LOGIN
ليرا
بدأ كل شيء قبل بضع ساعات.
كنت قد هربت راكضة من شقة رافاييل، حذائي في يدي، وقلبي محطم، وعيناي منتفختان من الغيظ. كان هاتفي لا يزال يهتز، لكنني لم أعد قادرة حتى على قراءة رسائله. لم يكن هناك ما يمكن إنقاذه. لا نحن، ولا تلك الكذبة التي كان يسميها حبًا.
مشيت طويلاً، بلا هدف، في البرد، إلى أن اتصلت بي كاساندرا.
كما لو أنها كانت تعلم. كما لو أنها كانت تنتظرني.
"أنا في المدينة،" قالت. "تعالي. سآخذك لتناول كأس. أنت بحاجة لتغيير أجواءك، أختي الصغيرة."
أختي الصغيرة. لم تكن تقولها أبدًا. تلك الكلمة لطخت الهواء كأنها فخ.
كان عليّ أن أكون حذرة.
لكنني كنت محطمة جدًا. وحيدة جدًا. لذا قلت نعم.
بدا الحان غير واقعي، كمشهد من فيلم شديد البريق. استقبلتني كاساندرا بعناق سريع، شبه صادق. كانت ترتدي فستانًا أسود من الساتان، بسيط لكنه استفزازي، وأقراطًا تلمع كالشفرات.
"أنت رائعة،" همست لي. "حتى وأنت محطمة، تفوح منكِ شيء لا يُصدق."
رسمت ابتسامة. إحدى تلك الابتسامات التي نرسمها عندما نريد فقط ألا نبكي.
"لقد أفسدت كل شيء، كاس... فوجئت به مع أخرى. في منزله. في سريرنا. لقد كذب عليَّ لأشهر."
فتحت ذراعيها على اتساعهما وطلبت كأسين من التكيلا.
"إلى كل الرجال الذين لا يستحقوننا."
الجرعة الأولى مرت كالحرقة. الثانية، كالخلاص. تحدثت إليها. حكيت لها كل شيء، قلبي مفتت: لقائي برافاييل، الوعود، مشاريع المستقبل، الدوخة عندما كنت لا أزال أحبه، والغثيان عندما أدركت أنني الوحيدة التي كانت تؤمن بذلك.
أومأت كاساندرا برأسها، وربتت على يدي.
"أنت لطيفة جدًا. نقية جدًا. تثقين، تسامحين. أنت مثالية لكي يُداس عليكِ، ليرا."
"أهذا ما تعتقدينه عني؟" همست.
ضحكت بهدوء.
"لا. هذا ما أعتقده عن الرجال. لكن الليلة، تنسين كل هذا. الليلة، تشربين معي، تنظرين إلى الأثرياء وهم يضيعون في غطرستهم، وتعودين كما كنتِ قبل أن تقعي في الحب. اتفقنا؟"
وافقت. وشربت.
والآن، تتوضع الكؤوس الفارغة كالندوب. الهواء أدفأ، أثقل. فستاني يلتصق ببشرتي. لم تعد لدي القوة للتمثيل.
"اشربي، ليرا. سيفيدكِ ذلك."
أومأت برأسي. مجددًا. دائمًا. إرادتي ذابت في الكحول.
لكن هناك خطب ما. ليس الثمل فقط. بل شيء أكثر كثافة. أكثر لزوجة.
أشعر بأنني أرحل دون قتال.
أنهض، مترنحة.
"سأذهب إلى الحمام..."
تقبلني كاساندرا على صدغي.
"عودي بسرعة، اتفقنا؟"
بينما أبحث عن المخرج، تتسلل كاساندرا إلى مؤخرة الحان. حيث لا يخترق الضوء. حيث تُعقد أسوأ الاتفاقات.
تلتقي بالرجل. ذلك الوحش المتصبب عرقًا بشهوة مريضة.
"إذن، إنها أختي. جميلة، أليس كذلك؟" تهمس بصوت خالٍ من المشاعر.
يحدق فيها بشهية مفترس.
"مليون يورو. إنها عذراء. لن تخسر."
تضغط كاساندرا على أسنانها، لكنها لا تتراجع. صورة ديونها، التهديدات، دائنيها الذين يقرعون بابها، كلها ترتسم في ذهنها. لم يعد لديها حل. فقط هذه الأخت اللطيفة جدًا. النظيفة جدًا.
وتقول لنفسها إن هذا عدل. إنه دورها فقط.
"لديك المفتاح،" تقول. "إنها لك. خلال ساعة، لن تقوى على الوقوف."
أبحث عن الحمام، لكن كل شيء يدور. الجدران تتمدد كأنها في حلم قذر. ساقاي تضعفان.
أدفع الباب، أترنح تحت كعبي المتمايلين، وأنهار مباشرةً على صدر قاسٍ كالدروع.
تفوح من الرجل عطور ساحرة، مزيج من الجلد والتوابل الدافئة والأخشاب الثمينة، يغمر حواسي. أشعر بأصابعه القوية تلامس خصري، و أنفاسه الخافتة تمس بشرتي، ولثانية، أفقد الإحساس بالوقت تمامًا.
أرفع عيني.
إنه ليس كالآخرين.
لا يبتسم. لا يسألني شيئًا. لا يلمسني أكثر من اللازم. ينظر إلي كأنني لغز يجب حله، متغير غير متوقع في معادلة محكمة جدًا.
"لا ينبغي أن تكوني هنا،" يقول بصوت عميق، بلا دفء.
"أردت... فقط..."
لم أعد أعرف. لم أعد قادرة على التفكير. شفتاي تتحركان دون أن يخرج أي صوت.
أنا منهكة. ومع ذلك، أشعر أن هذا الرجل قد رأى فيّ ما لم تستطع كاساندرا نفسها أن تقرأه يومًا.
ليرايُغلق الباب المعدنيّ بقوّة.ليس مجرد إغلاق. إنه اصطدام فولاذ بفولاذ، رنين يخترق الهواء الراكد كصرخة مكتومة. ذلك الصوت، تلك الفرقع، يرنّ في عظام جمجمتي، يهتزّ في أسناني، ويعيدني إلى هذا الجحيم كجلدة سوط على جلد مبلل. للحظة، أظنّ أن الجدران نفسها ارتجفت. يرتجف جسدي بالكامل، عضلاتي تنقبض بشكل لا إرادي، تنبض بالذعر الذي لا أستطيع إطلاقه. بالكاد لديّ وقت لالتقاط أنفاسي، أنفاس صغيرة، مبتورة، تحرق حلقي، لاستيعاب ما حدث، ما زال يحدث، ما لن يتوقف عن الحدوث، حين ينقضّ ضوء النيون الأبيض، القاسي، على باب ينفتح من جديد.كاساندرا.إنها تعود. لا تمشي، بل تندفع، تتدفق كإعصار في ممر ضيق جدًا. كلّ خطوة من خطواتها، صلبة، ميكانيكية، تحمل تهديدًا أثقل من السابق. صمتها أثقل من صراخها. صوت كعبيها على الخرسانة يبدو كدقات ساعة تحسب الثواني الأخيرة. وجهها، ذاك الذي كان قبل قليل قناع استهزاء متقنًا، ذلك القناع الذي رأيته يتشقق، أصبح الآن قناع غضب مطلق، متحجر. لم يعد هناك تظاهر. لم يعد هناك لعبة. هناك فقط هذا الشيء، الخام، الذي يلتهم ملامحها من الداخل. الغضب. ذلك الغضب الذي خمّرته لسنوات، والذي يجد أخيرًا م
ليراكاساندرا. الاسم يستقرّ في الغرفة، ثقيل، سامّ، مألوف. كتهديد قديم يستعيد حقوقه. إنّها تقف في فتحة الباب الحديديّ، ليس قناعًا هذه المرّة. لا. وجهها مكشوف. واضح. مضاء بالنيون الأصفر. وابتسامتها، تلك الابتسامة التي أتذكّرها، هي بالضبط ما كانت عليه دائمًا. شفرة. شفرة رفيعة.تتقدّم. ببطء. دون عجلة. متلذّذة بكلّ سنتيمتر تقطعه، بكلّ خطوة تفصلها عنّي. عيناها، عندما تلتقيان بعينيّ أخيرًا، تلمعان بلذّة قاسية، حيوانيّة. كما لو كانت تتذوّق ضعفي مسبقًا. الرجلان، خلفها، يتراجعان غريزيًّا. يختفيان في الظلّ. ولاؤهما، رأيته، يتزعزع تحت نظراتها. كاساندرا تميل رأسها قليلاً إلى الجانب. كما لو كانت تدرسني. تتأمّلني. كما لو كنت نبتة مريضة، حشرة تحت عدسة.— تي، تي، تي... تتمتم. صوتها ناعم. يبدو لي... يبدو لي أنّ أحدهم هنا عطشان. عطشان جدًّا.صوتها لا شيء فيه من توبيخ. لا. إنّه مداعبة. مداعبة تخنق. أشعر بقواي القليلة تتركّز على المهمّة البسيطة، المستحيلة، لإبقاء رأسي مستقيمًا. كلّ كلمة منها، كلّ مقطع، يحرق حلقي.— كاساندرا، أقول. صوتي غريب. صوت فقد حدوده. ماذا... لماذا... لماذا فعلت هذا؟تضحك. ضحكة صغيرة
ليرالم أعُد أعرف. لم أعُد أعرف إن كان الخارج نهارًا أم ليلاً. الظلام الكامل وضوء النيون الأصفر، الطنّان، يتعاقبان عليّ كصفعات، كعقاب بلا سبب. لا أستطيع معرفة منذ كم ساعة، كم يومًا، وأنا جالسة هنا، مربوطة إلى هذا الكرسيّ. يوم، اثنان، ثلاثة؟ لا أعرف. الوقت هنا لا معنى له. ما أعرفه، في المقابل، ما أشعر به في كلّ ذرّة من جسدي، هو أنّ جسدي يصرخ. يصرخ بصوت عالٍ.حلقي لم يعد حلقي. إنّه جرح. جرح مفتوح، جافّ. شفتاي متشقّقتان، متيبّستان، طعم الدمّ عليهما. لساني منتفخ، يلتصق بحنكي، قطعة جلد غريبة. لم أعُد أكاد أستطيع بلع ريقي، لأنّه لم يعد هناك ريق. العطش في كلّ مكان. ليس فقط في فمي. بل في رأسي. في عروقي. في كلّ ارتعاشة عضلاتي. إنّه ألم نقيّ. لديّ انطباع بأنّ النار التي تشتعل في حلقي تمتدّ، ببطء، حتّى صدغيّ، حتّى خلف عينيّ.أرفع، بجهد خارق، عينيّ نحو سجّانيّ. هناك، دائمًا، ظلاّن. متكئان على الباب الحديديّ. دائمًا نفس الظلّين. يتكلّمان قليلاً فيما بينهما، بصوت منخفض. لكنّني أشعر بحضورهما، ثقيل، خانق، ككلبي حراسة ضخمين ينتظران فقط إشارة سيّدهما.صوتي، عندما يخرج، ليس صوتي. إنّه نفس. نفس أجشّ، مبح
والد ليراجفّ صوته، سمعته يبحث عن كلماته، يحاول أن يستعيد السيطرة. ثمّ رضخ. رضخ أمام النبرة التي لم أعتد استخدامها في العلن.— حسنًا. حسنًا. أبدأ هذا فورًا. سأطلب الملفّ. لكن ابقَ في ذهنك، نحن نتّبع قواعد.— العدالة تتّبع قواعد، كرّرت، وابتسامة مرّة على شفتيّ. أعرف. لكن حياة ابنتي الوحيدة تساوي أكثر من كلّ قواعدكم. مفهوم؟ أنا أُغلق الخطّ إذا كنتم غير قادرين على التحرّك بسرعة.أغلقت الخطّ قبل أن يكون لديه وقت للإجابة. كان قلبي يدقّ بعنف. الساعة على المكتب تواصل دقّاتها. أسندت رأسي على ظهر الكرسيّ الجلديّ وأغمضت عينيّ للحظة. فقط للحظة. لأجمع قواي، لأجمّع غضبًا باردًا، مركّزًا. ثمّ فتحتهما، وأمسكت بالهاتف مرّة أخرى. طلبت رقمًا آخر، نفس الرقم منذ سنوات، رقم المحقّق الخاصّ الذي يقوم بالعمل القذر، ذلك الذي نادرًا ما يسمح به القانون، لكنّه ضروريّ.— ألو؟ يردّ صوت أجشّ.— اسمعني جيّدًا، قلت دون مقدّمات. كاساندرا في الخارج. لقد أُطلق سراحها. لا تسألني كيف. المهمّ الآن: أنت ستوجّه كلّ أبحاثك فورًا. كلّ مواردك. تحقّق من آخر عناوينها المعروفة، أيّ اتصالات لها، قديمة أو حديثة. صديقات زنزانتها، أيّ
والدة ليراتوقّف الزمن في هذا البيت. توقّف تمامًا منذ اللحظة التي أخذوا فيها ابنتي. منذ تلك الليلة المشؤومة، وأنا أتنفّس بصعوبة، كما لو كان الهواء نفسه قد أصبح سمًّا. كلّ ساعة كانت تدقّ في أذني كحكم معلّق، كجلّاد ينتظر. كلّ صمت، كلّ لحظة هدوء في هذه الجدران، كان يتردّد كخيانة، كجريمة أخرى. كنت أعيش، إن كان هذا يُسمّى عيشًا، في هذا المنزل الذي تحوّل، بين ليلة وضحاها، إلى ضريح. ضريح من الذكريات. حيث كلّ غرفة، كلّ زاوية، تذكّرني بغيابها، تغياب ليرا: وشاحها الحريريّ المنسيّ على ظهر مقعد في الصالون، فنجان قهوتها الذي لم يُرفع، ما زال موضوعًا في المطبخ، أثر أحمر شفتيها على الحافّة، عطرها، عطرها الذي يمزّقني، ما زال عالقًا بالأغطية، بالستائر، بكلّ شيء. أنا أمشي في هذا البيت كشبح، ألمس أشياءها، أتنفّسها، وأموت ألف مرّة في اليوم.عندما طلب الملازم مورو رؤيتنا، أنا وزوجي، عرفت. عرفت في قلبي قبل عقلي أنّه لن يأتينا بخلاص، أنّه لن يعيد لنا ليرا. وجهه، عندما عبر عتبة الباب، كان يقول كلّ شيء، كان يصرخ الحقيقة قبل أن ينطق بها. شحوب متوتّر، فكّ مشدود، نظرات مثبّتة أمامه، ثقيلة، متجنّبة لعيوننا. كان ي
الملازم مورو ملفّ كاساندرا يرتاح على مكتبي كجرح لم يندمل جيّدًا. كلّ صفحة، كلّ سطر، يفوح منه رائحة الهوس: رسائل حبّ مجنونة إلى ألكسندر، تهديدات بالكاد مموّهة، مكتوبة بخطّ مرتعش، ضدّ ليرا، مشادات علنيّة، شهادات. كلّ شيء هناك. كلّ شيء موثّق. كلّ شيء، باستثناء المنطق الذي سمح بخروجها. أغادر مركز الشرطة بهذا الوزن في الحقيبة. الاتّجاه: السجن. السماء المنخفضة، الرماديّة، تسحق المدينة بعباءة إسمنت. الهواء مشبع، كما قبل عاصفة. في الرواق، رائحة المطهّر والمعدن البالي تلتصق بالجلد. يستقبلني المدير في مكتبه، لكنّ وجهه يخون بالفعل ما يحاول إخفاءه. عندما أنطق باسم كاساندرا، يتنهّد. — لم تعُد هنا، ملازم. أبقى متجمّدًا. يداي على ظهر الكرسيّ. — كيف، لم تعُد هنا؟ يتحنحن، يتجنّب نظراتي. — حالتها... لنقل... النفسيّة... كانت قد تدهورت. لقد نُقلت إلى مستشفى للأمراض النفسيّة قبل بضعة أشهر، بموجب أمر طبّي. كلّ شيء قانونيّ. أقبض قبضتيّ على حافّة مكتبه. — أرني الوثائق. كلّها. الآن. يطيع، لكن شيئًا ما في عينيّ يدفعني إلى الذهاب أبعد. قبل مغادرة المؤسّسة، أطلب استجواب بعض السجينات. ظلّ كاساندرا ما
لييرامقصورة الطائرة الخاصة صامتة.ليست هادئة. فقط صامتة.أنا جالسة بجانب النافذة. لوكاس بجانبي، ذراعاه متشابكتان، نظراته قاسية. لم ينبس بكلمة منذ صعدنا سلالم الطائرة.في الأمام، ألكسندر. جالس. مستقيم الظهر. متوتر.وعلى يمينه... كاسندرا.مثا
ألكسندركان من المفترض أن تكون أمسية النادي مجاملةً شكليةً بحتة، احتفالاً بشراكتنا. هذا على الأقل ما أحاول تكراره في ذهني. ولكن ما إن لمحت لييرا تعبر أبواب القاعة، حتى شعرت بسيطري يتصدع.كانت رائعة.فستان أسود مشقوق عند الفخذ، ظهر مكشوف، وتسريحة شعر بسيطة لكنها أنيقة. تتقدم بتلك الثقة الطبيعية التي
ليرايوم المغادرة قد حان أخيرًا، والإثارة الممزوجة بالقلق تلف معدتي. هذه الرحلة حاسمة، ليس فقط للشركة، بل لي أيضًا. لدي الفرصة لأثبت قيمتي، لأظهر أنني أستطيع تنفيذ مشاريع كبرى. ولكن هناك أيضًا ألكسندر. العمل إلى جانبه هو تحدٍ وفرصة في آن واحد، لا يمكنني تفويتها.أنا في طور إنهاء أمت
ليراالطقطقة الجافة لمقبض الباب انتشلتني بعنف من تركيزي.المكتب مغمور في شبه ظلام ناعم. الضوء المرشح عبر الستائر يرسم خطوطًا شاحبة على الجدران، والرنين الخافت للساعة يزيد من إحساس الإلحاح. لوكاس وأنا منحنيان على كومة من الوثائق المبعثرة بشكل غير منظم على المكتب الرئاسي. أوراق ملطخة بالزمن، أختام غي







