LOGINفي صباح اليوم التالي، كان قصر الداغر أكثر هدوءًا مما كان عليه في مساء الأمس. انتهت الضحكات والجلسات العائلية التي صاحبت عودة الأحفاد، وعادت القاعة والممرات إلى هدوئها المعتاد، لكن شيئًا مختلفًا كان يسكن المكان هذه المرة.
فالجميع كان يعرف أن الاجتماع الذي طلبه حازم في هذا الصباح لم يكن امتدادًا للجلسة العائلية التي سبقت، ولم يكن مجرد مناسبة للترحيب بالأحفاد بعد سنوات من الغياب.وصل مراد إلى مكتب الجد حازم قبل الموعد المحدد بدقائق. لم يكن ذلك غريبًا عليه، فهو يعرف جيدًا أن جده لا يحب الم يجب كاظم على الفور، واكتفى بالنظر إليها لحظة طويلة قبل أن يطلق ضحكة قصيرة لا تخلو من المرارة، ثم قال: "أرجو أن تسجلي هذا التصريح في محضر رسمي، حتى أستطيع استخدامه ضدكِ عندما تقررين بعد يومين أن أفضل وسيلة لحمايتنا هي أن تذهبي وحدكِ إلى مكان خطر لأنكِ لا تريدين تعريضنا له. لقد سمعت منكِ هذه الفكرة بصيغ متعددة، وأخشى أن تكون لديكِ قدرة استثنائية على إعادة تعريف التضحية حتى تبدو في كل مرة قرارًا منطقيًّا".قال آدم بهدوء: "لن تحتاج إلى محضر، أنا سأذكّرها".وأضاف يوسف: "وأنا سأذكّرك أنت أيضًا، لأنك غالبًا ستتظاهر بأنك لا تتدخل في قراراتها، ثم تكتشف في النهاية أنك ساعدتها على تنفيذ نصفها".رفع كاظم إصبعه في اتجاههما وقال: "ممتاز. أصبح لدينا الآن نظام رقابة داخلي، لكنني أطالب بأن يكون لي حق الاعتراض النهائي، وأن تُمنح لي صلاحية إلغاء أي خطة تتضمن كلمة واحدة من الكلمات التي تبدأ بها إيلين عادةً قراراتها الخطيرة، مثل: لا تقلقوا، الأمر محسوب".ابتسمت إيلين للمرة الأولى منذ بدأ الحديث، وقالت: "لن أعدك بشيء لا أستطيع الالتزام به".رد كاظم على الفور: "كنت أعرف أنكِ ستقولين
لم تجادله إيلين، بل أومأت ببطء وقالت: "أنت محق في ذلك، ولهذا أخبركم الآن أن الإعلان ليس الفخ الوحيد الذي وضعناه. هناك فخ آخر أعددته أنا وآدم، وهو مختلف في طبيعته عن الأول. لا أريد أن أكشف تفاصيله قبل أن تصبح بعض خطواته جاهزة، ليس لأنني لا أثق بكم، ولكن لأن الخطة تعتمد على أن تبقى بعض المعلومات محدودة التداول إلى أن نعرف من يستطيع الوصول إليها. كلما اتسعت دائرة من يعرفون التفاصيل، زادت احتمالات أن تصل إشارة واحدة إلى الطرف الذي نحاول استدراجه. لكن هذا لا يعني أنكم ستظلون خارج الصورة؛ ما أستطيع قوله الآن هو أن الفخ الثاني لا يعتمد على إيثر 9 وحده، ولا على الإعلان الذي شاهدتموه اليوم. إنه مصمم ليضيّق المساحة المتاحة أمام العدو، حتى لا يستطيع التحرك في اتجاه دون أن يترك أثرًا يقودنا إلى الاتجاه الآخر ".ثم نظرت إلي آم ويوسف وقالت" لذلك إيضاً جعلتكم جزئاً من إتفاقي مع العم جلال لن أخفي شيئاً من خططى عنكما "انعقد حاجبا أدهم وهو يحاول استيعاب ما قالته، ثم سألها: "فهمت أن الإعلان يهدف إلى تحريك الطرف الآخر، لكنني أريد أن أعرف كيف ستضمنين ألا يتحول تحركه إلى هجوم مباشر عليكم. أنتِ ت
أومأت إيلين موافقة، ثم قالت: "وهذا صحيح، لكنه لا يمثل الصورة كاملة. طوال الفترة الماضية، كان العدو يتحرك في الظلام، بينما نحاول نحن جمع المعلومات وتفسير الإشارات دون أن نعرف على وجه اليقين من يقف خلفها أو ما الذي يسعى إليه، كنا ننتظر أن يكشف خطأ ما عن وجوده، أو أن تقوده مصالحه إلى خطوة نستطيع تتبعها، لكن الانتظار يمنحه الوقت والمساحة ليواصل تحركاته دون أن نعرف اتجاهه الحقيقي. عندما يكون العدو في الظل ونحن في الظلام أيضًا،وأمام العدو نحن في النور، تصبح كل ضربة محتملة، وكل معلومة قابلة للتفسير بأكثر من طريقة، وكل خطوة محفوفة باحتمال أن نكون قد فهمنا المشهد بصورة خاطئة".توقفت قليلًا، ثم استقامت في وقفتها، وتبدلت نبرتها من الهدوء التفسيري إلى الحسم الذي اعتاده من يعرفونها جيدًا، وقالت: "أما الآن، فنحن نغيّر قواعد اللعبة، الإعلان عن المشروع كان طُعمًا، وجزءًا من خطة أكبر، نحن لا نكشف كل أوراقنا، ولا نمنح العدو المعلومات التي يحتاج إليها لفهم ما نملكه فعلًا، لكننا نضع أمامه شيئًا لا يستطيع تجاهله. نجاح إيثر 9 سيجعل كل من يراقب هذا المجال يتساءل عن حجم التطور الذي تحقق، وعن الجهات الت
تغيرت ملامح أدهم فورًا، بينما التفت آدم إلى إيلين بتركيز حاد، وانقبضت أصابع يوسف فوق ذراع المقعد. أما كاظم، فقد أدار وجهه نحوها ببطء، وتوقفت ابتسامته العابرة التي لم يكن أحد قد انتبه إليها قبل لحظات. لم تكن إيلين بحاجة إلى شرح الأسماء؛ فقد كان واضحًا أنها تقصد نفسها وآدم ويوسف وكاظم، الأشخاص الذين يعرفون من أسرارها ما يكفي لجعلهم أهدافًا محتملة إذا قرر العدو البحث عن العقل الحقيقي الذي يقف خلف هذه الإنجازات.لم تحاول أن تخفف وقع كلماتها عليهم، ولم تدّعِ أن الأمر مجرد احتمال بعيد، بل استدركت بعد لحظة صمت، وكأنها تريد أن تضع الحقيقة أمامهم كاملة دون أن تترك لهم فرصة للاختباء خلف التطمينات: "أعرف أن خطوتي قد تضعنا جميعًا في دائرة الخطر، وأعرف أن هذا ليس أمرًا يمكن التعامل معه باستخفاف، لكنني أريدكم أن تفهموا شيئًا واحدًا قبل أن تحكموا على قراري. أنا لم أفعل ذلك لأنني غفلت عن العواقب، ولم يكن الإعلان اندفاعًا لحظيًّا أو رغبة في لفت الأنظار، لقد كنت أعرف أن هذه اللحظة ستأتي، وربما لهذا السبب تحديدًا قررت ألا أتركها تحدث بالطريقة التي يختارها عدونا".أطلق كاظم زفرة طويلة، ثم
نظر إليه يوسف باهتمام "وكنت تعرف أنها مرتبطة بالطيران؟"قال أدهم: "كنت أخمن."التفتت إيلين إليه "ولم تكن متأكدًا.""لا."قال آدم مبتسمًا: "وأنت قائد سرب وشريك في نوفاير، ومع ذلك لم تعرف."أجابه أدهم: "لأنني لم أكن أملك ما يكفي لأعرف."قال يوسف: "وهذا يعني أن هناك شيئًا كبيرًا."قال كاظم من المقعد الأمامي دون أن يلتفت إليهم: "هناك شيء كبير فعلًا، ولهذا من الأفضل أن تتوقف عن محاولة معرفة ما لم يُسمح لك بمعرفته."رد يوسف: "كنت سأقول إنني أشعر بالفضول فقط."قال كاظم: "فضولك ليس مشكلة، قدرتك على تحويل الفضول إلى تحقيق هي المشكلة."ضحك رائف، بينما قال سامر: "أعتقد أن كاظم يعرفك جيدًا."رد يوسف: "للأسف."قال كاظم: "بل لحسن الحظ."تدخل آدم قائلًا: "دعوه يستمتع باللحظة. ربما تكون آخر مرة يشعر فيها أنه يعرف شيئًا."نظر إليه يوسف بغيظ "أنت لست أفضل مني.""أنا لم أقل ذلك."كانت إيلين تتابع الحوار بابتسامة خفيفة، لكن آدم لاحظ أنها أغلقت عينيها للحظات، فقال بهدوء: "نامي قليلًا."فتحت عينيها "لا أستطيع.""بل تستطيعين."قال
لم تنتهِ أصداء التصفيق في قاعة "جراند ڤيل" تمامًا حين بدأت الحركة تتغير في أرجاء المكان، فقد ظل الحاضرون يتبادلون التعليقات والنظرات، بينما كانت شاشات العرض لا تزال تعرض الشعار الخاص بمشروع "إيثر" وصورًا مقتطفة من الأبحاث التي كشفت عنها إيلين خلال المؤتمر. كان الإعلان قد تجاوز في أثره مجرد الكشف عن مشروع جديد، فكل من كان في القاعة تقريبًا خرج بانطباع أن أوريون نوفا لم تعد مجرد شركة أبحاث متقدمة، وإنما أصبحت تمتلك قدرة حقيقية على الجمع بين علوم متعددة في مشروع واحد، لكن ما لم يعرفه أحد أن ما عرضته إيلين لم يكن سوى الجزء الذي سمحت له بالظهور.وقفت إيلين بالقرب من المنصة تتلقى بعض التحيات الأخيرة، بينما كان آدم ويوسف إلى جوارها، وكل منهما يراقب تعابير وجهها التي بدأت تكشف عن الإرهاق رغم محاولتها الحفاظ على هدوئها.أما نديم، فقد اختار أن يقترب منها مع نرمين قبل أن تغادر، قال بابتسامة هادئة: "مبروك ياأنسة إيلين. كان إعلانًا استثنائيًا."أجابته: "شكرًا لك يا سيد نديم."ثم التفت إلى أخته وقال: "وأريد أن أقدم لك أختي نرمين."ابتسمت إيلين ومدت يدها إليها: "سعدت بالتعرف
أما آدم، فظل يراقب إيلين فقط.لأنه الوحيد الذي يعرف الحقيقة كاملة.يعرف أن فتاة في الخامسة عشرة من عمرها جلست يومًا داخل غرفة مغلقة… وصممت نظامًا جعل جهات كاملة تعيد بناء أنظمتها الأمنية من الصفر.ويعرف أيضًا أن الدولة نفسها أخفت اسمها عمدًا بعد ذلك.بموجب الاتفاقية السرية واخفاء
لم يكن في العودة من المقابر ما يشبه الرجوع العادي.الطريق نفسه بدا أطول، أو ربما كانت المسافة هذه المرة تُقاس بما تُرك خلفهم لا بما ينتظرهم. جلست إيلين في المقعد الخلفي، ساكنة على نحو لا يُفسَّر بالهدوء، بل بشيء أقرب إلى الحسم. لم تكن تنظر إلى الخارج بقدر ما كانت تنظر إلى الداخل، إلى نقط
لم يكد صندوق المخمل يُغلق حتى تغيّر إيقاع الجلسة بالكامل، كأن اللحظة نفسها قررت أن تعلن عن معناها الحقيقي دون مواربة. لم يعد الأمر مجرد هدية فاخرة أو لفتة عابرة، بل بدا وكأنه إعلان صامت عن شيء أكبر، شيء فهمه الحاضرون جميعًا دون أن يُقال صراحة.كانت الأنظار تتنقل بين العقد المستقر حول عنق
لم يكن الصباح مختلفًا في شكله… لكنه كان مختلفًا في معناه. جلست إيلين الشهاب أمام مكتب خشبي أنيق داخل غرفة هادئة، تتوسطها طاولة زجاجية واسعة. أمامها وُضعت عدة أوراق مرتبة بعناية، كل صفحة تحمل بنودًا واضحة، محددة… ونهائية. لم تمد يدها فورًا. فقط نظرت اسمها لم يكن في الأعلى هذه المرة… بل في الأسف







