Compartir

2

last update Fecha de publicación: 2026-05-07 04:17:20

انتهى الزفاف. رحلت أولجا مع عريسها وسط الأضواء، والابتسامات، والورود التي نُثرت في طريقهما.

شيء في قلب كاترينا تشقق لحظة رؤيتها وهي تُغادر.

ليست غيرة… بل إدراك صامت أن أحد الفصول قد أُغلق.

عادت مع العائلة إلى القصر الرئيسي — ذلك الجناح الخلفي الفخم حيث يسكن آل رومانوف، خلف أبوابهم الثقيلة وجدرانهم العريقة.

خطواتها كانت بطيئة على السلالم الرخامية، وشعرها البني بدأ يتفلت من تسريحته المحكمة، وقدمها تؤلمها من الكعب العالي… لكنها لم تُظهر شيئًا.

كان الجميع يضحك ويتحدث… جدها أندريه، بصوته العميق الممزوج بالثقة، يسأل عن الضيوف.

أبوها أدريان، صامت كالعادة، يستمع ولا يعلق كثيرًا.

وأمها، لاريسا، تتحدث مع زوي التي لم تتوقف عن الحكايات السريعة والانفعالات الطفولية.

ثم دخلوا جميعًا إلى الصالون الرئيسي.

لكن… المفاجأة لم تكن هناك.

بل كانت في من جلس في الداخل بالفعل.

ميخائيل مالكوف.

جالس على أحد الأرائك الجلدية الفاخرة، بهدوءه المهيب، يضم ذراعه حول زوجته إيزابيلا، التي بدت وادعة كعادتها، كأنها جزء من ظلّه لا من الضوء.

إلى جوارهما، وقف ديمتري.

ومعه… تلك الشقراء.

كانت تقف بجانبه، تحمل كأسًا صغيرًا من النبيذ، وتتحدث بهدوء مع أحد الخدم وكأنها في منزلها.

نظرة واحدة من كاترينا كفت لتعلم أن الضيوف… لم يغادروا بعد. بل… استُضيفوا.

جدها أندريه فتح ذراعيه وقال بصوت واثق:

"لم نرَ وجود آل مالكوف كثيرًا في الحفلات… لذا اعتبرتها فرصة نادرة يجب ألا تفوتني."

ميخائيل اكتفى بإيماءة هادئة، قال بصوته الجهوري:

"إكرامًا لصداقة قديمة… وموقفكم الأخير في الحدود الغربية، لم نستطع الرفض."

أندريه ضحك ضحكة قصيرة:

"لا ننسى الجميل، يا مالكوف."

كاترينا كانت واقفة إلى جوار أمها، لكن انتباهها سُحب في لحظة، حين اقترب منها أحدهم.

إلياس. ابن عمها.

طويل، وسيم، بنظرات فيها شيء من الاعتداد، رجلٌ يحب أن يُرى.

قال بابتسامة واثقة:

"كاترينا… هل يمكنني الحديث معكِ لاحقًا؟"

"فيما بعد ربما."

ردت بهدوء، ونظراتها عادت فورًا إلى الأمام.

لكن عقلها؟ لم يكن معه.

بل كان مع ذلك الذي وقف بجوار المدفأة، في زاوية بعيدة، دون أن يتحدث مع أحد.

ديمتري.

لم يكن ينظر نحوها. أو ربما كان، لكنها لم تلتقِ عينيه بعد.

لكن وجوده… احتل الغرفة. وكأن كل نفس تأخذه يطرد به شيئًا من توازنها.

ليا، تلك المرأة الشقراء، ضحكت بخفة، همست له بشيء جعل زاوية فمه ترتفع، لكن الابتسامة لم تصل إلى عينيه.

ومرة أخرى… شعرت كاترينا بشيء يُطبق على صدرها.

كانت تتمنى أن يصمت الجميع.

أن يخرجوا. أن تختبئ.

أو أن يخرج هو. لكن لا شيء حدث.

قال جدها أندريه وهو يشير للجميع:

"اجلسوا، اجلسوا… نُحضر الشاي والنبيذ، الليلة ما زالت طويلة."

طويلة بالفعل.

وربما أطول مما كانت تتمنى.

جلست كاترينا في الطرف البعيد من الصالون، و زوي إلى جوارها، وإلياس غير بعيد، يحاول استمالة الحديث، لكن عقلها… كان في جهة واحدة فقط.

تلك الزاوية. حيث يقف رجلٌ لم تنسه.

ورفيقةٌ لا تعرفها. ونظرات… تنتظر أن تتقاطع.

جلست على الأريكة الجلدية بلونها الداكن، بجانب زوي التي راحت تُعدل في أطراف فستانها وهي تهمس:

"لم أكن أريد أن ينتهي الزفاف… كانت الليلة ساحرة، أليس كذلك؟"

كاترينا أومأت بخفة، نظراتها مركّزة على طاولة القهوة أمامها، حيث وُضعت صينية الشاي وأكواب الكريستال الصغيرة، لا لشيء… سوى كي لا ترفع عينيها إلى الزاوية الأخرى من الغرفة.

الزاوية التي لا يجب أن تنظر إليها.

لقد قررت.

لن تراه. لن تراه واقفًا. لن تراه ساكنًا. لن تراه يتنفس حتى.

لقد قضت سنوات في انتظاره. في التساؤل. في محاولة فهم السبب. والآن؟ انتهى الانتظار. لقد أصبح هو الماضي.

صنعت ستارة صلبة من الصمت بين عينيها ومكان وجوده. وإن تحرك… فلن تلتفت.

كانت زوي تتحدث بمرح:

"أتعلمين، خالتي أنستازيا ظنت أنني سأرمي الورود بدل أولجا، كدتُ أفعلها، والله! فقط لأراهم يركضون خلفي!"

ضحكت أمهم من طرف القاعة، وقالت:

"كنتِ لتُحرجي العائلة، زوي!"

زوي ضحكت:

"على الأقل كنت سأصنع لحظة تُذكر!"

الجميع ضحك.

حتى إلياس، الذي كان يجلس على المقعد المجاور، قال:

"زوي لا تمانع في جذب الأنظار، بخلاف أختها الكبرى."

كانت تلك ملاحظة موجهة بوضوح نحو كاترينا.

لكنها لم ترد.

رفعت فنجان الشاي، وارتشفت منه رشفة صغيرة، ثم وضعته بدقة، وكأن لا أحد تكلّم.

زوي نظرت نحوها، ثم وكزتها بخفة:

"كات، لماذا لا تقولين شيئًا؟"

رفعت حاجبًا، وقالت بهدوء:

"الحديث ممتع بما فيه الكفاية دوني."

زوي ابتسمت، ثم همست لها:

"أنتِ أفضل من الجميع في قراءة الوجوه… ما رأيك ب ليا؟ تلك الشقراء مع ديمتري مالكوف."

كاترينا لم تجب. نظرت إليها نظرة جانبية، ثم عادت تنظر للأمام.

"لا رأي لي."

كان القرار نهائيًّا. صامتًا. قاتلًا. لن تُظهر شيئًا.

لا له، ولا لهم، ولا حتى لزوي.

قال جدها أندريه بصوت عالٍ وهو يسكب كأسًا:

"كاترينا… ماذا عن خطتك بعد العودة؟"

ابتسمت برقة، وأجابت بصوت هادئ:

"أعمل على مشروع خاص… وأفكر ببدء شيء جديد، لا علاقة له باسم العائلة."

هزّ رأسه بإعجاب:

"جيد."

قال إلياس:

"لكن هل يعني ذلك أنك ستبقين في روسيا هذه المرة؟"

نظرت إليه. ثم قالت بجملة واحدة:

"سأبقى… حتى أقرر الرحيل بنفسي."

وصمتت من جديد.

الحديث استمر، وزوي شاركت، وضحكت، وعلّقت، لكن كاترينا بقيت كما هي. جميلة. مُحكمة. هادئة. كأنها جدار رخامي لا يُكسر.

مرت دقائق، وربما أكثر، على جلسة الصالون الكبيرة… وقد أصبح الجو أثقل من رائحة العود المنتشر في الأرجاء.

كؤوس الشاي تُملأ وتُفرغ، الضحكات تُلقى بتأنٍّ، والمجاملات تدور كأنها رقصة تقليدية لا أحد يعرف من بدأها أولاً.

كاترينا كانت لا تزال في مكانها، تحافظ على وضعها المثالي:

ظهرها مستقيم، ساقاها متقاطعتان برقي، كفها على فنجان الشاي، ونظراتها تتحرك ببطء… كأنها تُراقب لوحة لا تُعجبها كثيرًا، لكنها تعرف كيف تُقدّر تفاصيلها.

ميخائيل مالكوف، بهدوئه المتفجر، تحدث أخيرًا:

"كاترينا، سمعتُ أنكِ كنتِ في فرنسا طوال السنوات الماضية."

رفعت عينيها إليه. نظرة مباشرة… هادئة… لا ترف.

قالت:

"أجل، منذ كنتُ في السادسة عشرة."

"وتحبين باريس؟"

أجابت، بشفاه مائلة بابتسامة خفيفة:

"أحبها فقط حين لا تكون مزدحمة… أي، نادرًا."

ضحك ميخائيل بخفة، ونظر إلى إيزابيلا.

تدخل أندريه، الجد، وهو يُمسّد لحيته البيضاء ببطء:

"كاترينا… كنا نتحدث قبل قليل عن سياسة توزيع الحصص في منطقة الشمال. ما رأيكِ؟"

نظرت إليه، للحظة.

ثم قالت بنبرة هادئة لكنها حادة كالشفرة:

"هل تريد رأيي الصادق… أم رأيي الذي يُناسب مجلس العائلة؟"

سكت الصالون للحظة قصيرة، قبل أن يضحك الجد ضحكة خافتة:

"هاتِ الإثنين."

ابتسمت، ابتسامة فيها لامعة ساخرة:

"رأيي الذي يُناسب المجلس؟ القرار حكيم، ومتوازن، ويُحافظ على الاستقرار."

"ورأيك الصادق؟"

قالت دون أن ترمش:

"القرار… متأخر، وغير كافٍ، وقد يُفسَّر ضعفًا من عائلة رومانوف في الشمال. ولولا دعم البراتفا، لما التزم أحد بالاتفاق."

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم رفع أندريه كأسه، وقال:

"هذه إجابة من دم أندريه رومانوف… لا شك."

ضحك ميخائيل ضحكة قصيرة، وقال:

"أصبحتُ الآن أصدق ما يُقال عنكِ."

إيزابيلا، دون أن تتكلم كثيرًا، كانت لا تزال تتابع كاترينا.

وفي عينيها… ومضة خفيفة.

إعجاب.

ليس بالجمال — فروسيا مليئة بالجميلات.

بل بالقوة… الهادئة. بالذكاء… غير المتصنّع.

بأن هذه الفتاة… لا تخاف أحدًا، لكنها تعرف جيدًا من يجب أن تُخيفه.

حتى ليا، الرفيقة الشقراء، رفعت حاجبيها بخفة وهمست لديمتري:

"أراهن أنها ستقود شيئًا كبيرًا يومًا ما."

لكن ديمتري… لم يرد. عيناه كانت ثابتتين على شيء واحد.

أو على شخص واحد.

كاترينا، من جهتها، لم تنظر إليه.

ولم تُظهر شيئًا.

قال إلياس، محاولًا التخفيف من حدة اللحظة:

"أحيانًا، يا كات، الحقيقة تُفقدكِ أصدقاء."

ردت بهدوء قاتل:

"ومن يحتاج أصدقاء إذا خسر نفسه؟"

مرة أخرى… ساد الصمت.

ثم انطلقت ضحكة نادرة من إيزابيلا. ضحكة قصيرة، لكنها صادقة. قالت بعدها، بهدوء:

"لم أتوقع أن أبتسم الليلة."

ردت كاترينا بنعومة ممزوجة بسخرية:

"أنا أيضًا لم أتوقع أن أتحدث."

واستمرت الجلسة… لكنها لم تعد كما كانت.

الفتاة التي قررت أن تتجاهل… أصبحت هي محور الحديث.

لا بالكلمات، بل بالمقارنة.

لا بالمواقف، بل بالحضور.

وهي؟ جلست كما هي.

ساكنة. لكنها، دون أن تدري… بدأت تُغير شيئًا في الغرفة.

وفي موازين الصمت.

رفعت فنجانها للمرة الأخيرة، لم ترتشف منه، فقط أراحته على حافة الصحن الصغير.

ثم تنفست بعمق، ونظرت إلى الجميع نظرة عامة، قبل أن تقول بهدوء:

"أعتقد أن الوقت تأخر… وسأذهب لأخلد للنوم. تصبحون على خير."

نهضت بنعومة، خطوة بخطوة نحو باب الصالون.

لكن قبل أن تصل… جاءه صوته، عميقًا، واضحًا.

"كاترينا."

توقفت، عيناها ثبتتا للحظة على الأرض، قبل أن ترفعهما نحوه.

كان جدّها قد وقف.

ثم أشار برأسه:

"هل لكِ دقيقة؟"

لم تتكلم، فقط نظرت نحوه… ثم مرّت عيناها للحظة على إلياس، الذي، رغم وقوفه مستقيمًا، بدا التوتر في أطرافه واضحًا.

وفهمت. فهمت كل شيء دون أن يُقال.

تحركت بجانب جدّها نحو الممر الخلفي الذي يُطل على الشرفة الخارجية، حيث الهواء البارد ينفذ بهدوء، وتغرق الجدران في صمت عتيق.

سار الاثنان معًا، بخطوات بطيئة، لا صوت لها.

ثم… توقفا. صمت. لحظة ثقيلة.

وأخيرًا، قال أندريه:

"لقد تقدم إلياس لكِ، مجددًا."

أجابت، دون مفاجأة:

"توقعت ذلك."

نظر إليها من جانبه، وقال:

"هل سوف ترفضيه مجددًا؟"

نظرت للأمام، كتفيها مستقيمان، وعيناها هادئتان:

"نعم."

"لماذا؟"

كان سؤاله بسيطًا… مباشرًا. لكن إجابته؟ لم تكن كذلك.

قالت أخيرًا، بنبرة هادئة… لكنها مغروسة بالجذور:

"لأن إلياس رجل جيد… لكن ليس لي."

رفع حاجبه قليلًا:

"وهل هذا سبب كافٍ؟"

نظرت إليه، نظرة عميقة:

"جدي… أنت أكثر من يعرف أننا لا نتزوج في هذا العالم حبًا، بل توازنات، مصالح، دماء، وسلطة. لكن حتى داخل كل هذا… يجب أن أجد في من أرتبط به شيئًا… يشبهني."

سكت، فأكملت:

"إلياس لا يفهمني. لا يعرف من أنا. كل ما يعرفه أنني رومانوف… أنني حفيدتك… أنني أنثى تحمل لقبًا ثقيلًا. لكنه لا يعرف كيف أفكر… لا يحترم عقلي كما يجب."

صمتت للحظة، ثم قالت بنبرة ناعمة:

"جدي… لقد كنت دائمًا واضحًة."

"واضحة، نعم."

قالها وهو يقترب خطوة.

"لكن الآن لم تعودي صغيرة، كاترينا. ستبلغين السادسة والعشرين قريبًا. والناس يتحدثون… أو لنقل، لم يتوقفوا عن الحديث يومًا."

رفعت حاجبًا، لكنها لم تقاطعه.

"أنتِ تعلمين مكانكِ في هذه العائلة، تعلمين ما يعنيه لقب رومانوف، وما يعنيه أن تُترك أسئلتهم بلا إجابات."

نظرت إليه، ثم قالت:

"هل تهمك إجاباتهم، جدي؟"

أجاب دون تردد:

"يهمني ألا يسبقونا بالتوقعات. أن نمسك نحن بخيوط الصورة… لا هم."

سكت للحظة، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا:

"أنا لا أقول إنه يجب أن تتزوجيه، لكن… فكّري. إلياس ليس غريبًا. يعرفنا ويعرفك، ولن يفرض عليكِ شيئًا. كل ما أطلبه هو أن تتوقفي عن الرفض التلقائي. فكّري. بهدوء. ببصيرة."

لم ترد فورًا.

نظرت إلى السماء التي بدأت تغطّيها الغيوم، ثم قالت أخيرًا:

"هل هذا أمر، أم رجاء؟"

ابتسم بخفة، لكنها ابتسامة متعبة:

"لو أردته أمرًا، لما سألتكِ."

تأملته للحظة… ثم أومأت.

"حسنًا. سأفكر."

رفع حاجبيه قليلًا، كأنه لم يتوقع الإجابة بسهولة.

"جدّي…"

أضافت بهدوء:

"أعدك أنني سأمنح الأمر بعض الوقت. فقط… لا تتوقع مني إجابة غدًا."

أومأ، وقال:

"هذا كل ما أردته."

وقفت لثوانٍ، تفكر إن كان عليها قول المزيد. لكنها لم تفعل.

استدارت بهدوء، وعادت نحو القصر.

وفي عقلها… لم تكن تفكر في إلياس.

بل كانت تُفكر في كم مرة كان من السهل أن تقول "لا"…

وكم سيكون صعبًا هذه المرة أن تقولها، وهي تُدرك أن الجد نفسه… بدأ يقلق.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • بين أنياب البراتفا   12

    لم تكن كاترينا تعرف كيف مضى الوقت داخل السيارة، لكنها كانت تدرك تمامًا أنها لم تُغمض عينيها للحظة.جلست بصمت إلى جواره، في المقعد الخلفي للسيارة السوداء الثقيلة، بينما كان ديمتري يجلس بجانبها، ساكنًا كصخر الجبال الروسية… متجهّم الملامح، يُحدّق في الطريق المظلم أمامهم كأنه يسير نحو ساحة معركة، لا منزل.كان الليل الروسي قد انغمس في برودته القارسة، والضباب يزحف على أطراف الزجاج، يُرسم عليه أنفاسها الخافتة كلما زفرت بلا وعي.الثلج بدأ يهبط من السماء كأن الشتاء قرر الاحتفال بزفافها أيضًا… أو ربما عزاءه.أطراف أصابعها متجمدة داخل قفازها، رغم أن التدفئة تعمل. لكن البرد لم يكن يأتي من الخارج فقط.بردٌ آخر كان يحتل صدرها… برد الرهبة واللا يقين.ألقت نظرة جانبية نحوه.لم يتحرك منذ لحظة خروجهم.وجهه مشدود، حاجباه منعقدان، ونظراته لا تغادر الطريق، كما لو أنه يُعد نفسه لشيء قادم… أو يُخفي شيئًا لا تودّ أن تعرفه."هل أنتِ بخير؟"قالها بصوته العميق، فجأة، دون أن يلتفت.ترددت. لم تكن تتوقع السؤال، ولا تملك له إجابة حقيقية.لكنها تمتمت بصوت منخفض:"أشعر بالبرد قليلاً."كان ذلك كذبًا جزئيًا. كانت تشعر

  • بين أنياب البراتفا   11

    كانت الشمس قد ارتفعت، لكنها بدت بعيدة... باهتة... كأنها تنظر للبيت من بعيد، ولا تجرؤ على الاقتراب.داخل جناحها، جلست كاترينا على طرف الأريكة المخملية، بملابس النوم البيضاء التي اختارتها لها والدتها خصيصًا لهذه المناسبة.شعرها المربوط بخفة كان ما زال ناعمًا من تأثير الحمام الدافئ،ورأسها... مليء بالضجيج.خائفة؟ نعم.متوترة؟ نعم.لكنها لم تكن جبانة. لم تكن لتتراجع الآن.منذ الفجر وهي مستيقظة... تنظر إلى السقف، تحاول التنفس.تُقنع نفسها أن الأمر مجرد حفل... مجرد مراسم.لكن عقلها لا يتوقف عن تكرار الحقيقة الوحيدة:"اليوم... ستصبحين زوجته."لم تكن تعرف ما إذا كان ذلك مطمئنًا أم مفزعًا.طرقات خفيفة على الباب قطعت أفكارها، ثم دخلت والدتها، بابتسامة متوترة."صباح الخير، حبيبتي... هل نمتِ قليلًا؟""لم أستطع."أجابت كاترينا بصوت خافت، وهي تشيح بعينيها.اقتربت الأم، جلست بجانبها، أخذت يدها بين يديها الدافئتين."أعرف أن قلبكِ ليس مطمئنًا... لكن كل شيء سيكون بخير. ديمتري... رجل صعب، نعم، لكن لا أحد يستطيع حمايتكِ مثله."لم تجب. لم تستطع.دخلت زويا بعدها مباشرة، بابتسامة متحمّسة، وهي تحمل صندوقًا ك

  • بين أنياب البراتفا   10

    استفاقت على شعور ثقيل، كأن رأسها محشوّ بالرصاص.أجفانها ترفض الانفتاح بالكامل، وجسدها مُلقى على السرير كما لو أنه أُسقط عليه دون إرادتها.ضغطت أناملها على جانب جبينها… ألم. ألم نابض خلف عينيها مباشرة. ذلك النوع من الألم الذي لا يُخففه ضوء… بل يزيده."ما الذي…؟"تمتمت بصوت خافت بالكاد خرج منها.حاولت تذكر كيف وصلت إلى هنا… منزل صوفي؟ النبيذ؟ ضحكات متقطعة؟ وبعد ذلك .... صوت.صوت ثقيل، مألوف… نظرة حادة، يد قوية… ديمتري؟شهقت بصمت. نعم… لقد جاء.جلست ببطء على السرير، تغطّي نفسها بالبطانية البيضاء، والواقع يتسلّل إليها كالماء البارد.لقد نامت على أريكة بيت صوفي، مخمورة بالكاد تعرف اسمها،واستيقظت هنا… في سريرها. في قصر آل رومانوف."لقد أخذني…!"همست بالكلمات وكأنها اعتراف، أو فضيحة.لقد حملها ديمتري إلى هنا.دفنت وجهها بين راحتيها، الشعور بالحرج والخوف والارتباك اجتاحها دفعة واحدة.كأن كل شيء خرج عن السيطرة…بل هو خرج فعلًا.أزاحت البطانية عن جسدها ببطء، وقفت أمام المرآة الكبيرة.وجهها شاحب، عيناها متورمتان قليلًا من قلة النوم، وشعرها فوضوي.لكن الأسوأ من كل ذلك… هو ذلك الشعور العالق في صدر

  • بين أنياب البراتفا   9

    ظلّت واقفة، لم تتحرّك.الهواء حولها كان كثيفًا… كأنّ الأوكسجين ذاته صار عبئًا على رئتيها. عيناها عالقتان على الباب الذي خرج منه… وكأنهما تتوسّلان إليه أن يعود… أو لعلّهما تتوسّلان ألا يفعل أبدًا.الزفاف… بعد أسبوعين.كرّرت الكلمة داخل عقلها، صوت ديمتري لا يزال يرنّ في أذنيها كصفعةٍ لم تتعافَ منها بعد.أسبوعان.أسبوعان فقط، وتُصبح… زوجته."زوجة ديمتري آل مالكوف…؟"همست بها كأنها تتذوّق السمّ بلسانها.مشاعرها ممزّقة، قلبها يدقّ بقوة، ببطء، ثم بسرعة.ضياع. ارتباك. خوف. وغضب خام.لقد قرر عنها. أعلن الأمر. ولم يترك لها مساحة للرفض، ولا حتى للاختيار. أعلنها أمامها، كأنها مُلكٌ له… كأنها صفقة حُسمت."أناني... وقاسٍ... ومخيف."همست وهي تغمض عينيها.لكنها حين فتحتها، كانت الدموع قد تراكمت… على حدود لا يجب أن تتجاوزها.لم تسمح لها بالسقوط. ليس الآن. ليس بسببه.كيف يمكن لرجل أن يُشعل حريقًا في قلبها، ويتركها تحترق وحدها؟ كيف تكرهه الآن… بينما قلبها لا يزال ينبض به؟ كيف تخاف منه… بينما جزء منها لا يريد لأحدٍ سواه أن يلمسها؟جلست على الأريكة خلفها، يداها في حجرها، وصدرها يعلو ويهبط.هل كان هذا حبً

  • بين أنياب البراتفا   9

    استيقظت قبل أن يوقظها أحد.أو لعلها لم تنم حقًا.مجرد ساعتين من نوم متقطع… كانت كافية لتشعر أن جسدها لم يغادر عبء اليوم السابق، بل حمله معه إلى هذا الصباح.جلست على طرف سريرها، أقدامها الحافيتان لامستا الأرضية الباردة، ويداها تغطّيان وجهها للحظة… ثم سحبتهما بتنهيدة ثقيلة.كأن الهواء داخل الغرفة ثقيل، خانق، مشبّع بشيء لا يُرى… لكنه يُشعر.مشطت شعرها بأصابعها ببطء، دون أن تنظر إلى المرآة.لم تكن تملك الطاقة الكافية لتواجه حتى انعكاسها.نهضت ببطء. خطواتها إلى الحمام كسولة، مترددة، كأنها تخشى أن يختبئ خلف كل زاوية… خبر سيء.غسلت وجهها بماء بارد، أكثر برودة مما توقعت، أرادت أن توقظ شيئًا في داخلها… شجاعة ربما، أو حدة تركيز فقدتها.بينما كانت تجفف وجهها بالمنشفة القطنية البيضاء، حدقت في المرآة أخيرًا.عيناها زرقاوان… لكن لم يكن فيهما أي بريق.تلك لم تكن عينا فتاة نامت على يقين، بل عينا امرأة تنتظر مصيرًا لا تدري من أي باب سيقتحمها.ارتدت رداءً منزليًا حريريًا، وشدت خصره بشريطه الساتر.ثم وقفت للحظة أمام نافذتها، تراقب الحديقة التي كانت مغطاة بندى الصباح. كل شيء بدا طبيعيًا… كاذبًا.حتى الطي

  • بين أنياب البراتفا   8

    الساعة تشير إلى العاشرة صباحًا.الجدران سميكة، النوافذ مغلقة، والحرس خارج القاعة أكثر من المعتاد.المائدة الطويلة كانت ممتدة في المنتصف، من خشب داكن يشبه الظلال التي تسكن المكان.على يمين الطاولة جلس ميخائيل مالكوف، الزعيم، وذراعه اليمنى ديمتري إلى جواره.هادئ، صامت، لكن نظرته تُذيب الحديد.على الجهة المقابلة، جلس فياتشيسلاف وابنه إلياس، الجمر المتقد في أعينهما يكشف عن غضب لا يهدأ.وفي مقدمة الطاولة، جلس أندريه رومانوف... رأس العائلة، وعيناه ثابتتان على الجميع، بينما جلس ابنه أدريان إلى جواره، كتفاه مشدودتان، كأن انفجارًا سيقع.الصمت ساد للحظات.حتى قال أندريه بصوت خافت، لكنه قاطع:"فلنبدأ."تنحنح أحد رجال البراتفا، رجل نحيل يرتدي الأسود:"الهجوم الذي نُفّذ على رجال البراتفا أمس، وعلى شحناتهم، لم يكن خفيفًا. كان واضحًا ومقصودًا. والفاعل معروف."رمق ديمتري إلياس بنظرة واحدة فقط.لا تهديد، لا غضب، فقط... نظرة.إلياس ضغط على كفيه، ثم قال:"لقد تصرّف قبل أن تُحسم الأمور. قبل أن أُمنح أي احترام كخطيب رسمي. ما فعله كان إعلان حرب، أنا فقط رددت عليه."أدريان رفع حاجبه:"رددت؟ أنت هاجمت شحنات

  • بين أنياب البراتفا   7

    الجو كان مشحونًا، لكنّ أحدًا لم يعلّق.الهدوء المهيب الذي خيّم على المكان لم يكن سلامًا... بل حذرًا.كأنّ الجميع يسير على زجاج مكسور، يتجنّب صوت الصرير، ويتجنب الانكسار.أندريه رومانوف جلس في المقعد الجلدي العميق، يُقلب بين يديه كأسًا نصف ممتلئ من الويسكي، لم يشرب منه شيئًا.عيناه العجوزتان - الممل

  • بين أنياب البراتفا   6

    في الممر الطويل المؤدي إلى صالة الإفطار، سمعت أصواتًا متداخلة.ضحكة زوي… نبرة أمها… وصوت جدها القوي، دائمًا حاضر.لكن لا أثر لأبيها.ولا أثر لأي حديث عن الليلة الماضية.ومع ذلك، كانت متأكدة… أن كل كلمة قيلت، وكل نظرة، وكل صمت… لا بد أنه وُثق في ذاكرة كل من حضر.خطت بخطوات ثابتة. اليوم… تبدأ الحرب ا

  • بين أنياب البراتفا   3

    جلس ديمتري بصمت في ركنه، لا يتكلم، لا يُقاطع، ولا يُظهر اهتمامًا حقيقيًا بالأحاديث الدائرة. عيناه تتحركان ببطء، ترصد الحضور، تفاصيل المقاعد، حتى رفرفة الستائر مع الرياح الهادئة.لكنه، رغم كل مظاهره الصلبة… لم يتوقف عن النظر.إلى ذلك المكان الذي كانت تجلس فيه… قبل لحظات.الفتاة التي خرجت برفقة جدها،

  • بين أنياب البراتفا   1

    كان القصر غارقًا في وهج الشمس الشتوية، تلك التي لا تدفئ لكنها تلمع فوق النوافذ العالية كما لو كانت تبارك هذا اليوم العظيم.ارتدت جدرانه المزخرفة بالذهب والرخام الأبيض حُلّة احتفالية، معلنة أن أحد أعمدة آل رومانوف يستعد للارتباط رسميًا. أولجا، الابنة الكبرى، العروس التي اختارها القدر لتكون أول من يُ

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status