LOGINالفصل الخامس: بين الخطر والاقتراب
لم تكن سيلا تحب القرب. القرب… يعني ضعف. يعني احتمالات أكثر للخطأ. يعني أن يرى أحدهم ما يجب أن يبقى مخفيًا. — لكنها الآن… كانت تمشي خلفه. — الأمير شيراكو. — خطواته كانت هادئة… لكنها لم تكن عادية. كل خطوة… محسوبة. كل حركة… وكأنه يعرف أن هناك من يراقبه دائمًا. — "اقتربي." — قالها دون أن يلتفت. — توقفت سيلا لثانية… ثم تقدمت. — حتى أصبحت بجانبه. — "الحارس الذي يبقى بعيدًا… لا ينقذ أحدًا." — نظرت إليه. — "والحارس الذي يقترب كثيرًا… يموت أولًا." — ابتسم. — ابتسامة خفيفة… لكنها حملت شيئًا مظلمًا. — "إذن… فلنرى أي نوع أنتِ." — صمت. — لكن الصمت بينهما لم يكن فارغًا. كان ممتلئًا بشيء… توتر. — سارا معًا في الحديقة الخلفية للقصر. — كانت جميلة… بشكل مريب. — الأشجار طويلة… أغصانها متشابكة كأنها تحاول إخفاء السماء. والضوء… يتسلل بصعوبة. — "هذه الحديقة…" قال شيراكو فجأة. "مات فيها أكثر من شخص." — توقفت سيلا. — "هل هذا تحذير؟" — "لا." أجاب بهدوء. "مجرد حقيقة." — ثم التفت إليها. — عيناه… — كانت أقرب الآن. — قريبة لدرجة أن تفاصيلها أصبحت واضحة… لم تكن فقط داكنة. بل… كأنها تحمل حزنًا قديمًا. — "هل تخافين؟" — سؤال بسيط… لكن صوته لم يكن كذلك. — رفعت ذقنها. — "أنا لا أخاف." — اقترب خطوة. — ثم قال بهدوء: "كلهم يقولون ذلك… قبل أن يموتوا." — تسارعت نبضات قلبها. — ليس خوفًا… — بل غضب. — "أنا لست مثلهم." — صمت. — ثم… — فجأة— — أمسك معصمها. — بسرعة. — لكن ليس بقوة. — تجمدت. — جسدها توتر بالكامل. — "اتركني." — قالتها بهدوء… لكن تحت هذا الهدوء… كان هناك خطر. — لم يتركها. — بل اقترب أكثر. — "يدك…" قال وهو ينظر إليها. "ليست يد خادمة." — سكون. — "خالية من الجروح الصغيرة…" تابع بصوت منخفض. "لكنها تحمل آثار تدريب." — سحب أنفاسه ببطء. — "قاتلة… أم حارسة؟" — نظرت إليه مباشرة. — قريبة جدًا… — "هل يهم؟" — صمت. — ثم… — تركها. — لكن قبل أن يبتعد— — ابتسم. — "نعم." — — ابتعدت عنه فورًا. — لكنها شعرت بشيء غريب… — حرارة… — في مكان لم يكن يجب أن تشعر فيه بأي شيء. — "تماسكي…" همست لنفسها. — لكن صوتًا آخر… — أضعف… أخطر… — قال: "لماذا لم تقتليه؟" — تجمدت. — فكرت للحظة… — ثم تجاهلت الفكرة. — — "سنذهب إلى القاعة الشرقية." قال شيراكو وهو يسير مجددًا. — "هناك اجتماع." — "مع من؟" — نظر إليها… — "أشخاص… لا تثقين بهم." — ابتسمت بسخرية خفيفة. — "هذا لا يختلف عن أي مكان." — ضحك. — لكن ضحكته… — لم تكن سعيدة. — — دخلوا القاعة. — كانت كبيرة… واسعة… لكن الهواء فيها… — ثقيل. — رجال يقفون… ينظرون… يقيمون. — بمجرد دخولها… — شعرت بذلك. — نظراتهم. — ليست إعجابًا… — بل شك. — "من هذه؟" قال أحدهم ببرود. — "حارستي." أجاب شيراكو دون تردد. — ضحك رجل آخر. — "جميلة… أكثر من اللازم." — تصلب جسد سيلا. — لكنها لم تتحرك. — "الجمال… لا يحمي." تابع الرجل بسخرية. — وقبل أن ترد— — "لكنها تفعل." قال شيراكو. — صمت. — كل الأنظار تحولت إليه. — "وأحيانًا…" أضاف وهو ينظر إلى سيلا. "يكون أخطر من السيوف." — سكون. — ثم بدأ الاجتماع. — لكن سيلا… — لم تكن تستمع. — كانت تفكر. — لماذا… — يدافع عنها؟ — — بعد انتهاء الاجتماع… — خرجت معه. — الصمت بينهما عاد. — لكن هذه المرة… — كان مختلفًا. — أثقل. — "لماذا فعلت ذلك؟" سألته فجأة. — توقف. — ثم التفت إليها. — "ماذا؟" — "دافعت عني." — صمت. — ثم قال بهدوء: "لأنكِ لي." — تجمدت. — "ماذا؟" — اقترب خطوة. — "حارستي." قال ببطء. "ومسؤوليتي." — لكن… — شيئًا في طريقته… — لم يكن مجرد واجب. — — "لا تفهمي خطأ." أضاف وهو يبتعد. "أنا فقط لا أحب أن يلمس أحد ما أملك." — تسارعت أنفاسها. — غضب؟ — أم شيء آخر؟ — لم تعرف. — لكنها عرفت شيئًا واحدًا… — وهذا كان أخطر من كل شيء. — — هو بدأ يقترب. — وليس منها فقط… — بل من حقيقتها. — — وفي تلك الليلة… — لم تنم سيلا مجددًا. — لكن هذه المرة… — لم تكن تفكر بالمهمة. — — بل… — به. — — وبالسؤال الذي لم تستطع الهروب منه: — "متى سيتحول الهدف… إلى شيء لا أستطيع قتله؟"الصباح في القصر عاد كما كان…أو هكذا بدا.ضوء الشمس دخل من النوافذ الواسعة، ينساب بهدوء على الأرضيات اللامعة، والخدم يتحركون كعادتهم، وكأن شيئًا لم يحدث. لكن الحقيقة… أن بعض الأحداث لا تترك أثرًا يُرى، بل أثرًا يُشعَر.وفي داخل الغرفة…كانت سيلا مستيقظة.لم تتحرك كثيرًا.لم تتكلم.فقط… كانت تنظر إلى السقف.كأنها تحاول فهم كيف ما زالت هنا.كيف أن الألم ما زال موجودًا…وكيف أن الحياة… لم تنتهِ.رفعت يدها ببطء، نظرت إلى أصابعها، كأنها تتأكد أنها ما زالت لها. كل شيء كان بطيئًا، ثقيلًا، كأن جسدها لم يعتد بعد على البقاء."هل هذا… عقاب؟"همست لنفسها.لكن صوتها لم يحمل حزنًا.بل حيرة.لأن النجاة أحيانًا… أصعب من الموت.الباب فتح بهدوء.دخل الأمير.خطواته كانت خفيفة… كأنه يخاف أن يوقظها، رغم أنها مستيقظة. توقف للحظة عند الباب، يراقبها بصمت، وكأنه يحاول أن يصدق أنها أمامه فعلًا.ثم اقترب.جلس بجانبها.لم يتكلم مباشرة.فقط… كان هناك.وهذا وحده كان كافيًا."لماذا تنظر هكذا؟"سألته بصوت ضعيف.ابتسم بخفة."لأتأكد أنكِ لستِ وهمًا."نظرت إليه."وما النتيجة؟""ما زلتِ مزعجة… إذن أنتِ حقيقية."ضحكت بخف
الصمت…لم يكن مجرد غياب للصوت.بل كان شيئًا يزحف ببطء، كضبابٍ ثقيل، يلتف حول كل شيء ويخنقه. الغرفة التي شهدت القتال قبل لحظات، بدت الآن وكأنها لا تعرف ما حدث فيها، وكأن الزمن قرر أن يتوقف احترامًا لشيءٍ أعظم… أو أكثر قسوة.الأمير لم يتحرك.ركع على الأرض، يحمل سيلا بين ذراعيه، وكأنها الشيء الوحيد الذي بقي له في هذا العالم. جسدها كان خفيفًا… خفيفًا بشكل مخيف، كأن الحياة بدأت تتخلى عنها قطعةً قطعة."سيلا…"همس اسمها.لكن صوته لم يكن نداءً… بل رجاءً.اقترب ببطء، وضع يده على خدها، الذي بدأ يفقد دفئه. نظر إليها طويلًا، وكأنه يحاول حفظ ملامحها قبل أن تختفي."لا تفعلي هذا…"قالها بصوت مكسور.ولأول مرة… لم يكن أميرًا.كان إنسانًا يخاف.مدّ يده الأخرى نحو عنقها، يبحث عن نبض… أي نبض.ثانية…مرّت ببطء.ثانيتان…كأن الزمن يسخر منه.ثم—لمسة.ضعيفة.باهتة.لكن موجودة.اتسعت عيناه."هي… حية."لم يقلها لأحد.بل قالها لنفسه… كأنه يخشى أن تختفي إن نطقها بصوت أعلى.لم ينتظر.لم يفكر.نهض فورًا، يحملها بحذر شديد، وكأن أي حركة خاطئة قد تسلبها ذلك النفس الهش. خرج من الغرفة بخطوات سريعة، صوته ارتد في الممرا
الهواء نفسه تغيّر.لم يعد مجرد غرفة… بل ساحة حرب تختنق بالصمت قبل الانفجار.اندفع والد سيلا بسرعة مرعبة، كأنه سهم أُطلق بلا تردد. هذه المرة لم يكن يختبر، لم يكن يراقب… كان ينهي.لكن الأمير لم يتراجع.تحرك للأمام.خطوة واحدة فقط… لكنها كانت كفيلة بتغيير ميزان كل شيء.اصطدمت الشفرات من جديد، لكن الصوت كان مختلفًا—أثقل، أعمق، كأن كل ضربة تحمل قرارًا لا رجعة فيه. لم يعد القتال تبادل هجمات… بل صراع إرادات."تظن أنك تستطيع حمايتها؟"قالها الرجل وهو يدفع بسلاحه بقوة."وأنت لم تستطع حتى حمايتها من نفسها."شدّ الأمير سيفه، وصدّ الضربة، ثم التفّ بسرعة وضربه من الجانب. هذه المرة… لم يكن الهجوم عشوائيًا.كان مدروسًا.باردًا.وكأنه تعلّم في لحظات… ما لم يتعلمه في سنوات."أنا لا أحميها…"قال الأمير، وأنفاسه ثقيلة.ثم اندفع بضربة مباشرة أجبرت خصمه على التراجع خطوة."أنا أختار الوقوف معها."توقفت عين الرجل للحظة.ثم ابتسم."كلمات جميلة…"تفادى ضربة أخرى بانسيابية، ثم ردّ بهجوم أسرع."لكنها لا تنقذ أحدًا."ارتد الأمير للخلف، لكن قبل أن يستعيد توازنه—ضربة أخرى جاءت، أقوى، أقسى. انزلقت قدمه، وسقط على رك
لم يكن القتال عاديًا.كان عنيفًا… سريعًا… وكأن كل ضربة تحمل سنوات من الكراهية المكبوتة.الأمير اندفع للأمام بلا تردد، سيفه يلمع تحت الضوء، وصوته الداخلي يصرخ بشيء واحد فقط:لا تخسرها.اصطدمت شفرته بسلاح والد سيلا، فارتد الصوت في أرجاء الغرفة كصاعقة. الشرر تناثر، والخطوات كانت حادة، محسوبة… لكن الغضب كان أقوى من أي حساب."تراجعت كثيرًا…"قال والدها وهو يصد ضربة أخرى بسهولة."كنت أفضل مما أنت عليه الآن."شد الأمير قبضته."وأنت… لم تتغير أبدًا."اندفع مجددًا، أسرع هذه المرة، ضربة تلو الأخرى، كأن كل هجوم يفرغ فيه الألم الذي لا يعرف كيف يعبّر عنه.لكن خصمه…لم يكن عاديًا.كان هادئًا.باردًا.يتحرك بأقل جهد، كأن القتال بالنسبة له… مجرد تمرين."العاطفة تجعلك ضعيفًا."قالها وهو يتفادى ضربة خطيرة بالكاد."وأنت… دليل حي."توقفت حركة الأمير للحظة—مجرد لحظة.لكنها كانت كافية.ضربة قوية وجهها له والد سيلا، جعلته يتراجع عدة خطوات، واصطدم بالجدار بعنف. أنفاسه تسارعت، ويده شدّت على سيفه أكثر.لكن عينيه…لم تترك سيلا.كانت ممددة على الأرض.ساكنة.صامتة."لا…"همس لنفسه.ليس الآن.ليس هكذا.وقف بثبات
لم يكن هناك وقت للتفكير.فقط… لحظة.لحظة واحدة فاصلة بين الحياة والموت.انطلق والدها كظلٍ منفلت من القيود، سريعًا بشكلٍ مرعب، كأن الزمن نفسه يفسح له الطريق. عينا سيلا اتسعتا، وجسدها تحرك قبل أن يفهم عقلها."لا—!"صرختها مزقت الصمت.لكن الصوت… كان أبطأ من الخطر.الشفرة اللامعة اخترقت الهواء، متجهة مباشرة نحو قلب الأمير.وفي تلك اللحظة…حدث الشيء الوحيد الذي لم يكن في أي خطة.تقدمت سيلا.دون تفكير.دون تردد.فقط… بقلبٍ اختار.ثم—اختفى الصوت.اختفى الزمن.واختفى كل شيء…عدا الألم.توقفت الشفرة.لكن ليس في الهواء.بل… فيها.اتسعت عيناها بصدمة، وهي تشعر بالبرد يغزو جسدها من الداخل. نظرت ببطء إلى الأسفل…ورأت الدم.دمها.ينساب بهدوء… وكأنه لم يكن مستعجلاً."سيلا…؟"صوت الأمير كان بعيدًا… كأنه يأتي من عالم آخر.رفعت رأسها نحوه.وكانت نظراته… مكسورة.لأول مرة.ابتسمت.ابتسامة خفيفة… متعبة."يبدو أنني… اخترت أخيرًا."همست.لكن الألم… لم يكن جسديًا فقط.بل كان أعمق.لأنها فهمت الآن.أن بعض القرارات… تأتي متأخرة.والدها سحب الشفرة ببرود.كأن ما حدث… لا يعنيه."خطأ."قالها.ببساطة."لم أعلم أن ت
لم يكن الباب الذي أغلق خلفها مجرد باب.كان حدًا فاصلاً… بين ما كانت عليه، وما ستصبحه.تقدمت سيلا خطوة أخرى داخل الغرفة، بينما الضوء الصباحي يتسلل بهدوء من النوافذ العالية، كأنه يشهد على لحظة لن تُغتفر.الأمير كان واقفًا، يراقبها بصمت.ليس بصمت الجهل…بل بصمت من بدأ يفهم."أنتِ مختلفة اليوم."قالها بهدوء.صوته لم يحمل شكًا… بل يقينًا مزعجًا.توقفت سيلا أمامه، على مسافة قريبة، لكنها شعرت وكأن المسافة بينهما عالم كامل."الجميع يتغير."ردّت بهدوء.لكن داخلها…كان كل شيء ينهار.اقترب خطوة."ليس هكذا."نظر إليها بعمق، وكأنه يحاول أن يقرأ ما خلف وجهها."هناك شيء انتهى فيكِ."ارتجف شيء داخلها… لكنها لم تظهره.لأنها كانت تعرف.هو محق.لكن ما انتهى… لم يكن ضعفها.بل إنسانيتها.خفضت عينيها للحظة، ثم رفعتهم من جديد.وكان القرار… قد استقر."أحتاج أن أخبرك بشيء."قالتها.وكانت هذه أخطر جملة نطقتها منذ أن دخلت القصر.لأن الحقيقة… لا تأتي أبدًا دون ثمن.لم يتحرك.لكنه لم يقطع كلامها.فقط… انتظر.وهذا ما جعل الأمر أصعب.أخذت نفسًا عميقًا."أنا لست خادمة."سقطت الكلمات… ببطء.كأنها حجارة تُلقى في ماء س







