LOGINلم يكن القصر هادئًا كما يبدو.
في الخارج، كان كل شيء منظمًا… أنيقًا… مثاليًا، لكن في داخله—كان الصمت ثقيلًا، كأنه يخفي أسرارًا لا يُسمح لها أن تُقال. وقفت سيلا في الممر الطويل، أرضيته اللامعة تعكس صورتها كأنها تسخر منها— خادمة بثوب بسيط… تخفي خلفه قاتلة. لكن حتى هذا الثوب… لم يستطع إخفاءها. كانت سيلا مختلفة. جمالها لم يكن صاخبًا، بل هادئًا… قاتلًا. بشرتها الناعمة كانت بلون الليل عندما يلامسه ضوء القمر، وشعرها الأسود الطويل انسدل على كتفيها كستار حريري يخفي أكثر مما يُظهر. أما عيناها… فلم تكونا مجرد عيون. كانتا عميقتين، باردتين… كأنهما شهدتا أشياء لا يجب لفتاة في عمرها أن تراها. ومع ذلك— عندما تتحرك… تبدو خفيفة، مرنة، كأنها نسمة… لكن نسمة قادرة على خنقك إن اقتربت أكثر. — "سيلا." صوت إيمي أعادها إلى الواقع. "اتبعيني." سارت خلفها، لكن هذه المرة… كان هناك شيء مختلف. الممرات أصبحت أهدأ… الحراس أكثر… والهواء… أثقل. "نحن في الجناح الملكي." قالتها إيمي دون أن تلتفت. توقفت سيلا داخليًا. "إذًا… اقتربت." — توقفت إيمي أمام باب ضخم. لم يكن مزخرفًا بشكل مبالغ… لكن هيبته كانت كافية لتجعل أي شخص يتردد قبل الدخول. "تذكري…" قالت إيمي بهدوء، "أنتِ الآن لستِ مجرد خادمة." نظرت إليها سيلا. "أنتِ قريبة جدًا من أخطر شخص في هذه المملكة." — فُتح الباب. وبمجرد أن خطت خطوة إلى الداخل… تغير كل شيء. الضوء كان أكثر نعومة، الهواء أكثر دفئًا… لكن ما شدّ انتباهها لم يكن المكان. بل هو. كان واقفًا قرب النافذة، ظهره لها… والضوء يتسلل من خلفه، فيرسم ظله كلوحة لا يمكن لمسها. الأمير شيراكو. شعرت بشيء غريب… توقف غير مبرر في أنفاسها. "هذا هو الهدف." لكن عقلها لم يتحرك بسرعة كعادته. — التفت ببطء. وكأن الزمن… قرر أن يتمهل. عندما ظهرت ملامحه… فهمت. لم يكن مجرد وسيم. كان خطيرًا بطريقة مختلفة. شعره الداكن كان مرتبًا بإهمال متقن، تنسدل بعض خصلاته على جبينه، كأنها ترفض أن تُسيطر عليها القوانين. عينيه… لم تكونا دافئتين. بل كانتا حادتين، عميقتين… كأنهما تستطيعان اختراق أي كذبة، وأي قناع. لونها كان غامقًا، قريبًا من السواد… لكنه لم يكن فارغًا. بل مليئًا بشيء يصعب تفسيره— هدوء… يخفي عاصفة. أما ملامحه… فكانت مثالية بشكل مزعج. فك حاد، شفاه هادئة لا تبتسم بسهولة، ونظرة… لا تعطيك ما تريد. — نظر إليها. فقط… نظر. لكن تلك النظرة كانت كافية لتجعل جسدها يتنبه بالكامل. "أنتِ الجديدة؟" صوته… لم يكن عاليًا، لكنه كان ثابتًا… عميقًا… يحمل ثقة شخص لا يحتاج أن يرفع صوته ليُسمع. أومأت سيلا. "نعم." اقترب خطوة. خطوة واحدة فقط… لكنها شعرت وكأن المسافة بينهما اختفت فجأة. "اسمك؟" "سيلا." توقف لثانية. ثم قال بهدوء: "اسم… لا يناسب خادمة." — تجمدت. "ماذا يقصد؟" — اقترب أكثر. كانت المسافة الآن خطيرة. لو مد يده… سيلمسها. لكن ما كان أخطر… هو أنه لم يفعل. "نظرتك…" قال بصوت منخفض، "ليست لشخص يخدم." ارتفعت دقات قلبها… ليس خوفًا… بل إنذار. "هذا الرجل… ليس سهلًا." — رفعت رأسها بثبات. "وأنت… لا تبدو كأمير." قالتها دون تفكير. الصمت سقط بينهما. إيمي في الخلف… لم تتحرك. — ثم… ابتسم. ابتسامة خفيفة، قصيرة… لكنها حقيقية. "جيد." قالها وكأنه وجد شيئًا كان يبحث عنه. "لا أحب الأشخاص الذين يمثلون طوال الوقت." — في داخل سيلا… حدث شيء لم يعجبها. "لماذا… أشعر أنه يرى ما أحاول إخفاءه؟" — "ستكونين ضمن الحراسة القريبة مني." قالها وهو يبتعد قليلًا، كأنه أنهى الاختبار. "هل هذا مناسب لكِ؟" نظرت إليه. ثم قالت: "نعم." — لكن في داخلها… لم تكن الإجابة بهذه البساطة. "هذا الرجل…" ليس مجرد هدف. — وقبل أن تستدير لتغادر… قال بصوت منخفض، كأنه موجه لها وحدها: "احذري يا سيلا…" توقفت. "في هذا القصر…" ثم التفت إليها، وعيناه تلمعان بشيء غامض: "أخطر الأشخاص… ليسوا من يحملون السيوف." — تجمدت للحظة. ثم خرجت. لكنها لم تخرج كما دخلت. — في الممر… وضعت يدها على صدرها. دقات قلبها كانت أسرع مما ينبغي. "هذا… خطأ." همست. "أنا لا أشعر بهذا." لكنها كانت تكذب. لأول مرة… لم يكن الخطر في المهمة. بل في الشعور الذي بدأ… دون إذن.الصباح في القصر عاد كما كان…أو هكذا بدا.ضوء الشمس دخل من النوافذ الواسعة، ينساب بهدوء على الأرضيات اللامعة، والخدم يتحركون كعادتهم، وكأن شيئًا لم يحدث. لكن الحقيقة… أن بعض الأحداث لا تترك أثرًا يُرى، بل أثرًا يُشعَر.وفي داخل الغرفة…كانت سيلا مستيقظة.لم تتحرك كثيرًا.لم تتكلم.فقط… كانت تنظر إلى السقف.كأنها تحاول فهم كيف ما زالت هنا.كيف أن الألم ما زال موجودًا…وكيف أن الحياة… لم تنتهِ.رفعت يدها ببطء، نظرت إلى أصابعها، كأنها تتأكد أنها ما زالت لها. كل شيء كان بطيئًا، ثقيلًا، كأن جسدها لم يعتد بعد على البقاء."هل هذا… عقاب؟"همست لنفسها.لكن صوتها لم يحمل حزنًا.بل حيرة.لأن النجاة أحيانًا… أصعب من الموت.الباب فتح بهدوء.دخل الأمير.خطواته كانت خفيفة… كأنه يخاف أن يوقظها، رغم أنها مستيقظة. توقف للحظة عند الباب، يراقبها بصمت، وكأنه يحاول أن يصدق أنها أمامه فعلًا.ثم اقترب.جلس بجانبها.لم يتكلم مباشرة.فقط… كان هناك.وهذا وحده كان كافيًا."لماذا تنظر هكذا؟"سألته بصوت ضعيف.ابتسم بخفة."لأتأكد أنكِ لستِ وهمًا."نظرت إليه."وما النتيجة؟""ما زلتِ مزعجة… إذن أنتِ حقيقية."ضحكت بخف
الصمت…لم يكن مجرد غياب للصوت.بل كان شيئًا يزحف ببطء، كضبابٍ ثقيل، يلتف حول كل شيء ويخنقه. الغرفة التي شهدت القتال قبل لحظات، بدت الآن وكأنها لا تعرف ما حدث فيها، وكأن الزمن قرر أن يتوقف احترامًا لشيءٍ أعظم… أو أكثر قسوة.الأمير لم يتحرك.ركع على الأرض، يحمل سيلا بين ذراعيه، وكأنها الشيء الوحيد الذي بقي له في هذا العالم. جسدها كان خفيفًا… خفيفًا بشكل مخيف، كأن الحياة بدأت تتخلى عنها قطعةً قطعة."سيلا…"همس اسمها.لكن صوته لم يكن نداءً… بل رجاءً.اقترب ببطء، وضع يده على خدها، الذي بدأ يفقد دفئه. نظر إليها طويلًا، وكأنه يحاول حفظ ملامحها قبل أن تختفي."لا تفعلي هذا…"قالها بصوت مكسور.ولأول مرة… لم يكن أميرًا.كان إنسانًا يخاف.مدّ يده الأخرى نحو عنقها، يبحث عن نبض… أي نبض.ثانية…مرّت ببطء.ثانيتان…كأن الزمن يسخر منه.ثم—لمسة.ضعيفة.باهتة.لكن موجودة.اتسعت عيناه."هي… حية."لم يقلها لأحد.بل قالها لنفسه… كأنه يخشى أن تختفي إن نطقها بصوت أعلى.لم ينتظر.لم يفكر.نهض فورًا، يحملها بحذر شديد، وكأن أي حركة خاطئة قد تسلبها ذلك النفس الهش. خرج من الغرفة بخطوات سريعة، صوته ارتد في الممرا
الهواء نفسه تغيّر.لم يعد مجرد غرفة… بل ساحة حرب تختنق بالصمت قبل الانفجار.اندفع والد سيلا بسرعة مرعبة، كأنه سهم أُطلق بلا تردد. هذه المرة لم يكن يختبر، لم يكن يراقب… كان ينهي.لكن الأمير لم يتراجع.تحرك للأمام.خطوة واحدة فقط… لكنها كانت كفيلة بتغيير ميزان كل شيء.اصطدمت الشفرات من جديد، لكن الصوت كان مختلفًا—أثقل، أعمق، كأن كل ضربة تحمل قرارًا لا رجعة فيه. لم يعد القتال تبادل هجمات… بل صراع إرادات."تظن أنك تستطيع حمايتها؟"قالها الرجل وهو يدفع بسلاحه بقوة."وأنت لم تستطع حتى حمايتها من نفسها."شدّ الأمير سيفه، وصدّ الضربة، ثم التفّ بسرعة وضربه من الجانب. هذه المرة… لم يكن الهجوم عشوائيًا.كان مدروسًا.باردًا.وكأنه تعلّم في لحظات… ما لم يتعلمه في سنوات."أنا لا أحميها…"قال الأمير، وأنفاسه ثقيلة.ثم اندفع بضربة مباشرة أجبرت خصمه على التراجع خطوة."أنا أختار الوقوف معها."توقفت عين الرجل للحظة.ثم ابتسم."كلمات جميلة…"تفادى ضربة أخرى بانسيابية، ثم ردّ بهجوم أسرع."لكنها لا تنقذ أحدًا."ارتد الأمير للخلف، لكن قبل أن يستعيد توازنه—ضربة أخرى جاءت، أقوى، أقسى. انزلقت قدمه، وسقط على رك
لم يكن القتال عاديًا.كان عنيفًا… سريعًا… وكأن كل ضربة تحمل سنوات من الكراهية المكبوتة.الأمير اندفع للأمام بلا تردد، سيفه يلمع تحت الضوء، وصوته الداخلي يصرخ بشيء واحد فقط:لا تخسرها.اصطدمت شفرته بسلاح والد سيلا، فارتد الصوت في أرجاء الغرفة كصاعقة. الشرر تناثر، والخطوات كانت حادة، محسوبة… لكن الغضب كان أقوى من أي حساب."تراجعت كثيرًا…"قال والدها وهو يصد ضربة أخرى بسهولة."كنت أفضل مما أنت عليه الآن."شد الأمير قبضته."وأنت… لم تتغير أبدًا."اندفع مجددًا، أسرع هذه المرة، ضربة تلو الأخرى، كأن كل هجوم يفرغ فيه الألم الذي لا يعرف كيف يعبّر عنه.لكن خصمه…لم يكن عاديًا.كان هادئًا.باردًا.يتحرك بأقل جهد، كأن القتال بالنسبة له… مجرد تمرين."العاطفة تجعلك ضعيفًا."قالها وهو يتفادى ضربة خطيرة بالكاد."وأنت… دليل حي."توقفت حركة الأمير للحظة—مجرد لحظة.لكنها كانت كافية.ضربة قوية وجهها له والد سيلا، جعلته يتراجع عدة خطوات، واصطدم بالجدار بعنف. أنفاسه تسارعت، ويده شدّت على سيفه أكثر.لكن عينيه…لم تترك سيلا.كانت ممددة على الأرض.ساكنة.صامتة."لا…"همس لنفسه.ليس الآن.ليس هكذا.وقف بثبات
لم يكن هناك وقت للتفكير.فقط… لحظة.لحظة واحدة فاصلة بين الحياة والموت.انطلق والدها كظلٍ منفلت من القيود، سريعًا بشكلٍ مرعب، كأن الزمن نفسه يفسح له الطريق. عينا سيلا اتسعتا، وجسدها تحرك قبل أن يفهم عقلها."لا—!"صرختها مزقت الصمت.لكن الصوت… كان أبطأ من الخطر.الشفرة اللامعة اخترقت الهواء، متجهة مباشرة نحو قلب الأمير.وفي تلك اللحظة…حدث الشيء الوحيد الذي لم يكن في أي خطة.تقدمت سيلا.دون تفكير.دون تردد.فقط… بقلبٍ اختار.ثم—اختفى الصوت.اختفى الزمن.واختفى كل شيء…عدا الألم.توقفت الشفرة.لكن ليس في الهواء.بل… فيها.اتسعت عيناها بصدمة، وهي تشعر بالبرد يغزو جسدها من الداخل. نظرت ببطء إلى الأسفل…ورأت الدم.دمها.ينساب بهدوء… وكأنه لم يكن مستعجلاً."سيلا…؟"صوت الأمير كان بعيدًا… كأنه يأتي من عالم آخر.رفعت رأسها نحوه.وكانت نظراته… مكسورة.لأول مرة.ابتسمت.ابتسامة خفيفة… متعبة."يبدو أنني… اخترت أخيرًا."همست.لكن الألم… لم يكن جسديًا فقط.بل كان أعمق.لأنها فهمت الآن.أن بعض القرارات… تأتي متأخرة.والدها سحب الشفرة ببرود.كأن ما حدث… لا يعنيه."خطأ."قالها.ببساطة."لم أعلم أن ت
لم يكن الباب الذي أغلق خلفها مجرد باب.كان حدًا فاصلاً… بين ما كانت عليه، وما ستصبحه.تقدمت سيلا خطوة أخرى داخل الغرفة، بينما الضوء الصباحي يتسلل بهدوء من النوافذ العالية، كأنه يشهد على لحظة لن تُغتفر.الأمير كان واقفًا، يراقبها بصمت.ليس بصمت الجهل…بل بصمت من بدأ يفهم."أنتِ مختلفة اليوم."قالها بهدوء.صوته لم يحمل شكًا… بل يقينًا مزعجًا.توقفت سيلا أمامه، على مسافة قريبة، لكنها شعرت وكأن المسافة بينهما عالم كامل."الجميع يتغير."ردّت بهدوء.لكن داخلها…كان كل شيء ينهار.اقترب خطوة."ليس هكذا."نظر إليها بعمق، وكأنه يحاول أن يقرأ ما خلف وجهها."هناك شيء انتهى فيكِ."ارتجف شيء داخلها… لكنها لم تظهره.لأنها كانت تعرف.هو محق.لكن ما انتهى… لم يكن ضعفها.بل إنسانيتها.خفضت عينيها للحظة، ثم رفعتهم من جديد.وكان القرار… قد استقر."أحتاج أن أخبرك بشيء."قالتها.وكانت هذه أخطر جملة نطقتها منذ أن دخلت القصر.لأن الحقيقة… لا تأتي أبدًا دون ثمن.لم يتحرك.لكنه لم يقطع كلامها.فقط… انتظر.وهذا ما جعل الأمر أصعب.أخذت نفسًا عميقًا."أنا لست خادمة."سقطت الكلمات… ببطء.كأنها حجارة تُلقى في ماء س







