Se connecter
كان القصر غارقًا في وهج الشمس الشتوية، تلك التي لا تدفئ لكنها تلمع فوق النوافذ العالية كما لو كانت تبارك هذا اليوم العظيم.
ارتدت جدرانه المزخرفة بالذهب والرخام الأبيض حُلّة احتفالية، معلنة أن أحد أعمدة آل رومانوف يستعد للارتباط رسميًا. أولجا، الابنة الكبرى، العروس التي اختارها القدر لتكون أول من يُزف من الجيل الجديد. الممرات امتلأت بالخدم، يحملون الزهور البيضاء، ينقلون المرايا، يعلّقون الشرائط الحريرية بلون العاج. أصوات الكمان تتسلل من قاعة البروفات حيث تجرّب الأوركسترا آخر نغمة للمسيرة الافتتاحية. رائحة الورود اختلطت بعطر الأثاث العتيق، ورائحة الخبز الطازج المتسللة من المطبخ السفلي. في الطابق العلوي، خلف أبواب مزدوجة مطرّزة بالنقوش الذهبية، كانت كاترينا تقف أمام مرآة طويلة، تتأمل نفسها بصمت. لم تكن ترتدي شيئًا من ثياب السهرة بعد، بل مجرد روب حريري أبيض، أطرافه مزينة بالدانتيل، وشعرها لا يزال مبللًا بعض الشيء بعد الحمام الساخن. حدقت في انعكاس عينيها العميق. كيف مرّ عامٌ كامل على عودتها دون أن تلمحه؟ دون أن تسمع حتى صوته في المجالس؟ ألهذه الدرجة أصبح غريبًا عنها؟ بل… ألهذه الدرجة أراد محوها من حياته؟ شدّت أطراف الروب حول خصرها، كأنها تحاول خنق ذلك الشعور العالق في صدرها منذ الصباح… توتر غريب، قلق طفولي… أو ربما أمل خافت لا تزال تخجل من الاعتراف به. طرقات خفيفة على الباب قطعت أفكارها، ثم دخلت أولجا دون انتظار إذن، مرتدية رداء العروس الأبيض، وقد بدأ مصفف الشعر يعمل على رفع خصلاتها الداكنة في تسريحة ملكية. "كاتيا، ما زلتِ لم تجهزي؟ كل العائلة هنا تقريبًا، والضيوف سيصلون بعد قليل!" رفعت كاترينا حاجبها بتكاسل، ثم ابتسمت برقة لا تخلو من التوتر. "ما زال أمامي وقت، لا تقلقي. الزفاف لكِ، أنا مجرد ظل اليوم." ضحكت أولجا، وجلست بجوارها على الأريكة المخملية. "أنتِ لستِ ظلًا، بل نجمة الحفل بعدي مباشرة، الجميع يسأل عنك، حتى رجال آل دراغونوف…" نظرت كاترينا بعيدًا نحو النافذة، حيث كانت الثلوج قد بدأت بالتساقط في هدوء خفيف، رقاقات تتهادى كأنها راقصات باليه. همست: "آه… دراغونوف…" لكنها لم تكن تفكر فيهم. لم يكن يشغلها أي رجل من رجال العائلات، ولا حتى أحد الخُطّاب المتقدمين، لا مالهم، ولا نفوذهم، ولا وسامتهم قادرة على ملء تلك الفجوة التي خلّفها رجل واحد. ديمتري آل مالكوف. اسم لا يزال يلسع قلبها كلما عبر عقلها. الذئب… الذي كان يومًا كل عالمها، ثم اختفى كأن وجودها لم يعنِ شيئًا. استدارت إليها أولجا فجأة، وقد انخفض صوتها بنبرة مريبة: "قولي لي… هل تتوقعين حضوره اليوم؟" صمت. ثم همست كاترينا وهي تحدق في رقاقات الثلج الملتصقة بزجاج النافذة: "لا أعلم… لكني حلمت به الليلة الماضية." ما إن خرجت أولجا من الغرفة، حتى خيم الصمت مجددًا. تنهدت كاترينا ببطء، تنهيدة طويلة بدا وكأنها تحمل وزن عشر سنوات من الانتظار، من الترقب، من الأسئلة التي لم تلقَ إجابة. ثم ابتسمت… تلك الابتسامة المائلة الساخرة التي أتقنتها في السنوات الأخيرة. ابتسامة لم تكن يومًا جزءًا من الطفلة التي نشأت بين جدران هذا القصر، الطفلة الهادئة، التي كانت تجلس إلى جوار جدها تستمع باهتمام لصوت الحرب والنفوذ والسلطة. كانت كاترينا قد تربت لتكون "ابنة إحدى العائلات التابعة للمافيا الروسية" المثالية. صمتها محسوب. حركتها محسوبة. كلماتها تُنتقى كأنها رصاص. لكن فرنسا… فرنسا كسرت ذلك الصندوق المحكم. هناك، تعلمت كيف يبدو صوت الضحك الحقيقي — وإن لم تمارسه كثيرًا. تعلمت أن الحديث لا يعني الضعف، وأن إظهار الاهتمام لا يعني الانكسار. تعلمت أن تكون أكثر مرونة، دون أن تفقد صلابتها. ومع ذلك… لا تزال تحب العزلة. لا تزال تشعر أن الغرباء يستهلكون طاقتها. لكنها أصبحت تعرف كيف تخدعهم بابتسامة، بكلمة مناسبة في الوقت المناسب، بمزحة ذكية تجعلها محبوبة بما يكفي، وغامضة بما يكفي… سلاحها الحقيقي؟ سُخريتها اللامعة، تلك التي تُخفي تحتها هشاشة أنثى لم يُضمد جرحها الأول قط. نهضت ببطء من أمام المرآة، مشيت إلى الخزانة وفتحتها، لتظهر ثوب السهرة الذي اختارته لحفل الليلة. ثوب حريري بلون النبيذ العميق، بقصة كلاسيكية تعكس أناقة لا تحاول لفت الأنظار، لكن من يحدق بها لا يقدر على النظر بعيدًا. كتف واحد مكشوف، وشق جانبي يُظهر لمحة من ساق طويلة بثقة. أخرجت الثوب وعلّقته على الحامل، ثم جلست أمام طاولة الزينة، وبدأت في تمشيط شعرها الطويل. كل حركة كانت محسوبة، راقية، و…هادئة. كأنها طقس استدعاء، لا استعداد فقط. بين أصابعها، أمسكت بعطرها الفرنسي المفضل، نثرت القليل منه على رقبتها ومعصمها، وابتسمت لنفسها عبر المرآة. "فلتكن الليلة... كما يجب أن تكون." قالتها بصوت هامس، لكنها لم تكن تعلم إن كانت تتمنى أن تراه… أم تخشى لحظة النظر في عينيه، بعد كل هذه السنوات. هبطت كاترينا الدرج الرخامي ببطء، كأن كل خطوة محسوبة... صوت كعبها العالي كان يتردد في الردهة الكبرى بصدى خافت، لا يطغى على ضوضاء القاعة، بل ينساب كهمسة أنثوية تعرف تمامًا وقع حضورها. أمسكت بطرف الدرابزين الذهبي، وسمحت لذيل فستانها أن ينساب خلفها بانسيابية حذرة، بينما علقت نظراتها للحظة على القاعة التي بدأت تمتلئ. الشمعدانات المتدلية من السقف المتقن التصميم أضاءت المشهد بنور ذهبي ناعم، وزهور الأوركيد البيضاء اصطفت على الجدران كصفوف من العرائس. روائح العطور الغنية، وأصوات الكؤوس المتصادمة، وضحكات الرجال ذوي النفوذ… كلها امتزجت في سيمفونية مألوفة. قصر آل رومانوف لم يكن مجرد بناء… بل حصن تاريخي مشبع بالسيطرة والقرارات الحاسمة، وأحيانًا… الدم. أدارت رأسها ببطء، تبحث عن وجوه مألوفة، قبل أن تُصادف نظرة عمها "فياتشيسلاف" — شقيق والدها الأكبر — وهو يرفع كأسه بتحية باردة نحوها. ابتسمت كاترينا بأدب، ثم توجهت إليه. "سُعدت برؤيتك مجددًا، عمي. لم يتغير ذوقك في المشروبات." قالتها وهي تومئ إلى كأس الفودكا في يده، بنبرة خفيفة فيها من السخرية بقدر ما فيها من اللياقة. ضحك بخفة، هزّ كتفيه قائلاً: "وأنتِ لم تتغيري كثيرًا… فقط أصبحتِ تتحدثين كما الفرنسيين، لسان حلو... وسمّ في العسل، كما يقول جدك." ابتسمت ابتسامة مائلة، دون أن تنفي الاتهام. مرّت من جواره بأناقة، توقفت للحظات قصيرة للسلام على اثنين من أولاد العم، تبادلت معهم التحية وأجوبة نمطية… ثم أكملت طريقها نحو ركن صغير بالقرب من الشرفة الزجاجية التي تُطل على الحديقة المغطاة بالثلج. هناك، وقفت وحدها. كانت تفضل هذا الركن دومًا؛ لا هو بعيد كليًا، ولا هو في قلب الحدث، لكنّه يتيح لها أن تراقب كل شيء… وتفكّر. رأت والدها من بعيد، أدريان رومانوف، يحيي بعض الضيوف من العائلات المتحالفة، تقف إلى جواره والدتها، السيدة "لاريسا"، ترتدي فستانًا داكنًا أنيقًا وتضع ابتسامة دبلوماسية بارعة. رفعت كاترينا كأسًا صغيرًا من الشمبانيا من الصينية التي قدّمها أحد الخدم، وأدارت ظهرها للقاعة للحظة، تنظر إلى الثلج الذي بدأ يزداد كثافة بالخارج. همست لنفسها: "كل شيء كما توقعت… إلا قلبي." رفعت كأسها بخفة، كأنها تحتسي نخبًا خاصًا لا يعرف أحد سببه، وابتلعت الرشفة الأولى في هدوء. ووقفت بمحاذاة الشرفة الداخلية المطلة على القاعة، تراقب بصمت كل من يدخل. لم تكن ترتبك من التجمعات، لكنها لم تحبها قط. هي تعرف كيف تُجامل، كيف تبتسم، وكيف تُلقي تعليقات ذكية كافية لتمنحها طابع "الفتاة الساحرة"، لكنها في قرارة نفسها، كانت تعدّ كل دقيقة في قلب الحشد نوعًا من التمرين العقلي الصعب. اقترب منها أحد أبناء عمومتها، نيكولاي، بابتسامة فضولية. "كاترينا... سمعتُ أنكِ رفضتِ عرض خطوبة من أحد رجال آل بوريسوف الأسبوع الماضي." رفعت حاجبًا، ثم أجابت بنبرة خفيفة: "أوه، هل هذه هي آخر الأخبار المتداولة؟ كان من المفترض أن تصلني نسخة من الصحيفة." ضحك نيكولاي، ثم أضاف بنبرة أكثر جدية: "الجميع يلاحظ أنكِ ترفُضين كل مَن يقترب... هل تنتظرين شخصًا بعينه؟" ابتسمت كاترينا، نظرة باردة لكن ساحرة ارتسمت في عينيها: "ربما... أنتظر شيئًا لا يشبه أحدًا منهم." ثم تركته ومضت، تدور في القاعة كمن يعرف طريقه جيدًا بين الحشود. كانت تتحرك ببطء، تختار من تسلّم عليه، وتُقصي من لا يستحق اهتمامها. بعضهم حاول فتح حديث معها، لكنها كانت قادرة على إنهائه بابتسامة واحدة وكلمة مُحكمة. وعندما رنّ هاتف صغير من إحدى الزوايا — هاتف الحرس الأمني الداخلي — شعرت بالتيار الخفيف يسري بين كتفيها، كأن شيئًا على وشك أن يحدث. اقترب منها الخادم الخاص بالعائلة، همس بشيء سريع في أذن والدها، أدريان رومانوف، الذي هزّ رأسه ببطء ثم أشار بإصبعه نحو المدخل الرئيسي. لكن كاترينا لم تنظر. لم تتحرك. اكتفت بشفط رشفة خفيفة من كأسها، وأدارت وجهها بهدوء إلى النافذة. هي تعرف. من دون أن تُقال كلمة واحدة... هي تشعر. البراتفا على وشك الوصول. لكنها لن تنظر. ليس الآن. ليس بعد. رنّ صوت الجرس البرونزي العتيق في القصر ثلاث مرات، رنينًا مميزًا لا يخطئه أحد. إشارة تعني أن مراسم الزفاف ستبدأ خلال دقائق، وأن على الجميع التوجّه إلى القاعة الرسمية في الطابق الأرضي. بدأ الحضور يتحركون كأنهم قطع شطرنج يُعاد ترتيبها بانسيابية مدروسة. الرجال ببدلاتهم الداكنة، النساء بفساتين السهرة التي تتماوج مع كل خطوة، والموسيقى الكلاسيكية تعزف بهدوء من الرباعية الوتريّة خلف الستائر النصف شفافة. كاترينا وقفت للحظة، راقبتهم جميعًا من مكانها بجانب الشرفة. لا شيء يُشبه الأعراس في عائلات المافيا... لا فرح يُترك نقيًا، ولا لحظة تُمنح بكامل بساطتها. كل شيء له معنى، كل نظرة تُخزَّن، وكل همسة تُحسب. تنفّست بعمق، ثم بدأت تتحرك نحو القاعة. القاعة الكبرى ازدانت بكل ما يمكن أن يُبهر الناظر: صفوف من الكراسي الذهبية المرصوفة بدقة على جانبي الممر المركزي المغطّى بسجادة عاجية، أطرافها مزينة بزهر اللافندر والليلك. الشمعدانات البلورية العملاقة المُعلقة في السقف تسكب نورًا كالعسل على الوجوه. عطر الزهور المختلطة برائحة الشموع العطرية صنع جوًا خانقًا قليلًا… لكنه كان مناسبًا. خانقًا كما يجب أن تكون حفلات آل رومانوف. اصطفت العائلة في المقاعد الأمامية. الجد أندريه رومانوف جلس بثبات في مقعده الملكي، بعصاه الفضية وسكونه الوقور، عينيه الزرقاوين تتفحّصان كل شيء بلا رحمة. أدريان رومانوف، والد العروس، جلس إلى جواره، وعلى يساره كانت الأم، لاريسا، تقبض على حقيبة يدها كأنها تقبض على اتزانها. كاترينا مشت ببطء بين المقاعد، خطواتها صامتة لكن واثقة، حتى وصلت إلى صف العائلة وجلست في المقعد الثاني على يمين العروس — مكانها المعتاد منذ الصغر. تأملت المنصة المخصصة أمامهم، حيث يقف الكاهن ووراءه النافذة الزجاجية الكبرى المطلة على الحديقة المغطاة بالثلج. صفوف الكراسي بدأت تمتلئ تدريجيًا، الحضور يدخلون من البوابة الجانبية، رجال الأعمال، زعماء العائلات الحليفة، أفراد الأمن ببدلاتهم السوداء وأعينهم التي لا تنام. وللحظة... اختفى صوت القاعة في خلفية ذهنها، وكل ما سمعته كان صوت نبضاتها. هذه لحظة حقيقية. شقيقتها الكبرى على وشك الزواج، وطفولتهما معًا على وشك أن تُختَتم أمام أعين الجميع. همست لنفسها، وقد شبكت يديها في حجرها: "لا بأس… الأمر لا يتعلق بي." لكن شيئًا في داخلها كان يرتجف. شعور غير واضح، كأن شيئًا كبيرًا قادم… كأن اللحظة التي انتظرتها طويلاً تُوشك على الدخول من أحد الأبواب. ثم… بدأ العزف. الموسيقى تغيّرت، أصبحت أكثر رسمية، نغمات كلاسيكية مُعلنة. الجميع وقف. حانت اللحظة. العروس قادمة. سكن كل شيء دفعة واحدة… العزف أصبح أبطأ، أنعم، كل وتر في الكمان يُسحب كأنه يكتب فصلًا جديدًا من التاريخ. عينا الكاهن تحرّكتا ببطء نحو نهاية الممر الطويل، حيث فُتحت الأبواب المزدوجة المصنوعة من خشب البلوط الثقيل، لتكشف عن العروس. دخلت أولجا آل رومانوف بخطى ثابتة. كانت ترتدي فستانًا مطرزًا يدويًا بخيوط لامعة، تنسدل من الكتفين إلى الأرض بسلاسة تشبه انسياب نهر متجمد. طرحتها الطويلة امتدت خلفها كستار من ضوء، والمصابيح المنخفضة انعكست على تفاصيل ثوبها لتجعلها تبدو كأنها تخرج من لوحة ملكية روسية قديمة. سارت وحدها. لم يكن بجانبها أحد — لا الأب، ولا الأخ. قرار تقليدي في عائلات المافيا: المرأة التي تُزوّج من بيت آل رومانوف، تمشي وحدها. هي ابنة الإمبراطورية، لا يسلمها أحد، ولا يسندها أحد. والعريس… كان واقفًا هناك، إلى جوار الكاهن. رجل طويل، في أواخر الثلاثينات، وسيم بشكل حاد، كتفيه عريضتان وذقنه مرفوعة بثقة، يرتدي بدلة سوداء داكنة بلا لمعة، ربطة عنق حمراء رمزية بلون السلطة. عيناه كانتَا ثاقبتين، لا ترفّان، وهو يراقب عروسه تقترب منه. كاترينا، من مكانها في الصف الأمامي، لم ترمش منذ دخلت أولجا. شعرت بشيء يتفتت في صدرها ببطء، ليس حزنًا… بل دهشة غريبة: أختها الكبرى، التي كانت توبّخها منذ أعوام على الفوضى، على الجرأة، على الأحلام… أصبحت الآن سيدة تُزفّ لرجل يشبه الملوك. حدّقت في العريس قليلًا. ليس غريبًا عنها تمامًا، لكنها لا تعرفه كفاية لتثق في ملامحه. ابتسامته كانت ضئيلة، لكن متحكَّم بها. عيناه لم تتحركا عن أولجا، لكنه لم يرمش تقريبًا. رجل متمكّن من نفسه… وربما أكثر مما يجب. همست السيدة لاريسا من جانبها: "جميلة، أليس كذلك؟" ردّت كاترينا بهدوء: "جميلة جدًا… وكأنها ليست منّا." تقدمت أولجا حتى وصلت إلى طرف المنصة، نظرت إلى الكاهن، ثم إلى العريس، ثم وقفت في مكانها دون أن تنظر إلى الجمهور. انطلقت الكلمات الرسمية. "نحن مجتمعون هنا اليوم…" كاترينا لم تكن تستمع. كانت عيناها تائهتين بين وجوه الحاضرين، بين الوجوه المألوفة، والأخرى الجديدة، وبين القناع الهادئ الذي تضعه على وجهها، وبين أعماق قلبها الذي كان يدق على وتيرة مختلفة عن الموسيقى. كل شيء يبدو مثالياً. ومع ذلك…شيء ما لم يكن في مكانه. كأن الريح تغيّرت. كأن ظلًا طويلًا بدأ يزحف من خلف الستائر… ينتظر توقيته. ثم، عند لحظة تبادل النذور، حين مدّ العريس يده ليأخذ يد أولجا… اهتزت نوافذ القاعة الكبرى برعشة خفيفة. كاترينا انتبهت. حدقت في الزجاج. لا شيء… سوى الثلج. لكن شعورًا خفيفًا زحف إلى عمودها الفقري، كأن أحدهم يراقب… كأن أحدهم دخل دون أن يُرى. ابتسمت ببطء، وهمست دون أن يسمعها أحد: "الذئاب… لا تدخل من الباب." ثم التفتت نحو الممر الطويل. عيناها كانتا تنتظران شيئًا… أو شخصًا. لكنّه لم يصل… بعد. كان الكاهن قد بدأ في تلاوة الكلمات الختامية للمراسم، حين صدر صوت خافت من الجهة الجانبية… صوت فتح الباب الثقيل ببطء محسوب، يشبه الطرق على طبلة قلبٍ لا ينتظر شيئًا، لكنه يخشاه. استدار معظم الحضور برؤوسهم، والبعض الآخر أدار جسده بالكامل. كل شيء في القاعة توقّف، حتى الهواء بدا وكأنه تريّث احترامًا لما سيأتي. أول من دخل كانوا الحرس. رجال البراتفا. كتفًا بكتف، بخطوات ثقيلة لا تتعثر، وجوه بلا ملامح، كل شيء فيهم يقول إنهم لا يأتون مع السلام، بل مع الانضباط. ثم… تقدّم من بينهم هو. ميخائيل مالكوف. زعيم البراتفا. الأسطورة التي لا تحتاج إلى إعلان، الرجل الذي تتوقف الحوارات بمجرد دخوله، ليس لأن أحدًا أمر بذلك، بل لأن الكل يعرف أن النظر إليه دون حساب، مغامرة لا يجرؤ عليها أحد. ميخائيل بدا كما يُقال عنه تمامًا، طويل القامة، مهيب الحضور، عيناه تلتمعان بقسوة هادئة، ووجهه لا يحمل شيئًا يُقرأ بسهولة. لكنه لم يدخل وحده. كانت تمسك بذراعه امرأة، تسير بجانبه بثقة ساكنة، لا تشبه تظاهر أحد. إيزابيلا. هي… التي كانت لعنة على شفاه العائلات منذ أول يوم تزوجها فيه. الأجنبية، الإسبانية، زوجة زعيم البراتفا. كاترينا لم ترها من قبل وجهًا لوجه، لكنها سمعت كل شيء عنها. أمها لم تكن تحتفظ بالأسرار حين يهدأ الليل. لقد حكت لها القصة كما حدثت: عن تلك الفتاة التي سُخِر منها في أحد الاجتماعات… فأطلق ميخائيل رصاصة في قدم من سخر منها. عن داريا، ابنة عمه، التي دفعتها ذات يوم من أعلى الدرج، تسببت في فقدانها المؤقت للبصر… ثم عن الطلقة الأخيرة، التي لم تكن في الهواء، بل في صدر داريا نفسها… لأن إيزابيلا كانت الهدف، ولم يسمح ميخائيل لأي أحد بأن يلمسها. وتلك النهاية… جعلته أبًا لتوأم — ولد وبنت. كاترينا نظرت إليها الآن، وتفحصتها كما تفعل أي وريثة مافيا حين تُقيّم أنثى في موضع قوة. إيزابيلا كانت جميلة، جمالًا ناعمًا لا يفرض نفسه، لكنه يترك أثرًا. شعرها الأسود منسدل بترتيب دقيق، عيناها الخضراء حادتان رغم هدوئهما، فستانها الأسود الفاخر بلا زينة تُذكر، فقط قصّة مُتقنة تغلف جسدها برقي صامت. لكنها لم تكن تبدو ضعيفة… ولا خائفة. كانت تسير بجوار زوجها كمن يعرف مكانه بالضبط. امرأة تعرف أنها مكروهة، لكنها لا تطلب القبول. ولا تحتاجه. كاترينا أدارت رأسها قليلاً، نظرتها تتعلق بإيزابيلا للحظة أطول مما ينبغي… حتى انقطع خط أفكارها تمامًا. لأن من ظهر خلفهما كان… رجل. ظلاله سبقت حضوره. دلف إلى القاعة بخطوة ثقيلة، أبطأ من الآخرين، لكنه لم يحتج للسرعة. الذين رأوه أمام الباب، تنحّوا تلقائيًا. الذين ما زالوا جالسين، انتبهت أجسادهم له قبل عقولهم. ولوهلة… كاترينا لم تعرفه. كأن ملامحه القديمة تُخفي نفسها خلف الزمن، أو كأن قلبها رفض الاعتراف فورًا. لكن حين رفع وجهه نحو الممر… وحين التقت عيناه المظللتان بضوء القاعة الذهبي… عرفت. ديمتري مالكوف. الاسم الذي لم يُفارقها منذ كانت في السابعة. اليد التي اعتادت أن تحتضنها يومًا… ثم صارت غريبة. الرجل الذي اختفى عن عالمها منذ بلغت الخامسة عشر، وكأنها لم تكن. عاد. دون صوت، دون مقدمات، دون أن يستأذن الألم الذي تركه في قلبها. ابتلعت ريقها بصمت. كأن الهواء في القاعة اختفى، أو أن قلبها وحده توقف. ديمتري لم ينظر مباشرة إليها. أو هكذا خُيّل لها. لكنه رآها. هي تعرف. وبينما كانت عيناها تتبعان خطواته البطيئة نحو المقاعد المخصصة للبراتفا… كانت كل ذكرياتها القديمة تنهض من نومها دفعة واحدة. ديمتري. الاسم وحده كان يكفي لإشعال حرب في صدرها، لكنها لم تكن مستعدة لما رأته عيناها. هو لم يعد كما تذكره… بل أصبح شيئًا أكبر من كل ذاكرة حملتها عنه. كان طويلًا، أطول مما كان عليه آخر مرة رأته فيها، كتفاه عريضان، كل عضلة فيه واضحة تحت بذلته الداكنة، كأن جسده اعتاد الحرب لا السلام، لا توجد فيه زاوية ملساء أو زينة زائفة. مشيته كانت مستقيمة بشكل مؤلم، كأن الأرض نفسها تخشاه، وعضلات رقبته تتحرك مع كل خطوة كأنها تحذير مسبق. لكن أكثر ما شدّ انتباهها… كان ذلك الوشم. وشم أسود داكن يمتد من تحت قبة قميصه إلى جانب رقبته اليسرى. رأته يختفي خلف عظمة الترقوة، ثم يمتد بخط مائل إلى الخلف، حيث لا يمكنها تتبعه. لم تره من قبل… لم تعرف قصته، ولا متى حفره. لكنه بدا كمن حمل قصة كاملة على جلده… قصة لم تُدعَ إليها. كتمت أنفاسها دون وعي، وكل شيء في المراسم صار باهتًا فجأة، كأنها تنظر إلى قاعة من خلف زجاج مكسور. ثم… حدث ما لم يكن في الحسبان. دلفت من خلفه امرأة. امرأة شقراء. تسير بخطوات ناعمة بجانبه، ترتدي فستانًا أزرق باهت اللون، وشعرها الطويل ينساب كأمواج القمح الناضج على ظهرها، عيناها بلون الثلج، وابتسامة خفيفة تعلو وجهها… ابتسامة له. لم تمسك بذراعه. لم تلمسه. لكنها تسير بجانبه. خطوة بخطوة. قريبة بما يكفي لتُحسب على دمه… أو قلبه. وهنا… توقف قلب كاترينا مؤقتًا. لم تكن مهيأة لهذا. لم يخبرها أحد. لا أمها، ولا خادمتها، ولا أي تسريب من عوالم المافيا التي لا تخفي شيئًا طويلًا. هل خُطِب؟ هل تزوج؟ متى؟ وكيف؟ ولماذا لم تعلم؟! شعرت بشيء يشبه الوخز يرتفع من صدرها إلى حلقها… لكنها لم تتحرك. لم تبدُ عليها صدمة. بل جلست تمامًا كما كانت… إلا أن أصابعها شدّت على طرف فستانها حتى أبيضت مفاصلها. رأت المرأة تهمس بشيء لديمتري… ورأته يومئ، ثم ينظر أمامه مجددًا دون ابتسام، دون أي شيء يمكن أن يُقرأ. لكن كاترينا… كانت قد بدأت بالفعل بقراءة كل شيء. حرفًا حرفًا. وسطرًا سطرًا. وكان كل سطر يقول: "لقد عاد... ومعه امرأة." وهي؟ ما تزال في مكانها. بمفردها. وبقلبٍ، لم يتعلم بعد كيف يُطفئ اسمه. لم تتذكر كاترينا اللحظات الأخيرة من المراسم. الكلمات، تبادل الخواتم، تصفيق الحضور... كل شيء مرّ كأنه مشهد صامت خلف زجاج مغبش. كل ما كانت تُدركه هو وجوده… هناك. يقف… يتنفس… يملأ المساحة حتى لو لم يتحرك. حاولت جاهدة أن تُبعد عينيها عنه. مرة، اثنتين، ثم مرة ثالثة… لكن شيئًا فيها كان يتمرد، كأن نظرتها تُعاد توجيهها نحوه رغمًا عنها. كان واقفًا إلى جوار شقيقه ميخائيل، والمرأة الشقراء تقف غير بعيدة، تتحدث مع أحد رجال العائلات الأخرى وتضحك بخفة، بينما ديمتري… لا يفعل شيئًا. لا يضحك، لا يتحدث، فقط يقف، كأن حضوره وحده كافٍ. مع انتهاء الكلمات الرسمية، تحرك الجمع إلى القاعة الخلفية، حيث أُعدّ حفل الاستقبال. الستائر الثقيلة فُتحت، وظهرت القاعة المزينة بألوان العاجي والفضي، طاولات مستديرة مفروشة بالمفارش المطرزة، وأباريق الكريستال تُضيء كالنجوم تحت ضوء الثريات العملاقة. كاترينا مشت وسط الجمع دون استعجال، كأنها تسبح في دوامة أصوات وألوان وروائح. "كاتي!" التفتت بسرعة نحو الصوت. ابنة خالتها، آنا، اقتربت منها بخفة، بشعرها النحاسي المرفوع، وفستانها القصير الذي لا يتناسب تمامًا مع بروتوكول آل رومانوف، لكن أحدًا لا يجرؤ على الحديث، فهي تنتمي للدم. "أخيرًا أمسكت بكِ، كنتِ تائهة." قالتها آنا وهي تضحك، ثم نظرت إليها بنظرة فاحصة: "ما بكِ؟ وجهكِ كأنك رأيتِ شبحًا." كاترينا ابتسمت، ببطء، تلك الابتسامة التي لا تقول شيئًا. "لا شيء. فقط ازدحام." آنا رفعت حاجبها، ثم أشارت بخبث نحو طاولة قريبة: "أهو ازدحام… أم شيء له علاقة بالذئب العائد من الغابة؟" كاد فم كاترينا أن ينطق، لكنها ابتلعت الكلمات بسرعة. "آنا… لا تبدأي." "حسنًا حسنًا، لن أبدأ. فقط لاحظت أنكِ كنتِ... تحدّقين." "أنا؟ لم أكن أنظر." "أوه، كنتِ تنظرين بشدة، حتى أنني شعرت بحرارة نظرتك هنا." قالتها وهي تضع يدها على صدرها وتضحك بخفة. كاترينا لم تجب. بل أزاحت عينيها إلى الجانب. رأته. مجددًا. كان واقفًا بجانب إحدى الطاولات العالية، يتحدث بصوت منخفض إلى شقيقه ميخائيل، يداه خلف ظهره، وعيناه ثابتتان على شيء بعيد، لا على أحد. لكنها لم تكن المرأة الشقراء إلى جواره الآن. كانت تقف على بُعد، تتحدث مع إيزابيلا. وهو… وحده. لثانية واحدة فقط، التفت برأسه قليلًا. ولوهلة، التقت عيناه بعينيها. صدمة. سكون. اتصال صامت، كأنه عمر كامل في نظرة واحدة. لكنها أدارت وجهها فورًا. بسرعة. كأنها احترقت. قالت بأنفاس قصيرة: "سأذهب لأحضر شرابًا." قالتها وهربت من مكانها، من عينيه، من أسئلتها، ومن آنا… ومن نفسها. لم تكن بحاجة إلى شراب. كانت بحاجة إلى الهرب. لكنها، في أعماقها، تعرف… أن لا شيء يمكنه أن ينقذها من لحظة النظر تلك. ولا من عودة الذئب إلى الغابة التي خرجت منها ذات يوم. كانت يدها تلتف حول كأس الشمبانيا ببطء، تحرك السائل بخفة، لا لتشرب… بل لتُبقي يدها منشغلة. وقفت لدقائق أمام طاولة المشروبات حتى اختار الحارس الشخصي المرافق لها أن يبتعد بضع خطوات ليمنحها مساحة. ثم عادت إلى الداخل. خطواتها كانت بطيئة، لكنها محسوبة. كانت لا تزال تشعر بالاهتزاز تحت جلدها… ذلك النوع من الرجفان الذي لا يُرى، لكنه يشعل كل الأعصاب. نظرت حولها، وتجنّبت الطاولات الممتلئة. ثم وجدت مكانها. طاولة شبه خالية، قريبة من طاولة العروس، مطلة على المنصة الصغيرة حيث سيبدأ الرقص لاحقًا. جلست وحدها، وضعت كأسها أمامها، واستندت بمرفقها إلى حافة الطاولة… محاولة أن تستعيد بعض الهواء الذي اختنق منها. أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما لتبحث عنها… زوي. شقيقتها الصغرى. زوي المرحة، اللطيفة، التي تضحك كأن العالم لم يُلوّث بعد، والتي تتنقل كفراشة وسط الحاضرين دون أن تتعثر، دون أن تزعج أحدًا. وبالفعل، رأتها. كانت تقف وسط مجموعة من الشباب والشابات، تضحك بصوت واضح، وهي تسحب أحدهم للرقص بطريقة عفوية. فستانها الوردي الناعم يتحرك مع كل خطوة، عيناها تلتمعان تحت ضوء الثريات، وشعرها الطويل مربوط على شكل ذيل حصان أنيق، تتناثر منه خصلات عشوائية تزيدها إشراقًا. كانت الحياة تمشي فيها. وكل العيون… كانت تميل نحوها. ابتسمت كاترينا بسكون. ابتسامة لا تخلو من الدفء، ولا تخلو من… الغصة. "لقد أصبحت اجتماعية أكثر منكِ." قالت آنا وهي تسحب كرسيًا بجانبها، وتجلس دون استئذان. ردّت كاترينا بنصف ابتسامة: "لطالما كانت كذلك. حتى وهي طفلة… كانت تحب الضحك أكثر مما تحب الكلام." "هي تشبهكِ قليلًا، لكن بدون الجزء البارد المتجمد." ضحكت كاترينا ضحكة خفيفة، ثم رشفت من كأسها: "البرودة وقاية، آنا… وإلا لما بقينا أحياء في هذا العالم." آنا أدارت وجهها نحو زوي، ثم قالت: "لكنها… لن تحتاج وقاية. الناس سيحبونها كما هي. لن يهاجموها كما يفعلون معنا." صمتت كاترينا لثوانٍ، نظراتها على زوي، ثم قالت بصوت منخفض: "ربما... أو ربما لم تصل بعد إلى اللحظة التي يُطلب منها فيها أن تختار بين قلبها وأسمها." آنا نظرت إليها بتمعّن، ثم وضعت يدها على يدها فوق الطاولة: "هل ما زلتِ تحبينه؟" كاترينا سحبت يدها ببطء، ثم أعادت الإمساك بالكأس، نظراتها لا تزال متعلقة بضحكة زوي. "أحيانًا… لا أعرف إن كنتُ توقفت يومًا." فجأة، دوى صوت تصفيق ناعم في القاعة، كان أحد أفراد العائلة يدعو الحضور للتوجّه إلى رقصة العروس الأولى. قامت زوي بخفة من بين المجموعة، وبدأت تسير باتجاه طاولة العروس، وقبل أن تمر، لاحت عيناها على كاترينا. لوّحت لها بحماس، ثم بعثت لها قبلة هوائية، وضحكت، كأن الدنيا لا تزال حلوة. وما كان من كاترينا إلا أن ردّت بابتسامة باهتة… ثم همست، بصوت لا يسمعه سواها: "لا تفقدي هذا النقاء، زوي… لا تسمحي لأحد أن يلوثه." لكنها تعرف… أنه في هذا العالم، حتى أنقى القلوب، لا تنجو دائمًا. بدأت أول نغمة من نغمات الرقصة الرسمية تتسلل من العازفين، رقيقة، ثم سرعان ما اكتسبت عمقًا كلاسيكيًا راقياً، كأنها قادمة من عصر آخر. العروس والعريس توجها إلى منتصف القاعة، وسط تصفيق خافت وابتسامات تملأ الأرجاء. كاترينا كانت لا تزال جالسة، تراقب بصمت، ورأسها مائل قليلًا ناحية طاولة العروس. عيناها على أختها أولجا، التي تلتف ببطء بين ذراعي زوجها، بينما فستانها ينساب خلفها بتموجات حريرية. تنهّدت بخفة، وهمّت أن ترتشف من كأسها من جديد، حين استشعرت ظلًا يقف قربها. رفعت عينيها ببطء. كان هو. أدريان آل رومانوف. والدها. الرجل الذي نادراً ما يتحدث بصوت مرتفع، والذي يحمل حضورًا يشبه السكين... لا يلمع، لكنه حاد. كان واقفًا إلى جوار طاولتها، يضع يديه خلف ظهره، وعيناه المملوءتان بالسلطة متعلقتان بها، لكن… كان فيهما شيء آخر أيضًا. شيء دافئ، خافت، مختبئ. قال بصوته الرزين، دون مقدمات: "كاترينا… هل لي بهذه الرقصة؟" تجمّدت الكلمات في حلقها. لم تتوقع هذا. هو لم يكن من النوع الذي يطلب. ولم يكن أبدًا من الرجال الذين يرقصون. نظرت إليه لثانية، عيناها تبحثان عن شيء… ربما عن تأكيد، ربما عن دفء. ثم وضعت كأسها على الطاولة، ووقفت. مدّ يده نحوها. ترددت لحظة. ثم… وضعت كفّها في يده. كانت يده دافئة، قوية، كما تتذكرها في طفولتها. قادها بهدوء نحو حافة قاعة الرقص، إلى الدائرة التي بدأت تمتلئ بالأزواج، بعضهم يراقبهم بدهشة… البعض الآخر بفضول، والبعض… بخوف صامت. لم يهم. حين التفتت إليه، ووضعت يدها الأخرى على كتفه، كان يبتسم. ابتسامة صغيرة. لكنها كانت موجودة. قال بهدوء، وهو يبدأ الحركة الأولى: "لقد أصبحتِ شابة جميلة." ارتجف قلبها، للحظة. كان صوته كما تتذكره… لكنه يحمل تلك النغمة الثقيلة، كأن كل كلمة تخرج من عمق فقدٍ طويل. ردّت، وهي تتابع خطواته في صمت: "مرّت سنوات كثيرة، أبي." "ثمانٍ كاملة." "سبع." "ثمانٍ بالنسبة لي." ابتسمت، رغماً عنها. قال وهو ينظر إليها: "كنتِ دائمًا هادئة. لم أتوقع أن تعودي بهذا الذكاء… وهذه العيون التي لا تقول كل شيء." نظرت إليه، وهمست: "تعلمت منكم يا أبي… أن لا يُقال كل شيء." هزّ رأسه بإقرار، ثم قال: "لكنني رأيتك الليلة… رأيت نظرتكِ." صمتت. شدّت يدها قليلاً لا شعوريًا. لكن أدريان أكمل: "لا تقلقي… أنا لا أتدخل. فقط ألاحظ." تنهّدت ببطء، ثم همست: "أحيانًا، الملاحظة أقسى من التدخل." تبادلا بضع خطوات أخرى بصمت. ثم همس: "اشتقتُ إليكِ، كاترينا." تجمّدت خطواتها لحظة… لكنها أخفت ارتجافتها بابتسامة هادئة. قالت بخفة: "اشتقتُ إليك أيضًا، أبي… حتى وإن لم أكن أعترف بذلك." انتهت النغمة، وتباطأت الحركة. نظر إليها للحظة طويلة، ثم مال بخفة، وطبع قبلة صغيرة على جبينها، وهو يهمس: "أنتِ منّي… وأعرفك." ثم ترك يدها بهدوء، وانسحب. تركت كاترينا واقفة وسط القاعة، الموسيقى تُعيد تشكيل نغمة جديدة… لكن قلبها كان يعزف لحنًا آخر تمامًا. كانت تلك الرقصة الأولى… لكنها لن تكون الأخيرة هذه الليلة. وربما… لن تكون الأهدأ. *. *. *. *. لم يكن من محبي المناسبات. ولا من هواة الحشود. لكنه، حين دخل إلى قاعة الزفاف برفقة شقيقه وزوجته، لم يكن غريبًا عن الأجواء. هو يعرف كيف يتحرك وسط النار دون أن تحترق أطرافه. كل من التفتوا، كل من خفضوا أصواتهم، كل من شحب وجوههم… لم يكن ذلك بسبب ميخائيل وحده. كان ديمتري هناك. ذئب البراتفا. بذلته السوداء مستقيمة على جسده العضلي العريض، خطواته هادئة بلا صوت، لكنها تشي بقوة لا تُخفى. وجهه منحوت بخطوط حادة، أنف مستقيم، فك مشدود، عينيه عميقتان لا يظهر فيهما أثر لأي ارتباك. وشمه… ذلك الرسم الأسود الملتف من جانب رقبته اليسرى نزولًا إلى ما تحت القميص، وصولًا إلى ضلوعه، ثم ظهره… لم يره أحد كاملًا، ولم يُفسّره أحد. كان وشمًا لا يُقرأ. لكن كل من رآه… علم أنه لا يحمل زينة، بل ذكرى. جلس بهدوء قرب شقيقه، ثم اكتفى بالمراقبة. نظر إلى المنصة، إلى العروس، إلى الحفل بأكمله. كان ينظر كمن يحسب المواقع، يزن الأوجه، يراقب التفاصيل… كأن كل شيء معركة صغيرة لا يُفترض أن تُستهان بها. لكن عقله لم يكن مع الحفل. بل معها. كاترينا آل رومانوف. لم يرها منذ سنوات. لم يُحاول. ولم يُفكر أنها ستبدو… هكذا. ليست الطفلة التي كانت تركض إلى حضنه، ولا تلك الفتاة الصغيرة التي بلغت الخامسة عشر ونظرت إليه ذات مرة بنظرة لم يستطع نسيانها. كانت امرأة. ناضجة. جميلة بطريقة لا تصرخ. وهادئة... بطريقة تُفجّر الصمت. نظر إليها من بعيد، وهو لا يتحرك. لكن عيناه لم تفارقاها منذ أن التقت نظراتهما للحظة، حين التفت صدفة، ثم أشاحت وجهها وكأنها احترقت من الضوء. كان يعرف هذه الحركة. رآها من قبل. رآها في مرآة نفسه. "تُحدّق كأنك نسيت كيف ترمش، ديمتري." جاءه الصوت الناعم من جانبه الأيسر. نظر إليها، إلى المرأة الشقراء التي وقفت بجانبه طيلة المساء. ليا. صديقته القديمة. رفيقة أيام الطفولة، الذاكرة الوحيدة التي لم تُكسر في عالمه الصلب. ابتسم لها بخفة دون أن يُنكر، وقال بصوت خافت: "أنا فقط... أراقب." ضحكت، ثم مالت نحوه: "راقب، إذاً. لكن تذكّر… الذئب حين يحدق طويلاً، قد يُلاحظ من الجميع." عاد لينظر مجددًا. إلى تلك التي عادت من فرنسا… وأعادت معه أشياء لم يُردها أن تعود. لكن هناك شيء آخر… شيء لا يعترف به. شيء كان صامتًا منذ زمن. والآن… بدأ يزمجر بهدوء خلف صدره. ديمتري أسند مرفقه على الطاولة، وراح يُدير كأس الماء في يده بهدوء، فيما ليا جلست وهي تراقب الحفل بعين خبيرة، تبتسم أحيانًا، وتُعلّق أحيانًا أخرى، لكن بصوت منخفض، لا يسمعه غيره. "رقص العروس… جيد. العريس لا يجيد الخطوات، لكنها لا تهتم، هذا لطيف. أوه، انظر هناك، زوي تحاول إقناع أحد الحراس بالرقص… يبدو مُحرجًا." ضحك ديمتري بخفة، دون أن ينبس ببنت شفة. لكنه انتبه، في اللحظة التي تحوّل فيها الهواء من مجرد أحاديث هادئة إلى أحاديث عنها. كاترينا. نقطة ارتكاز النظرات، وموضع الاهتمام الذي لا يُقال علنًا… لكنه يُهمس. كان على الطاولة المجاورة، مجموعة من نساء العائلات، وبعض الرجال أيضًا، يدّعون الانشغال بالأكل، لكن أصواتهم لم تكن منخفضة بما يكفي لتُعتبر خاصة. "هل رأيتها؟ كاترينا؟" "بالطبع رأيتها، كيف لا؟ إنها تشبه أمها كثيرًا… نفس الشعر، نفس العيون، حتى ملامح الوجه" "لكن… هل هي مثل أمها فعلًا؟" قالتها واحدة بنبرة تساؤل غامضة. أجابت أخرى بصوت أعلى مما يجب: "في الشكل، نعم. لكن في العقل؟ لا، كاترينا ليست كوالدتها." "كيف تعنين؟" "أمها، لاريسا، امرأة طيبة… تتحرك بعاطفتها. لا تُجيد المناورة، عاطفتها دائمًا ما تقودها نحو المشاكل." "أما كاترينا؟" قالت امرأة ثالثة، بضحكة خافتة: "كاترينا رومانوف… أخذت عقل أبيها. أدريان، ذلك الرجل الذي لا تُقرأ نواياه. وإن لم يكن كافيًا، أضيفي دماء جدها أندريه أيضًا." أحد الرجال، مال قليلاً للأمام، وسأل: "وما المشكلة في ذلك؟" ضحكت المرأة مجددًا، نظرت نحوه وقالت: "إذا تعاملت يومًا مع أدريان أو أندريه رومانوف… فستعرف عن ماذا أتكلم. الذين يتحركون بعقلهم فقط، هم الأخطر." أكملت: "لأنك لا تستطيع أن تتوقع خطوتهم التالية… ولا تستطيع استفزازهم بسهولة. الصمت عندهم سلاح. والابتسامة حيلة." ديمتري لم يعلّق. لكنه سمع… كل حرف. كانت عيناه لا تزالان على منتصف القاعة، لكن عقله… كان هناك، عند الطاولة التي تذكروها فيها أكثر مما لاحظوها. كاترينا… الفتاة التي لم يعد بإمكانهم تجاهل وجودها. ولا هو. ليا مالت نحوه بخفة، همست: "أسمِعْت؟ يبدو أن الجميع يتحدث عنها." "أعرف." "وأنت؟ لا تنوي أن تقول شيئًا؟" لم يجب. قالت بنغمة هادئة: "أتعرف ما الفرق بينك وبينها يا ديمتري؟" رفع عينيه نحوها، دون كلام. أجابت بابتسامة صغيرة: "أنتما لا تُجيدان قول ما تشعران به… لكن بينما هي تخبئه خلف عينيها، أنت تخبئه خلف ظهرك، مع سلاحك." سكت للحظة… ثم قال، بصوت هادئ، لكنه مشبع بثقل: "بعض المشاعر… لا يجب أن تُقال." ليا رفعت حاجبيها، وهمست: "بل بعضها… إن لم يُقل، تحول إلى لعنة." استدار ديمتري ببطء، ونظر من جديد إلى حيث تجلس كاترينا. كانت تضحك مع ابنة خالتها. لكن عينيها، في لحظة خاطفة، نظرت نحو مكانه. ولثانية… تلاقى النظر. لم تبتسم. لم تشح بوجهها فورًا. بل نظرت. ثم أغلقت عينيها لحظة… وكأنها تحمي نفسها من نفسه.جلس ديمتري بصمت في ركنه، لا يتكلم، لا يُقاطع، ولا يُظهر اهتمامًا حقيقيًا بالأحاديث الدائرة. عيناه تتحركان ببطء، ترصد الحضور، تفاصيل المقاعد، حتى رفرفة الستائر مع الرياح الهادئة.لكنه، رغم كل مظاهره الصلبة… لم يتوقف عن النظر.إلى ذلك المكان الذي كانت تجلس فيه… قبل لحظات.الفتاة التي خرجت برفقة جدها، لم تكن هي تلك التي يعرفها.أو بالأحرى… لم يكن يعرفها أصلًا.كانت كاترينا، نعم.لكنها لم تكن الطفلة ذات العينين الواسعتين التي تتلعثم إذا سألها أحد عن اسمها الكامل، أو تلك التي كانت تختبئ خلف ثوب أمها إذا دخل إلى قاعة الاجتماعات.لم تكن الفتاة التي كانت تركض نحوه كطفلة، تتعلق بساقه كلما رأته، وتظن أن العالم بأمان طالما هو هناك.المرأة التي رآها الليلة… هادئة. صلبة. وذكية… لدرجة تُقلقه.نبرة صوتها، تلك الطريقة التي أجابت بها ميخائيل، وصمتها المدروس حين تحدث الجميع، تلك السخرية اللطيفة التي تسكن عينيها لا شفتيها… ليست من تعلمها في مدرسة.بل من صُنعت في عالم يعرف كيف يحميك بالكلمات أكثر من السلاح.تساءل بصمت… متى تحوّلت؟ وأين كنت حينها؟"هل أعجبتك ردودها؟"سأله ميخائيل بصوت منخفض.لم يرد فورًا.
انتهى الزفاف. رحلت أولجا مع عريسها وسط الأضواء، والابتسامات، والورود التي نُثرت في طريقهما.شيء في قلب كاترينا تشقق لحظة رؤيتها وهي تُغادر.ليست غيرة… بل إدراك صامت أن أحد الفصول قد أُغلق.عادت مع العائلة إلى القصر الرئيسي — ذلك الجناح الخلفي الفخم حيث يسكن آل رومانوف، خلف أبوابهم الثقيلة وجدرانهم العريقة.خطواتها كانت بطيئة على السلالم الرخامية، وشعرها البني بدأ يتفلت من تسريحته المحكمة، وقدمها تؤلمها من الكعب العالي… لكنها لم تُظهر شيئًا.كان الجميع يضحك ويتحدث… جدها أندريه، بصوته العميق الممزوج بالثقة، يسأل عن الضيوف.أبوها أدريان، صامت كالعادة، يستمع ولا يعلق كثيرًا.وأمها، لاريسا، تتحدث مع زوي التي لم تتوقف عن الحكايات السريعة والانفعالات الطفولية.ثم دخلوا جميعًا إلى الصالون الرئيسي.لكن… المفاجأة لم تكن هناك.بل كانت في من جلس في الداخل بالفعل.ميخائيل مالكوف.جالس على أحد الأرائك الجلدية الفاخرة، بهدوءه المهيب، يضم ذراعه حول زوجته إيزابيلا، التي بدت وادعة كعادتها، كأنها جزء من ظلّه لا من الضوء.إلى جوارهما، وقف ديمتري.ومعه… تلك الشقراء.كانت تقف بجانبه، تحمل كأسًا صغيرًا من ا
كان القصر غارقًا في وهج الشمس الشتوية، تلك التي لا تدفئ لكنها تلمع فوق النوافذ العالية كما لو كانت تبارك هذا اليوم العظيم.ارتدت جدرانه المزخرفة بالذهب والرخام الأبيض حُلّة احتفالية، معلنة أن أحد أعمدة آل رومانوف يستعد للارتباط رسميًا. أولجا، الابنة الكبرى، العروس التي اختارها القدر لتكون أول من يُزف من الجيل الجديد.الممرات امتلأت بالخدم، يحملون الزهور البيضاء، ينقلون المرايا، يعلّقون الشرائط الحريرية بلون العاج. أصوات الكمان تتسلل من قاعة البروفات حيث تجرّب الأوركسترا آخر نغمة للمسيرة الافتتاحية. رائحة الورود اختلطت بعطر الأثاث العتيق، ورائحة الخبز الطازج المتسللة من المطبخ السفلي.في الطابق العلوي، خلف أبواب مزدوجة مطرّزة بالنقوش الذهبية، كانت كاترينا تقف أمام مرآة طويلة، تتأمل نفسها بصمت. لم تكن ترتدي شيئًا من ثياب السهرة بعد، بل مجرد روب حريري أبيض، أطرافه مزينة بالدانتيل، وشعرها لا يزال مبللًا بعض الشيء بعد الحمام الساخن.حدقت في انعكاس عينيها العميق.كيف مرّ عامٌ كامل على عودتها دون أن تلمحه؟ دون أن تسمع حتى صوته في المجالس؟ ألهذه الدرجة أصبح غريبًا عنها؟ بل… ألهذه الدرجة أراد






