LOGINإني هنا أجمع حطبا، وأشعل نارا، وأطعم نفسي من زهيد الطعام وأنام نومتي هذه حيث أنت وأخرج حيث تلك المنازل المتطرّفة أطلب ودّ فقير فأخدمه إن قبل وأعطي شيوخا وعجائزا أعطية إن هم رغبوا وأعزق أرض فقير، فأنبت فيها من الثمرات والزّرع ما يسدّ به الرّمق، وإن نقصت أعطياتي عدت لمن أوكلته خزائني لأحمل ما يسدّ الحاجة، فيخبرني أن ما ينقص من هناك يزيد هنا، وإنّ في الأمر سرّ، فأي تعويذة تردّد لتخرّ لك خزائن الدنيا ولتجارتك تزيد تودّدا؟
أفرّ حيث مرضى أسقيهم وأطعمهم، وأخدم إن أرادوا فلا أشقى من فعلي ولا أحس التّعب. إنّ حياة القصور وحبّ المال يزيد كدر ا على كدر، وأقنعة تلبس على الوجوه تخفي عللا أنت لها كاشفا إن غادرك الصحب والولد. فإن أردت واصل واطلب ودّ رفيق يأنس نهارك، ويفارق ليلك، فطريقك من هنا. وإن أردت رفيقا يناجيك ليلا، ويفرّ عنك نهارا فأعبر من هنا، وإن رغبت في رفيق يتودد لجيبك فلك هذا المسلك فيه الدليل ومنه المخرج، وإن رغبت في ملاطفة متزلّف لحاجة يقضيها فذاك مهربك هناك ومن هنا، وإن أردت صدقا وحسن معاش فاعتزل ذئاب البشر، وتطهّر لتتكشّف من منهم الذئب ومن الحمل الوديع، فتخيّر من إليه ستتودّد ولأجله تحيا. هل داويت سقم روحك، ونزعت منها عللا، أم مازالت تطلب ودا لصحبة تزيدك شقاء؟' يصمت الشيخ فينطق الضيف. -"يبدو في كلامك مسكّنا يزيل الألم، وإنك على حق فاعتزال الإنسان حكمة وموعظة ولكنّ علّتي هنا. مشيرا إلى الرأس جهة العقل، وهنا مشيرا إلى يسار صدره جهة القلب " -"إنّ الذاكرة أنهكت سمعي وبصري ووجداني، وأذهبت عقلي فحدّثت الإنس والجماد، وكذا الحيوان صرت له محدّثا " يردّ الشيخ: _'حلّك أن تبقى هنا ثلاثا، وإنّي تاركك حيث أنت، فإن عدت أزيل عنك الكدر. سأبقيك مع دابّتي فأطعمها ثلاثا، ولا تحدّثها، فإن حدّثتها غادر قبل مجيئي أو تلحقك لعنة لا تبرأ منها أبدا' ينهي كلامه، ويحمل كيس متاعه ويرحل فيقنع أنه حكيم سيداوي جنونه، وإنه لوصيته مذعنا. يبيت ليله محدّقا لدابّة الشيخ وهي تبعد طعامها وشرابها. إنها تدور دون توقّف تلف حبلها على مربطها فيهمّ بالوقوف ثم يعدل خشية أن يحدّثها. به إرهاق شديد، إن النوم لا يغازل جفونه، فظلّت مشدودة إلى حركة الدّابة ودورانها تغادره حتى مقدم صبح جديد. يطعمها ويطعم نفسه ويطلق ساقيه المشدودتين طوعا للكوخ. يرقب السّماء لعله يعثر على إشارة بها فرج وينظر إلى الوادي، قد يرى علامة لها مفسّرا! ويلتفت حيث التلّة، ويقلّب صخرها. قد يدرك رؤية لها متأولا! وينظر إلى درب سلكه شيخه، فلا يرى خطواته ولا يشمّ ريحه ولا يعلم إن هو عائد أم إلى خالقه الرّجعى، ويسترق النّظر إلى الدّابة ويهرب خوفا من أن يسلّم فتسلّم فيشقى. يطول نهاره ثم يأفل، ويستقبل ليله مشتاقا لغد أفضل. ينفّذ وصايا الشيخ فيهب للدّابة طعامها فتكرّر فعلها. حركة، ودوران قاتل، وأصوات متألم ينتظر ساعته. يملّ فعلها فيهمّ بالمغادرة، وأحيانا يصرف نظره نحو طعامه، فتغالبه نفسه ليخطف بشق نظرة فعلا أنكره. غادر الكوخ وبيده طعامه، وجلس بالقرب من الدّابة وأكل رغيفه على مهل. تهجع، وتكفّ عن فعلتها فتأكل طعامها آمنة لرفقة كانت ترغبها فينطق. -"إن في حركتك ودورانك مقالا وكلاما، وإني عنه قد غفلت. " ........ -"أعندك سقم يسكنك وشيخنا قد غفل عنه، وهو في القديم لا يشعر بعليل فقد كان متكبرا. " تصدر صوتا خفيفا. -"كأنك تقرّين أن نعم بك علّة. " -"أليس هو بالحكيم؟ أيعجز عن مداواتك، أم سئم من صحبتك فأرادك عليلة النفس خائرة القوى فيصيبك هزال وللسباع يهبك عشاء، فإن له من المال ما يقدر على استمالة بنو جلدتك ومن هو أعتى منك وأقوى؟ " تحرّك حوافرها وتطأطأ رأسها ثم ترفعه. -"حزمة الحطب ثقيلة، ومتاعه زيادة حمل على ظهر أعيته السنون، ومسالك يقصدها وعرة. هل قسمت ظهرك فزادت في وهنك؟ " صوت قوي تطلقه وبه أنغام تختلف طبقاتها... يتواصل الصوت دون تقطّع. يسمعه لآخره ويقول: -"هل أحلّ وثاقك فتهربي وتكتبي لنفسك قصة أنت بطلتها بدل أن تتّبعي بطلا يصفك بحاملة الأثقال وفارغة الأفكار؟" لا تصدر حركة، وتكفّ عن الدوران وعن الأكل، كأنها تفكّر أو لا تفكر، بل تستدعي غرائزها تستأنس بنظم اشتغالها. يواصل: -" إن ذلك الإنسان لم يقدّر يوما أبناء جلدته، وإن أعيته السنون وآلمته وصفعت خدّه فتاب وأراد عن ذنبه أن يكفّر، فقد اختار بني البشر لا أبناء جلدتك " ........ -"أحلّ وثاقك ونرحل، هو إنسان وأنا شبيه إنسان، نختلف. فهو يملك حكمة، وأنا مجنون أحمل ذاكرة وتخاريف، وأحمل ثقلا على ثقل مثلك ومثلك لا أملك أفكارا، فقد أكلتها هواجس لا تنتمي لفكر بشر. تصدر صوتا، ثم تشير برأسها وتجثو وتقعد حيث مربطها فيعي من جوابها أن لا عيش لي مع شبيه إنسان. يعود من غفلته فجأة وحال من الفزع يذهب جزءا من روحه فيصرخ: -"ما أشقاني قد حادثت الدّابة وشيخي أوصاني أن أعتزل الحديث مع من هم دون البشر. " " أأبقى مكاني وأقول إنها أغوتني برحلة تداوي عللي وتستلّ جنوني، أم أقول له أنها ألهتني فدارت دورتها وثارت ثائرتها فخفت إن كان بها مسّ" "أم أخبره أنها أجبرتني، فأفلتت من عقالها، فتبعتها حيث مقصدها لأعيدها، فأقنعت جموحا لبسها فعدلت وتابت، أم أقول إني عجزت عن مغالبة نفسي فسلّمت لهلوساتي وحادثها، فإنّي خطّاء لا أصبر." يعتصر دمعه فينحبس ويهمّ بالصراخ فيعجز، ينهض ويميل نحو اليمين ثم الشمال، ويخطف متاعه ويهرب حيث التلّة إلى مقصد غير مقصده، وهربا من الحكيم الشيخ مخافة عتابه، أو عقابه، أو سخطا ينزله عليه قد يحنّ فيه لغده المتكبّر. وشوش لنفسه أن يسرع خطاه فإنّ فعله منكر، لقد جاوز العقد الرابع وفيه من طيش المراهق شيء، وعليه بلاهة تأخذه إلى مطبّات شتّى. لقد ابتعد، إنه لا يتوقف أو يطلب راحة. كسر وعدا قطعه وأفلت من عهوده.يفتك به الليل قرب مُرَاح إبل أو غنم هكذا يبدو، وغير بعيد عنه شيء يشبه الشّجر.
- "أظنه مزهرا أو به ثمر"، تفوح منه رائحة طيّبة. تراقصت الخيالات حتى بدت أطياف لذوات واقفة. ينتهي به الحال في مأوى جديد، لم يدركه باكرا حتى يستكشف المكان، ظلمة وسواد وبعض خيالات. تتحرّك، في مرمى بصره يقف خيالان، امرأة ورجل هكذا بدت له الصّورة، رداء ملوّن وحليّ تسمع ألحانه، ولباس خشن يغيب فيه اللون ويختفي. يتحرّكان وأيديهما متشابكة، لا قطيعة تحسّها، فهما على مقربة من بعضهما، تفصلهما خطوة. تكثر مناجاتهما لبعضهما في ليل يبشّر بعاصفة لا تهدأ. لا تسمع لعواء، ولا ترى سوى تلك الأطياف ورجل وامرأة، أو هكذا خيّل له. -"لن أقترب، لا رغبة لي في محادثة أحد، لن استأذن وإن كانا أصحاب البستان. سأشعل ناري، وألهو مع نفسي، سأكون مسبّحا للحقيقة، والّرامي لحجيراتي على سراب أو تخاريف مقلقة. أستبعدها إن هي دنت، وأنكرها إن طافت في الأرجاء. " يتصاعد اللّهب، وتتطاير شظايا حارقة فلا تؤذي ولا تترك جرحا أو حرقا. هي بردا وسلاما. يلمسها فلا يحسّ فعلها. -"إنّ بي رغبة، لو أرمي نفسي داخلها وأكشف ما تخفّى أو خفي؟" "إنها لا تؤذي، فها أني ألمس لهيبها، وأجمع عيدانها أضمّها، ولا أشعر بلسعها أو حرقها. قد أكون أكثر أعواد الحطب اشتعالا فتتّقد وتزيد من نور المهجع قوة." يضحك. -"وبعدها أصبح رمادا تذرّه الرياح، فتتوزّع ذاكرتي بين إنسان وحيوان وجماد، وإن أراد يختار من الجن من يرغب في شيء من الذكرى. " يضحك مجددا. -"أو تأخذني الريح قرب تلك المنازل، وتجمع شتاتي فأعود لخلقتي الأولى". يضحك بصوت أعلى. -"سأسكر هذه الليلة، هذه ناري، وتلك الخيالات جمهوري، وهذا الذي يسمّوه -أنا -سأختاره نديما ومن كأسه أشرب." يسقي عروقه من ماء نقي صاف لا يحمل أو يخلط بشيء مسكرا، فيشرب حتى يرتوي. يعيدها ويغيّر طقوس شربه، فيلاطف قطراتها العابرة للجسم والهاربة منه. يواصل وفي ملامحه شبيه مسكر مخمور. -"لن أحدثك أيها النديم الذي يلبسني." هكذا قالها وفي قوله ثقل وواصل قوله: -"إنك لا تقدّر الصداقة، فأنت واش، لقد حدّث بي بعضك، لقد أعلمني أنك أفشيت سرّ تخاريفي وتوسّلي لها كي تعتقني." "لقد وصفتني بالمتسوّل، وطالب ودّ نفسي من نفسي. أنت ركيك حين ترتّب العبارة مثل حشو الكلام ولغوه." يصمت وقد ثقل لسانه ثمّ نهض مترنّحا، يواصل سرده محدّثا لنفسه.يدنو بعضهم... لا يكلّمني منهم أحد... طرحوني أرضا، ومدّدوني، وقوّمي اعوجاجي... ثم تدنو مني بعض النسوة تحمل كل منهنّ لحافا... لا تسمع لهم كلمة تعي بها مقصدا.... وبعدها حملوني وساروا في جوف اللّيل وعيني شاخصة أرقب حركة مسيرهم ووجهتهم... طابور يسير خلف حاملي جسدي، لا أحد يردّد قولا، ولا يخطئ صغيرهم فتصغي إلى قول مسروق، ولا ترى إشارة... لا بكاء أو تحصّرا وألما.... ولا شفقة.... ولا تذمّرا... ولا ابتسامة بريئة أو ساخرة أو ماكرة... لا دمعة تسيل... يختفي الإنشاد والذّكر وتحجب التعويذات... ويقبر حوار شبيه الإنسان بالسراب والأطياف والخيالات والجماد والحيوان.... مشيتهم منظّمة، لكنها ثقيلة...يلحق بهم صاحبي المجنون فيأخذ مكانه، نقلت نظري إليه أترقب جنونه... انتظرت أن يطلب سيجارة أو رغيف خبز أو يردّد أن لبّيك قادم...إنه لا ينطق... إن حاله أفضل... يواصل الحشد حملي... أطلق بصري للوراء فإذ بالكلب الأبيض يلحق من الخلف ومعه معشر الدود وكبيرهم... وعصا لا تبدو يابسة كآخر عهدي بها تسير محاذاتهم، وخيالات تحاذي أشجارا قرب المسلك تتراقص كعادتها.... وقطع متزاوجة بين بياض وسواد تفيض على المكان فتضيء بعضه وتزيد
-"وهل توقفوا؟ "_'لا بل زادوا... أخبروني أن الدّماء داخلي سائلة مميّعة، وأن تجمّدها سيريح وجعي، فوضعوني داخل مخزن تبريد به ثلج كثيف... أخرجوني مثل قطعة جليد، وأخبروني أن الماء السّاخن يريح علّتي ويعدل حالي، ففعلوا حتى اصطلى جسدي... ثم خرجت من عندهم إلى داري ...'-"وهل صرت على منهج غير ما تعلّمته؟ "_'قلّبت نظريتي غربيّها وشرقيّها، فوجدت الإنسان كيانا كادحا، يكافح لغاية مبدؤها ثروة وعدالة... '-"وكيف يحققها...؟"_'بثورة على الحاكم والكفر بمنهجه... '-"هي نفس الفكرة الأولى هل زاروك ثانية؟ ... "يطيل النظر إلى الفتى ويقول... _'نمت في زنازينهم ليالي، وأطعموني ماء مغلي ممزوجا بشيء مسموم، ورغيفا يابسا أو قل حجرا من سجّيل... وغطوني بلحاف من أشواك وعيون... ورأيت كرمهم حين تصافحني يد سجّان محكوم بنار حقد على كل مخالف بالعدل مسكون... ويلقي بي حيث سراديب بها عقارب وسموم تأكل من نصيبها علّي ألاقي سميعا عليما... ''أتعلم أنهم أعدموا أبنائي؟ '-"أي قسوة تلفّهم؟ كم أعمارهم؟ "_'منهم ابن البارحة، ومنهم من يبلغ المائتين أو تزيد ...'-"ماذا تقصد؟ "_'هي كتبي أعدموها، وجهل حارقها أنها محفورة في هذا الر
عاقل من ينعتك مجنون... فيصيب حزنك وشجونك...ويجبرك أن تختار بين جنونك...أو قطع رزق من يطعمونك"...ثم ينظر إلى تلك المصابيح فيحدّثه شيطانه أن يجمعها حيث ركن ويغطّيها فتذهب تلك الأجسام صاغرة يلفّها غطاء لا تبرق ولا ترقص فيه ولا تنشد... فيفعل ويغادر ضاحكا نحو غايته...***انشطر روح الحي نصفين... عتيق وجديد... بيوت بدأت تطلّ بجدرانها القديمة... تنسج خيوط الماضي بدقّة... إنها قصص منسيّة تعاند الأزمنة...تتدفّق فيه صورة نسيها وانسابت خواطره تتدافع... تفرّ من سكونها إلى حركتها...إنها ليست بالبيوت... إنها حياة... إنها أرواح وذوات بها عيون ووجوه وشفاه... إنها تنطق وتسمع... تكتم سرّا وتفصح حين السؤال وتريح عند الكدر... بيوت تداوي العلل وتشفي وتحيي...يعبر أزقتها... أي خراب قد أصابها؟ من شقّ جوفها؟ ...هذا بيت الطّيبة، وذاك منزل المؤذّن، وهناك بيت العلاّمة... وفي آخر الزقاق الأم الكبيرة... وفي الوسط بيت القائد هكذا كانت ألقابهم ...يقف عند بيت القائد ... بيت متواضع لدارس علم ومعرفة ومثقّف لا تملّ محاورته... يطرق فكرة فيسرد معناها، ويشرح جوهرها، ويعطي بديلها، ويستدلّ بحججه فتقنع... ثم يواصل فيبس
نلفّه بقبس ... ونخيطه دسائس... نلبسه وجه عابس... فلا تجزع إن أسرف... بضربك أو نهرك ... أو طردك من مجلس... أو قهرك عند المحن... أو دفعك بقسوة ... والشك فيه قابع ... يصفك بفاجر ..." تهفت قليلا وبه شكّ يحدّثه أن الإنشاد لحلقة ذكر هناك عند الحي وأنّ صداها يسمع.... تتدافع الأصوات كتدافع لعبة الأبيض والأسود المعلّقة أعلى قبر شيخ الكرامات فتقول محدثة بعضها... _'أتراه؟' 'لا هو في الجوار... ' _'اتسمع صوته؟ ' 'لا إنه أخرس... أو سكت كي لا يفتضح أمره ' يحدث نفسه سرا... -"إنها قطع من نور وظلمة وإنها ضريرة " يتواصل الحوار... _'أبه رائحة؟ ' 'أجل به، وإني عائد إلى حيث الكفن، لأسأل خالقي يدلني فالعطور تتشابه.... ' _'اذهب، ونحن هاهنا باقون وإن له لممسكين ' في سرّه مجددا... -"لقد اقلعت عن العطور مذ شددت الرحال إلى تلك المنازل.... هذه واحدة أغنمها بعد مشقّة... " تواصل تلك المصابيح رقصاتها وتواصل قطع السواد مناجاة رديفتها.... ليأتي مبعوثه حيث الكفن... _'نعم إن به رائحة... ' 'وكيف تكون؟ ' _'ليست عطرا... ولا مسكا ولا عود ندّ.... إن به عرقا' 'كيف يبدو؟ ' _'لم يفسد' 'وم
فعل فعلته، ومرّر عليها كبريته لتشتعل، فيسحب دخانها الكثيف متسلّلا إلى رئتيه فيطرب عقله.... يعيدها متواترة ... ينظّف ويلفّ، ويشعل ويسحب دخانها... ثم يكتفي... لقد صار أفضل... يواصل سيره بعد فسحة صغيرة، ويرقب صامتا تلك المسالك... إنه يطلب راحة... ليس التّعب بل شعور غريب بشيء تسلّل إلى أعماقه يقضمه.... يلوح في الجوار جدار قديم بزاويتين، تقدّم وآوى إلى ظلّه ينشد دواء... يتّكئ... ثم يتمدّد... به ثقل وارتعاش... يعاوده ألم الرأس، وفي عينيه دمع ساخن يخرج منسابا... أصابه تعرّقا زاده في ارتعاشه، فأخذ يطقطق أسنانه دون توقف.... يغفو أو ربما يكون قد أغمي عليه، فدنت منه غيبوبة لا يعرف مداها... إنه محموم من ليلة صقيع ممطرة... لا يد آدميّ تعالجه، ولا جار أو عابر سبيل يعثر على جثّته إن أخذته يد المنيّة غيلة.... يئنّ طويلا، ويخلد إلى كوابيسه اللّعينة وأضغاث أحلامه.... تمرّ أمامه أحداث متلاطمة تعيد شريطا من الحكايا إلى الوراء... يرى منها طيفا... وأحيانا يسمع كلمة، أو إشارة متكلّم ... يقف به حلمه الممزوج بالحمى عند ليل كسيح ... لا رغبة له في الأحلام.... فنفسه متثاقلة عزوف، وبعضه يأكل بعضه بلا شفقة،
-"بسطوة النار، وحكم لهيبها، وبحق الحقيقة، وصوت الحقيقة، لأجعل منك قصّة إنسان بدل شبيه إنسان...."تغرق نظراته في التحديق بالعاشقين.... إن بعينيه بريق تتدفّق منه نارا حامية، وإن بلسانه كلام يثقله شربه، وإن به حركة معطّلة يتربّص بها صائد ملذّة....تسري في هشيم وحطب، فتزيد توهّجا، تحرّكها ريح شرقية تأذن بليلة ملائكية.... تتراقص ألسنتها فتحرّك الأطياف الجاثمة القابعة على مقربة منه...فينطق مقاله ...- "لقد بدأت في الاحتفال... مرحى برفقة تؤنس جمودي... إني لا أبالي بقول شيخ يدّعي أنه حكيم... لن أقلع عن حديث الإنس والجن، وخلائق الأكوان صلبها ورخوها، فإني مثلهم جسد ينشد طرب النفس، فأكون ظالما إن تركت... لن أترك أمرا كنت له طالبا ولو صرت بدل المجنون ألف مجنون...""لن يعاتبني قريني، فإنّ به رغبة تسرق بعض من روحه... وتزرع نطفتها في غير ذي أديم، فتنبت بغير ذي جبلّة..."يستقيم ويبسط يداه مثل منشد... يطلق كلمات تدعو صحبه أن ...-"اجتمعوا... فلي قول إن حفظتموه سلمتم، وإن أدركتموه وتدبّرتم معانيه ملكتم أرواحكم وآمنتم قسمتها بين لصّ وحاقد وحاسد وظالم وواعظ ومرشد وصادق... وإن أنتم ردّدتم قولها في ليلكم ت
تصديررواية تخاريف هي تعبير عن ذات تحمل في جوفها فكرة مجنونة وخيال جامح، وهواجس مثقلة. فتدكّ داخلها كلّ انتماء للواقع، وتفتكّ من بين قسوة الأيام ذكرى فيها سطور معلومة، وسطور متخفية، وسطور مجهولة. ومن السطور ترتسم الصورة تراوح بين الوضوح والعتمة، فتخال نصفها مرئي ونصف الآخر مستتر، في حين أن الصورة ك
رمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث. في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من ن
يزيد في بحثه فتتعثّر يديه بصندوق أسود يختلف عن صندوق المال. يفتحه، إن به ورق صغير مزقته يد بارعة إلى بطاقات ومعها قنّينة. يبدو عطرها مختلف. يسكب منها قليلا فإذ بسائل أصفر شبيه الزّعفران يواصل السّكب. بقرب القنينة كتاب صغير على غلافه طلاسم، ومصحف صغير ملفوف داخل قطعة قماش بيضاء، ومن تحته أجزاء من أق
'ما أعجب له كيف قبلت به زوجا وهي الرّقيقة الصغيرة، وهو وحش متجبّر حين يزأر تفرّ منه الأنوثة أو تموت مكانها خوفا. إني أعجب إن كان قد أحب يوما أو نطق كلمة غزل... يبدو سليل آكلي لحم البشر تصالح مع الحضارة فهذّب من نفسه قليلا'يضحك طويلا ونضحك معه ثم يواصل.' ليلتها بقيت معلّقا وهو يراقب ملوّحا بعصاه ا







