首頁 / الآخر / تخاريف / تخاريف الفصل 16

分享

تخاريف الفصل 16

last update publish date: 2026-07-16 06:22:25

إني هنا أجمع حطبا، وأشعل نارا، وأطعم نفسي من زهيد الطعام وأنام نومتي هذه حيث أنت وأخرج حيث تلك المنازل المتطرّفة أطلب ودّ فقير فأخدمه إن قبل وأعطي شيوخا وعجائزا أعطية إن هم رغبوا وأعزق أرض فقير، فأنبت فيها من الثمرات والزّرع ما يسدّ به الرّمق، وإن نقصت أعطياتي عدت لمن أوكلته خزائني لأحمل ما يسدّ الحاجة، فيخبرني أن ما ينقص من هناك يزيد هنا، وإنّ في الأمر سرّ، فأي تعويذة تردّد لتخرّ لك خزائن الدنيا ولتجارتك تزيد تودّدا؟

أفرّ حيث مرضى أسقيهم وأطعمهم، وأخدم إن أرادوا فلا أشقى من فعلي ولا أحس التّعب.

إنّ حياة القصور وحبّ المال يزيد كدر ا على كدر، وأقنعة تلبس على الوجوه تخفي عللا أنت لها كاشفا إن غادرك الصحب والولد. فإن أردت واصل واطلب ودّ رفيق يأنس نهارك، ويفارق ليلك، فطريقك من هنا. وإن أردت رفيقا يناجيك ليلا، ويفرّ عنك نهارا فأعبر من هنا، وإن رغبت في رفيق يتودد لجيبك فلك هذا المسلك فيه الدليل ومنه المخرج، وإن رغبت في ملاطفة متزلّف لحاجة يقضيها فذاك مهربك هناك ومن هنا، وإن أردت صدقا وحسن معاش فاعتزل ذئاب البشر، وتطهّر لتتكشّف من منهم الذئب ومن الحمل الوديع، فتخيّر من إليه ستتودّد ولأجله تحيا.

هل داويت سقم روحك، ونزعت منها عللا، أم مازالت تطلب ودا لصحبة تزيدك شقاء؟'

يصمت الشيخ فينطق الضيف.

-"يبدو في كلامك مسكّنا يزيل الألم، وإنك على حق فاعتزال الإنسان حكمة وموعظة ولكنّ علّتي هنا. مشيرا إلى الرأس جهة العقل، وهنا مشيرا إلى يسار صدره جهة القلب "

-"إنّ الذاكرة أنهكت سمعي وبصري ووجداني، وأذهبت عقلي فحدّثت الإنس والجماد، وكذا الحيوان صرت له محدّثا "

يردّ الشيخ: 

_'حلّك أن تبقى هنا ثلاثا، وإنّي تاركك حيث أنت، فإن عدت أزيل عنك الكدر. سأبقيك مع دابّتي فأطعمها ثلاثا، ولا تحدّثها، فإن حدّثتها غادر قبل مجيئي أو تلحقك لعنة لا تبرأ منها أبدا'

ينهي كلامه، ويحمل كيس متاعه ويرحل فيقنع أنه حكيم سيداوي جنونه، وإنه لوصيته مذعنا.

يبيت ليله محدّقا لدابّة الشيخ وهي تبعد طعامها وشرابها. إنها تدور دون توقّف تلف حبلها على مربطها فيهمّ بالوقوف ثم يعدل خشية أن يحدّثها.

به إرهاق شديد، إن النوم لا يغازل جفونه، فظلّت مشدودة إلى حركة الدّابة ودورانها تغادره حتى مقدم صبح جديد. يطعمها ويطعم نفسه ويطلق ساقيه المشدودتين طوعا للكوخ. يرقب السّماء لعله يعثر على إشارة بها فرج وينظر إلى الوادي، قد يرى علامة لها مفسّرا! ويلتفت حيث التلّة، ويقلّب صخرها. قد يدرك رؤية لها متأولا! وينظر إلى درب سلكه شيخه، فلا يرى خطواته ولا يشمّ ريحه ولا يعلم إن هو عائد أم إلى خالقه الرّجعى، ويسترق النّظر إلى الدّابة ويهرب خوفا من أن يسلّم فتسلّم فيشقى.

يطول نهاره ثم يأفل، ويستقبل ليله مشتاقا لغد أفضل. ينفّذ وصايا الشيخ فيهب للدّابة طعامها فتكرّر فعلها. حركة، ودوران قاتل، وأصوات متألم ينتظر ساعته. يملّ فعلها فيهمّ بالمغادرة، وأحيانا يصرف نظره نحو طعامه، فتغالبه نفسه ليخطف بشق نظرة فعلا أنكره. غادر الكوخ وبيده طعامه، وجلس بالقرب من الدّابة وأكل رغيفه على مهل. تهجع، وتكفّ عن فعلتها فتأكل طعامها آمنة لرفقة كانت ترغبها فينطق.

-"إن في حركتك ودورانك مقالا وكلاما، وإني عنه قد غفلت. "

........ 

-"أعندك سقم يسكنك وشيخنا قد غفل عنه، وهو في القديم لا يشعر بعليل فقد كان متكبرا. "

 تصدر صوتا خفيفا.

-"كأنك تقرّين أن نعم بك علّة. " 

-"أليس هو بالحكيم؟ أيعجز عن مداواتك، أم سئم من صحبتك فأرادك عليلة النفس خائرة القوى فيصيبك هزال وللسباع يهبك عشاء، فإن له من المال ما يقدر على استمالة بنو جلدتك ومن هو أعتى منك وأقوى؟ "

تحرّك حوافرها وتطأطأ رأسها ثم ترفعه.

-"حزمة الحطب ثقيلة، ومتاعه زيادة حمل على ظهر أعيته السنون، ومسالك يقصدها وعرة. هل قسمت ظهرك فزادت في وهنك؟ "

صوت قوي تطلقه وبه أنغام تختلف طبقاتها... يتواصل الصوت دون تقطّع.

يسمعه لآخره ويقول:

-"هل أحلّ وثاقك فتهربي وتكتبي لنفسك قصة أنت بطلتها بدل أن تتّبعي بطلا يصفك بحاملة الأثقال وفارغة الأفكار؟"

لا تصدر حركة، وتكفّ عن الدوران وعن الأكل، كأنها تفكّر أو لا تفكر، بل تستدعي غرائزها تستأنس بنظم اشتغالها.

يواصل:

-" إن ذلك الإنسان لم يقدّر يوما أبناء جلدته، وإن أعيته السنون وآلمته وصفعت خدّه فتاب وأراد عن ذنبه أن يكفّر، فقد اختار بني البشر لا أبناء جلدتك "

........ 

-"أحلّ وثاقك ونرحل، هو إنسان وأنا شبيه إنسان، نختلف. فهو يملك حكمة، وأنا مجنون أحمل ذاكرة وتخاريف، وأحمل ثقلا على ثقل مثلك ومثلك لا أملك أفكارا، فقد أكلتها هواجس لا تنتمي لفكر بشر.

تصدر صوتا، ثم تشير برأسها وتجثو وتقعد حيث مربطها فيعي من جوابها أن لا عيش لي مع شبيه إنسان.

يعود من غفلته فجأة وحال من الفزع يذهب جزءا من روحه فيصرخ: 

-"ما أشقاني قد حادثت الدّابة وشيخي أوصاني أن أعتزل الحديث مع من هم دون البشر. "

" أأبقى مكاني وأقول إنها أغوتني برحلة تداوي عللي وتستلّ جنوني، أم أقول له أنها ألهتني فدارت دورتها وثارت ثائرتها فخفت إن كان بها مسّ"

"أم أخبره أنها أجبرتني، فأفلتت من عقالها، فتبعتها حيث مقصدها لأعيدها، فأقنعت جموحا لبسها فعدلت وتابت، أم أقول إني عجزت عن مغالبة نفسي فسلّمت لهلوساتي وحادثها، فإنّي خطّاء لا أصبر."

يعتصر دمعه فينحبس ويهمّ بالصراخ فيعجز، ينهض ويميل نحو اليمين ثم الشمال، ويخطف متاعه ويهرب حيث التلّة إلى مقصد غير مقصده، وهربا من الحكيم الشيخ مخافة عتابه، أو عقابه، أو سخطا ينزله عليه قد يحنّ فيه لغده المتكبّر.

وشوش لنفسه أن يسرع خطاه فإنّ فعله منكر، لقد جاوز العقد الرابع وفيه من طيش المراهق شيء، وعليه بلاهة تأخذه إلى مطبّات شتّى.

لقد ابتعد، إنه لا يتوقف أو يطلب راحة. كسر وعدا قطعه وأفلت من عهوده.

يفتك به الليل قرب مُرَاح إبل أو غنم هكذا يبدو، وغير بعيد عنه شيء يشبه الشّجر.

- "أظنه مزهرا أو به ثمر"، تفوح منه رائحة طيّبة. 

تراقصت الخيالات حتى بدت أطياف لذوات واقفة. ينتهي به الحال في مأوى جديد، لم يدركه باكرا حتى يستكشف المكان، ظلمة وسواد وبعض خيالات. تتحرّك، في مرمى بصره يقف خيالان، امرأة ورجل هكذا بدت له الصّورة، رداء ملوّن وحليّ تسمع ألحانه، ولباس خشن يغيب فيه اللون ويختفي.

يتحرّكان وأيديهما متشابكة، لا قطيعة تحسّها، فهما على مقربة من بعضهما، تفصلهما خطوة. تكثر مناجاتهما لبعضهما في ليل يبشّر بعاصفة لا تهدأ.

لا تسمع لعواء، ولا ترى سوى تلك الأطياف ورجل وامرأة، أو هكذا خيّل له.

-"لن أقترب، لا رغبة لي في محادثة أحد، لن استأذن وإن كانا أصحاب البستان. سأشعل ناري، وألهو مع نفسي، سأكون مسبّحا للحقيقة، والّرامي لحجيراتي على سراب أو تخاريف مقلقة. أستبعدها إن هي دنت، وأنكرها إن طافت في الأرجاء. "

يتصاعد اللّهب، وتتطاير شظايا حارقة فلا تؤذي ولا تترك جرحا أو حرقا. هي بردا وسلاما. يلمسها فلا يحسّ فعلها. 

-"إنّ بي رغبة، لو أرمي نفسي داخلها وأكشف ما تخفّى أو خفي؟"

"إنها لا تؤذي، فها أني ألمس لهيبها، وأجمع عيدانها أضمّها، ولا أشعر بلسعها أو حرقها. قد أكون أكثر أعواد الحطب اشتعالا فتتّقد وتزيد من نور المهجع قوة."

يضحك.

-"وبعدها أصبح رمادا تذرّه الرياح، فتتوزّع ذاكرتي بين إنسان وحيوان وجماد، وإن أراد يختار من الجن من يرغب في شيء من الذكرى. "

يضحك مجددا.

-"أو تأخذني الريح قرب تلك المنازل، وتجمع شتاتي فأعود لخلقتي الأولى".

يضحك بصوت أعلى.

-"سأسكر هذه الليلة، هذه ناري، وتلك الخيالات جمهوري، وهذا الذي يسمّوه -أنا -سأختاره نديما ومن كأسه أشرب."

يسقي عروقه من ماء نقي صاف لا يحمل أو يخلط بشيء مسكرا، فيشرب حتى يرتوي.  يعيدها ويغيّر طقوس شربه، فيلاطف قطراتها العابرة للجسم والهاربة منه.  يواصل وفي ملامحه شبيه مسكر مخمور. 

-"لن أحدثك أيها النديم الذي يلبسني." هكذا قالها وفي قوله ثقل وواصل قوله:

-"إنك لا تقدّر الصداقة، فأنت واش، لقد حدّث بي بعضك، لقد أعلمني أنك أفشيت سرّ تخاريفي وتوسّلي لها كي تعتقني."

"لقد وصفتني بالمتسوّل، وطالب ودّ نفسي من نفسي. أنت ركيك حين ترتّب العبارة مثل حشو الكلام ولغوه."

يصمت وقد ثقل لسانه ثمّ نهض مترنّحا، يواصل سرده محدّثا لنفسه.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • تخاريف    تخاريف الفصل 16

    إني هنا أجمع حطبا، وأشعل نارا، وأطعم نفسي من زهيد الطعام وأنام نومتي هذه حيث أنت وأخرج حيث تلك المنازل المتطرّفة أطلب ودّ فقير فأخدمه إن قبل وأعطي شيوخا وعجائزا أعطية إن هم رغبوا وأعزق أرض فقير، فأنبت فيها من الثمرات والزّرع ما يسدّ به الرّمق، وإن نقصت أعطياتي عدت لمن أوكلته خزائني لأحمل ما يسدّ الحاجة، فيخبرني أن ما ينقص من هناك يزيد هنا، وإنّ في الأمر سرّ، فأي تعويذة تردّد لتخرّ لك خزائن الدنيا ولتجارتك تزيد تودّدا؟أفرّ حيث مرضى أسقيهم وأطعمهم، وأخدم إن أرادوا فلا أشقى من فعلي ولا أحس التّعب.إنّ حياة القصور وحبّ المال يزيد كدر ا على كدر، وأقنعة تلبس على الوجوه تخفي عللا أنت لها كاشفا إن غادرك الصحب والولد. فإن أردت واصل واطلب ودّ رفيق يأنس نهارك، ويفارق ليلك، فطريقك من هنا. وإن أردت رفيقا يناجيك ليلا، ويفرّ عنك نهارا فأعبر من هنا، وإن رغبت في رفيق يتودد لجيبك فلك هذا المسلك فيه الدليل ومنه المخرج، وإن رغبت في ملاطفة متزلّف لحاجة يقضيها فذاك مهربك هناك ومن هنا، وإن أردت صدقا وحسن معاش فاعتزل ذئاب البشر، وتطهّر لتتكشّف من منهم الذئب ومن الحمل الوديع، فتخيّر من إليه ستتودّد ولأجله تح

  • تخاريف    تخاريف الفصل 15

    يصمت بعدها ويحدّث صحبه:'انصرفوا فرادى دون ضجيج، وإني لاحق بكم، فصاحبنا هذا قد نال نصيبه من الحساب، وفي عقيدتنا التي ورثناها لا نحاسب الظالم سوى مرّة. هي نفس عزوف غرقت في هموم داخلها. سعت أن تلبس جلبابا لا يخصّها، فحملت أوزار مالكها فلنرحل فإن به سخط لو خرج من مكمنه لسلبنا راحتنا وأرّق من بعدنا نسلنا. 'تفرّقوا وهفت صوت الحكيم المنادي وخفّت تلك الأصوات المتزاحمة خارجا، فتستكين الأنفس مجددا ليواصل رقدته التي طالت.تدوي الأرض من تحته كأن شرخا أو صدعا يفتح فيها جرفا يبتلع بعضه فينهض مشوشا مخطوف العقل. يمسك بيده لحافا أخضر. يرمقه بنظرة خجولة، فمرتجفة فساخطة، فعلم أنّ أضغاث أحلامه قد عادت إليه فأقلقت مضجعه.استقام وتوجّه لصاحب المقام يطلب الصفح، فليس عليه بقادر، ولا عن ملكه بمنازع.يخرج من باب المرقد ويعبر مضيق أسواره، مخلفا وراء ظهره ساعة من نهار أنكرها. يعبر المضيق منهكا، جسده لم يعد يقوى على حمله. تفصله لحظات عن الجنون. تخاريف الصّباح والمساء أعيته. لم يظفر بعد بإنسي يحادثه.لم يفعل ذلك السوء الكبير لكي ينال عقابه في معاشه قبل معاده. إنّ به قرين يسحبه للانتحار لحظة ضعف تصيبه، أو انتظار

  • تخاريف    تخاريف الفصل 14

    يسكت ويستقيم ثم يبدأ في الكلام:-"أأبدأ في الإنشاد؟ "-"إن منبتي أنقى من صاحب المقام، قد أنشد فأملك داره، فأغدو صاحب الكرامة، ومقصدا، فأنا العائد بعد التطهّر." "إني ملاقي الحقيقة هاهنا حيث غريمي."هاتفه أخرس، انعقد لسانه عن الكلام فصيّر نفسه أبكم وكذا جذع النخل الخاوية والصخرة الصمّاء لا تحرّك سواكنها.-"لقد باعوك فاشتروا لأنفسهم سيدا. ""نزعت عنك هالتك وقداستك. "يصرخ:-" حيّ، إني شبيه إنسان "." حيّ، لست مثلي تجرّد وتطهّر، ففرّت منه شياطين الإنس والجان""حي، لا مسكن لك ولا مفرّ، فإن أردت أخلد مكانك فتكون الراقد منزوع الكرامات""حيّ، إنك ميّت، وإني لك خليفة أكتب بدل القصة ألف قصة وإنك على الهامش"يهتزّ لحاف أخضر بقوّة شديدة، تصلّب وهو رخو وتمدّد ثم تقلّص، كأنه يرقص من صدى كلمات لا معنى لها إنه أبعد من أن يكون وحي يوحى. أضغاث أحلامه عادت إليه.-" لحاف به روح؟ وما الغريب فقد صوّرت لي هواجسي عصا تتحرك وتحدّث. إنها مسكونة أو مسيّرة لتقصّ عليّ قصّتها، أو لتذكر لي أني أنا من يقبع على هامش القصة. وأنّ للمقام حرّاسا وسدنة، وأنّ فيهم من يسقي، وفيهم من يطعم، وفيهم السجّان، إن عصيت وزدت في طغ

  • تخاريف    تخاريف الفصل 13

    تفرّ جماعات يمينا وشمالا، تغالب العقل وتأمن للوسواس، فتزدحم وتتدافع هربا من نطق النهاية.إنّ شيطانه قد غلب فرمان الزبانية فصنع لنفسه مخرجا، فعاد من هناك إلى هنا. لقد عاد من أقاصي جهنّم زاحفا، حاله كقطعة خشب أكلت النار بعض أطرافها، واسودّ لونها. ثقلت خطاه وهو يلمح سرابا أو أشبه بالسراب، تحنّط برهة فإذ بالرائحة لا تشبه ذاك الشواء الآدمي الموضوع داخل تنّور تُوقَد ناره بوتيرة أدقّ من عقارب الساعة. كأنها أرضه الأولى، يطيل النظر بعد أن اعتدل في جلسته، ويمسك بيده حفنة تراب يتحسّس رائحتها فإذ هي أديم أرضه، فأيقن أنه عاد من جديد إلى بلده بعد هروبه من الحساب. مشى وهو يتحاشى نظراتهم وتلويح أياديهم تشير إليه. نعم إنه فلان. كيف؟ أَلم يمت؟ أَلم نحضر جنازته؟ أَلم نطلب له المغفرة عن زلّاته وأفعاله؟ تسارعت خطاه حتى بلغ مدخل داره فتكشّفت هيئته لتتمازج المشاعر وتتناقض بين ساخط وراغب، ومذهول وخائف، ومستبشر بغد أفضل، ومتشائم من قادم مقيت.تربّع على عرش مملكته الصغيرة مجددا، وأثنى اليمين أن يقطع مع صنيعه الأول خوفا وموعظة من لسعات جهنّم في العالم الفوقي. خرج واستنشق نسمات باردة ليعلن بداية رحلة التوبة الك

  • تخاريف    تخاريف الفصل 12

    ينتهي من فزعه ويرتّب أنفاسه ويحمل بقايا المسافر ويمشي يقطّع الطريق إلى فواصل. إنّ به رجاء يخفيه في جوفه خشية. إنه يرغب في يوم صاخب لا يهدأ.بالجوار دار معمّر أو قل مستعمر وضيعة، ومدرسة شيّدوها ليحتكرها لنفسه ولخلفته الغازية. لم يعاصر أحداثها، فتلك الضّيعة بعيدة عن مسرح الجريمة. المدرسة أضحت حرّة فصيّروها مزار علم وتأديب. كل من فيها فقير. كانت قلعة عامرة وصارت بعد زمن شاغرة. نقلوا روحها إلى قلب الحي تاركيها ليد عابثة، أو لأرواح مازحة، أو مقصدا لزائر حلّ ليله أو صادفه سيل يلدغ جسده فيتخفّى.تقدّم نحوها فإذ بها مفقودة مرهقة. تغلّبت عليها الأيادي الغادرة فرتّبتها من جديد دون ترتيب، ليس بها نفس ولا تصدح بذاكرة فقد سلبت جميع دفاترها.يلتفت إلى مطمور، مدفن أو قل مخزن تصرخ منه الأنفس.-"ماذا أرى؟"إن به عصا وحيدة تجلس في الوسط وصدى صوت يتردد.-"لست أدري إن اختارت مكانها أم في المدن ريح تهزّها أم يد زائر تخلت عنها؟"يجلس أمامها ويترك حيّزا ويمسّي مازحا، فتمسّي، فيسقط خائرا صاعقا مغشيّا عليه.يغالب ويعود إلى هيئته الأولى ويسلّم مشكّكا.فتسلّم. فيرغب أن يسقط أو هو يسقط عنوة.-"عود يابس ينطق!! إن

  • تخاريف    تخاريف الفصل 11

    تدنو نفسك في لحظة شكّ إلى مرقدها حتى تظن أنك ملاق خالقك وأنت بعد تلهو مع أترابك بوجه مرح لا يعي ثقل الأيام وشدّتها.مشى وفي نظراته ذهول أخذ نصفه، وأوجز عمر الصبيان داخله. توقّف ثمّ دنا من بركة الماء فإذ بها تحمل انعكاس صورته. سألها متى؟ وكيف؟ ولماذا؟ إنّ في الوجه وسامة تسكنها براءة الحمل، وفي النفس جبلّة أخذت بالسّليقة، طيبة المنبت وحسنة المعشر، ونقيّة العرق. صمت ورفع بصره إلى السماء ذات الزرقة الخفيفة، فضحك وقال:- "أضغاث أحلام من أمّ تخشى على وليدها نسمة ريح دافئة في يوم ثقيل عنيد شديد البرودة".ما أن أزاح سهام نظراته عن جزء الكون، حتى وجم الوجه وتقطّعت الصورة المبثوثة داخل كيانه الصغير تنشد صدق القول، فركض مسرعا إلى شيخه الجليل يطلب علما يظنّ أنه يملكه، وهوس نفس يعتقد أنه الأقدر على إزاحة وقعه من قلب طفل مازال بعد لم يبدأ شوطه الأول في حلم ليله بعد غفوته، وأحلام نهاره سرا وجهرا والعين تبصر. همّ إليه في عجل وسأل:-"هل أشبهه؟"سكت برهة.-" أتبدو عجينتي مخلوطة بمارج من نار؟ "صمت مجددا - "أتسكن تفاصيل شيطانية داخل تقسيمات الوجنتين؟ أم في سواد العينين؟ أو في لعس قدّه الخالق في الشفتين

  • تخاريف    تخاريف الفصل 9

    رمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث. في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من ن

  • تخاريف    تخاريف الفصل 8

    يزيد في بحثه فتتعثّر يديه بصندوق أسود يختلف عن صندوق المال. يفتحه، إن به ورق صغير مزقته يد بارعة إلى بطاقات ومعها قنّينة. يبدو عطرها مختلف. يسكب منها قليلا فإذ بسائل أصفر شبيه الزّعفران يواصل السّكب. بقرب القنينة كتاب صغير على غلافه طلاسم، ومصحف صغير ملفوف داخل قطعة قماش بيضاء، ومن تحته أجزاء من أق

  • تخاريف    تخاريف الفصل 7

    'ما أعجب له كيف قبلت به زوجا وهي الرّقيقة الصغيرة، وهو وحش متجبّر حين يزأر تفرّ منه الأنوثة أو تموت مكانها خوفا. إني أعجب إن كان قد أحب يوما أو نطق كلمة غزل... يبدو سليل آكلي لحم البشر تصالح مع الحضارة فهذّب من نفسه قليلا'يضحك طويلا ونضحك معه ثم يواصل.' ليلتها بقيت معلّقا وهو يراقب ملوّحا بعصاه ا

  • تخاريف    تخاريف الفصل 1

    تصديررواية تخاريف هي تعبير عن ذات تحمل في جوفها فكرة مجنونة وخيال جامح، وهواجس مثقلة. فتدكّ داخلها كلّ انتماء للواقع، وتفتكّ من بين قسوة الأيام ذكرى فيها سطور معلومة، وسطور متخفية، وسطور مجهولة. ومن السطور ترتسم الصورة تراوح بين الوضوح والعتمة، فتخال نصفها مرئي ونصف الآخر مستتر، في حين أن الصورة ك

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status