Share

الفصل 3

last update publish date: 2026-07-02 19:14:02

كانت الرياح الساحلية قد بدأت تهدأ قليلاً، لكن الضباب ظلّ ممسكاً بتلابيب الممر الضيق، ملتفاً حول جسد "إيڤيلين" و"نادر" كأنهما غرقا في حبر المقاطعة الرمادي. تحولت ذريعة المساعدة عند نادر إلى قيدٍ ناعم؛ كانت أصابعه الطويلة تقبض على كفها الصغير بقوة مدروسة، يرفعها برقة مصطنعة كلما تعثرت، ويعيد إحكام الوشاح الصوفي حول عنقها في حركة تبدو في ظاهرها خوفاً عليها، وفي جوهرها لم تكن سوى إحكام للمصيدة وتلذذ بملامستها.

أو هكذا كان يعتقد! فقد كان بدون وعي منه يدمنها أكثر كلما لمسها أو اقترب منها، ويبدو أن إيڤيلين لم تشعر بأي شيء مبهم.

في وسط هذه العتمة السائدة، انشق الضباب فجأة في الأفق البعيد بفعل الرياح الشديدة. تراءت لهما ظلال مبانٍ قديمة متناثرة عند حافة المنحدر؛ بيوت صغيرة طينية وأكواخ خشبية متهالكة تتصاعد من مدائنها خيوط دخان رفيعة، تبدو بوضوح كأنها ملك لناس بسطاء يسكنون أطراف المقاطعة المنسية.

توقفت إيڤيلين مكانها، واتسعت عيناها بذهول ودهشة حقيقية؛ لم تكن تعلم بوجود هذه الحياة النائية هنا، فقد كانت طوال الليل تظن أن هذا الطريق لا يقود إلا إلى الفراغ الموحش.

«انظر هناك يا نادر!» هتفت بنبرة اهتزت ببريق أمل مفاجئ، والتفتت إليه وعيناها الصافيتان تلمعان تحت ضوء القمر الخافت. «بيوت... هناك ناس يعيشون هنا! كيف لم ألحظ هذا المكان من قبل؟»

أمال نادر رأسه ببطء، وفي عينيه الرماديتين التمع ذلك البريق الدافئ والمثير للريبة في آن واحد. لم يكن متفاجئاً على الإطلاق؛ فهو يحفظ كل شبر في هذه المقاطعة كما يحفظ خطوط كفه، لكنه سرعان ما غلف ملامحه بتعبير متقن من الدهشة المصطنعة ليخفي أي شبهة قد تثير شكوكها. اتسعت عيناه قليلاً، ورسم على شفتيه ابتسامة ودودة تفيض بالارتياح الكاذب.

«أوه، يا إلهي!» قال بصوت منخفض يتصنع الذهول، بينما كانت عيناه الثاقبتان لا تفارقان وجهها، تترقبان كل رفة جفن وكل ردة فعل تبديها.

تحت وطأة التعب والبرد القارس الذي بدأ يشتد مع اقتراب الفجر، حرك نادر جسده بمرونة، موجهاً إياها بعيداً عن تلك المباني البعيدة. كان يسير بجانبها واضعاً يده وراء ظهرها بحرص، وشيء ما بداخله يحاول أبعادها عن لعبته الشائكة، التي حاكها بنفسه!

«لكن.. قولي لي.. »، تابع نادر بنبرة رخيمة انبعثت من حنجرته بيسر، لكنها كانت محملة بتهكم خفي وساخر كعادته، «ما الذي يضمن لنا أن ساكني تلك البيوت الدافئة ليسوا قتلة أو قطاع طرق؟ ربما يكونون أناساً وظفهم عزازيل لقطع رقاب من يتسللون عبر ممتلكاته ليلاً؟ ألا ترين أن اللجوء إلى الغرباء في هذا الوقت هو مقامرة مخيفة بعض الشيء؟»

ارتجف جسد إيڤيلين قليلاً من كلماته، وتوقفت مكانها بشكل عفوي، ونظرت نحو النوافذ البعيدة المضاءة بنور الشموع الخافت بتوجس: «لا أعتقد ذلك.. إنها تبدو بيوتاً لأناس بسطاء، ربما صيادون أو مزارعون رماهم الفقر إلى هنا. قد نجد لديهم مأوى حتى يحل الصباح».

في هذه البيوت كان يعلم نادر بشكل أو بأخر أنه ما أن تدخله إيڤيلين، قد لا تخرج مرة اخرى، وذلك اربكه بشدة، هو لا يعلم لماذا رغب بأن تنجو لبعض الوقت، فكر أنه ربما لأنه وجدها مسلية ولطيفة، فلا بأس بأن تعيش قليلاً بعد!

أراد صياغة كلماته بشكل منمق، تجعلها تصدقه وتتبعه متجنبة تلك البيوت: «مأوى؟ أي مأوى هذا! إنه أشبه بوكر للذئاب».

سمعت إيڤيلين صوته يرتعش بقلق واضح، كما جعلها تقلق أيضاً، ولكن ما إن التفتا ليغيرا طريقهما حتى لمحهما أحد الرجال بداخل البيوت، واقفاً، يحمل شعلة نار بيده، ويشير لهما ليقتربا، كان يبدو ودوداً ومرحباً بشكل غريب، مما جعل إيڤيلين تهمس بشكل عفوي: «يا الهي كدنا نبتعد من الخوف، من الجيد أنه خرج، نادر انظر، يبدو أننا قد نجونا من هذا الظلام المخيف».

همس نادر بداخله "كم أنتي ساذجة يا إيڤيلين!"، لكنه لم يقل المزيد، فقط قرر في قرارة نفسه، أنه سيتبعها إلى أي مكان، وكلما أحاط بها الخطر، فإنه سيحميها!

وفي تلك الأثناء، على البعد الآخر، وتحديداً عند الممر الحجري الموحل الذي ابتعدا عنه منذ مدة ليست قليلة، كان أدريان يعيش فصلاً مرعباً من الندم والنزاع. سقط بكامل جسده النبيل وسط الطين، والخوف يعتصر صدره حتى كأن عظام قفصه الصدري ستتحطم تماماً. سقط بعيداً وأصبحت ملابسه ملوثة تماماً، وقبض بيده المرتجفة على حفنة من العشب المبتل يحاول الوقوف دون جدوى.

كانت عيناه محتقنتين بالدموع والدم، ورأسه يضج بكلمات عزازيل الوحشية: «سنلعب أنا وأعز ما تملك». تذكر كيف غادر وترك إيڤيلين على استعجال دون أن يشرح لها شيئاً، والآن.. الندم يأكله قطعة قطعة، الندم لأنه ترك حبيبته وحدها في عتمة هذه الليلة الثلجية، دون معطف ثقيل، يلاحقها ظلال رجل لا يعرف الرحمة.

«إيڤيلين...» همس بصوت مبحوح يمزقه الندم، والتفت بنظراته المذعورة نحو الأفق، شاعراً بعجز كامل وهو يرى خيوط الظلام تحيط به، تكاد تخنقه، بينما هو محاصر برئته التي ترفض الهواء، وبخطواته التي تتعثر في الوحل، يجر خلفه لعنة العهود القديمة وخوفاً قاتلاً من أن يكون قد أضاعها إلى الأبد.

في الناحية الأخرى، حيث يقف نادر مع إيڤيلين، دون أن يشعر حاوط خصرها النحيل، وقال لها «على الرغم من كوني لازلت غير مطمئن، إلا أنني سأكون مثل ظلك فلا تقلقي، طالما أردتي أن تقتربي منهم لربما كانو صالحين، فأنا سأكون معك دائماً».

التفتت إيڤيلين إلى مشارف المباني البعيدة، ثم نظرت نحو نادر الذي كان يسير بجانبها بقلق، ويحاوط خصرها بحرص كما لو كان خائفاً من أن يفقدها! ورأته وهو يمرر نظراته الرمادية الباردة على وجهها الشاحب، متمسكاً بوشاحها برقة مفرطة، وما أن تلتفت مبعدة نظرها عنه حتى تتسع ابتسامته الغامضة خلف الضباب، مستمتعاً بكل خطوة تخطوها نحو هذا الفخ المحكم.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • جزيرة "عزازيل"..    الفصل 27

    انتهى أدريان من اجتماعه الأخير أخيراً، عندها فقط تنفس رؤوف الصعداء، كان من الواضح بالنسبة له أن سيده لن يتردد في تدمير الشركة اليوم! لحسن الحظ أنه لم يفعل ذلك بعد. عندما خطت قدماه خارج الشركة كانت عقارب الساعة تشير إلى السادسة مساءً. الشمس تغرب بالفعل ملقية بظلالها الأخيرة على المدينة؛ السماء الأرجوانية الممتزجة بالغيوم الملبدة والضوء الخافت جعلت داخله يزداد كآبة واختناقاً. حتى أن خطواته غير المتزنة والمتأثرة جعلت طوله الشامخ يبدو مترنحاً. التفت إلى مساعده بنبرة حادة وصارمة تخفي خلفها قلباً يتمزق قلقاً: «رؤوف.. أرسل الحارس رامز إلى الجزيرة، ومعه عدد كبير من الحرس.» تردد رؤوف لبرهة وبدا الحذر واضحاً في صوته قبل أن يسأل: «سيدي.. هل هناك شيء محدد، أو.. شخص محدد يستقصي عنه؟» رد بجمود وغموض، هدوءه لم يترك مجالاً للنقاش: «لا.. فقط أريده أن يستطلع الوضع العام.» أراد رؤوف أن يقول شيئاً آخر، أن يجادله أو يناقشه، ولكنه لمح ملامح أدريان المظلمة المنعكسة في مرآة السيارة وقد غطى وجهه السواد، فابتلع لسانه والتزم الصمت. من الواضح تماماً أن سيده لا يزال متعلقاً بتلك الفتاة إلى حد

  • جزيرة "عزازيل"..    الفصل 26

    خرجت إيڤيلين من تلك الغرفة المظلمة بعد مدة طويلة من مغادرة السيد معتز؛ فقد أمضت الساعات تتصفح المخطوطة الخاصة بالتصميم، وتتفحص الأوراق الثمينة والرسومات المعمارية القديمة الموضوعة في كل مكان. ما أن فتحت الباب وخطت خارجاً، حتى وجدت الخادمة العجوز تقف أمام الباب في انتظارها، ويبدو واضحاً أنها كانت تقف هناك منذ مدة طويلة بصبر. قالت الخادمة بصوت خفيض ومهذب: «سيدتي الصغيرة.. الطعام جاهز.» كان السيد معتز رجلاً شديداً في كل شيء، صارماً إلى أبعد الحدود، ولكنه رغم قسوته وقوانينه الجافة كان يهتم حقاً بمن يكونون داخل محيطه وقصره؛ فلابد للجميع أن يتناولوا طعامهم بانتظام، ويرتاحوا، ويعيشوا بحرية نسبية داخل الممتلكات الخاصة بالعائلة دون تقصير. ردت إيڤيلين باعتذار وهي تفرك كفيها: «لكني لا أرغب في تناول الطعام الآن.. ربما بعد أن أتفرغ، فلدي شيء مهم للغاية أود القيام به.» أجابت الخادمة بنبرة يغلفها القلق والرجاء: «سيدتي، السيد معتز أمرنا بنفسه أن نحضر لأجلك بعض الأطباق الرئيسية التي لا يتم تحضيرها إلا لكبار العائلة، كما أن موعد الطعام هنا يعتبر أمراً مقدساً، كل المواعيد دقيقة للغاية في هذا ال

  • جزيرة "عزازيل"..    الفصل 25

    قاطعها الرجل بصوت هادئ للغاية يكاد لا يُسمع، وكأنما يخاطب طيفاً غائباً:«تغضب!.. مَن قد يعلم! ربما...»لم تفهم إيڤيلين شيئاً البتة، لكنها شعرت بيقين تام أن بين هذا الرجل العجوز وتلك السيدة ماري ماضياً مليئاً بالتضارب والمغامرات المعقدة، مما يجعله لا يعلم إن كانت ستغضب حقاً أم لا. عاد الصمت سريعاً ليخيم على المكان، ثقيلاً ومطبقاً. جعل ذلك الرجل العجوز الغارق في الذكريات يبدو أكثر كآبة وحنيناً.الضوء كان خافتاً في هذه الغرفة بشكل خاص، ويبدو أنها صُممت عمداً لتكون هكذا، ذات إضاءة باهتة وموحشة.أخذت إيڤيلين تتلفت حولها في سكون، تتأمل الزوايا المظلمة والنقوش الدقيقة الموجودة على الأسطح الرخامة العتيقة. الشكل الكلاسيكي ذا الطابع الفرنسي جعل الغرفة تبدو أكثر فخامة وهيبة، والتفاصيل الدقيقة ذات الألوان الخافتة الباهتة جعلت المكان يزداد كآبة وفخامة في ذات الوقت، كأنه متحف لذكريات منقرضة.لاحظ الرجل نظراتها الفاحصة فقال بنبرة هادئة:«صُمِم هذا المكان على يد ميخا أنتواني.. ربما سمعتِ عنه! فهو رجل زاهد للغاية، لا يهتم للمال أو المظاهر، ولا عجب في ذلك فهو ثري جداً، وكان يحب التصميم كهواية دافئة ت

  • جزيرة "عزازيل"..    الفصل 24

    خرجت إيلين من المكان وغادرت بخطى ثابتة وهادئة. في العادة، وبعد كل مرة يذكرها فيها الجد بقوانينه الصارمة، كان يغادر حالما تغادر هي، لذا لم تهتم كثيراً هذه المرة بعدم تحركه خلفها، فمضت في طريقها وهي مطمئنة تماماً على سلامة إيڤيلين.بينما في تلك اللحظة بالذات، حدث ما لم تكن تتوقعه؛ فقد وقف الرجل العجوز بثبات وهو يتطلع بتمعن نحو الفتاة الصغيرة ذات الشعر الكستنائي، ويبدو أنه لا ينوي المغادرة ببساطة هذه المرة.شعر فجأة وكأنه قد رأى هذا الوجه من قبل في مكان ما، لكن ذاكرته الخائنة لم تسعفه لتذكر أين ومتى. اتسعت عيناه قليلاً وهو يتفحص تفاصيل وجهها بدقة بالغة، ثم أشار بيده للخادمة بالمغادرة الفورية، فانحرفت الخادمة على عجل ومضت هاربة دون أن ترفع رأسها من شدة الخوف.هذا الرجل، بلحيته البيضاء وشعره الأبيض الكثيف، أصبحت ملامحه فجأة أكثر وقاراً وهيمنة. العمر المتقدم لم يستطع أن يخفي حقيقة وسامته المطلقة؛ ولابد أنه كان في شبابه شاباً بارع الجمال يخطف الأنفاس. لم تعلم إيڤيلين أبداً ما يدور في خلده ولا ما تخفيه تلك النظرات، لذلك قامت بسرعة لتلحق بإيلين وتغادر المكان، إلا أنها فور أن استقامت على قد

  • جزيرة "عزازيل"..    الفصل 23

    جلست الفتاتان معاً على العشب الرطب داخل الحديقة الخلفية، وكأن حاجز الجليد السميك الذي كان يلف شخصية السيدة إيلين قد بدأ بالذوبان تدريجياً. تدفقت الكلمات ببساطة، وسرعان ما صارتا تتعاملان بغير تكلف أو قيود خانقة. أصبحت ضحكاتهما الصافية ترتفع في الفراغ، فتضرب حائط القصر الحجري الضخم وتعود صدىً متردداً في الأرجاء. لكن، ووسط تلك اللحظات العابرة من البهجة، جعل ذلك الصدى المكان يبدو أكثر فراغاً ووحشة رغم كل الأزهار الجميلة المتفتحة والتفاصيل الساحرة المحيطة بهما.شعرت إيلين في أعماق روحها المتمردة بأن هذا المكان ينقصه ماريو، وكأن وجوده هو وحده القادر على منح هذه المساحات روحاً ومعنى.وفي ذات اللحظة، وفي خضم هذا الهدوء المخادع، شعرت إيڤيلين بحنين جارف ودفين إلى أدريان، حنين يمزق صدرها بصمت مطبق. لكن... لم تصرح أي منهما بمشاعرها الدفينة أو بما يدور في خلدهاظل كل شيء يبدو ساكناً على السطح، متخفياً خلف قناع من الهدوء والابتسامات المتبادلة، والحديث المرح.سرعان ما انقطع ذلك السكون بصوت خطوات ثقيلة متناسقة ومنتظمة، تخطو ببطء وثبات فوق الارض الرخاميةيبدو أن صاحبها ذو شأن عظيم وهيئة طاغية. ال

  • جزيرة "عزازيل"..    الفصل 22

    نهضت السيدة إيلين بوقار متغطرس، عاد معه البرود يكسو ملامحها الأرستقراطية. مشت بخطى واثقة خارج القصر، لكنها توقفت بهدوء عند عتبة الباب، والتفتت بنصف جسدها نحو الخادمة، وقالت بصوت رقيق: «سأمكث في هذا القصر.. جهزي لي جناحاً خاصاً فوراً.» علت علامات الحيرة والذهول وجه الخادمة العجوز، لكن سنوات الخدمة الطويلة علمتها ألا تبدي أي رد فعل سوى الطاعة المطلقة؛ فانحنت برأسها ومضت لتنفيذ الأمر. في تلك الأثناء، لم تفارق عينا إيڤيلين قوام تلك المرأة الجميلة وهي تبتعد، وشعرت بغموض يلف وجودها الغريب. مرّ ذلك اليوم برتابة غريبة وخانقة؛ كانت الساعات بطيئة للغاية، ومع مرور الوقت يزداد القصر صمتاً. شعرت إيڤيلين في تلك العزلة بوحشة تجتاح صدرها؛ فقد اعتادت طوال الأوقات الماضية على مشاكسات نادر التي كانت تضفي حيوية على أيامها، وعلى حنان أدريان الدافئ الذي كان يحيطها كدرع حامٍ. أما الآن.. فقد وجدت نفسها فجأة وحيدة تماماً، بلا أصدقاء يؤنسون غربتها، وبلا حب يلازم دقات قلبها المكسور. ولكن، وعلى الرغم من سوداوية الموقف، تذكرت ذلك الشاب ماريو. لقد امتدت يدٌ أخرى غريبة لتنقذها وتنتشلها من حزنها،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status