LOGINابتسم أحمد وقال: سيد أحمد !! هههه، ناديني بأحمد فقط ، ثم تنحنح وقال:
هل مازلت ترعين الأغنام نيابة عن والدك؟ أليس لديه ذرة ضمير وإنسانية؟ كل من في القرية يتحدثون عنه ، وعن معاملته السيئة لوالدتك .كما أنه كرس اهتمامه بزوجته الثانية ولم يعد يعترف بكم . قاطعته أمينة: ونحن أيضا لم نعد نعترف به أبا لنا ، فكل ما يهمه المال وسعادته، حتى أنه منعني من الذهاب إلى المدرسة، إنها أبسط حقوقي. كل من هم في عمري تجاوزوا المراحل الابتدائية، وأنا بقيت كما ترى بين الأغنام. اغرورقت عينا أمينة بالدموع. رتب أحمد على كتفي أمينة ليواسيها . حسنا إهدأي فلا أريد أن أراك تبكي مجدداً. جلس أحمد على حافة الصخرة ونظر إلى عيني أمينة نظرات غريبة بعض الشيء. ارتبكت أمينة ، لماذا تنظر إلي هكذا؟؟ لا شيء فقط أفكر ... بماذا تفكر؟؟ "سنغادر القرية الاسبوع المقبل، سنبقى في المدينة إلى أن أنهي المرحلة الثانوية ثم التخرج." آمل أن أعود حينها ..وأراك مجدداً. سأنقش حرفي إسمي وإسمك هنا على هذه الشجرة،علها تجمعنا عندما أعود. ما رأيك ؟ لم تكن تعلم ماذا تقول ثم نظرت إلى السماء وقالت: ليتني كهذه الطيور استطيع التحليق بعيدا عن هذه القرية ، وبعيدا عن هذا الواقع المرير..... ابتسم أحمد وهو ينقش حرفي إسمهما وقال: عندما أعود أعدك بأنك ستغادرينها ، لكنها مسألة وقت فقط. هززت أمينة رأسها بابتسامة جميلة ماذا تقصد بمسألة وقت ؟ خطفت إبتسامتها قلب أحمد وأخذ ينظر إليها: سأخبرك عندما أعود ، هذا وعد مني . حافظي على هذين الحرفين من فضلك !!! حسنا !! وقف أحمد وهو يودع أمينة. انتبهي لنفسك جيداً . وأنت أيضاً . أتمنى لك التوفيق والنجاح غادر أحمد وجلست أمينة تنظر إليه وهو يبتعد بين الأشجار . آااه أمينة ما بك؟ لا تفكري بهذا مجدداً . مازلت صغيرة على هذه الأشياء. أخذت نفسا عميقا ثم تنهدت وهمت بمغادرة المكان أيضا وقبل وصولها المنزل ظهر والدها أمامها بوجه عبوس: أيتها القبيحة ،اذهبي حالا واحلبي الأغنام مع أمك وأحضري الحليب لخالتك ،فهي تحب الحليب الطازج واياك وإزعاجها وإلا فسأقتلك. حالا يا أبي هه فاشلة أنت وأمك.... إيه ... لا تنسي قطف الخضار والفواكه الطازجة أيضا لها هل سمعتي؟؟؟ نعم سمعتك . هيا اذهبي عندما وصلت قامت هي ووالدتها بحلب الأغنام وتعبئته ،حملته وذهبت به إلى زوجة أبيها، طرقت الباب ففتحت الباب امراه جميلة تضع لبانا في فمها وتنظر إليها من رأسها حتى أخمص قدمها بقرف، هل أنت أمينة؟ نعم ياخالتي لا تناديني خالتي ، ناديني بالمدام سعاد هل فهمت؟ إذا خذي الحليب والخضار يا مدام سعاد هه ،نظرت إليها وغادرت . قالت بصوت منخفض: هل هذه هي المرأة التي فضلها أبي على أمي، هه يا لذوقه الساذج.....بالطبع فهذا النوع من النساء تفضل الرجال الذين لديهم الكثير من المال وإلا لما كانت تزوجت من رجل كوالدي هههههه ... بعد أن تزوج والدي أصبح الجو في المنزل أكثر استقرارا، إذ أن والدي أصبح مشغولا مع زوجته الثانية ، فلا نراه إلا عندما يطلب أمي لرغبته الدنيئة. وفي يوم من الايام كانت أمي تشعل النار في الخارج لتصنع لنا الخبز ، فإذ بزوجة أبي قادمة من بعيد . جاءت تمشي ببطء وتضع يدها على إحدى خاصرتيها، ثم بدأت بالتأووه ماذا تريدين ؟ قالت لها امي ولم تنظر إلى عينيها . " آااه لقد شممت رائحة الخبز ، وأنا حامل ، لم أستطع منع نفسي من المجيءحاولت أمينة النهوض، غير أن والدها كان أشد منها قوة. أمسكها من شعرها بعنف، وسحبها حتى ألقى بها داخل إحدى الغرف. وقف أمامها وهو يلهث من شدة غضبه، وقال بلهجةٍ آمرة: – ستفسخين خطبتك من أحمد، وستتزوجين أبا عبدو. لديه زوجتان، وسيتخذك زوجةً ثالثة، وهذا أنسب لك من ذلك الشاب. رفعت أمينة رأسها، وقد امتزج الألم بالإصرار في عينيها، وقالت بثبات: – والله لو قتلتني، فلن يحدث ما تريد. وفي تلك اللحظة، دخلت زوجة أبيها، وعلى وجهها ابتسامة ساخرة، وقالت: – ما زلتِ عنيدة يا أمينة بعد كل هذه السنين! اسمعي كلام أبيك، فلعل الله يرزقك ولدًا يسندك في آخر عمرك. نظرت إليها أمينة باحتقار، ثم قالت بهدوءٍ لاذع: – أتقصدين كما أسندك ابنك؟ لقد سمعت أن زوجته طردتك من بيتها. أسأل الله أن يريكِ جزاء ظلمك قبل الآخرة. تبدلت ملامح المرأة، واشتعل الغضب في وجهها. ولم يمهلها والدها لحظة، إذ رفع يده وصفع أمينة صفعةً قوية، حتى ارتطم رأسها بالجدار. ساد الصمت للحظات. أغمضت أمينة عينيها، وشعرت أن سنوات الظلم كلها تجثم فوق صدرها. أدركت أن الجراح التي خلّفها والدها في قلبها لم تكن آثار ضربٍ فحسب، بل كانت ندوبًا
ودّعت أمينة إخوتها وعينيها تفيضان بالدموع، بينما كانت زوجاتُهم يودعن أزواجهن بقلوبٍ يعتصرها الخوف. اجتمعت النسوة في ساحة المنزل، ورفعن أكفّهن إلى السماء، يسألن الله أن يحفظ أبناءهن وأزواجهن، وأن يكتب النصر للمظلومين، وأن يرفع عن البلاد ما حلّ بها من بلاء. كانت أمينة قد احتفظت بالهاتف الذي اشترته حين كانت في قرية كرمين، وأخفته عن الجميع خشية أن يقع في الأيدي الخطأ. ولم يكن يضم سوى رقم أحمد، فقد كان وسيلتها الوحيدة للاطمئنان عليه وعلى إخوتها. ومع كل مساء، كانت تبحث عن مكانٍ بعيد عن الأنظار، ثم تتصل به. وما إن تسمع صوته حتى يهدأ اضطراب قلبها. كان يحدثها عن أحوال الجبهات، وعن الليالي الطويلة التي يقضيها مع رفاقه، وعن القرى التي تتعرض للقصف، ثم يوصيها في نهاية كل اتصال أن تعتني بوالدتها، وألا تقلق عليه، مؤكدًا لها أن الله خير حافظ. أما هي، فكانت تبعث إليه برسائل صوتية كل يوم، تملؤها الدعوات وكلمات الشوق، فيرد عليها كلما سنحت له الفرصة، لتظل تلك الرسائل خيطًا رفيعًا يصل بين قلبين فرّقت بينهما الحرب. ومضت الأيام ثقيلة، ولم يتبدل حال البلاد. كانت المعارك تزداد ضراوة، والقصف لا يكا
بعد أن اتخذوا قرار العودة إلى قريتهم، شرعوا في جمع أمتعتهم على عجل، بينما كانت أصوات الطائرات الحربية تهز السماء، ويتردد دوي القصف في القرى المجاورة. استقلوا سيارةً أقلّتهم نحو المنارة، وقد خيّم الصمت على الجميع. جلس أحمد إلى جوار أمينة، وأمسك بيدها في هدوء، وكأن تلك اللمسة تبعث الطمأنينة في قلبيهما. كانا يرفعان أبصارهما إلى السماء بين الحين والآخر، ويرددان في سرهما الدعاء أن يحفظهم الله، وأن ينجّي الأطفال والأبرياء من أهوال الحرب. وبعد رحلةٍ ثقيلة، وصلوا إلى منزلهم. توقف الجميع أمامه وقد عقدت الصدمة ألسنتهم. كانت الأبواب مخلوعة، والنوافذ محطمة، وآثار العبث والخراب تملأ المكان، بينما نمت الأعشاب اليابسة في أرجاء الدار، شاهدةً على شهور الهجران. تنهدت أمينة، ثم دخلت بصمت، وتبعتها والدتها وزوجتا أخويها، وبدأن بتنظيف المنزل رغم الألم الذي كان يعصر قلوبهن مع كل زاويةٍ يعثرن فيها على أثرٍ من آثار الخراب. وبعد ساعاتٍ من العمل، أعادوا ترتيب ما استطاعوا، وأدخلوا أمتعتهم إلى الداخل. وعلى الرغم من كل ما أصاب منزلهم، فقد كان حاله أهون من كثيرٍ من بيوت القرى المجاورة التي سوِّيت بالأرض
ارتعش قلبها لكلماته، لكنها قالت بصوتٍ يملؤه التردد: – أنت لا تعرف ما الذي حدث... ولا تعرف لماذا افترقنا. ابتسم ابتسامةً هادئة، ثم قال بثقة: – بل عرفت كل شيء... عرفت الحقيقة كاملة، ولهذا جئت إلى هنا. رفعت رأسها تنظر إليه في دهشة، واتسعت عيناها وهي تهمس: – عرفت... ماذا؟ نظر إليها طويلًا، ثم قال: – عرفت السبب الذي جعل والدك يرفض زواجنا، وعرفت السر الذي أخفاه كل تلك السنين... ولم أعد مستعدًا لأن أسمح لتلك الأكاذيب بأن تسرق ما تبقى من عمرنا ابتسم أحمد وهو ينظر إليها، ثم قال بصوتٍ هادئ: – دعينا نؤجل هذا الحديث الآن... لقد سرق منا الفراق أعوامًا طويلة، ولا أريد لهذه الليلة أن يفسدها شيء. اقترب منها خطوة، وأمسك يديها برفق، وكأنه يخشى أن تفلت منه مرةً أخرى. كانت تشعر بحرارة أنفاسه، وترى في عينيه شوقًا اختزنته السنوات. رفع يدها ببطء، وطبع عليها قبلةً خفيفة، ثم قال مبتسمًا: – كنت أحلم بهذه اللحظة منذ أعوام. احمرّ وجه أمينة، وسحبت يدها بخجل، وأطرقت برأسها، حتى خُيّل إليها أن قلبها سيغادر صدرها من شدة اضطرابه. استدارت مسرعة لتعود إلى داخل المنزل، لكنها سمعت صوته يناديها: – أم
دوّى طرقٌ خفيف على الباب، فارتجف قلب أمينة واشتدت خفقاته، وشعرت بأن شيئًا ما يخبرها أن خلف ذلك الباب خبرًا انتظرته طويلًا. تقدمت بخطوات مترددة، ثم سألت بصوتٍ امتزج فيه القلق والرجاء: – من الطارق؟ فجاءها صوت عبد الله من الخارج: – أنا يا أمينة... نحن إخوتك. ما إن سمعت صوته حتى اتسعت عيناها، وغمرتها فرحة عارمة لم تستطع كتمانها، فصاحت بأعلى صوتها: – أمي... أمي... لقد عاد إخوتي! فتحت الباب مسرعة، وألقت بنفسها في أحضانهم، تعانقهم بحرارة وتجهش بالبكاء، وكأنها تحاول أن تعوض بتلك اللحظات سنوات الفراق والخوف. خرجت الأم على عجل، ولحقت بها زوجتا حسن وحسين، وتعالت الزغاريد ممزوجة بدموع الفرح، بعدما أيقن الجميع أن الله قد استجاب دعاءهم، وردّ إليهم أبناءهم سالمين. طال العناق، وتعالت كلمات الحمد والثناء، وامتلأ المنزل بمشاعر لم تعرفها جدرانه منذ زمن. وحين هدأت العاصفة قليلًا، رفعت أمينة رأسها، فوقعت عيناها على أحمد. كان يقف إلى جانب الجدار في صمت، يراقبها بعينين تختزلان أعوامًا من الشوق والحنين، بينما كانت يده لا تزال معصوبة إثر الجرح الذي أصابه. تجمدت في مكانها، وتسارعت أنفاسها
بعد أن ابتعدوا عن الفرع وساروا مسافة طويلة على الطريق، وصلوا إلى مفترق يفصل بين طريق القرية والطريق المؤدي إلى المدينة. توقف أحمد فجأة، ثم نظر إلى الإخوة الثلاثة، وقال بصوت حاول أن يخفي فيه ألمه: "إلى هنا سأودعكم يا شباب." نظر إليه عبد الله باستغراب، وقال: "وماذا تقصد؟ ألم تكن ستأتي معنا إلى القرية؟" ابتسم أحمد ابتسامة باهتة، ثم هز رأسه وقال: "لن أستطيع... سأعود إلى أهلي، سأغادر سوريا من جديد. يبدو أن هذه البلاد لم يعد فيها مكان لنا." ساد الصمت للحظات، ثم اقترب أحمد من عبد الله وقال: "عبد الله... هل يمكن أن أكلمك على انفراد؟" أومأ عبد الله برأسه، وابتعدا قليلًا عن حسن وحسين. تنهد أحمد طويلًا، ثم قال: "قد تكون هذه آخر مرة أراك فيها. وربما لن تجمعنا الأيام مرة أخرى، لذلك أريد منك جوابًا صريحًا." قال عبد الله: "اسأل، ولن أخفي عنك شيئًا." نظر أحمد إلى عينيه وقال: "يوم سألتك عن موقف والدك من موضوعي مع أمينة، رأيتك ارتبكت وغيرت الحديث. أنت تعرف كم أحب أمينة، وأنني كنت مستعدًا أن أهبها عمري كله. أخبرني... ماذا كان يخفى عني؟" خفض عبد الله رأسه، وبقي صامتًا لثوانٍ، ثم قال بحزن: