LOGIN
"لم تفشلي يومًا… فلا تجعلي هذه المرة الأولى."
كان صوته باردًا كصلابة الحديد، يخترق سكون الغرفة كما يخترق السهم الهواء. وقفت سيلا أمامه دون أن ترمش، كتمثال منحوت من الجليد، لا يهتز ولا يتصدع. الغرفة نفسها كانت تعكس طبيعة من فيها—جدران حجرية قاتمة، ضوء خافت يتسلل من نافذة ضيقة، ورائحة خفيفة من الرطوبة… كأنها مكان خُلق ليُدفن فيه الخوف، لا ليُقال فيه الكلام. رفعت سيلا رأسها ببطء، وعيناها الداكنتان استقرتا على القائد. لم يكن في نظرتها تحدٍ… ولا خضوع… بل فراغ مدروس، أشبه ببحيرة ساكنة تخفي تحت سطحها أعماقًا لا تُرى. "وما المهمة هذه المرة؟" قالتها بنبرة هادئة، كأنها تسأل عن أمر عادي، لا عن حياة قد تُزهق. اقترب خطوة، وارتطم صدى حذائه بالحجر كإعلان غير مباشر عن ثقل كلماته القادمة. "مملكة يوكو." توقفت أنفاس المكان لجزء من الثانية. "التسلل إلى القصر الملكي… والعمل كخادمة." ثم أضاف، بعد صمت قصير: "واغتيال الأمير شيراكو." لم تتغير ملامحها. لكن في داخلها… تحرك شيء صغير. ليس خوفًا… بل إدراك. هذه ليست مهمة عادية. "وكم المدة؟" سألت، دون أن تسمح لذلك الشعور بالظهور. "ستُعطين التفاصيل لاحقًا. استعدي. لديكِ ثلاثة أيام فقط." ثلاثة أيام. كافية لتوديع حياة… أو للانزلاق إلى موت بطيء. أومأت برأسها، واستدارت بهدوء. خطواتها كانت ثابتة، لكن ظلها الممتد على الجدار بدا وكأنه يتردد للحظة… قبل أن يتبعها. — داخل غرفتها، أغلقت الباب خلفها، واستندت عليه لثوانٍ. الصمت هنا مختلف. ليس صمتًا مفروضًا… بل صمت تعرفه جيدًا. تقدمت نحو المرآة، وجلست أمامها. انعكاسها كان واضحًا تحت ضوء الشمعة المرتعش— وجه ناعم، بشرة صافية، وملامح هادئة… كأنها لم تعرف يومًا معنى الألم. لكن عينيها… عيناها لم تكونا كذلك. كانتا تحملان برودة قاتل… وحدة فتاة لم يُسمح لها أن تكون طفلة. مدت يدها ولمست الزجاج، كأنها تحاول التأكد أن هذه الصورة لها فعلًا. "مجرد مهمة أخرى…" همست. لكن الكلمات بدت غريبة، كأنها لا تنتمي إليها هذه المرة. — في تلك الليلة، لم تنم. وقفت عند النافذة، والهواء البارد ينساب إلى داخل الغرفة كأنّه يحاول أن يوقظ شيئًا بداخلها. أغمضت عينيها… فجاءها وجه أمها. بسيط… متعب… لكنه دافئ. "لو نجحتِ… سيعترف بكِ الملك." ترددت الكلمات في ذهنها، كما لو أنها تُقال الآن. "وستحصل أمك على حياة تليق بها." شدّت على طرف النافذة، حتى ابيضّت أصابعها. "من أجلها…" تمتمت. ليس من أجل الملك. ليس من أجل الاسم. بل من أجل المرأة الوحيدة التي نظرت إليها يومًا… وكأنها تستحق الحياة. — بعد ثلاثة أيام… كانت تقف على سطح السفينة، والبحر يمتد أمامها كلوحة لا نهاية لها. الأمواج تتلاطم برفق، والهواء يحمل رائحة الملح… والحرية. أغلقت عينيها للحظة، ورفعت وجهها نحو الريح. "هذا الشعور…" كان يشبه الانفلات. كأنها لم تعد مرتبطة بشيء… ولا أحد. لكنها فتحت عينيها بسرعة، كمن تذكر الحقيقة فجأة. هي ليست حرة. لم تكن يومًا كذلك. — عند وصولها إلى الميناء، تغير كل شيء. الضوضاء، الأصوات، حركة الناس… كلها اصطدمت بها دفعة واحدة. اقترب رجل بملامح قاسية، نظر إليها نظرة سريعة قبل أن يسأل: "أنتِ سيلا؟" "نعم." "الخادمة الجديدة؟" ترددت الكلمة في ذهنها. "خادمة." ابتسمت داخليًا بسخرية خفيفة. "نعم." "اتبعيني." سارت خلفه، وخطواتها كانت أخف من أن تُسمع، لكنها كانت واعية بكل شيء حولها— المخارج، الحراس، الأزقة… كل تفصيلة. — بعد انتظار طويل، وصلت سيارة سوداء لامعة. انعكس وجهها على سطحها كظل غامض. "أنا سيلا… من طرف ساتانا." نظر إليها السائق، ثم ابتسم ابتسامة جانبية: "الخادمة الجديدة؟" رفعت حاجبها: "كيف عرفت؟" "لأن القصر لا يقبل إلا الجميلات." تنهدت، وهي تنظر بعيدًا: "منطقي… وسخيف." — وعندما وصلت… توقفت. القصر أمامها لم يكن مجرد بناء. بل كان كيانًا ضخمًا، يفرض هيبته حتى على الهواء من حوله. الأعمدة الشاهقة بدت كجنود صامتين، والنوافذ الواسعة كعيون تراقب كل من يقترب. حتى الحدائق… كانت مرتبة بدقة مرعبة، كأن الجمال فيها مفروض بالقوة. خطت خطوة للأمام. "هذا المكان…" شعرت وكأنها دخلت إلى عالم لا ينتمي لها. ثم ابتسمت ببطء. "لكنه سيكون مسرح مهمتي." — "مرحبًا بكِ." التفتت. امرأة أنيقة تقف أمامها، بثقة لا تحتاج إلى إثبات. "أنا إيمي تاكاكواي، رئيسة الخدم." "سيلا." نظرت إليها إيمي نظرة طويلة، ثم قالت بهدوء: "أعرف." صمتت لحظة، ثم أضافت: "ثمانية عشر عامًا… مقاتلة… ومتعددة المهارات." تجمدت سيلا للحظة. "إذًا… هم يعرفون." لكن إيمي تابعت وكأن شيئًا لم يكن: "سيتم تعيينك ضمن خدم النخبة." ثم اقتربت قليلًا: "حارسة شخصية للأمير." في داخل سيلا… تحركت ابتسامة باردة. "أقرب مما توقعت." — "لكن…" قالت إيمي، وهي تدير ظهرها: "عليكِ اجتياز اختبار." "وما هو؟" توقفت إيمي، ثم التفتت ببطء: "حراسة سجين." — في الممرات السفلية، كان الهواء أثقل… وأبرد. كل خطوة كانت تصدر صدى، كأن المكان يرفض وجودها. توقفت أمام زنزانة. "هنا." نظرت إلى الداخل… ثم تجمدت. الرجل داخلها رفع رأسه ببطء. عيناه كانتا كليل بلا نجوم… عميقتان… مظلمتان… وخطيرتان. لم يكن مجرد سجين. بل شعور حي بالخطر. "هذا هو اختبارك." قالت إيمي. ابتلعت سيلا بصمت. وفي داخلها، همست: "رائع…" ثم ابتسمت بمرارة خفيفة، كمن يسخر من مصيره: "لم تبدأ المهمة بعد… ومع ذلك يبدو أنني دخلت إلى الجحيم."لم تنم سيلا تلك الليلة.كانت تقف أمام النافذة، تحدق في المملكة الغارقة تحت ضوء القمر. من بعيد، بدت القصور هادئة، والشوارع ساكنة، والمدينة وكأنها لا تعرف أن حياة فتاة واحدة قد انقلبت رأسًا على عقب خلال أيام قليلة.وضعت يدها على قلادتها.قلادة أمها.ثم نظرت إلى الورقة التي وصلت إليها بالسهم."إذا أردتِ معرفة الحقيقة كاملة عن ولادتك، تعالي إلى المكان الذي بدأت فيه قصتك."وفي أسفلها…اسم واحد:قلعة سابوكي القديمة.ظلت تحدق في الكلمات طويلًا.سابوكي.المملكة التي أُرسلت إليها منذ البداية.المكان الذي دخلته كخادمة متخفية.المكان الذي كان من المفترض أن تقتل فيه الأمير.والمكان نفسه الذي التقت فيه بالشخص الذي جعلها تشك في كل شيء تعلمته.تمتمت:"لماذا هناك؟"لم تجد إجابة.لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا.والدها لم يكن يترك شيئًا للصدفة.إذا كانت القلعة هي المكان الذي بدأت فيه قصتها…فربما كانت أيضًا المكان الذي دُفنت فيه الحقيقة.انفتح الباب خلفها.لم تلتفت.عرفت من الخطوات من يكون."أنت مستيقظ أيضًا."قال الأمير.اقترب ووقف بجانبها."وأنتِ لم تنامي."ابتسمت بخفة."يبدو أننا سيئون في النوم."نظر
لم تنطفئ النيران حتى الصباح.ظل الجناح الغربي يرسل دخانًا كثيفًا إلى السماء، كأنه جرح مفتوح في جسد القصر، يذكّر كل من مر بجانبه بأن شيئًا ما انتهى هناك.لكن سيلا كانت تعرف أن شيئًا آخر بدأ.جلست في إحدى الغرف الهادئة، بينما كانت والدتها مستلقية على السرير. كانت شاحبة، مرهقة، ويداها ترتجفان من أثر الأسر الطويل.وقفت سيلا أمام النافذة.لم تنم.منذ أن خرجت من الحريق، وهي تعيد المشهد في عقلها.والدها.كلماته.نظرته الأخيرة.ثم اختفاؤه.قال الجميع إنه ربما مات تحت الأنقاض.لكن سيلا لم تصدق.كانت تعرف والدها أكثر من أي شخص.الرجل الذي علّمها كيف تنجو من الموت، لن يسمح للموت أن يأخذه بهذه السهولة.سمعت صوتًا خلفها."سيلا."استدارت.كانت أمها مستيقظة.اقتربت منها وجلست بجانبها."كيف تشعرين؟"ابتسمت أمها ابتسامة ضعيفة."أفضل مما توقعت."ثم نظرت إلى ابنتها طويلًا."لكنني أريد أن أسألك سؤالًا."سكتت سيلا."لماذا عدتِ من أجلي؟"تجمدت."أنتِ أمي."قالتها ببساطة.هزت أمها رأسها."لا أقصد هذا."ثم أمسكت يدها."كان بإمكانك الهرب."خفضت سيلا عينيها."لم أستطع.""لماذا؟"صمتت طويلًا.ثم قالت:"لأنني قض
دوّى الانفجار في أرجاء الجناح كالرعد، واهتزت الأرض تحت أقدامهم.تطاير الغبار من السقف، وسقطت إحدى المشاعل على الأرض، فانتشرت نار صغيرة سرعان ما التهمت الستارة القريبة منها.وفي وسط الفوضى…لم تتحرك سيلا.كانت عيناها مثبتتين على أمها.كانت تلك الثواني بالنسبة إليها أطول من سنوات عمرها كلها.أمها كانت هناك.حية.لكنها مقيدة.ووالدها كان يقف بينها وبينها، كأنه وضع جسدها على رقعة شطرنج ثم انتظر منها أن تختار أي قطعة ستضحي بها.قال والدها ببرود:"أريني الآن… من ستختارين."رفعت سيلا عينيها إليه.لم تجبه.لأنها أدركت شيئًا.هو لم يكن يريد قتل الأمير فقط.كان يريد أن يجعلها تقتل نفسها من الداخل.كان يريد أن تعود تلك الفتاة التي اعتادت تنفيذ الأوامر دون سؤال.لكن تلك الفتاة…لم تعد موجودة.اندفع أحد الرجال نحوها.تحركت سيلا بسرعة، انحنت تحت الضربة، ثم دفعت خصمها بعيدًا.لكن جسدها لم يكن قد تعافى.الألم انفجر في جانبها فجأة، فتراجعت خطوة.لاحظ الأمير ذلك."سيلا!"قالها بقلق.لكنها رفعت يدها."لا تتدخل."ثم أضافت:"أنقذ أمي."فهم فورًا.لم يجادل.اندفع نحو المرأة المقيدة، بينما اعترضه رجلان.اشت
لم تكن الصرخة التي سمعاها في ساحة التدريب صرخة خوف عابرة. كانت قصيرة، حادة، ثم ابتلعها الصمت. تجمدت سيلا في مكانها. لم تتحرك، ولم تنظر إلى الأمير، وكأنها كانت تحاول أن تسمع ما وراء ذلك الصمت. ثم قالت: "إنها ليست صرخة شخص يُهاجم." نظر إليها الأمير. "كيف عرفتِ؟" "لأنها توقفت بسرعة." أخذت خنجرها من على الطاولة. "لو كان هجومًا حقيقيًا، لسمعنا الحراس بعدها." سكت الأمير لحظة. ثم أدرك ما تقصده. "إذن هو يريدنا أن نسمعها." رفعت عينيها إليه. "بالضبط." كانت هذه هي الطريقة التي يعمل بها والدها. لم يكن يحتاج إلى الدخول من الباب. كان يكفيه أن يجعل الآخرين يفتحونه بأنفسهم. قال الأمير: "إذن لن نذهب." هزت سيلا رأسها. "بل سنذهب." نظر إليها باستغراب. "ألم تقولي إن هذا فخ؟" "نعم." اقتربت منه. "ولهذا تحديدًا يجب أن نذهب." صمت قليلًا. ثم قال: "تريدين أن تجعليه يعتقد أن خطته نجحت." ابتسمت ابتسامة صغيرة. "أخيرًا بدأت تفهمني." لم يبتسم. "وأنتِ بدأتِ تصبحين مخيفة." خفضت نظرها إلى خنجرها. "لقد تأخرت في ملاحظة ذلك." ثم تحركت نحو الممر. لكن الأمير أمسك بذراعها برفق. "سيلا."
لم يعد القصر كما كان.حتى الصمت… تغيّر.لم يعد هدوءًا مريحًا، بل صار ثقيلًا، يختبئ فيه شيء لا يُرى. الحراس زادوا، الممرات أصبحت أكثر مراقبة، والوجوه… متوترة.لكن سيلا كانت تعرف الحقيقة.الخطر الحقيقي… لا يأتي من الخارج.بل من الداخل.جلست على حافة السرير، جسدها ما زال ضعيفًا، لكن عينيها… لم تعد كذلك. كانت تراقب كل شيء، كل تفصيل صغير، كأنها تعود تدريجيًا إلى ما كانت عليه.لكن هذه المرة…لم تكن أداة.وقفت ببطء.الألم سحب معها خطوة ثقيلة، لكنها لم تتوقف. اقتربت من النافذة، ونظرت إلى ساحة القصر، حيث الحراس يتحركون في تشكيلات دقيقة."لن يمنعه هذا."همست.لأنه لو أراد الدخول…فهو بالفعل هنا.الباب فتح بهدوء.الأمير دخل، ملامحه مختلفة عن قبل.لم يعد فقط قلقًا.بل مستعدًا."يجب أن تبقي في الداخل."قالها مباشرة.نظرت إليه."وأنت؟""سأتعامل مع الأمر."هزت رأسها."لا."اقتربت خطوة."هذا ليس عدوك وحدك."سكت."هو يعرفني."تابعت."وهو سيستخدم ذلك."نظر إليها بتركيز."لهذا السبب بالضبط… لا أريدكِ قريبة منه."ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنها لم تكن ساخرة."وأنا لا أريد أن أكون نقطة ضعفك."صمت.الكلمات كان
الصباح في القصر عاد كما كان…أو هكذا بدا.ضوء الشمس دخل من النوافذ الواسعة، ينساب بهدوء على الأرضيات اللامعة، والخدم يتحركون كعادتهم، وكأن شيئًا لم يحدث. لكن الحقيقة… أن بعض الأحداث لا تترك أثرًا يُرى، بل أثرًا يُشعَر.وفي داخل الغرفة…كانت سيلا مستيقظة.لم تتحرك كثيرًا.لم تتكلم.فقط… كانت تنظر إلى السقف.كأنها تحاول فهم كيف ما زالت هنا.كيف أن الألم ما زال موجودًا…وكيف أن الحياة… لم تنتهِ.رفعت يدها ببطء، نظرت إلى أصابعها، كأنها تتأكد أنها ما زالت لها. كل شيء كان بطيئًا، ثقيلًا، كأن جسدها لم يعتد بعد على البقاء."هل هذا… عقاب؟"همست لنفسها.لكن صوتها لم يحمل حزنًا.بل حيرة.لأن النجاة أحيانًا… أصعب من الموت.الباب فتح بهدوء.دخل الأمير.خطواته كانت خفيفة… كأنه يخاف أن يوقظها، رغم أنها مستيقظة. توقف للحظة عند الباب، يراقبها بصمت، وكأنه يحاول أن يصدق أنها أمامه فعلًا.ثم اقترب.جلس بجانبها.لم يتكلم مباشرة.فقط… كان هناك.وهذا وحده كان كافيًا."لماذا تنظر هكذا؟"سألته بصوت ضعيف.ابتسم بخفة."لأتأكد أنكِ لستِ وهمًا."نظرت إليه."وما النتيجة؟""ما زلتِ مزعجة… إذن أنتِ حقيقية."ضحكت بخف







