابه بأخرى ولا زالت نجمة لم تأتي بعد.زفر بضيق وهو ينظر من نافذة غرفته فقد حل ظلام الليل ولم يعتاد أن تظل عند فيروز كل هذا الوقت، ساقته قدماه واستقل المصعد الكهربائي وصولا إلى الطابق الثالث، وقف عند باب الشقة ثم ضغط زر الجرس انتظر برهة إلل أن فتحت الخادمة الباب وسألها عن زوجته-هل نجمة هنا مع الآنسة فيروز اتت فيروز على صوته واجابته:-زين تفضل -تنحنح وهو يعتذر منها عن قدومه ولكنه تفاجئ بقولها-نجمة لم تأتي منذ أن تركتني عصرًا-حقا !قالها بصدمة، ثم استطرد قائلا: -عند المغيب ذهبت إلى الجراج واستغرقت وقتا طويلا في غسل السيارات و لم أشعر بمرور الساعة، ونجمة أخبرتني أنها ستتفقد أغراضا من السوبر ماركت، وعندما عدت ولم أجدها ظننتها برفقتك اعتراها القلق وقالت
مرت الأيام سريعا ولا زالت التحقيقات جارية في البحث عن الجاني الذي أراد قتل "قوت" وتحاول المباحث أن تبذل قصارى جهدها في إيجاد هوية صاحب البصمة المجهولة .منتظرين أيضا إفاقتها من غيبوبتها لمعرفة الحقيقة الكاملة.أما عن علاقة "نجمة" ب"زين" أزدادت قوة وترابط بعدما أفاضت بمشاعرها أتجاهه وهو فرح بذلك الالتحام الذي جمع بينهما ووثق زواجهما قولا وفعلا، كما أنها صدقته فهو لم يخونها قط وتفاجئ بأقتحام قوت منزلهم رغم طردها .وقررا معا بداية جديدة وطي صفحات الماضي البائس لكي لا يعكر صفو حياتهم الجديدة.تركته يباشر عمله وهي متواجدة عند صديقتها وشقيقتها التي تجد الراحة والسكينة في قربها .علمتها فيروز كل شيء بداية من الكتابة والقراءة وكل فنون العشق التي جعلتها تفعلها مع زوجها لكي يستمر الحب بينهما ولن تسمح للفتور أن يسكن عشهم الصغير .ذات يوم وهي بصحبة فيروز أعطتها حقيبة هدايا عندما فتحتها تفاجئت بمستواها:قالت مندهشة: -هاتف محمول لما؟ابتسمت فيروز وهي تخرج من الحقيبة الهاتف الاخر وقالت بود:-واحد لك والثانِ ل زين لكي تتبادلون المكالمات الهاتفية ويطمئن كل منكما على الآخر ، كما أنني أخبرتك كيف تستخدم
داخل الزنزانة ،حيث ألتفت زين إلى الشاب الذي أطربهم بصوته الشجي، بينما انتهى الشاب من غناءه ثم هتف متسألا لزين:-أنت مُستجد إليس كذلك؟هز رأسه بإيماءة خفيفة تنهد الشاب ثم لاحت بسمة هادئة وقال بلكنته الصعيدية المميزة:-أنا ناصر، وأنت-زين-عاشت الأسامي يا زين الرجال، أخبرني حكايتك ودع الأيام تمر؟تنهد بضيق وقال بأقتضاب:-جريمة لم أفعلها، وبدء يسرد كل منهما قصته للآخر تهوينا حياتهم بين الجدران المظلمة..جنى الليل وصمتت الأحاديث، عم السكون الزنزانة وغفلت عيون المساجين إلا عينه لم تغفل، ظل ساهرا لا يفكر إلا بنجمته ، تذكر أنه نسى أن يبرء نفسه أمامها من نظرة الخيانة التي رآها عندما وجدت قوت معه بالمنزل، ولكن ما شعر به لهفتها، ضمتها إليه، خوفها أن يصابه أذى، لمعت عيناها بنظرات عاشقة متلهفة لرؤية معشوقها، هذا ما جعله ينسى كل شيء إلا هي .قرع قلبه بالطبول متيقنًا مشاعر نجمته، ولكن راوده أحساس القلق والخوف عليها، ماذا تفعل وحدها ؟ نادما على تركه لها وعودته إلى هنا وجرا ما جرا، يا ليته ظل جوارها ولم يحدث كل هذا .❈-❈-❈تململت في فراشها وفتحت عيناها بوهن، لتجد ذراع فيروز تطوقها بدفء، تسللت من بين
أستدعت "فيروز"والدها لكي يفحص جسد نجمة الهزيل، بدء على ملامحها الحزن والأرهاق، كما أن ضعف جسدها لم يتحمل تلك الصدمات التي تتقازف فوق رأسها واحدة تلو الأخرى، غرس الطبيب نادر المحلول المغذي بوريدها وحقنه بمهدئ ليساعدها على النوم ويخفف عنها ما تمر به .وترك ابنته فيروز جوارها إلى أن تستيقظ ثم غادر المنزل.تنهدت وهي تستلقى جانبها بالفراش ثم رفعت كفها تلامس خصلات نجمة المموجة التي فعلتها لها بيدها، سارت أناملها برفق كأنها تحاول بث الطمأنينة بجسدها الخاوي ، كان نومها مضطرباً، تزفر أنفاسها بأختناق كأنها تغرق في عمق البحر، تشهق بضيق بين برهة وأخرى ، يبدو أنها تطاردها الكوابيس في صحوها ومنامها، ضمتها إليها وأسندت رأسها تلتصق برأس نجمه بعد أن طبعت قبلة حانية على جبينها المتعرق أثر ما تراءه وهمست بجانب أذنها:-لا تخافي نجمة، لن أترككِ وحدك، أنا هنا جوارك.كلمات بسيطة لكنها خرجت بقلب محب، قلب بريء، لا يحمل داخله أي ضغينة، مشاعر صادقة تغدقها على غريبة حست بقربها كأنها جزء منها، كأنها شقيقتها التي لم تلدها والدتها، هكذا هي المشاعر الصادقة تُعطي دون مقابل.❈-❈-❈عاد رماح وسيف إلى القبيلة بينما عمار







