LOGINالفصل الثالث: ظلال الخطر
لم يكن الصمت في ذلك الممر يشبه أي صمت عرفته سيلا من قبل… كان ثقيلاً، خانقًا، كأنه يراقبها. خطواتها كانت هادئة، محسوبة، لكن داخلها لم يكن كذلك. قلبها… كان يقظًا أكثر من اللازم. توقفت أمام الباب الحديدي الكبير. باب لا يشبه أبواب القصر المزخرفة… هذا الباب كان صريحًا… قاسيًا… بابًا لا يُفتح إلا لمن لا يُفترض أن يخرج. وضعت يدها على المقبض البارد، وشعرت بقشعريرة تسري في أطرافها. "سجين…" همست لنفسها. لكن شيئًا في داخلها قال: ليس سجينًا عاديًا. — بمجرد أن فُتح الباب… استقبلها الظلام. ليس ظلامًا كاملًا، بل ضوء خافت يتسلل من نافذة صغيرة في الأعلى، يرسم خطوطًا باهتة على الجدران الحجرية الرطبة. ورائحة… رائحة دمٍ قديم. — تقدمت خطوة… ثم أخرى. وفي الزاوية… كان هناك. — رجلٌ… أو بالأحرى… ظل رجل. مقيّد بالسلاسل، لكن جلسته لم تكن لضعيف. رأسه منخفض، وشعره الأسود الطويل يغطي جزءًا من وجهه، لكن ما كان واضحًا… هو الهدوء. هدوء… غير طبيعي. — "أنتِ الحارسة الجديدة؟" صوته خرج منخفضًا… خشنًا… لكن واضح. رفعت سيلا ذقنها قليلًا، تخفي توترها. "مهمتي مراقبتك فقط." ابتسم. لا… لم تكن ابتسامة. كانت شيئًا أخطر. — "يرسلون فتاة مثلك لمراقبتي؟" قالها وكأنه يستمتع بالسخرية. تقدمت خطوة نحوه. "لا تقلق… لن تكون مهمتي صعبة." — رفع رأسه ببطء. وفي تلك اللحظة… التقت أعينهما. — تجمدت. ليس خوفًا… بل… صدمة. عيناه… لم تكن عيون قاتل عادي. كانت… هادئة. عميقة. تقرأك… قبل أن تنطق. — "غريب…" قال وهو ينظر إليها مباشرة. "أنتِ لا تنتمين إلى هذا المكان." — تصلب جسدها. كيف…؟ لكنها لم تسمح لنفسها بالارتباك. "وأنت لا تنتمي للحياة أصلًا." ردت ببرود. — ضحك. ضحكة منخفضة، لكنها حقيقية هذه المرة. "يبدو أنني سأستمتع بوجودك." — أدارت وجهها عنه، متجاهلة شعورًا غريبًا بدأ يتسلل إليها. هذا الرجل… خطر. ليس لأنه قاتل… بل لأنه يرى أكثر مما يجب. — مرت دقائق… أو ربما ساعات… الوقت في ذلك المكان كان مشوهًا. لكن سيلا لم تُخفض حذرها لحظة. — وفجأة… صوت. — خطوة خفيفة… خلف الباب. ثم أخرى. — تصلبت سيلا فورًا. هذا ليس من جدول الحراسة. — وضعت يدها على الخنجر المخفي في ثوبها، وعيناها ثبتت على الباب. — "يبدو أن لديكِ زوارًا…" قال السجين بصوت هادئ… وكأنه يتابع عرضًا ممتعًا. — انفتح الباب ببطء… ودخل رجلان. ملامحهما مخفية… لكن نواياهما لم تكن كذلك. — "ابتعدي." قال أحدهم ببرود. — لم تتحرك. "هذه المنطقة تحت حراستي." — سكت لثانية… ثم ابتسم ابتسامة باردة. "إذن… ستموتين أولًا." — في اللحظة التالية— تحرك. — لكن سيلا كانت أسرع. اندفعت للأمام، جسدها انساب بانسيابية قاتلة، والخنجر لمع في يدها. — ضربة أولى— صُدت. — الثانية— أصابت كتف أحدهم. — لكن الآخر… كان خلفها. — شعرت بالخطر قبل أن تراه. انحنت بسرعة— والنصل مر فوقها مباشرة. — استدارت، ركلت، ثم طعنت. — سقط أحدهم. لكن الآخر… لم يسقط. — كان قويًا. أقوى مما توقعت. — تراجعت خطوة… ثم أخرى… تحسب المسافة. — "لستِ مجرد خادمة…" قال بصوت منخفض. — ابتسمت سيلا ببرود. "وأنت لست مجرد زائر." — ثم— اندفعت نحوه. — الحركة كانت سريعة… حاسمة… وفي لحظة— كان النصل عند عنقه. — سكون. — ثم… سقط. — صمت. — أنفاسها كانت منتظمة… لكن عينيها… كانت تشتعلان. — "مثير للاهتمام…" جاء صوت السجين خلفها. — استدارت ببطء نحوه. — كان ينظر إليها… بابتسامة خفيفة. — "من أنتِ حقًا؟" — تقدمت نحوه، عيناها باردة كالجليد. "شخص… لا يجب أن تعرفه." — توقفت أمامه. — ثم انحنت قليلًا… وهمست: "وإذا حاولت… ستكون التالي." — لكنها… لم تكن متأكدة إن كانت تهدده… أم نفسها. — وفي مكان آخر من القصر… كان هناك من يراقب. — وعينان… لمعتا باهتمام. — "يبدو أن لعبتنا بدأت أخيرًا… سيلا."الصباح في القصر عاد كما كان…أو هكذا بدا.ضوء الشمس دخل من النوافذ الواسعة، ينساب بهدوء على الأرضيات اللامعة، والخدم يتحركون كعادتهم، وكأن شيئًا لم يحدث. لكن الحقيقة… أن بعض الأحداث لا تترك أثرًا يُرى، بل أثرًا يُشعَر.وفي داخل الغرفة…كانت سيلا مستيقظة.لم تتحرك كثيرًا.لم تتكلم.فقط… كانت تنظر إلى السقف.كأنها تحاول فهم كيف ما زالت هنا.كيف أن الألم ما زال موجودًا…وكيف أن الحياة… لم تنتهِ.رفعت يدها ببطء، نظرت إلى أصابعها، كأنها تتأكد أنها ما زالت لها. كل شيء كان بطيئًا، ثقيلًا، كأن جسدها لم يعتد بعد على البقاء."هل هذا… عقاب؟"همست لنفسها.لكن صوتها لم يحمل حزنًا.بل حيرة.لأن النجاة أحيانًا… أصعب من الموت.الباب فتح بهدوء.دخل الأمير.خطواته كانت خفيفة… كأنه يخاف أن يوقظها، رغم أنها مستيقظة. توقف للحظة عند الباب، يراقبها بصمت، وكأنه يحاول أن يصدق أنها أمامه فعلًا.ثم اقترب.جلس بجانبها.لم يتكلم مباشرة.فقط… كان هناك.وهذا وحده كان كافيًا."لماذا تنظر هكذا؟"سألته بصوت ضعيف.ابتسم بخفة."لأتأكد أنكِ لستِ وهمًا."نظرت إليه."وما النتيجة؟""ما زلتِ مزعجة… إذن أنتِ حقيقية."ضحكت بخف
الصمت…لم يكن مجرد غياب للصوت.بل كان شيئًا يزحف ببطء، كضبابٍ ثقيل، يلتف حول كل شيء ويخنقه. الغرفة التي شهدت القتال قبل لحظات، بدت الآن وكأنها لا تعرف ما حدث فيها، وكأن الزمن قرر أن يتوقف احترامًا لشيءٍ أعظم… أو أكثر قسوة.الأمير لم يتحرك.ركع على الأرض، يحمل سيلا بين ذراعيه، وكأنها الشيء الوحيد الذي بقي له في هذا العالم. جسدها كان خفيفًا… خفيفًا بشكل مخيف، كأن الحياة بدأت تتخلى عنها قطعةً قطعة."سيلا…"همس اسمها.لكن صوته لم يكن نداءً… بل رجاءً.اقترب ببطء، وضع يده على خدها، الذي بدأ يفقد دفئه. نظر إليها طويلًا، وكأنه يحاول حفظ ملامحها قبل أن تختفي."لا تفعلي هذا…"قالها بصوت مكسور.ولأول مرة… لم يكن أميرًا.كان إنسانًا يخاف.مدّ يده الأخرى نحو عنقها، يبحث عن نبض… أي نبض.ثانية…مرّت ببطء.ثانيتان…كأن الزمن يسخر منه.ثم—لمسة.ضعيفة.باهتة.لكن موجودة.اتسعت عيناه."هي… حية."لم يقلها لأحد.بل قالها لنفسه… كأنه يخشى أن تختفي إن نطقها بصوت أعلى.لم ينتظر.لم يفكر.نهض فورًا، يحملها بحذر شديد، وكأن أي حركة خاطئة قد تسلبها ذلك النفس الهش. خرج من الغرفة بخطوات سريعة، صوته ارتد في الممرا
الهواء نفسه تغيّر.لم يعد مجرد غرفة… بل ساحة حرب تختنق بالصمت قبل الانفجار.اندفع والد سيلا بسرعة مرعبة، كأنه سهم أُطلق بلا تردد. هذه المرة لم يكن يختبر، لم يكن يراقب… كان ينهي.لكن الأمير لم يتراجع.تحرك للأمام.خطوة واحدة فقط… لكنها كانت كفيلة بتغيير ميزان كل شيء.اصطدمت الشفرات من جديد، لكن الصوت كان مختلفًا—أثقل، أعمق، كأن كل ضربة تحمل قرارًا لا رجعة فيه. لم يعد القتال تبادل هجمات… بل صراع إرادات."تظن أنك تستطيع حمايتها؟"قالها الرجل وهو يدفع بسلاحه بقوة."وأنت لم تستطع حتى حمايتها من نفسها."شدّ الأمير سيفه، وصدّ الضربة، ثم التفّ بسرعة وضربه من الجانب. هذه المرة… لم يكن الهجوم عشوائيًا.كان مدروسًا.باردًا.وكأنه تعلّم في لحظات… ما لم يتعلمه في سنوات."أنا لا أحميها…"قال الأمير، وأنفاسه ثقيلة.ثم اندفع بضربة مباشرة أجبرت خصمه على التراجع خطوة."أنا أختار الوقوف معها."توقفت عين الرجل للحظة.ثم ابتسم."كلمات جميلة…"تفادى ضربة أخرى بانسيابية، ثم ردّ بهجوم أسرع."لكنها لا تنقذ أحدًا."ارتد الأمير للخلف، لكن قبل أن يستعيد توازنه—ضربة أخرى جاءت، أقوى، أقسى. انزلقت قدمه، وسقط على رك
لم يكن القتال عاديًا.كان عنيفًا… سريعًا… وكأن كل ضربة تحمل سنوات من الكراهية المكبوتة.الأمير اندفع للأمام بلا تردد، سيفه يلمع تحت الضوء، وصوته الداخلي يصرخ بشيء واحد فقط:لا تخسرها.اصطدمت شفرته بسلاح والد سيلا، فارتد الصوت في أرجاء الغرفة كصاعقة. الشرر تناثر، والخطوات كانت حادة، محسوبة… لكن الغضب كان أقوى من أي حساب."تراجعت كثيرًا…"قال والدها وهو يصد ضربة أخرى بسهولة."كنت أفضل مما أنت عليه الآن."شد الأمير قبضته."وأنت… لم تتغير أبدًا."اندفع مجددًا، أسرع هذه المرة، ضربة تلو الأخرى، كأن كل هجوم يفرغ فيه الألم الذي لا يعرف كيف يعبّر عنه.لكن خصمه…لم يكن عاديًا.كان هادئًا.باردًا.يتحرك بأقل جهد، كأن القتال بالنسبة له… مجرد تمرين."العاطفة تجعلك ضعيفًا."قالها وهو يتفادى ضربة خطيرة بالكاد."وأنت… دليل حي."توقفت حركة الأمير للحظة—مجرد لحظة.لكنها كانت كافية.ضربة قوية وجهها له والد سيلا، جعلته يتراجع عدة خطوات، واصطدم بالجدار بعنف. أنفاسه تسارعت، ويده شدّت على سيفه أكثر.لكن عينيه…لم تترك سيلا.كانت ممددة على الأرض.ساكنة.صامتة."لا…"همس لنفسه.ليس الآن.ليس هكذا.وقف بثبات
لم يكن هناك وقت للتفكير.فقط… لحظة.لحظة واحدة فاصلة بين الحياة والموت.انطلق والدها كظلٍ منفلت من القيود، سريعًا بشكلٍ مرعب، كأن الزمن نفسه يفسح له الطريق. عينا سيلا اتسعتا، وجسدها تحرك قبل أن يفهم عقلها."لا—!"صرختها مزقت الصمت.لكن الصوت… كان أبطأ من الخطر.الشفرة اللامعة اخترقت الهواء، متجهة مباشرة نحو قلب الأمير.وفي تلك اللحظة…حدث الشيء الوحيد الذي لم يكن في أي خطة.تقدمت سيلا.دون تفكير.دون تردد.فقط… بقلبٍ اختار.ثم—اختفى الصوت.اختفى الزمن.واختفى كل شيء…عدا الألم.توقفت الشفرة.لكن ليس في الهواء.بل… فيها.اتسعت عيناها بصدمة، وهي تشعر بالبرد يغزو جسدها من الداخل. نظرت ببطء إلى الأسفل…ورأت الدم.دمها.ينساب بهدوء… وكأنه لم يكن مستعجلاً."سيلا…؟"صوت الأمير كان بعيدًا… كأنه يأتي من عالم آخر.رفعت رأسها نحوه.وكانت نظراته… مكسورة.لأول مرة.ابتسمت.ابتسامة خفيفة… متعبة."يبدو أنني… اخترت أخيرًا."همست.لكن الألم… لم يكن جسديًا فقط.بل كان أعمق.لأنها فهمت الآن.أن بعض القرارات… تأتي متأخرة.والدها سحب الشفرة ببرود.كأن ما حدث… لا يعنيه."خطأ."قالها.ببساطة."لم أعلم أن ت
لم يكن الباب الذي أغلق خلفها مجرد باب.كان حدًا فاصلاً… بين ما كانت عليه، وما ستصبحه.تقدمت سيلا خطوة أخرى داخل الغرفة، بينما الضوء الصباحي يتسلل بهدوء من النوافذ العالية، كأنه يشهد على لحظة لن تُغتفر.الأمير كان واقفًا، يراقبها بصمت.ليس بصمت الجهل…بل بصمت من بدأ يفهم."أنتِ مختلفة اليوم."قالها بهدوء.صوته لم يحمل شكًا… بل يقينًا مزعجًا.توقفت سيلا أمامه، على مسافة قريبة، لكنها شعرت وكأن المسافة بينهما عالم كامل."الجميع يتغير."ردّت بهدوء.لكن داخلها…كان كل شيء ينهار.اقترب خطوة."ليس هكذا."نظر إليها بعمق، وكأنه يحاول أن يقرأ ما خلف وجهها."هناك شيء انتهى فيكِ."ارتجف شيء داخلها… لكنها لم تظهره.لأنها كانت تعرف.هو محق.لكن ما انتهى… لم يكن ضعفها.بل إنسانيتها.خفضت عينيها للحظة، ثم رفعتهم من جديد.وكان القرار… قد استقر."أحتاج أن أخبرك بشيء."قالتها.وكانت هذه أخطر جملة نطقتها منذ أن دخلت القصر.لأن الحقيقة… لا تأتي أبدًا دون ثمن.لم يتحرك.لكنه لم يقطع كلامها.فقط… انتظر.وهذا ما جعل الأمر أصعب.أخذت نفسًا عميقًا."أنا لست خادمة."سقطت الكلمات… ببطء.كأنها حجارة تُلقى في ماء س







