Home / الرومانسية / بنت الغجر / الفصل الرابع

Share

الفصل الرابع

last update publish date: 2026-03-28 09:37:48

"الفصل الرابع"

أنفض حوش الغجر من رجال القبيلة البدوية وعاد الاستقرار إليهم بعض الشيء ولكن لا زالت قلوبهم متوجسة بالخيفة، لا يعلمون إلى أين سينساق قدرهم هذه المرة.

كان يجوب المكان بعينيه بحثًا عنها فلم يجدها، تنهد بسأم وسار حيث خيمته بقلب منفطر، شاردًا في كل ذكريات طفولتهم معًا، انتابه الحنين وتمنى العودة صغيرًا لكي يحظى دائما بقربها، وقف عند شطيرة المرآة المعلقة بخيمته، أزاح فتحته صدر الجلباب الذي كان يرتديه، ليكشف عن صدره العاري وجود وشمًا بارزًا، لملامح نجمة، تلك الفتاة التي عشقها بكل كيانه.

تحسس زين الوشم برقة، بأصابعه التي تلامس بشرته، كأنه يلامس بشرتها هي، محفورة في قلبه، تسكن جسده كما تسكن قلبه  فهي جزءًا من روحه .

 همس بصوت مليء بالعاطفة كأنه يحدثها:

- ستظلين في قلبي، في روحي، سجينة قلبي... سجينة عشقي... لن أخرجكِ منه أبدًا..

 ❈-❈-❈

تعرق جبينها وتقاطرت منه حبات العرق البارد، كم جف حلقها وانتشر الخدر في جسدها، لم تعد قادرة على تحريكه، حاولت الصراخ ومناداة والدتها ولكن شُل لسانها تماما، رجفة قوية صارت بأوصالها، أغمضت عينيها في أستسلام تام.

في ذلك الوقت بعد أن طهرت جراح زوجها، تركته بغضب وقررت أن تذهب إلى ابنتها لتواسي حزنها وتطمئنها.

ولجت خيمتنا ببطء لتجدها ممددة على فراشها نائمة، دنت منها فهي أيقنت بأنها تتهرب من الحديث معها، هزتها برفق:

-لا تستطعين الهروب من والدتك يا صغيرتي، هيا انهضي .

شهقت بفزع عندما تحسست جسد نجمة وجدته ساكن متجمد وكأنها لوح ثلج، امسكتها من ذراعيها تهزهما بقوة 

-نجمة افتحي عيناكي... ماذا جرى لكُ يا ابنتي؟

نجمة ... 

حبات العرق البارد تغطي جسدها، طريحة الفراش كأن روحها هربت من جسدها، صرخت سماهر باعلى طبقات صوتها تنادي مرجان وزين .

استمع زين صراخها القوي ركض إليها مسرعًا ودلف خيمة نجمة ليرى سماهر تهز جسدها ، تنادي باسمها، تولول ولكنها ساكنة لا تستجيب.

أنفطر قلبه وهرول عندها يتفقدها ويضرب وجنتيها بخفة ليشعر ببرودة جسدها وشحوب بشرتها هربت منه دماء الحياء وتحولت لزرقه شاحبة.

تجمع بالخيمة قليلا من الغجر لمعرفة سبب صراخ سماهر ، نظر لهم زين بلهفة:

-أشعلوا نيران وضعوها هنا لتدفئتها، واريد غطاء 

جلبوا له بعض الاغطية ودثرها جيدا كأنه يطوق طفل صغير 

لطمت سماهر وجنتيها وهي تندب ببكاء:

-ابنة عمري .. تضيع من بين يدي، أريد حكيما يتفقدها، زين أفعل شيئاً من أجلها .

ردد زين :

-حكيم ؟!. ولكن من أين أتي بالحكيم المدينة تبعدنا بألاف الأميال.

هزت راسها بتوتر :

-لا. .. لا... البدو هم قبائل كثيرة ولابد من وجود حكيما بينهما.. أرجوك أذهب إليهم أبنتي تموت ولم أستطيع فعل شئ من أجلها.

ابتسمت قوت بتشفي ولمعت عيناها بخبث وهمست بأذن والدتها: 

-العرافة عاجزة عن أنقاذ حياة ابنتها.

أما عن زين امتطى الجواد وأمسك باللجام ضربه بقوة طالبا منه الركض مسرعًا، وصولا إلى قبائل البادية، يتملكه الخوف والأفكار تطلاطم في رأسه كالنهر الجارف ، خوف، قلق، حزن، يخاف فقدها، لا يمكنه العيش بدونها.

هتف زين به صارخًا:

-هيا أسرع... أسرع 

أستجاب له الجواد وبداء يركض باقصى سرعة يمتلكها، الأرض تهتز تحت أقدامه والغبار يتصاعد خلفه  كأنها عاصفة هوجاء، الرياح تزمجر  في أذنه كالوحوش الضارية وشعره يتطاير خلفه بينما الخوف يملئ قلبه إلى أن وصلا إلى خيام البادية فأستوقفه "رماح"معترضًا طريقه.

-قف مكانك يا غجري، وأياك أن تخطو خطوة واحدة.

ترجل زين من على فرسه وقال بنبرة متوسلة:

-أتيت بحثًا عن حكيم .. أرجوك ساعدني من أجل أنقاذ حياة نجمة.

ضحك باستهزاء :

-هذه مكيدة إليس كذلك؟ تعتقد أننا نستطيع أن نأمن لكم ، أنتم أعداءنا وعد من حيث أتيت وإلا دفنتك مكانك .

أحمر وجهه غضبًا وعلى صياحه:

-قولت لك أريد حكيما على وجه السرعة

جاء سيف بعدما أستمع لصياح زين فهو يعرفه وسار بخطوات واسعة يتفقد الأمر

عندما لمحه زين هتف مناديا بأسمه مستغيثًا:

-سيف أرجوك الأمر يتعلق بحياة نجمة وأتيت هنا من أجل أحضار طبيب يتفحصها.

قرع قلبه خوفا وتساءل بلهفة: 

-نجمة ... ما بها نجمة؟

هتف رماح بغضب: 

-لا تصدقه، هذا طُعم ، يريدون خداعنا ليس إلا 

عاد يردد بغيظ مكتوم :

-ما شأنك أنت، كل ما طلبته هو طبيب 

وقف سيف أمام شقيقه قائلا بثقة:

-ساذهب معه إلى خيمة الحكيم "عامر"

-أخبر جدك أولا قبل أن تتحرك

قالها رماح وهو يبتعد عن شقيقه ولكن سيف لم يعني كلماته أهتمامًا ، كل ما يشغله الأن هو"نجمة" 

عاد يكرر تساءله بخوف أكبر:

-ما الذي أصابها؟

هز رأسه نافيًا وقال بنبرة متألمة:

-جسدها ساكن لا يتحرك، باردًا كالاموات، ولم تشعر بمن حولها.

امتطى سيف جواده على عجلًا مهرولا إلى خيمة حكيم قبيلته وزين يلحق به، ثم توقفًا عند وجهته، ترجل سيف وصرخ مناديا الطبيب الأربعيني الذي يقضى نصف عمره في المدينة يتعلم الطب البديل ثم عاد إلى قبيلته ليهتم بشؤونهم الصحية. خرج على نداء سيف العالِ، طالعه بدهشة قائلا:

-هل أصاب الشيخ راجي مكروه؟

هز سيف رأسه نافيًا :

-لا جدي بخير ولكن الأمر يتعلق بفتاة من الغجر.

ضبط من وضع نظارته الطبيه وهو يحدق سيف  بغرابه .

ولكن هتف "زين" من خلفهم متوسلا إليه، لكي يصطحبه معه إلى خيام الغجر ليتفقد حالة "نجمة"

أوما لهم بالايجاب وعاد إلى خيمته ليجلب معه حقيبة صغيرة وضع بها أعشابًا طبيبة، ثم امتطى الفرس خلف سيف متوجهين إلى خيام الغجر...

 

  ❈-❈-❈

غضب الشيخ راجي من تصرفات حفيده الهوجاء وقرر معاقبة على كسر كلمته، كما ظن بأنها مكيدة مدبرة من الغجر باختطاف حفيده وتهديده ،حيث أن الغجرية تريد مقابلته صباحًا .

صمت برهة وهو يفكر ماذا عليه أن يفعل الأن، ثم رنا ببصره إلى رماح قائلاً:

-إذا بزغ نور الفجر قبل عودة شقيقك، سانزع بيدي قلب تلك الغجرية التي تدعى بالعرافة وابنتها الشمطاء التي سحرت لحفيد الشيخ راجي شيخ القبائل.

أما عن "غفران" فقد سمعت والديها يتحدثان بما فعله سيف من أجل الفتاة وأنه عاشقا لها، يبدو أن والدتها سحرته ، وهو الأن مصاب بلعنة من الغجرية ولذلك مُنساق خلفها كالمجذوب، لا يرى ولا يسمع إلا صوت قلبه المعطوب بحب الفتاة.

أنهمرت دموعها  عندما عرفت بأن الحنانة وقارئة الودع هي نفسها والدة الفتاة ، ظلت تبكي لا تلوم إلا حظها العثر، من بين الرجال لم تختار إلا ابن عمها ورفيق صباها وعشقها الاول والاخير ، بطل أحلامها الوردية 

شعرت أن الأرض تميد بها وتزلزلت تحت اقدامها،وكأن السماء انهارت فوق رأسها، وقلبها تحطم إلى ألف قطعة، احتضنت وسادتها وظلت تبكي بعجز على ما ألت إليه أمورها ، فقد تحولت بين ليلة وضحاها من عُروس تزف إلى شبح خاوي فارقتها البسمة والسعادة وطُمست فرحتها.

 ❈-❈-❈

 لا أحد يعلم بما أصابها منهم ينظر إلى جسدها الشاحب بحزن على حالها، فهي فتاة شابة في ريعان الشباب، حسنة الوجه والمعاملة، تحنوا على الأطفال وتجلس معهم تقص عليهم الحكايات وتتعامل بحنو مع الجميع ولكن بعض العيون تحدجها بنظرات مليئة بالحقد والحسد يتمنون لها الموت.

أنهمرت دموع الصغار حزنا على رفيقتهم عندما سمعوا همسات بأنها فارقت الحياة.

ولكن صرخات سماهر خرجت كالبركان الذي أنفجر محدثا جلبة قوية، أهتز على أثره قماش الخيام وهبت الرياح تعصف بكل من وجد بالخيمة.

طردت الجميع بعلو صوتها، لا تريد سماع همهماتهم ولا حديثهم الفج ولا نظراتهم الحادة التي تخترق جسد ابنتها 

عاد الأمل ينبض داخلها بعدما رأت زين يدلف إليها يخبرها بأنه أحضر الطبيب، ثم دعاه زين للدخول ووقف سيف على أعتاب الخيمة ينهشه القلق والزعر على نجمته التي تسبب في إطفاءها ومرضها.

فحصها الطبيب جيدًا وعندما شعر ببرودة جسدها وزرقة بشرتها نظر إلى والدتها متسائلا:

-هل لدغها عقرب أو أفعى سامة؟

تجمد زين مكانه ورمق سماهر بقلق لكنها أجابت نافية وهي تبتلع ريقها بصعوبة:

-لم تصرخ ولم تخبرني بشئ كما أنني لما أرى عقربا أو أفعى بالخيمة، لقد وجدتها ساكنة هكذا لم يصدر منها إلا أنين خافت وبعد لحظات صمتت تمامًا.

بذكاءه المهني علم بما حدث، أخرج من حقيبته أعشابًا طبيبة وأعطاها منها قائلا:

-امزجي هذه الأعشاب على حليب ماعز

-لكننا لا نملكهم 

قالتها بصوت منفطر.

زفر الطبيب بضيق ثم قال بجدية:

-حالتها تشبه لدغات الأفاعي السامة، ولا تداوى إلا بمعرفة مكان اللدغة ، ساترككي تتفقدي جسدها بأكمله.

غادروا الخيمة ليجدوا سيف متلهفا لمعرفة ما أصابها ، همس له "عامر" ببضع كلمات مقتضبة .

أما عن الوضع بالداخل، دنت سماهر من ابنتها نزعت عنها ثيابها وجردتها تماما تتفقد كل أنش لكنها لم تجد أي لدغة أو أحمرار ولكن ما رأته جعل قلبها ينتفض بحسرة، اصطبغ جسدها بزرقة كاتمة ،ابنتها تصارع الموت ، عادت ترتديها ملابسها ثانيا ودموعها تنهمر كالشلال، هتفت بصوت متقطع تستدعي الطبيب:

-يا حكيم

دلف ثانيا لتخبره لم تجد أي شيء ،فتأكد هو من ظنونه ثم قال:

-إذا سم الأفعى تناولته وهو يسكن معدتها الأن، لابد من احتساء حليب رائب وأعشاب تمزج على حليب الماعز لكى تخرج كل ما في جوفها

ثم تطلع لها بأسى:

-لا أخفي عليكِ حالتها خطرة، إذا لم يخرج منها قبل مرور 24 ساعة ستموت لا محالة.

لم تفهمه ولكنها قاربت على أن تقبل يده من أجل أنقاذ وحيدتها.

ربت على كتفها بهدوء :

- سأفعل كل ما في وسعي من أجل أنقاذها ولكن الشافي هو الله.

تركها قليلا يتحدث مع سيف وزين يخبرهم الأمر 

اغمض زين عينيه بألم ثم فتحهما باتساع وقال بصوت غاضب:

-أنت السبب ..

رغم شعوره بالحزن الذي يقسم قلبه وأحساسه الأكبر بالذنب، فيما قاله زين فهو محق، تنهد بعمق وهتف بصوت جاد:

-نجمة تأتي إلى قبيلتنا من أجل العلاج، إذا ظلت هُنا لم يستطع الطبيب عامر فعل شيء 

أيده عامر الرأي فالغجر لم يملكون ما يملكه البادية حياتها مهددة ، خرجت سماهر وافقته الحديث هي أيضا.

حينها شعر زين بالعجز ولكن قالت سماهر:

-أنا وزين لا نفارقها.

لم يحملها سوا زين وهذا ما جعل الغيرة تنهش قلب سيف ولكنه سيتحمل كل شيء من أجل شفاء محبوبته.

بعدما وضعها على جواده وسماهر جلست خلفها تضمها ، امتطى زين الجواد متوجهين إلى أرض البادية خلف جواد سيف والطبيب الجالس خلفه، الذي يهمس بأذنه :

-هل الشيخ راجي سيقبل بوجود الغجر بعدما قرر طردهم.

لم يجد سيف إجابه لكنه على أمل استعطاف قلب جده من أجل حياة شخص بريء.

حينها وصلا إلى قبيلة البدو عند بزوغ الفجر ليجدوا الجد واقفا في انتظار حفيده وأولاده وأحفادوا ملتفون حوله ليرون سيف يترجل من على جواده، أقترب من جده منحني على يده يريد تقبيلها ولكن الجد غاضبًا ابعد كفه عنه وقال :

-أنت تخرج عن طوعي وتكسر العادات والتقاليد، ثم تعود تقبل يدي وتعتذر لم أقبل ذلك ستعاقب مثلك مثل أي شابا طائشًا في القبيلة، لن أرضا البدو يتحدثون خلف ظهري ويقولون أمرر أخطاء حفيدي دون عقاب رادع.

وقف الطبيب عامر يخبر الجد بما حدث وأن الفتاة ووالدتها أتت معهم لقبيلتهم من أجل معالجتها وأسترداد صحتها.

شهق الجميع معترضين عن وجودهم ولكن تدخلت سماهر ووقفت أمام الشيخ راجي قائلة بصوت خافت:

-أسمح لي الحديث منفردًا 

دعاها إلى خيمة المجلس، ولجت خلفه بخطوات مئتدة، تعرق جبينها بتوتر كما جف حلقها، رجلا ذا هيبة يخشاه الجميع ويهابه، الرجال، النساء، الشباب والصغار، لذلك هي رغم قوتها تخاف القادم.

حسمت أمرها فلا مفر من الخوف، على الماضي أن يعود وتظهر الحقائق الخفية، لم يعد السكوت إجبارًا  بعد تعرض  ابنتها لتلك الوعكة الصحية التي كادت على أثرها مغادرة الحياة بأكملها..

 ❈-❈-❈

أما في الخارج، العيون مترقبة بما يدار داخل الخيمة، و"سيف" أمر بخلو خيمة من أجل نجمة ووالدتها قبل أن يعرف برأي جده، وطلب من الطبيب أن يبدأ في معالجتها.

وذهب بنفسه يحضر حليب الماعز والحليب الرائب.

كل ذلك يحدث تحت نظرات عائلته وكلما حاول "رماح"أن يخبره بانتظار قرار جده. لكن الأخير مغيبًا تماما منساق خلف قلبه فقط لايريد إلا نجمته، يدعو الله داخله أن تفتح عينيها وتبصره ،وهو سيتحمل أي عقاب يقع عليه من قبيلته إلا فقدانها.

بعد مرور لحظات مرت عليهم جميعا كالدهر وهم ينتظرون حكم والدهم شيخ القبيلة ، الذي طل عليهم مناديا إلى حفيده أن يلحق به داخل المجلس.

غادرت سماهر الخيمة وأثر الدموع على صفيحة وجهها. من يصدق أنها تلك العرافة والغجرية حادة الطباع إذا أصابتك بسهام كلامها عندما تقرأ لك الودع وترى طالعك وما ينذر إليه، تجعل جسدك ينتفض رعبًا من صدق حديثها، ولم تقدر على  الهروب من قدرك ، الأن هي التي تشعر بالضعف والوهن بمجرد أنها رأت ابنتها وحيدتها طريحة الفراش.

اخبرها زين بمكان نجمة، ذهبت إليها. أما عن الشيخ راجي بعد أن دلف سيف خيمة الإجتماع كم أمر جده، هتف بنبرة جادة :

-إذا أردت موافقتي على وجود الغجرية ومراعاة مرضها فعليك أيضا أن توافق على أمري

-عاقبني كيفما تشاء يا جدي ولن أعصى لك أمرًا

قالها بصدق وعيناه تلمع ليس بالحب ولكنها تلمع بالخوف والفزع على محبوبته كأن دموعه مهددة بأن تترك محجرها ولكنها أبت أن تفضح وجعه.

-حسنًا سيتم عقد قرأنك على غفران اليوم والزفاف والدخلة بعد أسبوع .

جحظت عيناه هامسًا بعدم صدق: ماذا..؟!

كرر الجد كلماته بحسم لا يقبل النقاش 

صمت سيف لوهلة شاردًا في نجمة التي تصارع بين الحياة والموت، أنسابت دمعة خائنة من مقلتيه ثم رفع رأسه ونظر إلى جده هامسًا بنبرة مليئة بالحزن والألم معًا:

-سأرضى بالعقاب الذي اخترته يا شيخ القبيلة ولن أعصى أمرك.

ثم أخرج تنهيدة حارقة خارجة من أعماق قلبه الممزق وتابع بصوته المُعذب:

-كل ما يهمني الحين هو شفاء نجمة وإذا أستطعت أن أدفع حياتي ثمنًا لحياتها لن أتأخر 

-لهذا الحد تمكن السحر منك؟

ابتسم بمرارة ورد:

-ليس سحرًا يا جدي ولكنه العشق 

ضرب على صدره بقوة وهو يهتف بصوت ملتاع:

-قلبي  هو المتحكم في جسدي، أختار نجمة ولن يسكنه سواها حتى لو تزوجت من أخرى، حتى لو تزوجت كل يوم من امرأة فلن تنسيني عشقها ولا براءة روحها ونقاء قلبها.

"الحب الصادق هو ذاك الشعور الجميل ، الذي يجمع بين القلب والعقل معًا، يصل بالشخص لدرجة كبيرة من التضحية والأخلاص لأجل حبيبه"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • بنت الغجر    الفصل السابع

    لم تستعب بعد ما يحدث معها، ابتعدت بصدمة وهي لا تجد إلا أحضان سماهر تطوقها وتشدد في ضمتها بقوة خوفا من سلبها منها، وظلت تصرخ وتتراجع للخلف وهي تشد بقبضتها على نجمة :-هي ابنتي وحدي ولن يأخذها أحد مني إلا بخروج روحي.تحولت ساحة الزفاف إلى ملحمة من العراك والصراخ وأصوات أستغاثة ، كأنه داخل ساحة الحرب.صوت تحطيب النبوة يتهاوى على الرؤوس بدلا من تحطيب العرُس، الدماء تتساقط والرجال تهوي بأجسادهم أرضا، فقد تجمهر الغجر عندما صرخت سماهر وأستدعتهم في لمح البصر، معركة لا تريد الخروج منها خاسرة حتى لو كلفتها حياتها.أرادت أشغال البدو عنها هي وابنتها لكي تفر من بينهما دون أن يدركونها، وأثناء الشجار تتسلل بين الخيام هاربة، استجمعت قوتها في السحر لتخفي العيون عنها ولكنها لا تعلم بأن يد القدر تسبقها وتريد أن تنهل منها. لتسقطت على وجهها تتاوة بأنين مكتوب والدماء تدفق من ظهرها لتكون بركة صغيرة مختلطة بالرمال.وتركت يد نجمة تتهاوى كالريح خاوية لتدرك حينها بأن والدتها جثة هامدة ويتبين الخنجر الذي غُرس بظهرها، هوت على ركبتيها تهزها بخوف وتناديها بحرقة قلب إلا تتركها فهي ضائعة بدونها انسل وقتها زين من بي

  • بنت الغجر    الفصل السادس

    "الفصل السادس"لا زالت نجمة على حالها، غير مدركة بمن حولها، والطبيب عامر لم ييأس في معالجتها، وعاد الأمل ينبض بقلب والدتها بعدما زف لها الطبيب بأن الحمى تختفي تدريجيا وقلبها عاد يخفق بانتظام.أما عن زين فكاد قلبه أن يخرج من محجره فرحًا بذاك الخبر الذي جعل الحياة تعود إليه ثانيًا.رفع وجهه إلى السماء يناجي ربه ويتضرعه، طالبًا بإلحاح شفاء صغيرته ونجمة طفولته وشبابه.بينما سيف جالسًا بمجلس الجد راجي والعائلة ملتفة حوله، مستكينًا والشيخ الذي أحضره جده يبدأ في تلاوة الفاتحة وينثر البخور على جمرات مشتعلة، عندما اشتم سيف الرائحة بدأ يسعل عدة مرات متتالية إلى أن أحمر وجه وغامت عيناه.امسكه شقيقه رماح بقوة من ساعده وحاوطه والده من الجانب الأخر.أخرج الشيخ ورقة بيضاء من داخل جلبابه مزق أطرافها وصنع منها دومية ورقية ثم قربها من النيران لتحترق وتصير رماد ، نفخ بها بقوة فتطايرت زراته على وجه سيف فخار جسده تماما وارتخت مفاصله حتى لم يعد قادرًا على فتح عيناه.هتف بصوته الغليظ :-اريده عاري كما ولدته أمه.تنهد راجي بحزن وأشار إلى حفيده رماح بأن ينزع الثياب عن شقيقه. فعل ذلك بقلب منفطر، يرثى حال شقيقه

  • بنت الغجر    الفصل الخامس

    "الفصل الخامس"بدأ الطبيب عامر في معالجة " نجمة" يفعل كل ما بوسعه من أجل إنقاذها. يينما"سيف " يلبي له جميع ما يطلبه تحت نظرات قبيلته ولكن منعه الجد راجي من التقرب نهائيا إلى تلك الخيمة التي بها نجمة ووالدتها .وأرسل في مناداة مأذون القبيلة لاتمام عقد القران بين سيف وغفران لكي يخرس الألسنة التي تتحاكي عن علاقة ابن البادية بفتاة من الغجر.وقع ورقة زواجه وكأنه يوقع شهادة وفاته ، تحجرت الدموع داخل مقلتيه وارتجفت يداه قبل أن يخطى أسمه ويكتب رحيله عن الدنيا بأسرها.تحطمت أحلامه وأماله التي بناها مع حبيبته ، قلبه يعتصر ألما من الداخل وأختنقت أنفاسه داخل صدره كأنه يحتضر وينازع الموت بعد أن تحرك القلم ببطء موقعًا نهاية قصته مع نجمته، حدأ مؤلمًا لتلك العلاقة التي حُكم عليها بالأعدام ، تحطيم قلبين من أجل مظاهر خادعة وأحكام غير أدمية بحجة العادات والتقاليد والأعراف التي يكرهها ونافر منها ، تمنى داخله لو كانت تلك الأعراف والقوانين رجلا لقتله وتحرر من تلك القيود ..على عكس أحساس غفران التي كانت ترقص فرحًا ونساء العائلة محاوطينها بالزغاريد والمباركات.توردت ملامحها كشروق الشمس في سماء صافية ، مشعة

  • بنت الغجر    الفصل الرابع

    "الفصل الرابع"أنفض حوش الغجر من رجال القبيلة البدوية وعاد الاستقرار إليهم بعض الشيء ولكن لا زالت قلوبهم متوجسة بالخيفة، لا يعلمون إلى أين سينساق قدرهم هذه المرة.كان يجوب المكان بعينيه بحثًا عنها فلم يجدها، تنهد بسأم وسار حيث خيمته بقلب منفطر، شاردًا في كل ذكريات طفولتهم معًا، انتابه الحنين وتمنى العودة صغيرًا لكي يحظى دائما بقربها، وقف عند شطيرة المرآة المعلقة بخيمته، أزاح فتحته صدر الجلباب الذي كان يرتديه، ليكشف عن صدره العاري وجود وشمًا بارزًا، لملامح نجمة، تلك الفتاة التي عشقها بكل كيانه.تحسس زين الوشم برقة، بأصابعه التي تلامس بشرته، كأنه يلامس بشرتها هي، محفورة في قلبه، تسكن جسده كما تسكن قلبه فهي جزءًا من روحه . همس بصوت مليء بالعاطفة كأنه يحدثها:- ستظلين في قلبي، في روحي، سجينة قلبي... سجينة عشقي... لن أخرجكِ منه أبدًا.. ❈-❈-❈تعرق جبينها وتقاطرت منه حبات العرق البارد، كم جف حلقها وانتشر الخدر في جسدها، لم تعد قادرة على تحريكه، حاولت الصراخ ومناداة والدتها ولكن شُل لسانها تماما، رجفة قوية صارت بأوصالها، أغمضت عينيها في أستسلام تام.في ذلك الوقت بعد أن طهرت جراح زوجها، ترك

  • بنت الغجر    الفصل الثالث

    "الفصل الثالث"داخل خيام الغجر، كانت تتقاذف الأقاويل عن علاقة خفية قامت بين "نجمة" و"زين" ولكنها مكيدة مُدبرة من شخص يبغضها.كانت عائدة من مقابلة "سيف" بقلب منتشي بالعشق، وتصدق وعوده ، لكنها قبل أن تقترب عند قبيلة الغجر، أدركت وقتها عندما أعترف صديق طفولتها وصباها بعشقه وهو لم يعي بذلك، فقد كان في حالة إعياء شديدة.تسمرت مكانها تتخبط في حيرتها، قلبها يود الأطمئنان عليه، ولكنها خائفة من زيادة تعلقه بها ، فهي تعلم أن العشق لعنة أذا أصابت قلب فلن تتركه إلا على فراش الموت.تنهدت بضيق وحسمت أمرها، ستتعامل وكأنها لم تسمع بشيء وتحاول الأبتعاد عنه رويداً رويداً.كلما اقتربت بخطواتها، كانت تسمع همهمات وصراخًا وحشدًا متجمّعًا، دون أن تفهم ما الذي يحدث. لكن صوت والدتها العالي اخترق الضوضاء، وهي تلطم فتاة من القبيلة وتعنفها:-إياكِ أن تنطقي باسم ابنتي في خطيئة لم ترتكبها إلا أمثالك. أنسيتِ نفسكِ يا راقصة الغجر؟رفعت كفها تتحسس خدها بنظرات تقتد غضبًا ثم هتفت وهي تكتظ على أسنانها:-الجميع على علم بما أفعله، ولكن أبنتك المصون تتودد لشباب القبيلة سرًا، ترتدي ثوب العفاف والطهارة كما لو كانت لم تنتمي

  • بنت الغجر    الفصل الثاني

    "الفصل الثاني "–خيام الغجر–أشعلت "سماهر" النيران خارج الخيمة، وجلست بالقرب منها وهي تنظر للسماء تحدق بالنجوم التي بدأت تتناثر في السماء، كأنها تنتظر طقوس معينة لكي تفعلها، طوق الظلام كبد السماء وتلألأت النجمات والنيران تتوهج وأتت اللحظة المنتظرة، لكي تغربل النجمات وتهمس بصوت لم يسمعه غيرها، كأنها تلقى تعويذة من داخل بئر غائر، مرت بها ذكريات كثيرة قبل أن تنهي طقوسها، وعندما أستفاقت ، أخمدت النيران ثم استقامت ناهضة، لتجد "مرجان" أمامها هتف بغل:-اليوم سيتحول زفافهم إلى عزاء-لن تفعلها، حذاري وأن تفعل شيئاً دون علمي يا مرجانارتفع صوته بغضب قائلا:-هل نسيتي الماضي؟ قاطعته بحدة وهي تضغط على أسنانها:-جعلتهم يبكون طوال حياتهم وكان الثمن غاليا، أنسيت ؟!-ولكن لن يشفي مرارة ما عشناه في الترحال، كيف حكموا علينا بالتشتت؟اتت نجمة تركض على صوت شجار والديها، وقفت بجوار والدتها تتساءل بقلق:-ما الأمر؟ لما هذا الصراخ؟ هل أنتِ بخير ؟هزت راسها بالايجاب ولكن اعترض والدها بسخريته التي اعتادت عليها: -لا تخافي على سماهر يا ابنة سماهر .-اغرب عن وجهي يا مرجان.نطقت بها سماهر في ثورة غاضبة وهي تطوق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status