Masukاستيقظت سيلا في الصباح الباكر على خيوط الشمس الذهبية التي تتسلل من بين الستائر المخملية الثقيلة، لتبدد عتمة غرفة النوم الفسيحة.
التفتت بجسدها المنهك لتجد موضع ألكسندر بجانبها فارغاً وبارداً؛ فقد اعتاد المغادرة مبكراً لإدارة إمبراطوريته المالية ، تاركاً إياها غارقة في الفراش ، تحمل على بشرتها آثار ممارسته المتسلطة وألم مثيراً بين فخديها من الليلة الماضية. ارتدت روباً ثقيلاً وخرجت تتفقد تفاصيل حياتها اليومية في هذا القصر الفسيح المعزول عن العالم. كانت الشرفة المطلة على الحدائق مسدودة بسياج حديدي مزخرف، يحميها -كما يزعم ألكسندر- لكنه يمنعها من تجاوز الحدود. وفي الأسفل، تنتشر عناصر الحراسة الخاصة بزيّهم الأسود الموحد وأجهزتهم اللاسلكية، يرقبون الداخل و الخارج بصرامة لا تطاق. حياتها عبارة عن روتين ذهبي ممل: وجبات فاخرة تُعد خصيصاً لها، ومجموعات من الملابس الثمينة والمجوهرات التي يشتريها ألكسندر ليتلذذ برؤيتها وهي ترتديها له فقط. بينما يُحظر عليها استخدام الهاتف أو الاتصال بالإنترنت بشكل مباشر، بحجة "حمايتها من التوتر والصدمات التي قد تؤذي ذاكرتها الهشة". وسط هذا الجفاف القاتل والصمت المريب من حولها، كانت هناك استثناءٌ واحد يمنحها شيئاً من الأمان؛ خادمتها الخاصة "إيفي". لم تكن إيفي كبقية طاقم الخدم الصامتين كالأشباح؛ بل كانت فتاة شابة، بريئة الملامح، ذات نظرات دافئة وعيون حنونة تفيض باهتمام غير مشروط. كانت إيفي هي الوحيدة التي تسرح شعر سيلا برقة ولين، وتعتني بملامح وجهها الناعم بلمسات دافئة تثير في نفس سيلا شعوراً مختلفاً، إحساساً بالأمان والراحة النفسية لم تعتده من الرجال حولها. وكانت تسري في عروق سيلا قشعريرة ناعمة مثيرة كلما اقتربت منها إيفي لتصلح لها ثوبها أو تلمس يدها بالخطأ، مما جعل سيلا تفتح لها قلبها تدريجياً وتثق بها أكثر من أي شخص آخر داخل هذا المعزل. في هذه الأثناء جلست سيلا أمام طاولة الزينة في غرفتها، بينما كانت إيفي تقف خلفها ب هدوء، تمسك بفرشاة الشعر وتمررها على خصلات سيلا برقة متناهية. وتتأمل سيلا وجهها في المرآة؛ كانت بشرتها ناصعة، لكن نظرات عينها تحمل حيرة عميقة؛ حياة الرغد هذه لم تكن تكفي لردع الشكوك التي زرعها راكان في أعماقها كالبذور السامة. تذكرت كلماته النارية التي قالها لها في لقائهما السري الأول: "تأملي هذا القصر يا سيلا.. هل ترين حباً أم ترين سجناً؟ ألكسندر يطعمكِ ويغرقكِ بالذهب ليضمن خنوعكِ، ويمنعكِ من الخروج كي لا تتذكري تفصيله من ذاكرة واحدة تدمره! إنه حتى يخاف أن تسألي أحداً في الشارع عن اسمكِ الحقيقي!" بدأت كلمات راكان تحفر في عقلها ببطء، وتصنع في داخلها أولى شرارات الشك الحقيقي. نظرت عبر المرآة إلى الأدوية والفيتامينات المقوية التي يصر ألكسندر على أن تتناولها يومياً تحت توصيات الطبيب الخاص للقصر. لم تكن تشعر بمرض، فلماذا هذه العقاقير المستمرة؟ ولماذا يتجنب ألكسندر دائماً إظهار أي صور قديمة لعقد زواجهما أو تفاصيل حياتهما قبل الحادث؟ ابتعدت إيفي ببطء بعد أن أنهت تسريح شعرها، تاركة سيلا تمد يدها المرتجفة نحو زجاجة الدواء على طاولة الزينة. وقبل أن تضع الحبة في فمها، مترددة، نظرت إلى إيفي التي بادلتها نظرة دافئة مليئة بالاطمئنان والتعاطف، ثم سمعت صوت الخطوات الثقيلة للحراس تنادي على إيفي بالخارج معلن انتهاء دوامها. شعرت سيلا حينها بأنها ليست سوى طير جميل في قفص مطلي بالذهب، تحيطه الرغبة والشهوة والسيطرة من كل جانب، وأن عليها البدء في البحث عن الحقيقة بنفسها قبل أن يبتلعها هذا السجن كلياً.لم يكن خليل وركان يملكان وقتاً طويلاً لتحليل ما حدث...ما إن عادا إلى نقطة الاختباء حتى أغلق ركان الباب الحجري خلفهما، ثم التفت إلى خليل.كان وجهه يخبره أن الأمر لم ينتهِ عند اختفاء إيفي.قال ركان:ـ أخبرني بالتفصيل... متى قال الحارس إنهم نقلوها؟أجاب خليل:ـ قبل دقائق من وصولي إلى السرداب.عقد ركان حاجبيه:ـ وقبل أن تصل أنت، هل لاحظت أي شيء غريب في الطريق؟هز خليل رأسه:ـ لا.ـ وهذا هو الغريب.نظر خليل إليه، فأشار ركان إلى الملفات التي يحملها:ـ فكر فيها... نحن دخلنا الخزنة، ثم خرجت أنت، وبعدها مباشرة نُقلت إيفي من مكان احتجازها. لم يكن الحراس يعرفون ما حدث في الخزنة قبل ذلك.توقف لحظة، ثم تابع:ـ هذا يعني أن شخصاً ما كان يراقب تحركاتنا.صمت خليل، وبدأت التفاصيل تتجمع في ذهنه: الإنذار الذي دوّى في القصر... الحراس الذين ظهروا في الممرات... نقل إيفي قبل وصوله بدقائق... ثم أمر ألكسندر المفاجئ بإخلاء السرداب.قال خليل:ـ ربما كان هناك شخص يراقبني منذ خروجي من المكتب.ـ أو كان يراقبنا نحن الاثنين منذ البداية.رفع خليل عينيه إليه:ـ لكن كيف عرفوا مكان إيفي؟أجاب ركان:ـ لأن شخصاً ما داخل ا
لم يكن أمام خليل وركان وقت للتفكير طويلاً؛ كانت أصوات الحراس تقترب أكثر، والممر السري الذي احتميا داخله لم يعد آمناً إلى الأبد.تحركا بسرعة بين الجدران الحجرية القديمة، حتى وصلا إلى نهاية الممر.هناك توقف خليل؛ كان عليه أن يتأكد من شيء واحد قبل أي خطة أخرى... إيفي.منذ بداية هذه الفوضى، كان هدفه الأول إخراجها من القصر؛ إذا تمكن من الوصول إليها، سيكون لديهم فرصة للهروب جميعاً.قال خليل بصوت منخفض:ـ يجب أن أذهب إليها أولاً.نظر إليه ركان باستغراب:ـ إلى أين؟ـ المكان الذي يحتجزونها فيه.فهم ركان قصده فوراً:ـ السرداب؟أومأ خليل:ـ إذا كانت لا تزال هناك، نستطيع إخراجها قبل أن يكتشفوا أمرنا.لم يعترض ركان؛ كان يعرف أن ترك إيفي خلفهم ليس خياراً صحيحاً.اتفقا على العودة إلى نقطة الاختباء نفسها بعد أن ينتهي خليل، ثم افترقا عند أحد الممرات.تحرك خليل وحده؛ كان يعرف الطريق إلى السرداب جيداً، وكل خطوة كان يخطوها كانت تقربه من اللحظة التي انتظرها منذ دخوله القصر... لحظة إخراج إيفي.كان يتخيل أنها ستكون النهاية لهذه المرحلة؛ أن يفتح الباب، أن يجدها هناك، ثم يخرجان معاً.لكن عندما وصل إلى الممر ا
في الجهة الأخرى من القصر، لم يكن ركان ينتظر عودة خليل كما اتفقا؛ كان يعلم أن الوقت ينفد.ومنذ أن افترقا، ظل يتنقل بين الممرات الجانبية للقصر، يراقب الحراس ويحسب أوقات مرورهم حتى لاحظ شيئًا غريبًا؛ أحد الممرات القديمة كان يُفتح أحيانًا من الداخل رغم أن القصر لا يستخدمه منذ سنوات.تسلل إليه قبل دقائق، واكتشف خلف جدار حجري بابًا مخفيًا يقود إلى ممر ضيق يمتد أسفل القصر... وفي نهايته، كان هناك منفذ يؤدي إلى الخارج؛ طريق هروب سري.لكن الطريق لم يكن مفتوحًا... كانت هناك آلية معدنية في منتصف الباب، وبجانبها تجويف دائري يحمل رمزًا غريبًا.وكان ركان قد رأى الرمز نفسه من قبل على قطعة معدنية صغيرة كانت سيلا تحتفظ بها داخل صندوق قديم في جناحها.لذلك لم يتردد؛ إذا كان هذا الطريق هو فرصتهم الوحيدة للخروج، فعليه الوصول إلى سيلا. اتجه نحو جناحها فورًا.في الوقت نفسه، كان خليل يندفع عبر ممر آخر من القصر والملفات مخبأة تحت معطفه، وكان ذهنه لا يزال عالقًا في كلمات إدريس: «ابحث عمّن كتبها... وماذا أخفى بين سطورها».ضغط خليل على الملفات بيده؛ لم يكن يعرف إن كان المحامي يحاول خداعه أم تحذيره، لكن شيئًا واحد
لم يكد خليل يخطو خطوتين نحو الباب حتى سمع صوتاً خافتاً خلفه.توقف.ثم التفت ببطء.كان إدريس يتحرك.ارتجفت أصابع المحامي فوق السجاد، قبل أن يفتح عينيه بصعوبة، ويحاول رفع رأسه.تراجع خليل خطوة، وأخفى المفتاح الثاني داخل جيبه، بينما ثبت نظره عليه بحذر.لم يكن مستعداً لمواجهته من جديد.لكن إدريس لم يندفع نحوه هذه المرة، ولم يحاول الصراخ.بل اكتفى بأن حدق فيه للحظات، وكأن شيئاً أثقل من الألم كان يشغل تفكيره.قال خليل بصرامة:ـ لا تحاول القيام بأي حركة غبية.ابتسم إدريس ابتسامة باهتة:ـ لو كنت أريد جلب الحراس، لفعلت ذلك منذ لحظة استيقاظي.تجمد خليل مكانه.كان في صوت المحامي شيء مختلف.لم يكن صوت رجل خسر صفقة... كان صوت رجل يعرف شيئاً لا يعرفه الآخرون.اقترب خليل بحذر، لكنه أبقى مسافة بينهما:ـ ماذا تريد مني؟أغلق إدريس عينيه للحظة، ثم قال:ـ أن تمنع نفسك من ارتكاب أكبر خطأ في حياتك.ضحك خليل بسخرية:ـ بعد كل ما فعلته، تريد مني أن أصدق نصيحتك؟فتح إدريس عينيه وحدق فيه مباشرة:ـ أنت لا تعرف ماذا تخفي تلك العقود يا خليل.ساد الصمت.شعر خليل بأن شيئاً بارداً تسلل إلى داخله، لكنه لم يسمح لملامحه
لم يكد خليل يخطو خطوتين نحو الباب حتى سمع صوتاً خافتاً خلفه. توقف. ثم التفت ببطء. كان إدريس يتحرك. ارتجفت أصابع المحامي فوق السجاد، قبل أن يفتح عينيه بصعوبة، ويحاول رفع رأسه. تراجع خليل خطوة، وأخفى المفتاح الثاني داخل جيبه، بينما ثبت نظره عليه بحذر. لم يكن مستعداً لمواجهته من جديد. لكن إدريس لم يندفع نحوه هذه المرة، ولم يحاول الصراخ. بل اكتفى بأن حدق فيه للحظات، وكأن شيئاً أثقل من الألم كان يشغل تفكيره. قال خليل بصرامة: ـ لا تحاول القيام بأي حركة غبية. ابتسم إدريس ابتسامة باهتة: ـ لو كنت أريد جلب الحراس، لفعلت ذلك منذ لحظة استيقاظي. تجمد خليل مكانه. كان في صوت المحامي شيء مختلف. لم يكن صوت رجل خسر صفقة... كان صوت رجل يعرف شيئاً لا يعرفه الآخرون. اقترب خليل بحذر، لكنه أبقى مسافة بينهما: ـ ماذا تريد مني؟ أغلق إدريس عينيه للحظة، ثم قال: ـ أن تمنع نفسك من ارتكاب أكبر خطأ في حياتك. ضحك خليل بسخرية: ـ بعد كل ما فعلته، تريد مني أن أصدق نصيحتك؟ فتح إدريس عينيه وحدق فيه مباشرة: ـ أنت لا تعرف ماذا تخفي تلك العقود يا خليل. ساد الصمت. شعر خليل بأن شيئاً بارداً تسلل إلى داخ
لم يضيع خليل ثانية واحدة. انحنى بسرعة، والتقط المفتاح الثاني من الأرض، ثم تأكد أن إدريس ما يزال فاقداً للوعي. وبعدها التفت نحو الخزنة المفتوحة، وألقى نظرة أخيرة على محتوياتها قبل أن يغادر المكتب. كان يظن أن الجزء الأصعب انتهى. لقد حصل على العقود، وحصل على أوراق الملكية، وحصل أيضاً على المفتاح الذي كان إدريس مستعداً للمخاطرة بكل شيء من أجله. لكن شيئاً ما في كلمات المحامي ظل عالقاً في ذهنه: «سيلا وإيفي لعبتا دورهما جيداً، وأنت كنت كالأحمق...» توقف خليل فجأة، وشعر بأن هناك مكيدة. أخرج الملفات الجلدية من جيبه، ووضعها فوق المكتب، ثم بدأ يقلب صفحاتها بسرعة. في البداية بدت الأوراق طبيعية؛ عقود قديمة، أختام رسمية، توقيعات، وأرقام ملكيات تعود إلى سنوات بعيدة. لكن عندما قارن الصفحات ببعضها، انعقد حاجباه. كانت هناك فجوة واضحة... صفحة مفقودة. ثم اكتشف فجوة ثانية، وثالثة. رفع خليل إحدى الصفحات أمام الضوء، محاولاً التأكد من أنها لم تكن مجرد ترقيم ناقص. همس: ـ مستحيل... عاد إلى بداية العقد، ثم أخذ يعد الصفحات واحدة تلو الأخرى. كان العقد يتحدث عن ملكية كبيرة، لكنه يتوقف فجأة قبل البند







