LOGINكان الطريق الممتد من أسفل ممر الصفصاف نحو الساحل يبدو وكأنه نفقٌ سرمدي غرق في ظلام المقاطعة الرمادي. الضباب هنا لم يكن مجرد هواء مكثف، بل كان يشبه كائناً حياً رطباً يلتصق بالأثواب، ويثقل الوشاح الصوفي الخفيف الذي كانت "إيڤيلين" تحاول جاهدة إحكام قبضتها عليه. كانت أنفاسها المذعورة تصنع هالات صغيرة شاحبة تتلاشى سريعاً بمجرد خروجها، بينما كان صوت خطوات الحذاء المهندم بجوارها منتظماً، صارماً، وبارداً كوقع بندول ساعة برونزية في قصر مهجور.
في لحظة عابرة، حيث كان الظلام الدامس يغطي كل شيء، والضباب حولهم يسرق الأنفاس، وضوء القمر بالكاد يظهر القليل من ملامحهم، كادت إيڤيلين أن تسقط مجدداً، وقد بلغت دقات قلبها حنجرتها خوفاً من أن تسقط على وجهها، إلا أن يداً قوية أمسكت بخصرها فجأة. لم تكن الصدمة من قوة جذب يد "عزازيل" لها، ما خدر أوصالها كان نظرته الثاقبة، التي كان بداخلها إغواء خطير، تلمعان في العتمة بشكل يأسر القلب. استقامت إيڤيلين وهي تنظر إليه بتوتر: «شكراً». لوح نادر بيده لامبالياً، وضحك بشكل ودود قبل أن يمسك يدها ليغادرا، كان ذلك الهدوء المفرط الذي ينظر به وسط عاصفة من الخوف تكاد تقتلعها، مما جعل مقاومتها تقل شيئاً فشيئاً، وما أن شعرت بالاختناق من الخوف حتى التفتت بكامل جسدها، متراجعة خطوة نحو الخلف لتستند على جذع شجرة عجوز، كانت أغصانها العارية تتدلى فوقهما كأصابع خشبية ميتة. عندما رآها نادر هكذا، أخذ يتأملها؛ فهم بفطنته كم كانت خائفة للغاية منه، رجل غريب يرافقها، وعلى الرغم من أنها كانت حذرة للغاية وتحافظ على مسافة أمان بينهما، إلا أنها كانت تتعثر كثيراً، وينتهي بها المطاف دائماً بين ذراعيه، وحتى لو بدا ودوداً معها، إلا أن نظراته كانت كذئب يتابع خطوات فريسته الشهية. بدأ يتفحصها بشكل غريزي، وأدرك كم كانت جميلة هذه المرأة. شعر بشيء ما يتحرك في صدره، ولكنه سرعان ما نفض أفكاره هذه، وأقنع نفسه أن الاضطراب بداخله هو مجرد حماس بسبب اللعبة المسلية، وأن هذه الأرنبة الصغيرة ستكون حلوة المذاق بالتأكيد عندما يقتلها. «إيڤيلين، لا تقلقي»، قال نادر، مغيراً وضعية وقوفه بمرونة تامة. أمال رأسه قليلاً، وفي عينيه الرماديتين التمع بريق دافئ، دافئ لدرجة مثيرة للريبة، كشعلة صغيرة تشتعل فوق لوح من الجليد. رسم على شفتيه ابتسامة رقيقة تنضح بالود والشفقة الكاذبة، ثم أردف بلهجة تفيض بالرقة والاعتذار: «الأرض هنا زلقة للغاية، لذلك؛ كنت أراقب خطواتكِ فبدا كأنني توقعت سقوطكِ سلفاً.. أعتذر إن كنتُ قد أخفتكِ». نظرت إيڤيلين إلى يده الممتدة نحوها؛ كانت اليد مهندمة داخل قفاز جلدي أسود فاخر، مفاصلها واضحة، وحركته تحمل نبل الطبقة الأرسطوقراطية التي لم تعرف الشقاء يوماً. ورغم التهذيب البالغ في اعتذاره، إلا أن هناك شيئاً في نبرته الرخيمة كان يصدر نغمة نشاز في أذنها، نغمة مبطنة بتهكم وسخرية. «أشكرك نادر، اعتقدت أنني سأكسر أنفي إن سقطت، ربما ذلك هو سبب خوفي»، قالت إيڤيلين، محاولةً تثبيت نبرة صوتها وجعلها تبدو لطيفة، رغم الشحوب الذي كسا وجنتيها. «أخبرتني أنك هارب من عزازيل... لكن مظهرك، ثيابك المهندمة، وحتى طريقة حديثك، لا تشبه رجلاً يفر بجلده من الطغيان». لم يرد نادر على كلماتها، رغم أن نبرتها اكتست صدقاً وصراحة، ولما رأته لم يرد عليها هزت كتفيها بخفة وأكملت: «أنظر إليّ مثلاً.. من أول نظرة يمكنك فهم أنني لستُ من طبقة أرسطوقراطية، وأن القرارات الفوقية سيقع عليّ تحملها مهما كانت العواقب، وحتى لو لم أكن السبب فيها بشكل صريح». التزم نادر الصمت، ربما أراد حقاً أن يسمعها، فقد بدت كطفلة تتحدث بسذاجة، دون أن تضع حدوداً بينها وبين الغرباء، فسارعت في كشف جميع أوراقها! «انظر إليّ، كم أن ملابسي مهترئة، وشاحي لا يقي من البرد في هذا الجو القارس، والطين يغطي أطراف ثوبي، بالكاد أتمكن من أن أخطو خطوتين حتى أسقط، أما أنت.. تسير كما لو أنك تحفظ الطريق عن ظهر قلب». كانت عينا إيڤيلين وهي تتحدث بريئة للغاية، مضاءة كما لو أن القمر كان بداخلهما، مما جعل نادر يرتبك، ويشعر أن قلبه سيسقط في قدميه؛ إنه لا يعلم حقيقة هذه المشاعر، فلطالما طارد فرائس عدة، لكن هذه هي المرة الأولى التي يشعر فيها أنه مقيد، فمظهرها يأسره بشكل لا يستطيع مقاومته. تمالك نادر نفسه بصعوبة، وأطلق ضحكة خفيفة، بدت ضحكته ودودة انبعثت من حنجرته بيسر، لكنها كانت تحمل صدى ساخراً مبطناً. شبك يديه وراء ظهره، وبدأ يسير ببطء حولها في نصف دائرة، متأملاً إياها كصائغ يتفحص قطعة من الكريستال يوشك على كسرها. «إيڤيلين، لا تقولي ذلك! تبدين جميلة حقاً»، قال بنبرة تداعب عقلها بلطف كاذب، ولولا أن إحساسه بجمالها كان حقيقياً، مما أكسب ملامحه صدق غريب، ربما ما كانت ستصدقه. «هل كان عليّ أن أمزق ملابسي، وألطخ وجهي بالوحل لكي أثبت لكِ أنني هارب مثلك؟ كما أن.. عزازيل يا آنستي، لا يستمتع بمطاردة المساكين الذين يسكنون الأكواخ؛ إنه يُفضل من هم من طبقته، أولئك الذين يملكون الجرأة على تذوق نبيذه دون إذنه». استمعت إيڤيلين إلى كلماته، وشعرت بجسدها يرتخي قليلاً. هذا التدفق العذب للكلمات، وهذا المزج بين التهكم والسخرية من عزازيل، منحها شعوراً وهمياً بالتحالف معه، وأنه حقاً مثلها، مجرد هارب يبحث عن الأمان. تذكرت "أدريان"، كيف كان هو الآخر يتحدث بلباقة مماثلة، لكن أدريان كان يبدو دائماً مثقلاً بالهموم، بينما هذا الغريب... يبدو وكأنه يتسلى في وسط الجحيم. «وما الذي سرقته منه إذن؟» سألته إيڤيلين بمرح وابتسامة ناقضت تماماً احساسها السابق، وهي تتحرك بجانبه بعد أن عاد ليمشي بمحاذاتها محترماً مسافة الأمان التي فرضتها. «لقد قلت قبل قليل إنك سرقت منه شيئاً ثميناً لا يغفر لمن يلمسه». التفت إليها، وتوقفت خطواته فجأة عند نهاية الممر حيث يبدأ المنحدر المؤدي إلى طريق آخر أشد ظلاماً. الضباب انقشع قليلاً هنا ليكشف عن اتساع البحر الأسود البعيد، الممتد ككفن عملاق. نظر إليها، واستقرت عيناه الرماديتان على عينيها الصافيتين بنظرة عميقة، بدت عيناه مليئة بالإعجاب، لكنه سرعان ما غلفها بتعبير من البرودة المصطنعة. رَفَع أصابعه الباردة برفق، ومررها ببطء شديد على طول خط وجنتها الشاحبة؛ كانت اللمسة رقيقة لدرجة جعلت أنفاسها تتوقف، لكن برود الجلد جعل قشعريرة مرعبة تسري في جسدها. «سرقتُ منه فكرة... فكرة أنه قادر على امتلاك كل شيء»، قال بصوت منخفض، كأنه يهمس بسر مقدس. ثم ابتسم ابتسامته الخبيثة الساخرة، وتابع: «لقد كان يظن أن هذه الجزيرة بأرواحها، وبنسائها، وبطيورها المهاجرة، هي ملكٌ خالص لعهوده القديمة. أردت فقط أن أثبت له أن هناك أشياء... كالأمل مثلاً، أو كحريتكِ الحالية، لا يمكن له أن يضع عليها ختمه الملكي. أليس هذا تصرفاً نبيلاً مني؟» شعرت إيڤيلين بخلط شديد؛ حديثه عن الحرية والأمل كان يلامس قلبها الخائف، لكن نظرته المتناقضة وجوهر الشر الذي ينضح من بروده كانا يصرخان بداخلها أن تتراجع.انتهى أدريان من اجتماعه الأخير أخيراً، عندها فقط تنفس رؤوف الصعداء، كان من الواضح بالنسبة له أن سيده لن يتردد في تدمير الشركة اليوم! لحسن الحظ أنه لم يفعل ذلك بعد. عندما خطت قدماه خارج الشركة كانت عقارب الساعة تشير إلى السادسة مساءً. الشمس تغرب بالفعل ملقية بظلالها الأخيرة على المدينة؛ السماء الأرجوانية الممتزجة بالغيوم الملبدة والضوء الخافت جعلت داخله يزداد كآبة واختناقاً. حتى أن خطواته غير المتزنة والمتأثرة جعلت طوله الشامخ يبدو مترنحاً. التفت إلى مساعده بنبرة حادة وصارمة تخفي خلفها قلباً يتمزق قلقاً: «رؤوف.. أرسل الحارس رامز إلى الجزيرة، ومعه عدد كبير من الحرس.» تردد رؤوف لبرهة وبدا الحذر واضحاً في صوته قبل أن يسأل: «سيدي.. هل هناك شيء محدد، أو.. شخص محدد يستقصي عنه؟» رد بجمود وغموض، هدوءه لم يترك مجالاً للنقاش: «لا.. فقط أريده أن يستطلع الوضع العام.» أراد رؤوف أن يقول شيئاً آخر، أن يجادله أو يناقشه، ولكنه لمح ملامح أدريان المظلمة المنعكسة في مرآة السيارة وقد غطى وجهه السواد، فابتلع لسانه والتزم الصمت. من الواضح تماماً أن سيده لا يزال متعلقاً بتلك الفتاة إلى حد
خرجت إيڤيلين من تلك الغرفة المظلمة بعد مدة طويلة من مغادرة السيد معتز؛ فقد أمضت الساعات تتصفح المخطوطة الخاصة بالتصميم، وتتفحص الأوراق الثمينة والرسومات المعمارية القديمة الموضوعة في كل مكان. ما أن فتحت الباب وخطت خارجاً، حتى وجدت الخادمة العجوز تقف أمام الباب في انتظارها، ويبدو واضحاً أنها كانت تقف هناك منذ مدة طويلة بصبر. قالت الخادمة بصوت خفيض ومهذب: «سيدتي الصغيرة.. الطعام جاهز.» كان السيد معتز رجلاً شديداً في كل شيء، صارماً إلى أبعد الحدود، ولكنه رغم قسوته وقوانينه الجافة كان يهتم حقاً بمن يكونون داخل محيطه وقصره؛ فلابد للجميع أن يتناولوا طعامهم بانتظام، ويرتاحوا، ويعيشوا بحرية نسبية داخل الممتلكات الخاصة بالعائلة دون تقصير. ردت إيڤيلين باعتذار وهي تفرك كفيها: «لكني لا أرغب في تناول الطعام الآن.. ربما بعد أن أتفرغ، فلدي شيء مهم للغاية أود القيام به.» أجابت الخادمة بنبرة يغلفها القلق والرجاء: «سيدتي، السيد معتز أمرنا بنفسه أن نحضر لأجلك بعض الأطباق الرئيسية التي لا يتم تحضيرها إلا لكبار العائلة، كما أن موعد الطعام هنا يعتبر أمراً مقدساً، كل المواعيد دقيقة للغاية في هذا ال
قاطعها الرجل بصوت هادئ للغاية يكاد لا يُسمع، وكأنما يخاطب طيفاً غائباً:«تغضب!.. مَن قد يعلم! ربما...»لم تفهم إيڤيلين شيئاً البتة، لكنها شعرت بيقين تام أن بين هذا الرجل العجوز وتلك السيدة ماري ماضياً مليئاً بالتضارب والمغامرات المعقدة، مما يجعله لا يعلم إن كانت ستغضب حقاً أم لا. عاد الصمت سريعاً ليخيم على المكان، ثقيلاً ومطبقاً. جعل ذلك الرجل العجوز الغارق في الذكريات يبدو أكثر كآبة وحنيناً.الضوء كان خافتاً في هذه الغرفة بشكل خاص، ويبدو أنها صُممت عمداً لتكون هكذا، ذات إضاءة باهتة وموحشة.أخذت إيڤيلين تتلفت حولها في سكون، تتأمل الزوايا المظلمة والنقوش الدقيقة الموجودة على الأسطح الرخامة العتيقة. الشكل الكلاسيكي ذا الطابع الفرنسي جعل الغرفة تبدو أكثر فخامة وهيبة، والتفاصيل الدقيقة ذات الألوان الخافتة الباهتة جعلت المكان يزداد كآبة وفخامة في ذات الوقت، كأنه متحف لذكريات منقرضة.لاحظ الرجل نظراتها الفاحصة فقال بنبرة هادئة:«صُمِم هذا المكان على يد ميخا أنتواني.. ربما سمعتِ عنه! فهو رجل زاهد للغاية، لا يهتم للمال أو المظاهر، ولا عجب في ذلك فهو ثري جداً، وكان يحب التصميم كهواية دافئة ت
خرجت إيلين من المكان وغادرت بخطى ثابتة وهادئة. في العادة، وبعد كل مرة يذكرها فيها الجد بقوانينه الصارمة، كان يغادر حالما تغادر هي، لذا لم تهتم كثيراً هذه المرة بعدم تحركه خلفها، فمضت في طريقها وهي مطمئنة تماماً على سلامة إيڤيلين.بينما في تلك اللحظة بالذات، حدث ما لم تكن تتوقعه؛ فقد وقف الرجل العجوز بثبات وهو يتطلع بتمعن نحو الفتاة الصغيرة ذات الشعر الكستنائي، ويبدو أنه لا ينوي المغادرة ببساطة هذه المرة.شعر فجأة وكأنه قد رأى هذا الوجه من قبل في مكان ما، لكن ذاكرته الخائنة لم تسعفه لتذكر أين ومتى. اتسعت عيناه قليلاً وهو يتفحص تفاصيل وجهها بدقة بالغة، ثم أشار بيده للخادمة بالمغادرة الفورية، فانحرفت الخادمة على عجل ومضت هاربة دون أن ترفع رأسها من شدة الخوف.هذا الرجل، بلحيته البيضاء وشعره الأبيض الكثيف، أصبحت ملامحه فجأة أكثر وقاراً وهيمنة. العمر المتقدم لم يستطع أن يخفي حقيقة وسامته المطلقة؛ ولابد أنه كان في شبابه شاباً بارع الجمال يخطف الأنفاس. لم تعلم إيڤيلين أبداً ما يدور في خلده ولا ما تخفيه تلك النظرات، لذلك قامت بسرعة لتلحق بإيلين وتغادر المكان، إلا أنها فور أن استقامت على قد
جلست الفتاتان معاً على العشب الرطب داخل الحديقة الخلفية، وكأن حاجز الجليد السميك الذي كان يلف شخصية السيدة إيلين قد بدأ بالذوبان تدريجياً. تدفقت الكلمات ببساطة، وسرعان ما صارتا تتعاملان بغير تكلف أو قيود خانقة. أصبحت ضحكاتهما الصافية ترتفع في الفراغ، فتضرب حائط القصر الحجري الضخم وتعود صدىً متردداً في الأرجاء. لكن، ووسط تلك اللحظات العابرة من البهجة، جعل ذلك الصدى المكان يبدو أكثر فراغاً ووحشة رغم كل الأزهار الجميلة المتفتحة والتفاصيل الساحرة المحيطة بهما.شعرت إيلين في أعماق روحها المتمردة بأن هذا المكان ينقصه ماريو، وكأن وجوده هو وحده القادر على منح هذه المساحات روحاً ومعنى.وفي ذات اللحظة، وفي خضم هذا الهدوء المخادع، شعرت إيڤيلين بحنين جارف ودفين إلى أدريان، حنين يمزق صدرها بصمت مطبق. لكن... لم تصرح أي منهما بمشاعرها الدفينة أو بما يدور في خلدهاظل كل شيء يبدو ساكناً على السطح، متخفياً خلف قناع من الهدوء والابتسامات المتبادلة، والحديث المرح.سرعان ما انقطع ذلك السكون بصوت خطوات ثقيلة متناسقة ومنتظمة، تخطو ببطء وثبات فوق الارض الرخاميةيبدو أن صاحبها ذو شأن عظيم وهيئة طاغية. ال
نهضت السيدة إيلين بوقار متغطرس، عاد معه البرود يكسو ملامحها الأرستقراطية. مشت بخطى واثقة خارج القصر، لكنها توقفت بهدوء عند عتبة الباب، والتفتت بنصف جسدها نحو الخادمة، وقالت بصوت رقيق: «سأمكث في هذا القصر.. جهزي لي جناحاً خاصاً فوراً.» علت علامات الحيرة والذهول وجه الخادمة العجوز، لكن سنوات الخدمة الطويلة علمتها ألا تبدي أي رد فعل سوى الطاعة المطلقة؛ فانحنت برأسها ومضت لتنفيذ الأمر. في تلك الأثناء، لم تفارق عينا إيڤيلين قوام تلك المرأة الجميلة وهي تبتعد، وشعرت بغموض يلف وجودها الغريب. مرّ ذلك اليوم برتابة غريبة وخانقة؛ كانت الساعات بطيئة للغاية، ومع مرور الوقت يزداد القصر صمتاً. شعرت إيڤيلين في تلك العزلة بوحشة تجتاح صدرها؛ فقد اعتادت طوال الأوقات الماضية على مشاكسات نادر التي كانت تضفي حيوية على أيامها، وعلى حنان أدريان الدافئ الذي كان يحيطها كدرع حامٍ. أما الآن.. فقد وجدت نفسها فجأة وحيدة تماماً، بلا أصدقاء يؤنسون غربتها، وبلا حب يلازم دقات قلبها المكسور. ولكن، وعلى الرغم من سوداوية الموقف، تذكرت ذلك الشاب ماريو. لقد امتدت يدٌ أخرى غريبة لتنقذها وتنتشلها من حزنها،