ホーム / الآخر / تخاريف / تخاريف الفصل 15

共有

تخاريف الفصل 15

last update 公開日: 2026-07-08 23:49:19

يصمت بعدها ويحدّث صحبه:

'انصرفوا فرادى دون ضجيج، وإني لاحق بكم، فصاحبنا هذا قد نال نصيبه من الحساب، وفي عقيدتنا التي ورثناها لا نحاسب الظالم سوى مرّة. هي نفس عزوف غرقت في هموم داخلها. سعت أن تلبس جلبابا لا يخصّها، فحملت أوزار مالكها فلنرحل فإن به سخط لو خرج من مكمنه لسلبنا راحتنا وأرّق من بعدنا نسلنا. '

تفرّقوا وهفت صوت الحكيم المنادي وخفّت تلك الأصوات المتزاحمة خارجا، فتستكين الأنفس مجددا ليواصل رقدته التي طالت.

تدوي الأرض من تحته كأن شرخا أو صدعا يفتح فيها جرفا يبتلع بعضه فينهض مشوشا مخطوف العقل. يمسك بيده لحافا أخضر. يرمقه بنظرة خجولة، فمرتجفة فساخطة، فعلم أنّ أضغاث أحلامه قد عادت إليه فأقلقت مضجعه.

استقام وتوجّه لصاحب المقام يطلب الصفح، فليس عليه بقادر، ولا عن ملكه بمنازع.

يخرج من باب المرقد ويعبر مضيق أسواره، مخلفا وراء ظهره ساعة من نهار أنكرها.

 يعبر المضيق منهكا، جسده لم يعد يقوى على حمله. تفصله لحظات عن الجنون. تخاريف الصّباح والمساء أعيته. لم يظفر بعد بإنسي يحادثه.

لم يفعل ذلك السوء الكبير لكي ينال عقابه في معاشه قبل معاده. إنّ به قرين يسحبه للانتحار لحظة ضعف تصيبه، أو انتظار صدفة وانصاف فرص تنهي عمره. أحسّ بندم وعادت به الذاكرة إلى المفترق فلام النّفس عن اختياره لأطول الدروب. فقد يكون في أقصرها أكثر حظا ومتعة. كأن الدّرب الذي سلكه معبر شقاء داخله مفقود وإلى زوال.

يتوقف ويشرب ماء ويواصل مسيره.

 بالجوار بقية الوادي وربوة، لا يدري أيسلك الوادي أم يصعد الربوة. 

-"يكفيني صعودا سألتمس طريقي حيث منعرجات الوادي، فقد يحمل خيرا كما يحمل بشرى بسيل بعد سنين جفاف."

يسمع لصوت عزف ليس بالبعيد. يدنو فإذ بالحكيم المجنون من جديد يفترش ترابا، وعلى ظهره حمل ليس ثقيلا.

يجلس حذوه ويسلّم.

-"هل أشتري صحبتك؟" 

'ولمن أبيعها؟ '

-"أترغب في سيجارة".

'وهل لديك غير نصفها المؤجل نهايتها.'

-"وما أدراك؟"

'أنا أخمّن'

-"إنّ هذا لشيء عجاب" لم يكن في البرّ غيري وتخاريفي".

"أتكون بعض تلك التخاريف؟."

'في السابق أجلت رغيف الخبز، ناولني إياه.'

-"ومن قال إنّه مازال معي! ربما قد أصبت منه مغنمي فالتهمته كلّه."

'أعلم أنك لم تمسسه، وأنه محفوظ لغدي، وأنّ زمنه قد حان. وإني أنا سيّد هذا المكان وسيّدك فناولني حاجتي، أو ارحل لعلك تجد ابن جلدتك تحادثه فيفهم تخاريفك.'

يناوله الرغيف ويواصل حواره.

-"أنت ابن جلدتي".

'لا، لا أعتقد ذلك فأنا كيان عاقل، وأنت وأبناء جلدتك فاقدي عقول. '

يبتسم. 

-"صدقت" ما ذاك؟ "

'إنه كوخ. '

-"لمن؟"

' لصاحبه. '

-"ومن صاحبه"؟

'قاصده ليرتاح. '

-"وهل به راحة؟" 

'الراحة خلفه. '

-"أين؟"

' خلف تلك التلّة قرب الشجرة' 

-"تقصد تلك الأحجار البيضاء المتراصفة!!"

"هل ما زلت زعيمهم وتخطب فيهم؟"

'لا لم أعد. '

-"لماذا؟ "

'أبعدوني إلى حين لأني حادثت إنسيا '

-"وأنت انسي وهم أناس" 

'لا نحن نملك عقولا وأنا حادثت إنسيا بلا عقل... '

-"أمتزوّج؟" 

'نعم '

-"من تكون؟ أهي من ديارنا؟ "

'هي من تلك الديار الراقدة '

ضحك ضحكات مسترسلة وطلب المعذرة وعاود الحوار.

-"هي ميّتة وأنت حي، فكيف تكون الزيجة؟"

'أنت ميّت وأنا حي فكيف يكون الحوار؟' 

يدبّ الشّك داخله.

- "أعد ما ذكرت! "

'أنت ميّت ولكنك خارج قبرك. '

-"كيف؟"

'إن بلغت تلك المنازل فتأكد من الاتجاهات واتّخذ الغرب وجهتك '

-"ثانيا الغرب إني أنكره. "

يواصل قوله: 

'عدّد خطاك حتى تصل المائة ثم انعطف شرقا ستجد صخرة نصفها أملس والنصف الآخر به نتوء وبجانبها قبرك. '

-"أهو موصد؟ "

'لا منذ خروجك ظلّ مفتوحا صار ملجأ '

-"ملجأ لأي شيء؟ "

'أحيانا يبيت فيه كلب ويصادف أن تجد فيه بقايا نار ورماد وقد ترى أسفله عود حطب. في الليل تنظر فترى أطيافا وتسمع هواتفا وأصواتا. إنّ حياة الصّخب التي تحيطه أقلقت جيرانك. '

يقف مذهولا مصدوما، تلك الشخصيات يتذكّرها وهذا المجنون الحكيم حقيقة وروايته صادقة. 

- "كيف أصفها بالتخاريف وهي من نسج الحقيقة؟ " 

يجلس مجددا ويسأل:

-"إني عبد كثرت هلوساته وتخاريفه، فهل تدلّني على حكيم يداوي مصابي؟"

'أقصد ذاك الكوخ. '

-"هل به حكيم؟"

'أقصد ذاك الكوخ'

-"وهل يعالج سمعي وبصري وذاكرتي؟ "

'أقصد ذاك الكوخ. '

'لبّيك إني قادم. '

'هو من أعطى ووهب، هو من سأل فأجبت.

هو ليس بالإنسي قالوا عنه شبيه إنسان. 

هو لا يتعب... مصنوع من شيء عجاب 

تأنس له الجماد.

لبيك إني أحدث شبيه إنسان، جليس الإنس والجان 

لبيك إني قادم فلا تغضب. 

لبيك إني قادم فلا تغضب.'

-"انتظر لا تغادر من تكون؟ "

'أنا ابن التراب.

-"ومن أكون؟"

'أنت تطارد سرابا'

-"كيف يبدو؟" 

'هو شبيه رماد. '

-"ماذا أفعل فإن بي شقاء لا يفرغ؟ "

'اعتزل البشر'

-"وإن فعلت!"

'تنجو من العقاب. '

'لبيك إني قادم فلا تغضب'

-"انتظر، من تكون؟" 

'أنا ابن الشجرة منها احتطب' 

-"هل ترى في الأفق إشارة تخبرك عني؟" 

'بك أمس عقيم وقادم أليم 

لبيك لا مفر قادمك جحيم

لبيك إني قادم، لبيك قادم'

يفرّ مجددا تاركا خلفه عبارات تشتم بعضها وقلب حائر يسبّح للحقيقة.

أي صدفة تجمعه بصاحبه الحكيم المجنون، لا غرابة فهو صاحب الوادي أو قل ابن الوادي.

-"أيكون حديثه مثل تخاريفي؟". 

-"إن الكوخ ليس ببعيد. أأقصده فأنال حاجتي أم أتّخذ طريقا محاذية خشية أن تسكنه آفات أكثر فتكا من هول ما رأيت وسمعت؟ "

"أأهرب من قدري إلى قدري، أم أسلّم أمري وأسبّح للتخاريف هذه المرّة بدل الحقيقة؟ "

يكتفي، فالأسئلة أرّقته. إنها التخمة القاتلة. ضيق خانق يقسم روحه العالقة بين منزلتين، واحدة تدنو إلى السماء فتخنق، وواحدة تشدّ وتدها إلى الأرض فتخنق. 

سيأوي إلى الكوخ، إلى ظلّ الكوخ. 

سيشتري صحبة كي يبرأ.

إن كانت سيّدة سيطلب ودّها. 

***

بيت من قشّ زمن قيلولة في يوم ربيعي توسّط شتاء. كل الدّلائل تحدّث أنه سيعثر على حبّة نجاة.

لم يسأل مجنونه إن كان لزاما عليه أن يسلّم أو أن يصوم عن الكلام.

-"لن أحدّث اليوم إنسيا". 

يجلس ويضع متاعه. يسحب باقي رغيف خبز تركه المجنون حين أذنت له أسياده بالانصراف. يقضم ما استطاع، ثم يسقي عروقه. يسند ظهره إلى لوح خشب توسّط الكوخ، وانتظر قدومه متسائلا كيف يكون وهو لا يعلم عنه سوى أنه صاحب بيت قشّ؟ 

يقول صاحبه أنه يبرئ السّقيم حتما سيكون صافي السريرة طيّب السّجية.

يسمع صوتا، يهمّ بالخروج ليعلم من القادم فيعجز عن الوقوف. يطلّ من بين الشقوق وكذلك من منفذ الباب المفقود، فيرى شيخا وخلفه دابّة تحمل حطبا وبعض الحاجة.

يصل حيث مربط الدّابة... يعقلها وينزل متاعه وحطبه ويدنو إلى الكوخ.

_'وصلت؟' تكلّم الشيخ

-"هل يكلمني؟" تحدث في سرّه

_'لقد تأخرت ما خطبك'! 

يصمت ويتفحّص حاله، قد يكون فاقدا للبصر فلا يدرك من يحدّث، ليس به علامة ضرير. 

-"بصره سليم يشبه حالي".

_'تمدّد لتريح نفسك. ' حدّثه مجدّدا.

تدبّ المخاوف، ففي التمدّد بداية حساب. 

-"لن أفعل" يردّد كلماته في سرّه.

يرتّب الشيخ حطبه، ويضعه في ركن ويعود.

_'أظن أنك لا تشبه غيرك. هذا الكوخ مفتوح للزائر، بك صوت دفين، ألا تتمدّد؟ '

-"لن أفعل" يعلو صوته دون قصد.

_'لا بأس احكي حكايتك. كأنها تسرد قصة الميّت والحي؟'

-"لمن سأحكي حكايتي؟ من تكون؟" 

_'شيخ كبير أعيش وحيدا يرافقني في الحياة تلك الدّابة. '

-"أأخذت نصيبك من الدنيا؟ كم عمرك؟" 

_'بضع من الزمان وأشهر.'

-"بدأنا مجددا كلام لا استسيغه، ينطلق بحكمة وينتهي بحكم. "

_'لا عليك، لا تجزع. '

-"أخبرني أحدهم أنك حكيم ولك بسطة من العلم وأنك ستشفيني." 

_'كذب عليك. '

-"أواثق من ذلك؟ "

_'أنا لا دراية لي بعلم الطبّ ولا التشريح. '

-"قد حدثني أنك ستسحب علّتي فإن كنت قادرا فافعل. " 

يسكت الشيخ قليلا ويتكلم:

_'صاحبك... قد يكون محترفا للكذب أو مجنونا. '

بدوره يصمت ويفكر.

-"هل أخبره أنه مجنون؟"

يسترسل الشيخ في الكلام:

_'أنا يا ولدي عجوز جاب الدنيا طولا وعرضا، وسكن الصحاري ليلا، وصعد الجبال نهارا، غامرت وجرّبت وخبرت صروف الحياة، فوجدت أن نجاة البشر في اعتزال البشر. '

-"ولكني أبحث عن صحبة فالوحدة تقتل "

_'ومن قال إنها تقتل؟ هل خبرتها؟' 

-"نعم خبرتها ".

_'متى وكيف؟' 

-"هذه الأيام وإني مسكون بتخاريف لأني وحيد"

_'ها أني وحيد ولكني لا أشعر مثلك.

لا يا بني إن عللك تختلف أسبابها '

-"هل لك علاج، فقد سئمت حالي وأنا جليس هلوساتي؟ 

يصمت مدّة من الزمن ويتكلّم:

_'سأقصّ لك حكايتي. '

'كنت شابا، ورثت عن والدي رزقا، شيء أعلمه وشيء أجهله، تجوّلت في جنانه، وسرت خلف ملذّاتي حتى مللتها، وسرت خلف السيادة فملكتها، وكذلك مللتها، كثرت زيجاتي، وكثر معها البنون. خبرت التجارة وشيطنة التجار، واحترفت التزلّف والنفاق. جالست صفوة القوم وزاد كبري. لا أرى الفقير ولا اليتيم. ولا أعي ما معنى الجوع والعراء. كلّ من تعنّت ورغب في منازعتي فعلت فيه ما يخجل الشيطان عن فعله. لا يأتي على مسمعي صوت مناد ينادي أن تصدّق لسائل، وإن آويت إلى فراشي أردّد ذكري فأتلو شهادتي مطلعها أن لا شريك سوى فلسي، ولا معين سوى ساعدي، ولا رفيق سوى عقلي. مشيت متفاخرا، وحدّثت فنطقت فضّ الكلام. كبرت الطيور وغادرت أعشاشها، وكبرت الحمائم وخلدت في قبورها، وأوصدت أبواب القصور على وحيد مترف زاد رزقه ولم ينقص.

خرج يطلب صحبة فوجد صفوفا تنتظر طمعا، وتودّد ينشد حبا فدنت منه بدل الحورية ألف وزيادة، وترجّى تلك الطيور المغادرة أن ترجع ليضمّها إلى صدره ساعة فتأبى وتستنكر، فبالأمس كان صخرة لا تحمل روحا. 

شغل نفسه بتجارة يريد منها خسارة فتضاعفت، وصفّف خدمه رغبة في ضيافة وصحبة ففزعوا وتمنّعوا ففي عقولهم ذاك السيد المتجبّر. ارتحل، ولمس من الدنيا متاعها وصخبها، وارتحل ثانية ولمس من الدنيا تقواها وورعها، وفي الحالتين ظلّ وحيدا وسط ازدحام وجماهير لصحبته تتمنّى لا حبا بل طمعا وتزلّفا. 

وضع خازنا على رزقه يعوده في العام مرّة، يحاسب، ويدّخر، وينظر مآل الرزق والقصور وبساتين وجنان ش

تّى، هجر ومعه دابّة يطلب وحدة ليداوي تزلفا وكبرا وتجبرا صيّرهم الزمن عللا ومرضا. 

إنّي الهارب من دنيا المال إلى دنيا الاعتزال، فالبشر ذئاب وإن قالت في الأمانة قولا حسنا. 

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • تخاريف    تخاريف الفصل 16

    إني هنا أجمع حطبا، وأشعل نارا، وأطعم نفسي من زهيد الطعام وأنام نومتي هذه حيث أنت وأخرج حيث تلك المنازل المتطرّفة أطلب ودّ فقير فأخدمه إن قبل وأعطي شيوخا وعجائزا أعطية إن هم رغبوا وأعزق أرض فقير، فأنبت فيها من الثمرات والزّرع ما يسدّ به الرّمق، وإن نقصت أعطياتي عدت لمن أوكلته خزائني لأحمل ما يسدّ الحاجة، فيخبرني أن ما ينقص من هناك يزيد هنا، وإنّ في الأمر سرّ، فأي تعويذة تردّد لتخرّ لك خزائن الدنيا ولتجارتك تزيد تودّدا؟أفرّ حيث مرضى أسقيهم وأطعمهم، وأخدم إن أرادوا فلا أشقى من فعلي ولا أحس التّعب.إنّ حياة القصور وحبّ المال يزيد كدر ا على كدر، وأقنعة تلبس على الوجوه تخفي عللا أنت لها كاشفا إن غادرك الصحب والولد. فإن أردت واصل واطلب ودّ رفيق يأنس نهارك، ويفارق ليلك، فطريقك من هنا. وإن أردت رفيقا يناجيك ليلا، ويفرّ عنك نهارا فأعبر من هنا، وإن رغبت في رفيق يتودد لجيبك فلك هذا المسلك فيه الدليل ومنه المخرج، وإن رغبت في ملاطفة متزلّف لحاجة يقضيها فذاك مهربك هناك ومن هنا، وإن أردت صدقا وحسن معاش فاعتزل ذئاب البشر، وتطهّر لتتكشّف من منهم الذئب ومن الحمل الوديع، فتخيّر من إليه ستتودّد ولأجله تح

  • تخاريف    تخاريف الفصل 15

    يصمت بعدها ويحدّث صحبه:'انصرفوا فرادى دون ضجيج، وإني لاحق بكم، فصاحبنا هذا قد نال نصيبه من الحساب، وفي عقيدتنا التي ورثناها لا نحاسب الظالم سوى مرّة. هي نفس عزوف غرقت في هموم داخلها. سعت أن تلبس جلبابا لا يخصّها، فحملت أوزار مالكها فلنرحل فإن به سخط لو خرج من مكمنه لسلبنا راحتنا وأرّق من بعدنا نسلنا. 'تفرّقوا وهفت صوت الحكيم المنادي وخفّت تلك الأصوات المتزاحمة خارجا، فتستكين الأنفس مجددا ليواصل رقدته التي طالت.تدوي الأرض من تحته كأن شرخا أو صدعا يفتح فيها جرفا يبتلع بعضه فينهض مشوشا مخطوف العقل. يمسك بيده لحافا أخضر. يرمقه بنظرة خجولة، فمرتجفة فساخطة، فعلم أنّ أضغاث أحلامه قد عادت إليه فأقلقت مضجعه.استقام وتوجّه لصاحب المقام يطلب الصفح، فليس عليه بقادر، ولا عن ملكه بمنازع.يخرج من باب المرقد ويعبر مضيق أسواره، مخلفا وراء ظهره ساعة من نهار أنكرها. يعبر المضيق منهكا، جسده لم يعد يقوى على حمله. تفصله لحظات عن الجنون. تخاريف الصّباح والمساء أعيته. لم يظفر بعد بإنسي يحادثه.لم يفعل ذلك السوء الكبير لكي ينال عقابه في معاشه قبل معاده. إنّ به قرين يسحبه للانتحار لحظة ضعف تصيبه، أو انتظار

  • تخاريف    تخاريف الفصل 14

    يسكت ويستقيم ثم يبدأ في الكلام:-"أأبدأ في الإنشاد؟ "-"إن منبتي أنقى من صاحب المقام، قد أنشد فأملك داره، فأغدو صاحب الكرامة، ومقصدا، فأنا العائد بعد التطهّر." "إني ملاقي الحقيقة هاهنا حيث غريمي."هاتفه أخرس، انعقد لسانه عن الكلام فصيّر نفسه أبكم وكذا جذع النخل الخاوية والصخرة الصمّاء لا تحرّك سواكنها.-"لقد باعوك فاشتروا لأنفسهم سيدا. ""نزعت عنك هالتك وقداستك. "يصرخ:-" حيّ، إني شبيه إنسان "." حيّ، لست مثلي تجرّد وتطهّر، ففرّت منه شياطين الإنس والجان""حي، لا مسكن لك ولا مفرّ، فإن أردت أخلد مكانك فتكون الراقد منزوع الكرامات""حيّ، إنك ميّت، وإني لك خليفة أكتب بدل القصة ألف قصة وإنك على الهامش"يهتزّ لحاف أخضر بقوّة شديدة، تصلّب وهو رخو وتمدّد ثم تقلّص، كأنه يرقص من صدى كلمات لا معنى لها إنه أبعد من أن يكون وحي يوحى. أضغاث أحلامه عادت إليه.-" لحاف به روح؟ وما الغريب فقد صوّرت لي هواجسي عصا تتحرك وتحدّث. إنها مسكونة أو مسيّرة لتقصّ عليّ قصّتها، أو لتذكر لي أني أنا من يقبع على هامش القصة. وأنّ للمقام حرّاسا وسدنة، وأنّ فيهم من يسقي، وفيهم من يطعم، وفيهم السجّان، إن عصيت وزدت في طغ

  • تخاريف    تخاريف الفصل 13

    تفرّ جماعات يمينا وشمالا، تغالب العقل وتأمن للوسواس، فتزدحم وتتدافع هربا من نطق النهاية.إنّ شيطانه قد غلب فرمان الزبانية فصنع لنفسه مخرجا، فعاد من هناك إلى هنا. لقد عاد من أقاصي جهنّم زاحفا، حاله كقطعة خشب أكلت النار بعض أطرافها، واسودّ لونها. ثقلت خطاه وهو يلمح سرابا أو أشبه بالسراب، تحنّط برهة فإذ بالرائحة لا تشبه ذاك الشواء الآدمي الموضوع داخل تنّور تُوقَد ناره بوتيرة أدقّ من عقارب الساعة. كأنها أرضه الأولى، يطيل النظر بعد أن اعتدل في جلسته، ويمسك بيده حفنة تراب يتحسّس رائحتها فإذ هي أديم أرضه، فأيقن أنه عاد من جديد إلى بلده بعد هروبه من الحساب. مشى وهو يتحاشى نظراتهم وتلويح أياديهم تشير إليه. نعم إنه فلان. كيف؟ أَلم يمت؟ أَلم نحضر جنازته؟ أَلم نطلب له المغفرة عن زلّاته وأفعاله؟ تسارعت خطاه حتى بلغ مدخل داره فتكشّفت هيئته لتتمازج المشاعر وتتناقض بين ساخط وراغب، ومذهول وخائف، ومستبشر بغد أفضل، ومتشائم من قادم مقيت.تربّع على عرش مملكته الصغيرة مجددا، وأثنى اليمين أن يقطع مع صنيعه الأول خوفا وموعظة من لسعات جهنّم في العالم الفوقي. خرج واستنشق نسمات باردة ليعلن بداية رحلة التوبة الك

  • تخاريف    تخاريف الفصل 12

    ينتهي من فزعه ويرتّب أنفاسه ويحمل بقايا المسافر ويمشي يقطّع الطريق إلى فواصل. إنّ به رجاء يخفيه في جوفه خشية. إنه يرغب في يوم صاخب لا يهدأ.بالجوار دار معمّر أو قل مستعمر وضيعة، ومدرسة شيّدوها ليحتكرها لنفسه ولخلفته الغازية. لم يعاصر أحداثها، فتلك الضّيعة بعيدة عن مسرح الجريمة. المدرسة أضحت حرّة فصيّروها مزار علم وتأديب. كل من فيها فقير. كانت قلعة عامرة وصارت بعد زمن شاغرة. نقلوا روحها إلى قلب الحي تاركيها ليد عابثة، أو لأرواح مازحة، أو مقصدا لزائر حلّ ليله أو صادفه سيل يلدغ جسده فيتخفّى.تقدّم نحوها فإذ بها مفقودة مرهقة. تغلّبت عليها الأيادي الغادرة فرتّبتها من جديد دون ترتيب، ليس بها نفس ولا تصدح بذاكرة فقد سلبت جميع دفاترها.يلتفت إلى مطمور، مدفن أو قل مخزن تصرخ منه الأنفس.-"ماذا أرى؟"إن به عصا وحيدة تجلس في الوسط وصدى صوت يتردد.-"لست أدري إن اختارت مكانها أم في المدن ريح تهزّها أم يد زائر تخلت عنها؟"يجلس أمامها ويترك حيّزا ويمسّي مازحا، فتمسّي، فيسقط خائرا صاعقا مغشيّا عليه.يغالب ويعود إلى هيئته الأولى ويسلّم مشكّكا.فتسلّم. فيرغب أن يسقط أو هو يسقط عنوة.-"عود يابس ينطق!! إن

  • تخاريف    تخاريف الفصل 11

    تدنو نفسك في لحظة شكّ إلى مرقدها حتى تظن أنك ملاق خالقك وأنت بعد تلهو مع أترابك بوجه مرح لا يعي ثقل الأيام وشدّتها.مشى وفي نظراته ذهول أخذ نصفه، وأوجز عمر الصبيان داخله. توقّف ثمّ دنا من بركة الماء فإذ بها تحمل انعكاس صورته. سألها متى؟ وكيف؟ ولماذا؟ إنّ في الوجه وسامة تسكنها براءة الحمل، وفي النفس جبلّة أخذت بالسّليقة، طيبة المنبت وحسنة المعشر، ونقيّة العرق. صمت ورفع بصره إلى السماء ذات الزرقة الخفيفة، فضحك وقال:- "أضغاث أحلام من أمّ تخشى على وليدها نسمة ريح دافئة في يوم ثقيل عنيد شديد البرودة".ما أن أزاح سهام نظراته عن جزء الكون، حتى وجم الوجه وتقطّعت الصورة المبثوثة داخل كيانه الصغير تنشد صدق القول، فركض مسرعا إلى شيخه الجليل يطلب علما يظنّ أنه يملكه، وهوس نفس يعتقد أنه الأقدر على إزاحة وقعه من قلب طفل مازال بعد لم يبدأ شوطه الأول في حلم ليله بعد غفوته، وأحلام نهاره سرا وجهرا والعين تبصر. همّ إليه في عجل وسأل:-"هل أشبهه؟"سكت برهة.-" أتبدو عجينتي مخلوطة بمارج من نار؟ "صمت مجددا - "أتسكن تفاصيل شيطانية داخل تقسيمات الوجنتين؟ أم في سواد العينين؟ أو في لعس قدّه الخالق في الشفتين

  • تخاريف    الفصل 6

    يغادر المكان، يعاند خطواته ليقف عند مفترق طريقين يعلمهما جيدا، أوله سهل منبسط مختصر يخلو من الالتواءات، وثانيه طويل، به مضيق مضن، وفيه تعرّجات تحاذي المنازل المتناثرة المتباعدة عندما تسلكها تقف عند بقايا آثار قديمة لأناس حيكت عنها أساطير تطرب الأسماع. لم يفكّر طويلا، إن به رغبة مبطنة تقف دونه وبلوغ

  • تخاريف    تخاريف الفصل 9

    رمى متاعه وخرج باحثا عن طوق نجاة ليعانق سعة المكان، لم يعد يقدر على مجاراة قساوة الأحداث. في الخارج تنجيه برودة الطقس، فيعي أنه لم يخلد بعد في نار جهنّم. لم يعد أسيرا أسفل ركام، له أن يأوي إلى ركن به منافذ كثيرة تمرّ منها صدمات هواء. لن يشعل نارا هذه المرّة، لعله لا يريد زائرا، أو يفضّل مزيدا من ن

  • تخاريف    تخاريف الفصل 8

    يزيد في بحثه فتتعثّر يديه بصندوق أسود يختلف عن صندوق المال. يفتحه، إن به ورق صغير مزقته يد بارعة إلى بطاقات ومعها قنّينة. يبدو عطرها مختلف. يسكب منها قليلا فإذ بسائل أصفر شبيه الزّعفران يواصل السّكب. بقرب القنينة كتاب صغير على غلافه طلاسم، ومصحف صغير ملفوف داخل قطعة قماش بيضاء، ومن تحته أجزاء من أق

  • تخاريف    تخاريف الفصل 7

    'ما أعجب له كيف قبلت به زوجا وهي الرّقيقة الصغيرة، وهو وحش متجبّر حين يزأر تفرّ منه الأنوثة أو تموت مكانها خوفا. إني أعجب إن كان قد أحب يوما أو نطق كلمة غزل... يبدو سليل آكلي لحم البشر تصالح مع الحضارة فهذّب من نفسه قليلا'يضحك طويلا ونضحك معه ثم يواصل.' ليلتها بقيت معلّقا وهو يراقب ملوّحا بعصاه ا

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status