ログインالفصل الرابع: وجه لا يُنسى
لم تنم سيلا. ليس لأنها لم تستطع… بل لأنها رفضت. — الليل في القصر لم يكن هادئًا كما يبدو… كان مليئًا بأصوات خفية، أنفاس جدران قديمة… وهمسات لا يسمعها إلا من اعتاد العيش في الظلال. — جلست قرب النافذة في غرفتها، تراقب السماء. لكنها لم تكن ترى النجوم… بل كانت ترى وجوهًا. وجوه أولئك الذين قتلتهم. — "القاتل لا ينسى…" همست بصوت خافت. — لكن هذه المرة… لم يكن ما يزعجها ماضيها. بل الحاضر. — ذلك السجين. نظراته… لم تكن طبيعية. لم تكن نظرات رجل ينتظر الموت… بل نظرات رجل يعرف أكثر مما يجب. — وقفت فجأة. "هذا المكان… ليس كما يبدو." — ثم… سمعت الصوت. — طرقة خفيفة على الباب. — تصلب جسدها فورًا. يدها تحركت تلقائيًا نحو الخنجر. — "ادخلي." — فتح الباب ببطء… ودخلت "إيمي تاكاكواي". — لكن شيئًا فيها كان مختلفًا. ابتسامتها… لم تصل إلى عينيها. — "يبدو أنكِ نجحتِ في الاختبار." قالت بهدوء. — أجابت سيلا ببرود: "كان بسيطًا." — اقتربت إيمي خطوة… ثم أخرى… حتى أصبحت قريبة جدًا. قريبة لدرجة أن سيلا استطاعت رؤية انعكاس نفسها في عينيها. — "بسيط؟" همست. — ثم… ابتسمت. ابتسامة باردة… خالية من الدفء. — "الرجال الذين قتلتِهم… لم يكونوا لصوصًا عاديين." — صمت. — لكن الصمت هذه المرة… كان أخطر من أي كلمة. — "من كانوا؟" سألت سيلا. — لم تجب إيمي فورًا. بل استدارت ببطء، تتجه نحو النافذة. — "كانوا… يختبرونك." — تجمدت سيلا. — "اختبار؟" — "القصر لا يقبل الضعفاء." قالت إيمي وهي تنظر إلى الخارج. "وخاصة… من سيقترب من الأمير." — اسم واحد… لكن تأثيره… لم يكن عاديًا. — "الأمير شيراكو…" همست سيلا في داخلها. — "ستبدأين عملك الحقيقي غدًا." تابعت إيمي. "حراسته… عن قرب." — نبضة قلب. — واحدة فقط… لكنها كانت كافية لتشعر بشيء غريب. — اقتربت إيمي منها مجددًا. ثم همست: "واحذري…" — توقفت. — "فهو ليس كأي رجل." — ثم خرجت. — وتركت خلفها… صمتًا أثقل من قبل. — في اليوم التالي… — كانت الشمس مشرقة… لكن القصر… لم يكن كذلك. — سارت سيلا في الممرات الطويلة، ثوبها الأسود يتحرك بهدوء، وعيناها تمسح كل زاوية. — لكن داخلها… كان مشوشًا. — "أمير…" "هدف…" "رجل… يجب أن يموت…" — ثم— وصلت. — باب كبير… مزخرف… لكن خلفه… كان مصيرها. — طرقت. — "ادخلي." — صوت. — لم يكن عاليًا… لكنه… ثابت. — دفعت الباب ببطء. — ودخلت. — في البداية… لم تره. — الضوء كان خلفه، وظله غطى ملامحه. — لكنها شعرت به. — وجوده… كان كافيًا. — "أنتِ الحارسة الجديدة." — لم يكن سؤالًا. — بل حقيقة. — تقدمت خطوة… ثم… — رأته. — وتوقف الزمن. — شعر أسود… طويل… ينساب بهدوء على كتفيه. بشرته… بيضاء… لكن ليست ضعيفة… بل كأنها تخفي تحتها قوة صامتة. — عيناه… — تلك العينان… — لم تكن فقط جميلتين. — بل… خطيرتين. — لون داكن… عميق… كأنه يحمل ليلًا كاملًا بداخله. — لم تكن عيون أمير مدلل… بل عيون رجل رأى أشياء لا يجب أن تُرى. — "اسمك." — سألها. — لكنها كانت لا تزال تنظر إليه. — للحظة… فقط لحظة… نسيت مهمتها. — "سيلا." — قالتها أخيرًا. — نظر إليها… طويلًا. — طويلًا جدًا. — لدرجة جعلت أنفاسها تضيق. — "أنتِ… لستِ خادمة." — قالها بهدوء. — لكن الكلمات… سقطت كخنجر. — تصلب جسدها. — "أنا حارسة." — ابتسم. — ابتسامة خفيفة… لكنها لم تكن بريئة. — "ولا حتى هذا." — صمت. — ثم اقترب. — خطوة… ثم أخرى… حتى أصبح قريبًا جدًا. — قريب لدرجة أنها شعرت بأنفاسه. — "من أنتِ حقًا؟" — سؤال. — لكن خلفه… اتهام. — رفعت ذقنها. — نظرت مباشرة في عينيه. — "شخص… سيحميك." — ابتسم مجددًا. — لكن هذه المرة… كانت ابتسامة رجل يعرف أنها تكذب. — "إذن… احميني جيدًا." — ثم… مر بجانبها. — لكن قبل أن يبتعد— توقف. — وهمس… — "لأن من حولي… لا يموتون بسهولة." — ثم خرج. — وتركت سيلا… واقفة. — لكن هذه المرة… لم تكن ثابتة. — شيء ما… بدأ يتغير. — ولأول مرة… — شعرت بالخطر… — ليس من المهمة… — بل من نفسها.الصباح في القصر عاد كما كان…أو هكذا بدا.ضوء الشمس دخل من النوافذ الواسعة، ينساب بهدوء على الأرضيات اللامعة، والخدم يتحركون كعادتهم، وكأن شيئًا لم يحدث. لكن الحقيقة… أن بعض الأحداث لا تترك أثرًا يُرى، بل أثرًا يُشعَر.وفي داخل الغرفة…كانت سيلا مستيقظة.لم تتحرك كثيرًا.لم تتكلم.فقط… كانت تنظر إلى السقف.كأنها تحاول فهم كيف ما زالت هنا.كيف أن الألم ما زال موجودًا…وكيف أن الحياة… لم تنتهِ.رفعت يدها ببطء، نظرت إلى أصابعها، كأنها تتأكد أنها ما زالت لها. كل شيء كان بطيئًا، ثقيلًا، كأن جسدها لم يعتد بعد على البقاء."هل هذا… عقاب؟"همست لنفسها.لكن صوتها لم يحمل حزنًا.بل حيرة.لأن النجاة أحيانًا… أصعب من الموت.الباب فتح بهدوء.دخل الأمير.خطواته كانت خفيفة… كأنه يخاف أن يوقظها، رغم أنها مستيقظة. توقف للحظة عند الباب، يراقبها بصمت، وكأنه يحاول أن يصدق أنها أمامه فعلًا.ثم اقترب.جلس بجانبها.لم يتكلم مباشرة.فقط… كان هناك.وهذا وحده كان كافيًا."لماذا تنظر هكذا؟"سألته بصوت ضعيف.ابتسم بخفة."لأتأكد أنكِ لستِ وهمًا."نظرت إليه."وما النتيجة؟""ما زلتِ مزعجة… إذن أنتِ حقيقية."ضحكت بخف
الصمت…لم يكن مجرد غياب للصوت.بل كان شيئًا يزحف ببطء، كضبابٍ ثقيل، يلتف حول كل شيء ويخنقه. الغرفة التي شهدت القتال قبل لحظات، بدت الآن وكأنها لا تعرف ما حدث فيها، وكأن الزمن قرر أن يتوقف احترامًا لشيءٍ أعظم… أو أكثر قسوة.الأمير لم يتحرك.ركع على الأرض، يحمل سيلا بين ذراعيه، وكأنها الشيء الوحيد الذي بقي له في هذا العالم. جسدها كان خفيفًا… خفيفًا بشكل مخيف، كأن الحياة بدأت تتخلى عنها قطعةً قطعة."سيلا…"همس اسمها.لكن صوته لم يكن نداءً… بل رجاءً.اقترب ببطء، وضع يده على خدها، الذي بدأ يفقد دفئه. نظر إليها طويلًا، وكأنه يحاول حفظ ملامحها قبل أن تختفي."لا تفعلي هذا…"قالها بصوت مكسور.ولأول مرة… لم يكن أميرًا.كان إنسانًا يخاف.مدّ يده الأخرى نحو عنقها، يبحث عن نبض… أي نبض.ثانية…مرّت ببطء.ثانيتان…كأن الزمن يسخر منه.ثم—لمسة.ضعيفة.باهتة.لكن موجودة.اتسعت عيناه."هي… حية."لم يقلها لأحد.بل قالها لنفسه… كأنه يخشى أن تختفي إن نطقها بصوت أعلى.لم ينتظر.لم يفكر.نهض فورًا، يحملها بحذر شديد، وكأن أي حركة خاطئة قد تسلبها ذلك النفس الهش. خرج من الغرفة بخطوات سريعة، صوته ارتد في الممرا
الهواء نفسه تغيّر.لم يعد مجرد غرفة… بل ساحة حرب تختنق بالصمت قبل الانفجار.اندفع والد سيلا بسرعة مرعبة، كأنه سهم أُطلق بلا تردد. هذه المرة لم يكن يختبر، لم يكن يراقب… كان ينهي.لكن الأمير لم يتراجع.تحرك للأمام.خطوة واحدة فقط… لكنها كانت كفيلة بتغيير ميزان كل شيء.اصطدمت الشفرات من جديد، لكن الصوت كان مختلفًا—أثقل، أعمق، كأن كل ضربة تحمل قرارًا لا رجعة فيه. لم يعد القتال تبادل هجمات… بل صراع إرادات."تظن أنك تستطيع حمايتها؟"قالها الرجل وهو يدفع بسلاحه بقوة."وأنت لم تستطع حتى حمايتها من نفسها."شدّ الأمير سيفه، وصدّ الضربة، ثم التفّ بسرعة وضربه من الجانب. هذه المرة… لم يكن الهجوم عشوائيًا.كان مدروسًا.باردًا.وكأنه تعلّم في لحظات… ما لم يتعلمه في سنوات."أنا لا أحميها…"قال الأمير، وأنفاسه ثقيلة.ثم اندفع بضربة مباشرة أجبرت خصمه على التراجع خطوة."أنا أختار الوقوف معها."توقفت عين الرجل للحظة.ثم ابتسم."كلمات جميلة…"تفادى ضربة أخرى بانسيابية، ثم ردّ بهجوم أسرع."لكنها لا تنقذ أحدًا."ارتد الأمير للخلف، لكن قبل أن يستعيد توازنه—ضربة أخرى جاءت، أقوى، أقسى. انزلقت قدمه، وسقط على رك
لم يكن القتال عاديًا.كان عنيفًا… سريعًا… وكأن كل ضربة تحمل سنوات من الكراهية المكبوتة.الأمير اندفع للأمام بلا تردد، سيفه يلمع تحت الضوء، وصوته الداخلي يصرخ بشيء واحد فقط:لا تخسرها.اصطدمت شفرته بسلاح والد سيلا، فارتد الصوت في أرجاء الغرفة كصاعقة. الشرر تناثر، والخطوات كانت حادة، محسوبة… لكن الغضب كان أقوى من أي حساب."تراجعت كثيرًا…"قال والدها وهو يصد ضربة أخرى بسهولة."كنت أفضل مما أنت عليه الآن."شد الأمير قبضته."وأنت… لم تتغير أبدًا."اندفع مجددًا، أسرع هذه المرة، ضربة تلو الأخرى، كأن كل هجوم يفرغ فيه الألم الذي لا يعرف كيف يعبّر عنه.لكن خصمه…لم يكن عاديًا.كان هادئًا.باردًا.يتحرك بأقل جهد، كأن القتال بالنسبة له… مجرد تمرين."العاطفة تجعلك ضعيفًا."قالها وهو يتفادى ضربة خطيرة بالكاد."وأنت… دليل حي."توقفت حركة الأمير للحظة—مجرد لحظة.لكنها كانت كافية.ضربة قوية وجهها له والد سيلا، جعلته يتراجع عدة خطوات، واصطدم بالجدار بعنف. أنفاسه تسارعت، ويده شدّت على سيفه أكثر.لكن عينيه…لم تترك سيلا.كانت ممددة على الأرض.ساكنة.صامتة."لا…"همس لنفسه.ليس الآن.ليس هكذا.وقف بثبات
لم يكن هناك وقت للتفكير.فقط… لحظة.لحظة واحدة فاصلة بين الحياة والموت.انطلق والدها كظلٍ منفلت من القيود، سريعًا بشكلٍ مرعب، كأن الزمن نفسه يفسح له الطريق. عينا سيلا اتسعتا، وجسدها تحرك قبل أن يفهم عقلها."لا—!"صرختها مزقت الصمت.لكن الصوت… كان أبطأ من الخطر.الشفرة اللامعة اخترقت الهواء، متجهة مباشرة نحو قلب الأمير.وفي تلك اللحظة…حدث الشيء الوحيد الذي لم يكن في أي خطة.تقدمت سيلا.دون تفكير.دون تردد.فقط… بقلبٍ اختار.ثم—اختفى الصوت.اختفى الزمن.واختفى كل شيء…عدا الألم.توقفت الشفرة.لكن ليس في الهواء.بل… فيها.اتسعت عيناها بصدمة، وهي تشعر بالبرد يغزو جسدها من الداخل. نظرت ببطء إلى الأسفل…ورأت الدم.دمها.ينساب بهدوء… وكأنه لم يكن مستعجلاً."سيلا…؟"صوت الأمير كان بعيدًا… كأنه يأتي من عالم آخر.رفعت رأسها نحوه.وكانت نظراته… مكسورة.لأول مرة.ابتسمت.ابتسامة خفيفة… متعبة."يبدو أنني… اخترت أخيرًا."همست.لكن الألم… لم يكن جسديًا فقط.بل كان أعمق.لأنها فهمت الآن.أن بعض القرارات… تأتي متأخرة.والدها سحب الشفرة ببرود.كأن ما حدث… لا يعنيه."خطأ."قالها.ببساطة."لم أعلم أن ت
لم يكن الباب الذي أغلق خلفها مجرد باب.كان حدًا فاصلاً… بين ما كانت عليه، وما ستصبحه.تقدمت سيلا خطوة أخرى داخل الغرفة، بينما الضوء الصباحي يتسلل بهدوء من النوافذ العالية، كأنه يشهد على لحظة لن تُغتفر.الأمير كان واقفًا، يراقبها بصمت.ليس بصمت الجهل…بل بصمت من بدأ يفهم."أنتِ مختلفة اليوم."قالها بهدوء.صوته لم يحمل شكًا… بل يقينًا مزعجًا.توقفت سيلا أمامه، على مسافة قريبة، لكنها شعرت وكأن المسافة بينهما عالم كامل."الجميع يتغير."ردّت بهدوء.لكن داخلها…كان كل شيء ينهار.اقترب خطوة."ليس هكذا."نظر إليها بعمق، وكأنه يحاول أن يقرأ ما خلف وجهها."هناك شيء انتهى فيكِ."ارتجف شيء داخلها… لكنها لم تظهره.لأنها كانت تعرف.هو محق.لكن ما انتهى… لم يكن ضعفها.بل إنسانيتها.خفضت عينيها للحظة، ثم رفعتهم من جديد.وكان القرار… قد استقر."أحتاج أن أخبرك بشيء."قالتها.وكانت هذه أخطر جملة نطقتها منذ أن دخلت القصر.لأن الحقيقة… لا تأتي أبدًا دون ثمن.لم يتحرك.لكنه لم يقطع كلامها.فقط… انتظر.وهذا ما جعل الأمر أصعب.أخذت نفسًا عميقًا."أنا لست خادمة."سقطت الكلمات… ببطء.كأنها حجارة تُلقى في ماء س







