登入لم تطل الأيام بسعد وهو يعلم أن ليلى تحترق في جحيم ذلك القصر. كان الشوق يحرق ضلوعه، والخوف عليها من بطش مروان ومجونه يسلبه النوم. قرر سعد أن يخاطر بحياته؛ فما عاد للعمر قيمة إن كانت ليلى تُهان.
استعان سعد بالجارية الوفية التي نقلت له الرسالة، وأغدق عليها بما بقي معه من مال، لتساعده في تدبير لقاء سرّي. كان قصر الأمير مروان يملك بستاناً خلفياً كبيراً يمتد حتى ضفاف نهر دجلة، وحيث إن الأمير كان يقضي ليله ساهراً مع غلمانه وندمائه في الجناح الشرقي، كان البستان الغربي المؤدي للنهر شبه مهجور في الهزيع الأخير من الليل.
في ليلة شديدة الظلمة، تسلل سعد عبر النهر مستقلاً قارباً صغيراً، وتسلّق السور الخارجي للمستنبت بمساعدة الجارية، التي كانت قد أبلغت ليلى بالموعد.لم تطل الأيام بسعد وهو يعلم أن ليلى تحترق في جحيم ذلك القصر. كان الشوق يحرق ضلوعه، والخوف عليها من بطش مروان ومجونه يسلبه النوم. قرر سعد أن يخاطر بحياته؛ فما عاد للعمر قيمة إن كانت ليلى تُهان.
استعان سعد بالجارية الوفية التي نقلت له الرسالة، وأغدق عليها بما بقي معه من مال، لتساعده في تدبير لقاء سرّي. كان قصر الأمير مروان يملك بستاناً خلفياً كبيراً يمتد حتى ضفاف نهر دجلة، وحيث إن الأمير كان يقضي ليله ساهراً مع غلمانه وندمائه في الجناح الشرقي، كان البستان الغربي المؤدي للنهر شبه مهجور في الهزيع الأخير من الليل. في ليلة شديدة الظلمة، تسلل سعد عبر النهر مستقلاً قارباً صغيراً، وتسلّق السور الخارجي للمستنبت بمساعدة الجارية، التي كانت قد أبلغت ليلى بالموعد.مشى سعد بخطى متخفية بين أشجار النخيل والياسمين، حتى رأى خيالاً يقف باهتزاز عند أطراف البستان. كانت هي.. ليلى، تلتحف بسواد الليل، وشاحبة كالقمر المحجوب بالغيوم.
اقترب سعد بصوت مخنوق:
— "ليلى.. أهذه أنتِ يا روح سعد؟"
التفتت ليلى، وما إن رأت وجهه حتى خانتها قدماها فسقطت، فأسرع إليها واحتضن كفيها المرتعشتين. نظرت إلى وجهه في عتمة الليل، ولمست لحيته التي خطّ فيها الشيب مبكراً من فرط الحزن.
قالت ليلى وهي تنشج بالبكاء:
— "سعد! وا أسفاه على ما فعلت بنا الأيام.. انظر إليّ، لقد دُنّست طهارتي، وأُهينت كرامتي في قصر هذا الأمير الذي لا يعرف لله وقاراً. يتركني في وحشة كمدي ليقضي ليله مع غلمانه، وعندما شكوته أسمعني خنا الكلام وضربني.. انظر إلى عيني يا سعد، كيف تلاشت منها الحياة؟"
انفطر قلب سعد، ودمعت عيناه وهو يرى أثر ضربة مروان على وجهها النقي، وقال وعبراته تخنقه:
— "والله لو كان لي جندٌ كجند بني العباس، لهدمت هذا القصر على رأس مروان وغلمانه! يا ليلى، لعنة الله على الذهب والجاه إن كان يصنع هذا بالحرائر. والله ما فارقني طيفكِ يوماً، وما جفّت محبرتي إلا من دموعي عليكِ
أمسك سعد بيديها بقوة وقال بنبرة ملؤها الإصرار:
— "ليلى، القارب ينتظرنا عند الشاطئ. لن أترككِ هنا ليلة واحدة أخرى ليتسلى بكرامتكِ أميرٌ ماجن. سنهرب الليلة.. سنركب دجلة نحو البصرة، ومنها إلى بلاد فارس أو الشام، حيث لا يعرفنا أحد. نعيش في كوخ صغير، نأكل خبزاً يابساً، لكن بالطهر والكرامة التي سُلبت منكِ."
نظرت إليه ليلى بنظرة يمتزج فيها الحب العارم باليأس القاتل. مسحت دموعه بأصابعها المرتجفة وقالت:
— "يا ليتني أستطيع يا سعد.. يا ليتني أملك شجاعة الهرب. لكنك لا تعرف مروان، إنه أمير ذو نفوذ وسلطة، لو هربنا، لن يهدأ له بال حتى يقلب الخلافة بحثاً عنا. سيقتلك ويقتل أبي وعائلتي كلها ليغسل عار هروبي. نفوذه يمتد كالأخطبوط في كل مدينة وقرية."
صرخ سعد بهمس حارق:
— "إذن أترككِ هنا تموتين قهرًا؟ أترككِ لزوجٍ يفضل الغلمان عليكِ ويهين أنثويتكِ؟ الموت معي في النهر أرحم من بقائكِ في هذا العذاب!"
قالت ليلى بصلابة نابعة من الموت نفسه:
— "بل الموت وحده هو خلاصي يا سعد. لقائي بك الليلة أحيا روحي، وجعلني أدرك أنني عشتُ طاهرة في قلبك، وهذا يكفيني. اسمعني يا حبيبي.. اذهب وعِش، انسخ كتبك، واذكرني في أشعارك. لا تجعل مروان يظفر بدمك أيضاً."
انطلق مسرور والجارية في دروب بغداد وعيونهما تترصد المارة، حتى بلغا القصر ودخلا من الباب السري المؤدي إلى جناح السيدة عاتكة. تلوت الجارية بصلوات شكر وهي ترى اللفافة الجلدية المستخرجة من غرفة سعد تقع أخيراً في يد الأميرة العجوز.تفحصت السيدة عاتكة الأوراق تحت ضوء الشموع، وقلّبت الرسائل المكتوبة بخط ابنها مروان وأختامه الرسمية، فارتجفت يداها غضباً وكبرياءً. التفتت إلى ليلى وقالت بنبرة حاسمة:— "الآن ملكنا زمام مروان.. اذهبي يا ليلى إلى مخدعكِ، واغسلي دموعكِ، والبسي أبهى ما عندكِ من حلي وديباج، واجلسي بجانبي كالملكة. الليلة نكسر هذا الصلف."مع حلول المساء، أرسلت السيدة عاتكة في طلب ابنها الأمير. دخل مروان الجناح يجر خطى السهر، متبختراً بكبريائه المعهود، لكنه فوجئ بوجود والدته تجلس بهيبة جلالها، وبجانبها ليلى كدرة مصونة لا تطالها يداه.مروان (بابتسامة متكلفة): "أهلاً بالوالدة السيدة.. شرف الغياب يملأ قصري. ما بال هذه الجلسة المهيبة؟ وكأننا في ديوان الخليفة؟"السيدة عاتكة (بصوت كالرعد): "بل هو ديوان الحساب يا مروان! اجلس كفّ عن الغرور."تنحنح مروان وجلس ببرود، فنظرت إليه أمه باحتقار وقا
لم تضع السيدة عاتكة وقتاً؛ فضغوط الوقت وحسابات السلطة لا تحتمل التأجيل. التفتت إلى خادمتها المقربة وصاحت بنبرة حازمة هزت ممرات الجناح:— "ادعي لي مسروراً فوراً!"كان مسرور هو رجل السيدة عاتكة الصارم، وحارس سرها الأمين منذ سنوات طويلة، رجلٌ ضخم الجثة، ذو عينين صقريتين، لا يعرف الخوف ولا يتردد في تنفيذ أمر سيدته.التفتت السيدة عاتكة إلى ليلى وقالت بلهجة لا تقبل النقاش:— "دعي جاريتكِ الوفية تقود مسروراً إلى ذلك الشخص الثقة الذي يحتفظ بالوثائق خارج القصر. فليأتيا بها سريعاً قبل أن يستفيق مروان من خمرته وتتبدل الأحوال."خرجت الجارية الوفية والذعر يأكل قلبها، ويمشي خلفها مسرور بخطوات واسعة يغطي وجهه بلثام غامق، وسيفه مخبأ تحت قبائه. كانت الجارية تعلم أن "الشخص الثقة" ليس سوى سعد، النساخ الفقير الذي يصارع الموت من أثر الحُمّى في الخان القديم، وأن الحارس طارق قد يكون هناك أيضاً.كانت تهمس لنفسها وهي تسرع خطى سيرها في أسواق الكرخ:"يا رب سترَك.. كيف سأشرح لمسرور وضع سعد؟ وماذا لو وجدنا طارق هناك وظن مسرور أننا نتآمر على القصر؟"وصلت الجارية ومسرور إلى باب الخان القديم، وكان المكان هادئاً
نظرت ليلى إلى والدة مروان بذهول، وتنازعتها المشاعر؛ فمن جهة أحست بالأمان لوجود هذه المرأة القوية بجانبها، ومن جهة أخرى تملكها الرعب، فالرسائل التي تدين مروان بالتآمر واختلاس الخراج باتت الآن مع سعد، وسعد مريض، والمؤامرة تكبر.حاولت ليلى استجماع شجاعتها، وهمست للسيدة عاتكة:— "يا سيدتي.. إن الأمر أكبر من مجرد مجون وغلمان في غرف مغلقة. إن الأمير مروان.. يتآمر على الخلافة نفسها، ويسرق أموال الخراج ليشتري بها ولاء جند الثغور."صُعقت السيدة عاتكة، وتغيرت ملامحها تماماً. ثبتت نظرتها في عيني ليلى وقالت بهمس حاد:— "التآمر والخيانة؟! أهذا صحيح يا ليلى؟ هل لديكِ دليل على ما تقولين؟ إن ثبت هذا، فإن عنقه ستُعلق على أبواب بغداد بأمر الخليفة نفسه!"ليلى (بارتباك وخوف): "نعم يا سيدتي، الدلائل والرسائل بخطه وختمه كانت في صندوقه السري، وقد خرجت من القصر وهي الآن في طريقها إلى القاضي العادل."السيدة عاتكة (بذكاء وحنكة): "من أخرجها؟ وكيف؟ إن كان هذا صحيحاً، فإن مروان سيبيد القصر بأكمله إن شعر باختفائها. يجب أن نتحرك بحذر يا ابنتي. إذا وصلت الرسائل للقاضي،تراجعت السيدة عاتكة خطوة إلى الوراء، وارتسمت
جثا طارق على ركبتيه ورفع ألواح الخشب ليستخرج لفافة الجلد التي تحتوي على الرسائل الخطيرة. نظر إليها، ثم نظر إلى سعد المريض، وتملكه رعب شديد.طارق (محدثاً نفسه بذهول): "كيف أذهب أنا؟ القاضي العادل يعرف سعداً بنزاهته وخطه، ويعرف أنه نساخ محترم. أما أنا.. فمجرد حارس بسيط في قصر الأمير، وإذا دخلت على القاضي بهذه الأوراق، فربما يظنني سارقاً أو متآمراً يسعى لابتزاز الأمراء، وقد يزج بي في السجن مجدداً قبل أن يقرأ سطراً واحداً! والأدهى من ذلك، أن غيابي عن القصر الآن سيثير الشبهات فوراً."التفت طارق إلى سعد وقال بنبرة مليئة بالخوف والمسؤولية:— "يا سعد، أنا لا يمكنني مقابلة القاضي بمفردي، هيبتي كحارس لا تكفي لتصديقي في مثل هذه المؤامرة الكبرى التي تهز أركان الخلافة. يجب أن تكون أنت معي لتشهد على دقة النسخ والخط."أخرج طارق صرة مال صغيرة، وهرع إلى الخارج ليحضر طبيباً يداوي سعداً على عجل، وهو يعلم أن ليلى في تلك الأثناء تجلس خلف قضبان القصر الذهبية، تظن أن الفرج قد حان، بينما القدر ينسج حولة قصتهم ثوباً جديداً من القلق والانتظار على حافة السكينبينما كان طارق يسابق الزمن في أزقة بغداد بحثاً عن
في تلك الأثناء، كان سعد في غرفته الصغيرة يخط بريشته بدقة متناهية. كانت الأوراق الأصلية المليئة بالخيانة ومجون الأمير مروان موضوعة أمامه، والنسخ الجديدة تجف ببطء.فجأة، سمع سعد أصوات جلبة بعيدة في الزقاق، وصوت وقع أقدام الحرس. أحس بقلبه ينقبض، وعلم بغريزته أن خطراً قد أصاب طارق.نظر سعد إلى الرسائل التي بين يديه، وقال في نفسه:"لو دخلوا عليّ الآن ووجدوا هذه الأوراق، لضاعت ليلى، ولأُعدم طارق، ولهلكتُ أنا. هذه الأوراق هي سلاحنا الوحيد، ويجب أن تصل إلى القاضي قبل أن ينطق طارق تحت التعذيب."جمع سعد الرسائل الأصلية والنسخ بسرعة، ولفها في قماش من الجلد الكتوم للماء، ثم خبأها في تجويف سري تحت ألواح الخشب التي يضع عليها صناديق الحرير والكتب. جلس مكانه، وأمسك بكتاب شعر عادي وبدأ يقرأ فيه تظاهراً بالهدوء، بينما كانت أنفاسه تتسارع مع كل خطوة تقترب من بابه.أصبحت اللعبة الآن على حافة الهاوية: طارق خلف القضبان يقاوم التحقيق، وسعد يملك الدليل القاطع الذي يشنق الأمير، وليلى تنتظر في القصر مصيرها المعلق بين النجاة والهلاك.أمضى طارق ليلة قاسية في دياجير "المُطبَق"، حيث واجه استجواباً شديداً من حر
التقطت ليلى خيوط الأمل، وتذكرت الجارية الوفية التي كانت صلتها بسعد. في غضون أيام، وبطرق ملتوية، تم نسج شبكة سرية مذهلة داخل بغداد:ريحان يسرق رسائل الأمير مروان السرية التي تثبت اختلاسه لأموال الدولة وتآمره مع المتمردين أثناء سهرات المجون.ليلى تستلم الوثائق وتخفيها في وسائد الحرير.الجارية تنقلها إلى طارق الحارس عند أسوار البستان ليلاً.طارق يسلمها لـسعد، الذي استغل مهارته الفائقة في النساخة لإعداد نسخ دقيقة منها، تمهيداً لإيصالها إلى ديوان الخلافة عبر قاضٍ عادل يُعرف بنزاهته وعدائه لمروان.بدأ الحصار يضيق حول الأمير مروان وهو لا يعلم، وأصبح سعد، الناهب الحزين، يقود معركة خفية من خلف الأوراق والحبر لاسترداد كرامته وحبيبتهاستمرت الخطة الخفية تسير بدقة كدقّات الساعة. كان ريحان يترصد الأمير مروان في سهراته، وما إن يسقط الأمير مغشياً عليه من أثر الشراب والمجون، حتى يتسلل ريحان إلى صندوق رسائله السري، ينسخ منها ما يشاء من وثائق المؤامرة واختلاس أموال الخراج، ثم يسلمها إلى ليلى.وفي ليلة غاب قمرها، تسلم طارق الحارس من الجارية الوفية حزمة جديدة من تلك الرسائل الخطيرة عند أطراف البستا

![زوجتي الحبيبة: [سيد عبّاد، لقد غازلتك بالخطأ!]](https://www.goodnovel.com/pcdist/src/assets/images/book/43949cad-default_cover.png)





