로그인جلس ديمتري بصمت في ركنه، لا يتكلم، لا يُقاطع، ولا يُظهر اهتمامًا حقيقيًا بالأحاديث الدائرة. عيناه تتحركان ببطء، ترصد الحضور، تفاصيل المقاعد، حتى رفرفة الستائر مع الرياح الهادئة.
لكنه، رغم كل مظاهره الصلبة… لم يتوقف عن النظر. إلى ذلك المكان الذي كانت تجلس فيه… قبل لحظات. الفتاة التي خرجت برفقة جدها، لم تكن هي تلك التي يعرفها. أو بالأحرى… لم يكن يعرفها أصلًا. كانت كاترينا، نعم. لكنها لم تكن الطفلة ذات العينين الواسعتين التي تتلعثم إذا سألها أحد عن اسمها الكامل، أو تلك التي كانت تختبئ خلف ثوب أمها إذا دخل إلى قاعة الاجتماعات. لم تكن الفتاة التي كانت تركض نحوه كطفلة، تتعلق بساقه كلما رأته، وتظن أن العالم بأمان طالما هو هناك. المرأة التي رآها الليلة… هادئة. صلبة. وذكية… لدرجة تُقلقه. نبرة صوتها، تلك الطريقة التي أجابت بها ميخائيل، وصمتها المدروس حين تحدث الجميع، تلك السخرية اللطيفة التي تسكن عينيها لا شفتيها… ليست من تعلمها في مدرسة. بل من صُنعت في عالم يعرف كيف يحميك بالكلمات أكثر من السلاح. تساءل بصمت… متى تحوّلت؟ وأين كنت حينها؟ "هل أعجبتك ردودها؟" سأله ميخائيل بصوت منخفض. لم يرد فورًا. فقط قال: "لم أتوقعها." جاء صوته خفيف، وهو يشاهد أندريه يدخل من باب القاعة: "ولا أنا توقعتها." رفع ديمتري عينيه، ليجد أندريه رومانوف وقد عاد، بملامح تحمل شيئًا من الرضا، وشيئًا من الترقب. اقترب منه أدريان، وسأله بهدوء وهو يتناول كأسه: "وماذا قالت عن عرض الزواج؟" ابتسم الجد ابتسامة صغيرة، وقال: "قالت إنها ستفكر في الأمر." هنا، تغير شيء بسيط… في عيني ديمتري. لم يكن واضحًا… لكنه كان حقيقيًا. تفكر؟ كاترينا تفكر في الزواج من إلياس؟ الفتاة التي لم ترضَ بواحد من عشرات العروض؟ تفكر الآن… فقط لأن أندريه طلب منها التفكير؟ أم أن شيئًا ما تغيّر؟ أم أن شيئًا ما كُسر؟ أعاد النظر إلى مكان جلوسها الفارغ، للحظة قصيرة. والكأس الذي لم تُكمله… لا يزال دافئًا. وهو… لم يتعلّم كيف يتعامل مع فكرة أن "تفكر" فتاة مثلها بالزواج من رجل آخر. أكمل الجميع أحاديثهم، عادت الأجواء للهدوء، لكن في داخله… كان هناك سؤال لا يزال يتردد بصوت لا يُسمع: "من تكون كاترينا آل رومانوف… الآن؟" *. *. *. *. أُغلِق الباب خلفها بهدوء، ومعه أُغلِقت كل الأصوات، والوجوه، والنظرات، والأحاديث المبتسمة التي تخفي تحتها ألف سؤال. خلعت حذاءها بصمت، ثم جلست على طرف الأريكة الطويلة في غرفتها، وارتخت كتفاها للمرة الأولى منذ ساعات. الستائر نصف مسدلة، ضوء الأباجورة الخافت ينسكب على الأرضية كرقعة ذهبية، والليل… ثقيل. سحبت الغطاء حول كتفيها، وضمته إلى جسدها دون أن تدري. كأنها كانت ترتجف من الداخل، لا من البرد… بل من هذا الشعور الذي لا اسم له. كان عقلها في حالة استنفار. يفكر، يُحلل، يُذكرها بأنها على مشارف السادسة والعشرين، بأن جدها ينتظر، وأبوها يُراقب، وأمها تصمت لكن عينيها تقولان ما يكفي. الزواج من إلياس؟ عقلًا… منطقي جدًا. ابن العائلة. يعرف العُرف والمكانة. محترم. ليس فيه عيب ظاهر. بل هو الشخص الذي لو رآه أحد في حياتها، لقال: "أحسنتِ الاختيار." لكن القلب… كان مكانًا آخر. مكان لا يسكنه إلياس، ولا يستطيع. قلبها… لا يزال عالقًا في رجل… لم يلتفت إليها مرة منذ عشر سنوات. رجلٌ… لم يلمحها الليلة رغم وجوده في نفس الغرفة، لم يُحدّثها، لم يبتسم، لم يُلقِ حتى السلام. ضحكت بخفة… دون صوت. "غبية." قالتها لنفسها. ثم نهضت واقفة، وسارت ببطء إلى الشرفة. الهواء كان باردًا، والسماء ملبدة بالسحب. وضعت يديها على الدرابزين الحجري، وأغمضت عينيها للحظة. وتحدثت بصوت داخلي لم يسمعه أحد: "أريد أن أكون ذكية… مثل ما يراني الجميع. لكن أحيانًا… الذكاء مؤلم. لأنكِ تدركين الحقيقة… وتظلين رغم ذلك تتمنين كذبة واحدة فقط." نظرت للأفق، والريح تُحرّك أطراف شعرها برقة. كانت تعرف جيدًا أن إلياس لن يخذلها. لكنها تعرف أيضًا… أنه لا يقدر أن يصل إلى مكان يسكنه رجل آخر… لم يمنحها شيئًا سوى الصمت. عقلها يقول: "قد تكون هذه فرصتك لحياة مستقرة." قلبها يقول: "لكنها لن تكون حياة تشبهكِ." وأخيرًا، قالت بصوت هامس… كمن يقرر بين الحياة والخذلان: "سأفكر يا جدي… لكن لا تطلب مني أن أحب رجلاً… لأن عقلي وافق عليه فقط." ثم استدارت، عادت إلى الداخل ببطء، وهي تعرف أن النوم… لن يأتي هذه الليلة. لا بسهولة. ولا بسلام. *. *. استفاقت قبل الجميع تقريبًا. كانت الشمس قد بدأت تسكب ضوءها على أطراف الستائر، والهدوء لا يزال يُخيّم على الممرات الواسعة لقصر آل رومانوف. جلست على طرف السرير، وشعرها المنسدل يلامس كتفيها بصمت. لم تنم جيدًا… لا بسبب الزفاف، ولا بسبب ما حدث أمس… بل لأنها الليلة، قررت شيئًا لا رجعة فيه. اليوم… ستتحدث. سارت إلى الشرفة، حدّقت في الحديقة الواسعة المغطاة بلمعة الصباح، ووضعت يدها على قلبها، كأنها تحاول تهدئته. "ثلاثة أشهر… وأنا أعمل بصمت. أنا وصوفي… كلانا نعلم أن لا مكان لهكذا فكرة في عائلتي." رفعت عينيها ببطء. لكن ماذا لو لم تكن بحاجة إلى إذنهم… بل فقط إلى أن يعرفوا؟ مرّت اللحظات ببطء، حتى أخبرتها الخادمة أن جدها وأباها في المكتب الخاص بالقصر. كان وقت القهوة الصباحية، قبل انشغال كلٍّ منهما بأعماله. ارتدت سترة خفيفة، وسارت في الممر الطويل المؤدي إلى المكتب، خطواتها متزنة… لكن أنفاسها لم تكن كذلك. حين رفعت يدها لتطرق الباب… توقفت. لحظة واحدة فقط. تذكرت كلمات سمعتها طوال طفولتها: "الفتيات لا يعملن يا كاتيا. نحن نربّي الفتيات ليكنّ دروعًا ناعمة، لا سيوفًا. عمل النساء يجلب المتاعب… المرأة ترفع اسم العائلة حين تتزوّج، لا حين توقّع أوراقًا." لكنها طرقت. وفتحت الباب حين سُمح لها بالدخول. كان أندريه يجلس على كرسيه المفضّل، بيده فنجان قهوة، وعيناه كعادته… تراقبان كل شيء بلا انفعال. أما والدها، فكان يقرأ بعض الأوراق، لكنه رفع بصره حين رأى ابنته. "كاترينا؟ صباح الخير، كل شيء بخير؟" جلست بهدوء. عقدت يديها في حجرها. "أريد أن أتحدث معكما… عن شيء كان يجب أن أفعله منذ زمن." سادت لحظة صمت. أندريه لم يتحرك، فقط رفع حاجبه قليلًا، وكأن شيئًا ما جذب انتباهه. "أنا… كنت أعمل، طوال الأشهر الثلاثة الماضية، على مشروع خاص بي. ليس له علاقة بالعائلة، ولا باسم رومانوف." أدريان لم يتكلم. نظر إليها، كأنه ينتظر منها الاستمرار. "مشروع علاجي. مركز صغير، سري، تحت اسم مختلف تمامًا… يعالج النساء اللواتي تعرضن لصدمات نفسية. ضحايا العنف، الحروب، أو حتى من كبرن في بيئات مغلقة. أنا لست طبيبة بالمعنى التقليدي… لكنني درست الطب النفسي العصبي في ليون، وتخصصت في تحليل الصدمات." أندريه وضع الفنجان بهدوء على الطاولة الزجاجية أمامه. "ولم تخبرينا لأنك كنتِ خائفة من الرفض؟" نظرت إليه، بصراحة. "لأنني أعرف عالمنا يا جدي. في هذا العالم، البنات لا يعملن… لا يحلمن. هنّ أدوات تحالف، أوراق يتم توقيعها بعقود زواج. لكنني لست ورقة." ساد صمت ثقيل. ثم تنحنح والدها، وقال بهدوء: "هل أنهيتِ المشروع؟" "نحن في المرحلة الأخيرة من التصاريح القانونية. المكان مؤسس. والممول الرئيسي أنا… من أرباحي الخاصة في فرنسا." نظر إليها أندريه طويلًا، تلك النظرة التي لا تعرف هل تحمل فخرًا… أم قلقًا… أم الاثنين معًا. "وماذا تتوقعين منّا الآن؟" رفعت ذقنها بثقة هادئة. "لا أطلب مباركتكما… فقط أطلب ألا تُعرقلاني." أندريه أطلق ضحكة خافتة. "فتاتي الصغيرة… لم تعودي كذلك بعد الآن، أليس كذلك؟" ردّت بابتسامة هادئة: "أبدًا." نهض من مقعده، واقترب منها. وقف أمامها بثبات رجل عايش الحروب والخسارات، ثم قال: "فقط تذكّري شيئًا يا كاتيا… في هذا العالم، لا يُسمح للفتيات أن يصنعن اسمًا… إلا إن كنّ قادرات على حمايته." نظرت في عينيه مباشرة. "ولهذا السبب بدأت به وحدي." استدار مغادرًا، وقال بهدوء دون أن ينظر خلفه: "إذا احتجتِ شيئًا… اسألي. لكن لا تطلبي الإذن مرة أخرى." بقي والدها ينظر إليها، ابتسم بخفة. "كنت أعلم أن تلك السنوات لم تكن عبثًا. لكن لم أتوقعكِ بهذه القوة." عادت إلى جناحها بخطى أهدأ من تلك التي خرجت بها. وضعت يدها على مقبض الباب، ثم أغلقت خلفها بهدوء، كأنها تحبس العالم بالخارج. خلعت سترتها، وأسندتها على طرف الأريكة، ثم مرّت أصابعها على شعرها بنعومة. تقدّمت إلى الطاولة الصغيرة بجانب الشرفة، وفتحت هاتفها. تنفست بعمق، ثم ضغطت على الاسم المحفوظ: “Sophie D.” لم تمر سوى ثلاث نغمات، حتى جاءها الصوت الفرنسي المرح من الطرف الآخر: "كات! أخيرًا! كنت سأرسل طائرة مروحية لتأخذك بنفسي!" ضحكت كاترينا بخفة وهي تُجلس نفسها على طرف المقعد، تُعدل الساعة في معصمها. "قلت لهما." سكتت صوفي لوهلة، قبل أن تقول بحذر: "حقًا؟ كيف كان رد فعلهم؟" "لم يكن هناك صراخ، لم يُكسر شيء. أعتقد أنني ما زلت أعيش." ثم أضافت بنبرة ساخرة: "رغم أنني سمعت خطابًا كافية لصباح واحد." ضحكت صوفي بحرارة: "هذا تقدم هائل. بالنسبة إلى عائلة مافيا روسية، أنتِ على قيد الحياة وتتنفسين… هذا انتصار." "قالا إنني لم أعد صغيرة. وإن كنت قادرة على حماية اسمي… فلا بأس." كان في صوتها نبرة لم تسمعها صوفي منذ وقت طويل… مزيج من فخر ودهشة وشيء آخر يشبه التحرر. "وأنتِ قادرة، كات. أكثر من أي أحد عرفته في حياتي." نهضت كاترينا ببطء، واتجهت إلى الخزانة. اختارت سترة رمادية أنيقة، وشال خفيف يغطي عنقها. بينما صوفي تواصل: «كل شيء تقريبًا جاهز. العقود موقعة، الفريق في مكانه، غرفة الاستقبال أصبحت رائعة، حتى كلوي انتهت من الزجاج المعشق.» كاترينا ضيقت عينيها بخفة. «أرجو أن لا يكون ذلك الشيء الأزرق المشوّه الذي أحببته كلوي…» قهقهت صوفي: «لم يتغير ذوقك أبدًا. لكن لا تقلقي، أخفيته مؤقتًا.» كاترينا ضحكت أيضًا، تلك الضحكة الهادئة التي لا يعرفها أحد في هذا القصر. «سأكون عندكم خلال ساعة.» ثم صمتت للحظة، وأضافت بصوتٍ أكثر دفئًا: «صوفي… شكرًا لأنك معي في هذا.» ردّت صوفي بعد ثوانٍ طويلة من الصمت: «لن أتركك في منتصف الطريق أبدًا، كات. أنتِ لم تتركيني من قبل… حتى حين كنتِ محطمة. وهذا المشروع؟ هو بداية جديدة… لك، لنا، وربما لنساء كثيرات…» أغلقت كاترينا المكالمة بعد تلك الجملة. تركت الهاتف جانبًا، ووقفت أمام المرآة. نظرت إلى انعكاسها بعينٍ جديدة… كأنها للمرة الأولى ترى نفسها حقًا. امرأة… تحاول أن تصنع طريقها. امرأة… لن تسمح بعد الآن أن يكون اسمها هو ما يُعرّفها. بل من هي. حين نزلت كاترينا إلى الطابق الأرضي، كان الهواء لا يزال مشبعًا برائحة الزهور الصباحية والخبز الدافئ، تتسلل عبر الممرات كأنها توقظ الأرواح النائمة بهدوء متعمد. كان القصر قد بدأ يستعيد حيويته بعد ليلة الزفاف الطويلة، ولكن في الشرفة الزجاجية المطلة على الحديقة، كانت الحياة قد بدأت بالفعل. جلست العائلة حول طاولة الإفطار المستطيلة، وأصوات الحديث تتداخل مع رنين الملاعق وأكواب القهوة. زوي، كالعادة، كانت أول من يلفت الانتباه. تجلس بإهمال جميل، شعرها مشعث مربوط كأنه لم يمر على مرآة، ترتدي بيجاما حريرية ذات لون وردي باهت، وأقدامها الحافية ترتطم أحيانًا بأرجل الكرسي، وهي تروي ما تظنه أحداثًا درامية من حفل الأمس. "أنا فقط أقول... لو لم تكن أولجا شقيقتي، لأخذت مكانها بجانب العريس! ألم تروه؟ بدا كأميرٍ خرج من كتاب قديم!" كاترينا لم تتمالك نفسها من الابتسام، نظرت نحو شقيقتها بنصف اهتمام، ثم عادت إلى صبّ قهوتها بهدوء. لطالما كانت زوي مختلفة. في عالمٍ يقدّس الانضباط والصمت والوجوه الحجرية… ولدت زوي بصوت مرتفع، وروح لا تكترث كثيرًا بالتقاليد. أمّهما، لاريسا، رفعت رأسها من الصحيفة وقالت ببرود رقيق: "لكنكِ كنتِ تبكين عند دخول أولجا القاعة." ردّت زوي دون تردد، وهي تقضم قطعة خبز مدهونة بالجبن: "بكيت على نفسي! متى سأتزوج أنا مثلها؟!" كاترينا، التي كانت تراقب بصمت، قالت دون أن ترفع رأسها: "تقول من أنهت دراستها المتوسطة فقط، بعد معركة طويلة مع والدتنا." ابتسم والدها بصوت مكتوم، بينما رفع عمها حاجبًا مستمتعًا. لكن زوي لم تنزعج، بل رفعت كوب العصير وغمزت: "على الأقل أنا صريحة. الدراسة لم تكن لي، ولم أزعم يومًا أنها كانت." أصغت كاترينا، وعقلها يسجل كل شيء. كم من المرات فكرت أن زوي خُلقت من طين مختلف؟ هي ـ كاترينا ـ وُلدت لتكون انعكاسًا صامتًا لعالم الرجال. حُفرت القواعد داخلها منذ الطفولة: لا صوت، لا سؤال، لا خروج عن النص. بينما زوي؟ كانت تعيش بعشوائية جميلة… وربما قاتلة. قالت زوي بمرحٍ صاخب: "أنا أعرف نفسي. أريد زوجًا، أطفالًا، وبيتًا مليئًا بالطعام والموسيقى. أطبخ له يوميًا. بطاطا مقلية ودجاج مقرمش وبيتزا محشوة جبن…" ضحكت الأم، تلك الضحكة التي تحمل خلفها مزيجًا من الإرهاق والحب: "وصفات طعامكِ هي وصفات سريعة للجلطات." قاطعتها زوي بمرح: "لكن قلبي طيّب!" في تلك اللحظة، شعرت كاترينا بفراغٍ ما… رغم الضحك والدفء الذي يملأ الجو، شيء ما كان يتسلل إلى صدرها بهدوء: هل كان حزنًا؟ غربة؟ أم مزيجًا لا تُعرّفه الكلمات؟ راقبت زوي وهي تحرك يديها في الهواء، تضحك من تعليق والدها، تمازح الجميع بلا حساب. وهي، كاترينا، تجلس هناك… كأنها تنتمي للمكان جسدًا فقط. دخل جدّها أندريه في تلك اللحظة، بهيبته المعتادة. سار ببطء نحو الطاولة، عصاه تسبق خطواته، ولكن نظرته لا تزال حادة كالسيف. حين جلس، رمق زوي بنظرة جانبية: "هل قررتِ أخيرًا مشروع حياتك؟" ضحكت زوي، ووضعت الخبز جانبًا: "مشروعي معروف. زوج محب، بيت جميل، وأطفال يشبهوني." كاترينا وضعت فنجان القهوة على الطبق بهدوء. نظرت إلى جدّها، ثم إلى زوي، وشعرت أن بينهما سنوات ضوئية لا تُقاس بالزمن، بل بطريقة التفكير. قالت بهدوء: "أتمنى فقط ألا يُرزق أطفالك بحاسة تذوّق قوية." انفجر الجميع بالضحك، حتى زوي ضحكت من قلبها، ثم أشارت إليها وهي تقول: "يا قاسية القلب! أنا سأجعل أولادي يحبون أكلي ولو بالقوة!" ابتسمت كاترينا… أخيرًا. ابتسامة حقيقية. ربما لم تكن تشبه زوي، لكنّها أحبّت هذا الضوء الذي تُدخله إلى حياتهم جميعًا. وهي تتابع هذا المشهد، شعرت بشيء يتشكل في صدرها. شعور يشبه الحنين، لكنه أيضًا يحمل شيئًا من الغيرة… وشيئًا من الحزن. زوي كانت تعرف ما تريد. أما هي… فحتى بعد أن قررت، لا تزال تشكك في كل شيء. انطلقت السيارة السوداء بهدوء من بوابة قصر آل رومانوف الحديدية، وأغلقت الأبواب خلفها كأنها تفصل عالمين. في المقعد الخلفي، جلست كاترينا تنظر من النافذة بصمت، وذراعاها معقودتان فوق صدرها. السماء رمادية على نحو خفيف، والهواء مشبع برائحة الخريف القريبة… كل شيء في الخارج كان يمضي. كل شيء… ما عداها. في المقعد الأمامي، جلس السائق يوري، رجل هادئ ومُخلص، لا يتحدث إلا إذا طُلب منه. وبجواره، بيتر. حارسها الشخصي، وظلّها الذي لم يفارقها منذ بلغت الخامسة عشرة. تأملت ملامحه المنعكسة في مرآة السيارة، كانت تعرف كل خط فيها. الندبة الصغيرة بجانب حاجبه الأيسر من حادث قبل سنوات، التجاعيد الخفيفة التي بدأت تظهر حول عينيه، وتلك النظرة الدائمة: حادة، يقظة، لا تُخترق. تزوّج قبل أعوام. لديه الآن زوجة وطفلان. وفي كل مرة يتلقى فيها اتصالًا من أحدهم، يبتسم… تلك الابتسامة الصغيرة التي تُشبه الحياة. كاترينا لم تبتسم بتلك الطريقة منذ زمن. أسندت رأسها إلى النافذة الباردة، وتابعت حركة الأشجار وهي تذوب في سرعة السيارة. الجميع يتقدم. أولجا تزوجت. زوي تخطط لحياة كاملة، وإن كانت طفولية. حتى بيتر، الحارس الذي كان يرافق خطواتها كظل، مضى في حياته، أسس بيتًا، عائلة، وجودًا حقيقيًا. أما هي؟ نعم، أنجزت الكثير. حصلت على شهادتها، أسست مشروعًا لا يشبه أحدًا في هذا العالم، حتى صوفي قالت إن فكرته "سابقة لعصرها". لكن شيئًا في داخلها لا يزال متأخرًا. كأنها واقفة عند باب قديم، لا تملك المفتاح… أو لا تملك الجرأة لتفتحه. أغمضت عينيها للحظة. في أعماقها، تعرف سبب هذا الثقل. منذ رحلت عن روسيا، حملت خيبته في قلبها كوصمة. والآن، عادت لتجده موجودًا... غير مبالٍ، كأنها لم تكن شيئًا قط.جلس ديمتري بصمت في ركنه، لا يتكلم، لا يُقاطع، ولا يُظهر اهتمامًا حقيقيًا بالأحاديث الدائرة. عيناه تتحركان ببطء، ترصد الحضور، تفاصيل المقاعد، حتى رفرفة الستائر مع الرياح الهادئة.لكنه، رغم كل مظاهره الصلبة… لم يتوقف عن النظر.إلى ذلك المكان الذي كانت تجلس فيه… قبل لحظات.الفتاة التي خرجت برفقة جدها، لم تكن هي تلك التي يعرفها.أو بالأحرى… لم يكن يعرفها أصلًا.كانت كاترينا، نعم.لكنها لم تكن الطفلة ذات العينين الواسعتين التي تتلعثم إذا سألها أحد عن اسمها الكامل، أو تلك التي كانت تختبئ خلف ثوب أمها إذا دخل إلى قاعة الاجتماعات.لم تكن الفتاة التي كانت تركض نحوه كطفلة، تتعلق بساقه كلما رأته، وتظن أن العالم بأمان طالما هو هناك.المرأة التي رآها الليلة… هادئة. صلبة. وذكية… لدرجة تُقلقه.نبرة صوتها، تلك الطريقة التي أجابت بها ميخائيل، وصمتها المدروس حين تحدث الجميع، تلك السخرية اللطيفة التي تسكن عينيها لا شفتيها… ليست من تعلمها في مدرسة.بل من صُنعت في عالم يعرف كيف يحميك بالكلمات أكثر من السلاح.تساءل بصمت… متى تحوّلت؟ وأين كنت حينها؟"هل أعجبتك ردودها؟"سأله ميخائيل بصوت منخفض.لم يرد فورًا.
انتهى الزفاف. رحلت أولجا مع عريسها وسط الأضواء، والابتسامات، والورود التي نُثرت في طريقهما.شيء في قلب كاترينا تشقق لحظة رؤيتها وهي تُغادر.ليست غيرة… بل إدراك صامت أن أحد الفصول قد أُغلق.عادت مع العائلة إلى القصر الرئيسي — ذلك الجناح الخلفي الفخم حيث يسكن آل رومانوف، خلف أبوابهم الثقيلة وجدرانهم العريقة.خطواتها كانت بطيئة على السلالم الرخامية، وشعرها البني بدأ يتفلت من تسريحته المحكمة، وقدمها تؤلمها من الكعب العالي… لكنها لم تُظهر شيئًا.كان الجميع يضحك ويتحدث… جدها أندريه، بصوته العميق الممزوج بالثقة، يسأل عن الضيوف.أبوها أدريان، صامت كالعادة، يستمع ولا يعلق كثيرًا.وأمها، لاريسا، تتحدث مع زوي التي لم تتوقف عن الحكايات السريعة والانفعالات الطفولية.ثم دخلوا جميعًا إلى الصالون الرئيسي.لكن… المفاجأة لم تكن هناك.بل كانت في من جلس في الداخل بالفعل.ميخائيل مالكوف.جالس على أحد الأرائك الجلدية الفاخرة، بهدوءه المهيب، يضم ذراعه حول زوجته إيزابيلا، التي بدت وادعة كعادتها، كأنها جزء من ظلّه لا من الضوء.إلى جوارهما، وقف ديمتري.ومعه… تلك الشقراء.كانت تقف بجانبه، تحمل كأسًا صغيرًا من ا
كان القصر غارقًا في وهج الشمس الشتوية، تلك التي لا تدفئ لكنها تلمع فوق النوافذ العالية كما لو كانت تبارك هذا اليوم العظيم.ارتدت جدرانه المزخرفة بالذهب والرخام الأبيض حُلّة احتفالية، معلنة أن أحد أعمدة آل رومانوف يستعد للارتباط رسميًا. أولجا، الابنة الكبرى، العروس التي اختارها القدر لتكون أول من يُزف من الجيل الجديد.الممرات امتلأت بالخدم، يحملون الزهور البيضاء، ينقلون المرايا، يعلّقون الشرائط الحريرية بلون العاج. أصوات الكمان تتسلل من قاعة البروفات حيث تجرّب الأوركسترا آخر نغمة للمسيرة الافتتاحية. رائحة الورود اختلطت بعطر الأثاث العتيق، ورائحة الخبز الطازج المتسللة من المطبخ السفلي.في الطابق العلوي، خلف أبواب مزدوجة مطرّزة بالنقوش الذهبية، كانت كاترينا تقف أمام مرآة طويلة، تتأمل نفسها بصمت. لم تكن ترتدي شيئًا من ثياب السهرة بعد، بل مجرد روب حريري أبيض، أطرافه مزينة بالدانتيل، وشعرها لا يزال مبللًا بعض الشيء بعد الحمام الساخن.حدقت في انعكاس عينيها العميق.كيف مرّ عامٌ كامل على عودتها دون أن تلمحه؟ دون أن تسمع حتى صوته في المجالس؟ ألهذه الدرجة أصبح غريبًا عنها؟ بل… ألهذه الدرجة أراد







