LOGINيصمت بعدها ويحدّث صحبه:
'انصرفوا فرادى دون ضجيج، وإني لاحق بكم، فصاحبنا هذا قد نال نصيبه من الحساب، وفي عقيدتنا التي ورثناها لا نحاسب الظالم سوى مرّة. هي نفس عزوف غرقت في هموم داخلها. سعت أن تلبس جلبابا لا يخصّها، فحملت أوزار مالكها فلنرحل فإن به سخط لو خرج من مكمنه لسلبنا راحتنا وأرّق من بعدنا نسلنا. '
تفرّقوا وهفت صوت الحكيم المنادي وخفّت تلك الأصوات المتزاحمة خارجا، فتستكين الأنفس مجددا ليواصل رقدته التي طالت.
تدوي الأرض من تحته كأن شرخا أو صدعا يفتح فيها جرفا يبتلع بعضه فينهض مشوشا مخطوف العقل. يمسك بيده لحافا أخضر. يرمقه بنظرة خجولة، فمرتجفة فساخطة، فعلم أنّ أضغاث أحلامه قد عادت إليه فأقلقت مضجعه.
استقام وتوجّه لصاحب المقام يطلب الصفح، فليس عليه بقادر، ولا عن ملكه بمنازع.
يخرج من باب المرقد ويعبر مضيق أسواره، مخلفا وراء ظهره ساعة من نهار أنكرها.
يعبر المضيق منهكا، جسده لم يعد يقوى على حمله. تفصله لحظات عن الجنون. تخاريف الصّباح والمساء أعيته. لم يظفر بعد بإنسي يحادثه.
لم يفعل ذلك السوء الكبير لكي ينال عقابه في معاشه قبل معاده. إنّ به قرين يسحبه للانتحار لحظة ضعف تصيبه، أو انتظار صدفة وانصاف فرص تنهي عمره. أحسّ بندم وعادت به الذاكرة إلى المفترق فلام النّفس عن اختياره لأطول الدروب. فقد يكون في أقصرها أكثر حظا ومتعة. كأن الدّرب الذي سلكه معبر شقاء داخله مفقود وإلى زوال.
يتوقف ويشرب ماء ويواصل مسيره.
بالجوار بقية الوادي وربوة، لا يدري أيسلك الوادي أم يصعد الربوة.
-"يكفيني صعودا سألتمس طريقي حيث منعرجات الوادي، فقد يحمل خيرا كما يحمل بشرى بسيل بعد سنين جفاف."
يسمع لصوت عزف ليس بالبعيد. يدنو فإذ بالحكيم المجنون من جديد يفترش ترابا، وعلى ظهره حمل ليس ثقيلا.
يجلس حذوه ويسلّم.
-"هل أشتري صحبتك؟"
'ولمن أبيعها؟ '
-"أترغب في سيجارة".
'وهل لديك غير نصفها المؤجل نهايتها.'
-"وما أدراك؟"
'أنا أخمّن'
-"إنّ هذا لشيء عجاب" لم يكن في البرّ غيري وتخاريفي".
"أتكون بعض تلك التخاريف؟."
'في السابق أجلت رغيف الخبز، ناولني إياه.'
-"ومن قال إنّه مازال معي! ربما قد أصبت منه مغنمي فالتهمته كلّه."
'أعلم أنك لم تمسسه، وأنه محفوظ لغدي، وأنّ زمنه قد حان. وإني أنا سيّد هذا المكان وسيّدك فناولني حاجتي، أو ارحل لعلك تجد ابن جلدتك تحادثه فيفهم تخاريفك.'
يناوله الرغيف ويواصل حواره.
-"أنت ابن جلدتي".
'لا، لا أعتقد ذلك فأنا كيان عاقل، وأنت وأبناء جلدتك فاقدي عقول. '
يبتسم.
-"صدقت" ما ذاك؟ "
'إنه كوخ. '
-"لمن؟"
' لصاحبه. '
-"ومن صاحبه"؟
'قاصده ليرتاح. '
-"وهل به راحة؟"
'الراحة خلفه. '
-"أين؟"
' خلف تلك التلّة قرب الشجرة'
-"تقصد تلك الأحجار البيضاء المتراصفة!!"
"هل ما زلت زعيمهم وتخطب فيهم؟"
'لا لم أعد. '
-"لماذا؟ "
'أبعدوني إلى حين لأني حادثت إنسيا '
-"وأنت انسي وهم أناس"
'لا نحن نملك عقولا وأنا حادثت إنسيا بلا عقل... '
-"أمتزوّج؟"
'نعم '
-"من تكون؟ أهي من ديارنا؟ "
'هي من تلك الديار الراقدة '
ضحك ضحكات مسترسلة وطلب المعذرة وعاود الحوار.
-"هي ميّتة وأنت حي، فكيف تكون الزيجة؟"
'أنت ميّت وأنا حي فكيف يكون الحوار؟'
يدبّ الشّك داخله.
- "أعد ما ذكرت! "
'أنت ميّت ولكنك خارج قبرك. '
-"كيف؟"
'إن بلغت تلك المنازل فتأكد من الاتجاهات واتّخذ الغرب وجهتك '
-"ثانيا الغرب إني أنكره. "
يواصل قوله:
'عدّد خطاك حتى تصل المائة ثم انعطف شرقا ستجد صخرة نصفها أملس والنصف الآخر به نتوء وبجانبها قبرك. '
-"أهو موصد؟ "
'لا منذ خروجك ظلّ مفتوحا صار ملجأ '
-"ملجأ لأي شيء؟ "
'أحيانا يبيت فيه كلب ويصادف أن تجد فيه بقايا نار ورماد وقد ترى أسفله عود حطب. في الليل تنظر فترى أطيافا وتسمع هواتفا وأصواتا. إنّ حياة الصّخب التي تحيطه أقلقت جيرانك. '
يقف مذهولا مصدوما، تلك الشخصيات يتذكّرها وهذا المجنون الحكيم حقيقة وروايته صادقة.
- "كيف أصفها بالتخاريف وهي من نسج الحقيقة؟ "
يجلس مجددا ويسأل:
-"إني عبد كثرت هلوساته وتخاريفه، فهل تدلّني على حكيم يداوي مصابي؟"
'أقصد ذاك الكوخ. '
-"هل به حكيم؟"
'أقصد ذاك الكوخ'
-"وهل يعالج سمعي وبصري وذاكرتي؟ "
'أقصد ذاك الكوخ. '
'لبّيك إني قادم. '
'هو من أعطى ووهب، هو من سأل فأجبت.
هو ليس بالإنسي قالوا عنه شبيه إنسان.
هو لا يتعب... مصنوع من شيء عجاب
تأنس له الجماد.
لبيك إني أحدث شبيه إنسان، جليس الإنس والجان
لبيك إني قادم فلا تغضب.
لبيك إني قادم فلا تغضب.'
-"انتظر لا تغادر من تكون؟ "
'أنا ابن التراب.
-"ومن أكون؟"
'أنت تطارد سرابا'
-"كيف يبدو؟"
'هو شبيه رماد. '
-"ماذا أفعل فإن بي شقاء لا يفرغ؟ "
'اعتزل البشر'
-"وإن فعلت!"
'تنجو من العقاب. '
'لبيك إني قادم فلا تغضب'
-"انتظر، من تكون؟"
'أنا ابن الشجرة منها احتطب'
-"هل ترى في الأفق إشارة تخبرك عني؟"
'بك أمس عقيم وقادم أليم
لبيك لا مفر قادمك جحيم
لبيك إني قادم، لبيك قادم'
يفرّ مجددا تاركا خلفه عبارات تشتم بعضها وقلب حائر يسبّح للحقيقة.
أي صدفة تجمعه بصاحبه الحكيم المجنون، لا غرابة فهو صاحب الوادي أو قل ابن الوادي.
-"أيكون حديثه مثل تخاريفي؟".
-"إن الكوخ ليس ببعيد. أأقصده فأنال حاجتي أم أتّخذ طريقا محاذية خشية أن تسكنه آفات أكثر فتكا من هول ما رأيت وسمعت؟ "
"أأهرب من قدري إلى قدري، أم أسلّم أمري وأسبّح للتخاريف هذه المرّة بدل الحقيقة؟ "
يكتفي، فالأسئلة أرّقته. إنها التخمة القاتلة. ضيق خانق يقسم روحه العالقة بين منزلتين، واحدة تدنو إلى السماء فتخنق، وواحدة تشدّ وتدها إلى الأرض فتخنق.
سيأوي إلى الكوخ، إلى ظلّ الكوخ.
سيشتري صحبة كي يبرأ.
إن كانت سيّدة سيطلب ودّها.
***
بيت من قشّ زمن قيلولة في يوم ربيعي توسّط شتاء. كل الدّلائل تحدّث أنه سيعثر على حبّة نجاة.
لم يسأل مجنونه إن كان لزاما عليه أن يسلّم أو أن يصوم عن الكلام.
-"لن أحدّث اليوم إنسيا".
يجلس ويضع متاعه. يسحب باقي رغيف خبز تركه المجنون حين أذنت له أسياده بالانصراف. يقضم ما استطاع، ثم يسقي عروقه. يسند ظهره إلى لوح خشب توسّط الكوخ، وانتظر قدومه متسائلا كيف يكون وهو لا يعلم عنه سوى أنه صاحب بيت قشّ؟
يقول صاحبه أنه يبرئ السّقيم حتما سيكون صافي السريرة طيّب السّجية.
يسمع صوتا، يهمّ بالخروج ليعلم من القادم فيعجز عن الوقوف. يطلّ من بين الشقوق وكذلك من منفذ الباب المفقود، فيرى شيخا وخلفه دابّة تحمل حطبا وبعض الحاجة.
يصل حيث مربط الدّابة... يعقلها وينزل متاعه وحطبه ويدنو إلى الكوخ.
_'وصلت؟' تكلّم الشيخ
-"هل يكلمني؟" تحدث في سرّه
_'لقد تأخرت ما خطبك'!
يصمت ويتفحّص حاله، قد يكون فاقدا للبصر فلا يدرك من يحدّث، ليس به علامة ضرير.
-"بصره سليم يشبه حالي".
_'تمدّد لتريح نفسك. ' حدّثه مجدّدا.
تدبّ المخاوف، ففي التمدّد بداية حساب.
-"لن أفعل" يردّد كلماته في سرّه.
يرتّب الشيخ حطبه، ويضعه في ركن ويعود.
_'أظن أنك لا تشبه غيرك. هذا الكوخ مفتوح للزائر، بك صوت دفين، ألا تتمدّد؟ '
-"لن أفعل" يعلو صوته دون قصد.
_'لا بأس احكي حكايتك. كأنها تسرد قصة الميّت والحي؟'
-"لمن سأحكي حكايتي؟ من تكون؟"
_'شيخ كبير أعيش وحيدا يرافقني في الحياة تلك الدّابة. '
-"أأخذت نصيبك من الدنيا؟ كم عمرك؟"
_'بضع من الزمان وأشهر.'
-"بدأنا مجددا كلام لا استسيغه، ينطلق بحكمة وينتهي بحكم. "
_'لا عليك، لا تجزع. '
-"أخبرني أحدهم أنك حكيم ولك بسطة من العلم وأنك ستشفيني."
_'كذب عليك. '
-"أواثق من ذلك؟ "
_'أنا لا دراية لي بعلم الطبّ ولا التشريح. '
-"قد حدثني أنك ستسحب علّتي فإن كنت قادرا فافعل. "
يسكت الشيخ قليلا ويتكلم:
_'صاحبك... قد يكون محترفا للكذب أو مجنونا. '
بدوره يصمت ويفكر.
-"هل أخبره أنه مجنون؟"
يسترسل الشيخ في الكلام:
_'أنا يا ولدي عجوز جاب الدنيا طولا وعرضا، وسكن الصحاري ليلا، وصعد الجبال نهارا، غامرت وجرّبت وخبرت صروف الحياة، فوجدت أن نجاة البشر في اعتزال البشر. '
-"ولكني أبحث عن صحبة فالوحدة تقتل "
_'ومن قال إنها تقتل؟ هل خبرتها؟'
-"نعم خبرتها ".
_'متى وكيف؟'
-"هذه الأيام وإني مسكون بتخاريف لأني وحيد"
_'ها أني وحيد ولكني لا أشعر مثلك.
لا يا بني إن عللك تختلف أسبابها '
-"هل لك علاج، فقد سئمت حالي وأنا جليس هلوساتي؟
يصمت مدّة من الزمن ويتكلّم:
_'سأقصّ لك حكايتي. '
'كنت شابا، ورثت عن والدي رزقا، شيء أعلمه وشيء أجهله، تجوّلت في جنانه، وسرت خلف ملذّاتي حتى مللتها، وسرت خلف السيادة فملكتها، وكذلك مللتها، كثرت زيجاتي، وكثر معها البنون. خبرت التجارة وشيطنة التجار، واحترفت التزلّف والنفاق. جالست صفوة القوم وزاد كبري. لا أرى الفقير ولا اليتيم. ولا أعي ما معنى الجوع والعراء. كلّ من تعنّت ورغب في منازعتي فعلت فيه ما يخجل الشيطان عن فعله. لا يأتي على مسمعي صوت مناد ينادي أن تصدّق لسائل، وإن آويت إلى فراشي أردّد ذكري فأتلو شهادتي مطلعها أن لا شريك سوى فلسي، ولا معين سوى ساعدي، ولا رفيق سوى عقلي. مشيت متفاخرا، وحدّثت فنطقت فضّ الكلام. كبرت الطيور وغادرت أعشاشها، وكبرت الحمائم وخلدت في قبورها، وأوصدت أبواب القصور على وحيد مترف زاد رزقه ولم ينقص.
خرج يطلب صحبة فوجد صفوفا تنتظر طمعا، وتودّد ينشد حبا فدنت منه بدل الحورية ألف وزيادة، وترجّى تلك الطيور المغادرة أن ترجع ليضمّها إلى صدره ساعة فتأبى وتستنكر، فبالأمس كان صخرة لا تحمل روحا.
شغل نفسه بتجارة يريد منها خسارة فتضاعفت، وصفّف خدمه رغبة في ضيافة وصحبة ففزعوا وتمنّعوا ففي عقولهم ذاك السيد المتجبّر. ارتحل، ولمس من الدنيا متاعها وصخبها، وارتحل ثانية ولمس من الدنيا تقواها وورعها، وفي الحالتين ظلّ وحيدا وسط ازدحام وجماهير لصحبته تتمنّى لا حبا بل طمعا وتزلّفا.
وضع خازنا على رزقه يعوده في العام مرّة، يحاسب، ويدّخر، وينظر مآل الرزق والقصور وبساتين وجنان ش
تّى، هجر ومعه دابّة يطلب وحدة ليداوي تزلفا وكبرا وتجبرا صيّرهم الزمن عللا ومرضا.
إنّي الهارب من دنيا المال إلى دنيا الاعتزال، فالبشر ذئاب وإن قالت في الأمانة قولا حسنا.
يدنو بعضهم... لا يكلّمني منهم أحد... طرحوني أرضا، ومدّدوني، وقوّمي اعوجاجي... ثم تدنو مني بعض النسوة تحمل كل منهنّ لحافا... لا تسمع لهم كلمة تعي بها مقصدا.... وبعدها حملوني وساروا في جوف اللّيل وعيني شاخصة أرقب حركة مسيرهم ووجهتهم... طابور يسير خلف حاملي جسدي، لا أحد يردّد قولا، ولا يخطئ صغيرهم فتصغي إلى قول مسروق، ولا ترى إشارة... لا بكاء أو تحصّرا وألما.... ولا شفقة.... ولا تذمّرا... ولا ابتسامة بريئة أو ساخرة أو ماكرة... لا دمعة تسيل... يختفي الإنشاد والذّكر وتحجب التعويذات... ويقبر حوار شبيه الإنسان بالسراب والأطياف والخيالات والجماد والحيوان.... مشيتهم منظّمة، لكنها ثقيلة...يلحق بهم صاحبي المجنون فيأخذ مكانه، نقلت نظري إليه أترقب جنونه... انتظرت أن يطلب سيجارة أو رغيف خبز أو يردّد أن لبّيك قادم...إنه لا ينطق... إن حاله أفضل... يواصل الحشد حملي... أطلق بصري للوراء فإذ بالكلب الأبيض يلحق من الخلف ومعه معشر الدود وكبيرهم... وعصا لا تبدو يابسة كآخر عهدي بها تسير محاذاتهم، وخيالات تحاذي أشجارا قرب المسلك تتراقص كعادتها.... وقطع متزاوجة بين بياض وسواد تفيض على المكان فتضيء بعضه وتزيد
-"وهل توقفوا؟ "_'لا بل زادوا... أخبروني أن الدّماء داخلي سائلة مميّعة، وأن تجمّدها سيريح وجعي، فوضعوني داخل مخزن تبريد به ثلج كثيف... أخرجوني مثل قطعة جليد، وأخبروني أن الماء السّاخن يريح علّتي ويعدل حالي، ففعلوا حتى اصطلى جسدي... ثم خرجت من عندهم إلى داري ...'-"وهل صرت على منهج غير ما تعلّمته؟ "_'قلّبت نظريتي غربيّها وشرقيّها، فوجدت الإنسان كيانا كادحا، يكافح لغاية مبدؤها ثروة وعدالة... '-"وكيف يحققها...؟"_'بثورة على الحاكم والكفر بمنهجه... '-"هي نفس الفكرة الأولى هل زاروك ثانية؟ ... "يطيل النظر إلى الفتى ويقول... _'نمت في زنازينهم ليالي، وأطعموني ماء مغلي ممزوجا بشيء مسموم، ورغيفا يابسا أو قل حجرا من سجّيل... وغطوني بلحاف من أشواك وعيون... ورأيت كرمهم حين تصافحني يد سجّان محكوم بنار حقد على كل مخالف بالعدل مسكون... ويلقي بي حيث سراديب بها عقارب وسموم تأكل من نصيبها علّي ألاقي سميعا عليما... ''أتعلم أنهم أعدموا أبنائي؟ '-"أي قسوة تلفّهم؟ كم أعمارهم؟ "_'منهم ابن البارحة، ومنهم من يبلغ المائتين أو تزيد ...'-"ماذا تقصد؟ "_'هي كتبي أعدموها، وجهل حارقها أنها محفورة في هذا الر
عاقل من ينعتك مجنون... فيصيب حزنك وشجونك...ويجبرك أن تختار بين جنونك...أو قطع رزق من يطعمونك"...ثم ينظر إلى تلك المصابيح فيحدّثه شيطانه أن يجمعها حيث ركن ويغطّيها فتذهب تلك الأجسام صاغرة يلفّها غطاء لا تبرق ولا ترقص فيه ولا تنشد... فيفعل ويغادر ضاحكا نحو غايته...***انشطر روح الحي نصفين... عتيق وجديد... بيوت بدأت تطلّ بجدرانها القديمة... تنسج خيوط الماضي بدقّة... إنها قصص منسيّة تعاند الأزمنة...تتدفّق فيه صورة نسيها وانسابت خواطره تتدافع... تفرّ من سكونها إلى حركتها...إنها ليست بالبيوت... إنها حياة... إنها أرواح وذوات بها عيون ووجوه وشفاه... إنها تنطق وتسمع... تكتم سرّا وتفصح حين السؤال وتريح عند الكدر... بيوت تداوي العلل وتشفي وتحيي...يعبر أزقتها... أي خراب قد أصابها؟ من شقّ جوفها؟ ...هذا بيت الطّيبة، وذاك منزل المؤذّن، وهناك بيت العلاّمة... وفي آخر الزقاق الأم الكبيرة... وفي الوسط بيت القائد هكذا كانت ألقابهم ...يقف عند بيت القائد ... بيت متواضع لدارس علم ومعرفة ومثقّف لا تملّ محاورته... يطرق فكرة فيسرد معناها، ويشرح جوهرها، ويعطي بديلها، ويستدلّ بحججه فتقنع... ثم يواصل فيبس
نلفّه بقبس ... ونخيطه دسائس... نلبسه وجه عابس... فلا تجزع إن أسرف... بضربك أو نهرك ... أو طردك من مجلس... أو قهرك عند المحن... أو دفعك بقسوة ... والشك فيه قابع ... يصفك بفاجر ..." تهفت قليلا وبه شكّ يحدّثه أن الإنشاد لحلقة ذكر هناك عند الحي وأنّ صداها يسمع.... تتدافع الأصوات كتدافع لعبة الأبيض والأسود المعلّقة أعلى قبر شيخ الكرامات فتقول محدثة بعضها... _'أتراه؟' 'لا هو في الجوار... ' _'اتسمع صوته؟ ' 'لا إنه أخرس... أو سكت كي لا يفتضح أمره ' يحدث نفسه سرا... -"إنها قطع من نور وظلمة وإنها ضريرة " يتواصل الحوار... _'أبه رائحة؟ ' 'أجل به، وإني عائد إلى حيث الكفن، لأسأل خالقي يدلني فالعطور تتشابه.... ' _'اذهب، ونحن هاهنا باقون وإن له لممسكين ' في سرّه مجددا... -"لقد اقلعت عن العطور مذ شددت الرحال إلى تلك المنازل.... هذه واحدة أغنمها بعد مشقّة... " تواصل تلك المصابيح رقصاتها وتواصل قطع السواد مناجاة رديفتها.... ليأتي مبعوثه حيث الكفن... _'نعم إن به رائحة... ' 'وكيف تكون؟ ' _'ليست عطرا... ولا مسكا ولا عود ندّ.... إن به عرقا' 'كيف يبدو؟ ' _'لم يفسد' 'وم
فعل فعلته، ومرّر عليها كبريته لتشتعل، فيسحب دخانها الكثيف متسلّلا إلى رئتيه فيطرب عقله.... يعيدها متواترة ... ينظّف ويلفّ، ويشعل ويسحب دخانها... ثم يكتفي... لقد صار أفضل... يواصل سيره بعد فسحة صغيرة، ويرقب صامتا تلك المسالك... إنه يطلب راحة... ليس التّعب بل شعور غريب بشيء تسلّل إلى أعماقه يقضمه.... يلوح في الجوار جدار قديم بزاويتين، تقدّم وآوى إلى ظلّه ينشد دواء... يتّكئ... ثم يتمدّد... به ثقل وارتعاش... يعاوده ألم الرأس، وفي عينيه دمع ساخن يخرج منسابا... أصابه تعرّقا زاده في ارتعاشه، فأخذ يطقطق أسنانه دون توقف.... يغفو أو ربما يكون قد أغمي عليه، فدنت منه غيبوبة لا يعرف مداها... إنه محموم من ليلة صقيع ممطرة... لا يد آدميّ تعالجه، ولا جار أو عابر سبيل يعثر على جثّته إن أخذته يد المنيّة غيلة.... يئنّ طويلا، ويخلد إلى كوابيسه اللّعينة وأضغاث أحلامه.... تمرّ أمامه أحداث متلاطمة تعيد شريطا من الحكايا إلى الوراء... يرى منها طيفا... وأحيانا يسمع كلمة، أو إشارة متكلّم ... يقف به حلمه الممزوج بالحمى عند ليل كسيح ... لا رغبة له في الأحلام.... فنفسه متثاقلة عزوف، وبعضه يأكل بعضه بلا شفقة،
-"بسطوة النار، وحكم لهيبها، وبحق الحقيقة، وصوت الحقيقة، لأجعل منك قصّة إنسان بدل شبيه إنسان...."تغرق نظراته في التحديق بالعاشقين.... إن بعينيه بريق تتدفّق منه نارا حامية، وإن بلسانه كلام يثقله شربه، وإن به حركة معطّلة يتربّص بها صائد ملذّة....تسري في هشيم وحطب، فتزيد توهّجا، تحرّكها ريح شرقية تأذن بليلة ملائكية.... تتراقص ألسنتها فتحرّك الأطياف الجاثمة القابعة على مقربة منه...فينطق مقاله ...- "لقد بدأت في الاحتفال... مرحى برفقة تؤنس جمودي... إني لا أبالي بقول شيخ يدّعي أنه حكيم... لن أقلع عن حديث الإنس والجن، وخلائق الأكوان صلبها ورخوها، فإني مثلهم جسد ينشد طرب النفس، فأكون ظالما إن تركت... لن أترك أمرا كنت له طالبا ولو صرت بدل المجنون ألف مجنون...""لن يعاتبني قريني، فإنّ به رغبة تسرق بعض من روحه... وتزرع نطفتها في غير ذي أديم، فتنبت بغير ذي جبلّة..."يستقيم ويبسط يداه مثل منشد... يطلق كلمات تدعو صحبه أن ...-"اجتمعوا... فلي قول إن حفظتموه سلمتم، وإن أدركتموه وتدبّرتم معانيه ملكتم أرواحكم وآمنتم قسمتها بين لصّ وحاقد وحاسد وظالم وواعظ ومرشد وصادق... وإن أنتم ردّدتم قولها في ليلكم ت
يغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ
يخرج من البيت المتآكل ويشيّع بصره نحو جذع شجرة يابسة قست عليها الطبيعة منذ عقود ونخرها دود الفناء فأفسد عرقها واجتثّ نضارتها. اسودّت وتشقّقت وفتحت خدوشا تلفّها لفّا مميتا. كانت كذلك منذ زمن. لم تنبت يوما ولم يفكّر أهلها في اقتلاعها. هي شجرة عجوز سردت عنها حكايات غريبة عن حسناء ألفت لقاء وليفها خفية
يسدل اللّيل ستاره... لم يحدّث جليسه هذه المرّة، فكلاهما مسافر يبحث عن رفقة ضائعة.صارت النّار رمادا. يمزّق قلبها بقايا دخان وقطعتين من الجمر تميلان للانطفاء. كأنّهما عينان أعيتهما الصّحوة الفاقدة للغفوة. نعم تبدو كذلك، يقلّبها فتتوارى ثم تعود لتظهر. تغمض وتفتح. يعيدها فتفعل ما فعلته في صنيعها الأوّ
يعبر المنحدر ليجد نفسه وسط الوادي تحيطه شجيرات يانعة ريحها عطرة. تحرّكها نسمات تبدو باردة. لا تؤذي، باردة لا تقسو. ينزع الحذاء ويضرب بخفّيه الرّمال الرّاسبة. يتلذّذ وقعها ودغدغتها، كأنّه يريد أن يجذب الأحداث للوراء قليلا حيث الرّفقة الصغيرة وحيث لحن الطّفولة. اقترب من جرف به استدارة، لا يزال يحتفظ







