Share

الفصل الرابع

last update publish date: 2026-06-06 02:20:54

حبيبي الأصم

بقلم: كاميليا جود

الفصل الرابع

شعر أسد بشيء قاسٍ في داخله، شيء أحرقه، لكن ملامح وجهه لم تُظهر أي ردة فعل.

قال:

"أنا قادم."

أنهى المكالمة وألقى الهاتف على السرير بقوة. بقي واقفًا يلهث، بينما ارتعب روبن وجلس في إحدى الزوايا.

كان يعرف أن أسد، في بعض الأحيان، عندما يغضب يصبح كالإعصار. لذلك فضّل أن يلتزم الهدوء وألا يقترب منه، خوفًا من أن تصيبه ركلة من شدة انفعاله.

جلس أسد على السرير، وهو يضغط على أسنانه بقوة. كانت قبضته مشدودة، وكأنها تخوض معركة ضد قلبه.

كان عقله يقول له:

"لماذا ستذهب؟"

بينما كان قلبه يجيبه:

"إنها أمك... إنها تموت، ويجب أن تودعها."

وبعد صراع مرير بين مشاعره، نهض واتجه إلى غرفة الملابس. كان يرتدي ثيابه بعصبية شديدة، غير قادر على احتمال فكرة العودة إلى تلك الفيلا التي عاش فيها يومًا كالعبد المأمور.

ارتدى سروال جينز، وقميصًا كريمي اللون ضيقًا على جسده، ثم انتعل حذاءً أبيض. أمسك ساعته محاولًا ارتداءها، لكن يديه كانتا ترتجفان من الغضب فلم تنغلق بسهولة.

فضربها بالحائط.

ثم التقط ساعة أخرى وارتداها بسرعة.

خرج من الغرفة، بينما تبعه روبن. دفعه أسد برفق إلى داخل المنزل، ثم أغلق الباب خلفه.

اتجه مباشرة نحو عادل، الذي كان يجلس داخل كوخ من القصب يستخدمه مكتبًا له. كان عادل مسترخيًا، واضعًا قدميه فوق المكتب، ويأكل شطيرة هامبرغر بكلتا يديه.

فجأة دخل أسد كالعاصفة.

اختنق عادل بالطعام، وسقطت الشطيرة من يده. نهض مذعورًا وهو يسعل، ثم ارتطم بالكرسي وسقط فوقه.

ظل أسد ينظر إليه رافعًا حاجبًا واحدًا.

أخذ عادل يمسك رأسه، ثم أعاد الكرسي إلى مكانه ووقف أمامه.

قال أسد:

"هل تحاول الطيران؟"

أجاب عادل بسرعة:

"ل... لا."

قال أسد:

"روبن في المنزل. تفقده بين الحين والآخر، ولا تنس طعامه ودواءه. أنا خارج."

أجاب عادل:

"حاضر يا سيدي."

ثم أضاف بسرعة:

"وإذا سأل عنك أحد؟"

لكن أسد لم يرد.

وصل إلى سيارته البيضاء من نوع جاكوار، وصعد إليها. ضغط بقوة على دواسة الوقود وانطلق خارج الجزيرة.

كان رجال الشرطة المنتشرون على الطريق يحيونه أثناء مروره، بينما اتجه هو نحو طريق الدار البيضاء.

كان يضغط على أسنانه بقوة، ويزيد من سرعة السيارة باستمرار. كاد عداد السرعة يصل إلى أقصى حدوده.

أمسك المقود بيد، بينما كانت اليد الأخرى تستند إلى النافذة وهو يحك لحيته بعصبية.

لم يكن قادرًا على استيعاب أن قلبه انتصر على عقله.

ها هو الآن في طريقه إلى المنزل الذي خرج منه محطمًا.

---

في فيلا القحطاني.

كان عزيز يتحرك ذهابًا وإيابًا بتوتر.

أما راوية، وهي امرأة مسنة يظهر شعرها الأبيض من تحت الحجاب، فكانت تجلس على كرسي كبير أشبه بعرش.

قالت:

"عزيز، لقد أصبتني بالدوار."

أجاب:

"إنه قادم... قادم... أخشى أن يفتعل لنا كارثة مثل تلك المرة قبل أسبوع. ما زال العمال يصلحون ما حطمه إلى الآن. لا تعرفين ما الذي ينوي فعله. إنه يدمر كل شيء، وكأن المال يأتي من النهر."

قالت راوية:

"ومن طلب منك أن تتصل به أصلًا؟"

أجاب:

"أمه تحتضر وتحتاج إلى عملية، وأنت ترين وضعي. أنا غارق في المشاكل. يجب أن يأتي ابنها ويتكفل بالأمر، فهو قادر على ذلك."

قالت:

"اجلس يا ولدي، فهو لن يفعل لك شيئًا."

ثم أضافت:

"آه يا زمن... ذلك الطفل الصغير أصبح اليوم يرعبنا جميعًا."

قال عزيز بسرعة:

"اصمتي الآن. لقد دخل إلى المنطقة. إذا سمعنا فقد يترك لنا البيت فوق رؤوسنا."

قالت راوية:

"أليس أصمًا؟"

أجاب عزيز:

"أنا الأصم، وليس هو. ذلك الرجل يرى ما لا يراه أحد. لديه عينان لا تعرفين ما الذي تخبئانه."

قالت راوية:

"أنت من اتصلت به. دع تلك المسكينة تضع حدًا لمشاكلها وتريحنا."

قال عزيز:

"وعندما تموت، من سينقذني من هذه الأزمة؟ أصحاب الديون لم يعودوا ينتظرون، وسيأخذون هذه الفيلا ونبقى في الشارع."

قالت:

"وهل لهذا السبب استدعيتَه؟"

أجاب:

"ابنها ميسور الحال. اذهبي وتوسلي إليه ليساعدني. لقد ربيته عندما كان صغيرًا، أم نسي كل ما فعلته من أجله؟"

بعد لحظات، سُمعت سيارة تقترب بسرعة جنونية.

نهض الاثنان بسرعة وقد سيطر عليهما الخوف.

كانت السيارة تقترب بعنف حتى ظنا أنها ستخترق جدار الفيلا.

ثم توقفت فجأة أمام المنزل، مصدرة صوت احتكاك قوي.

قال عزيز وهو يضع يده على صدره:

"السلامة... السلامة... يا رب احفظنا. يقود وكأنه عاصفة."

قالت راوية:

"كف عن الحسد، لا أريد أن يصيبك شيء بسببه. اصمت... ها هو سيطرق الباب."

أجاب عزيز:

"المهم ألا يكسره. إذا طرقه فلا بأس."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حبيبي الأصم   الفصل 15

    يونس: ولماذا تكذب؟ كان بإمكانها أن تقول ببساطة إنها ابنة فلان.أسد: ابنة خالد الفهري؟ يا رجل، ما بك؟ ذلك الرجل عقيم أساسًا، و انظر إلى عمرها! و أنت حيواناتك المنوية أكثر من سكان الصين وما زلت أعزب.يونس: ههههه، لا أعلم، لكنها لا تبدو طبيعية بالنسبة لي، و كأنها تحاول لفت انتباه شخص ما. انظر إلى تصرفاتها.أسد: هيا بنا نغادر من هنا. مضى وقت طويل منذ أن خرجت للمشي. روبن انتهى من طعامه، فلنتمشَّ داخل الغابة، فهي جميلة. و هذه الفتاة، إن كانت تخطط لشيء ما فسنعرف ذلك لاحقًا. أما إذا غادرت دون أن تفعل شيئًا فسنعتبر الأمر عاديًا.يونس: نعم، هذا احتمال أيضًا.نهض الاثنان للمشي، وتبعهما روبن بين الأشجار حتى الظهيرة. وعندما اشتدت حرارة الشمس، غادر يونس لأنه كان مضطرًا للذهاب إلى الشركة. كان هو من يدير كل شيء هناك، رغم أن الشركة أصبحت في وضع سيئ وتراجعت أعمالها بسبب سمعتها السيئة، إذ لم تعد تسدد مستحقات الناس، وأصبح الجميع يتجنب التعامل معها.أما أسد فعاد إلى منزله متعبًا ومتعرقًا من طول المشي. ترك روبن ودخل ليستحم، ثم خرج مرتديًا سروالًا عسكري الطابع وقميصًا زيتوني اللون، واستلقى على الأريكة على ب

  • حبيبي الأصم   الفصل 14

    الفصل 14بعد أسبوعين...استيقظ أسد مجدداً على عادته في صباح جديد مشمس وحار، وأخذ يضرب الوسادة في روبن حتى يوقظه.استيقظ الاثنان ودخلا إلى الحمام، وكان أسد في مزاج جيد هذه المرة، خاصة بعدما أصبحت شركة التصدير الخاصة به تتصدر قائمة الشركات في البورصة، وكانت أموره تسير على أفضل ما يرام.خرج من الحمام، وبدأ كعادته يتصارع مع روبن. كان يتركه يفعل ما يشاء حتى يخدش كتفه بمخالبه فتسيل منه قطرات من الدم.توجه إلى غرفة الملابس وارتدى سروالاً أبيض بخطوط سوداء، وبقي عاري الصدر، لا يضع سوى سلسلة فضية رقيقة حول عنقه، فهي الوسيلة التي تنبهه إلى إشعارات هاتفه.أخذ نظارته وقبعته، ارتداها بالمقلوب، ثم ألقى قبعة أخرى على روبن ووضعها له وهو يضحك.خرج الاثنان نحو الشاطئ.أحضر له محمد فطوره.كان محمد أقرب الموظفين إلى أسد، لأنه شخص هادئ ومنظم ويهتم بأسرته وأطفاله، كما أنه يتحدث ببطء ووضوح، وهو ما يساعد أسد على قراءة حركة شفتيه وفهم كلامه بسهولة، على عكس كثير من العاملين الذين يتحدثون بسرعة أو بتوتر.وضع له محمد فطوره المعتاد.كما وضع أمام روبن قطعة من لحم الخنزير، فجلس يفترسها بنهم.أمسك أسد كوب القهوة بيد،

  • حبيبي الأصم   الفصل 13

    تابعت سيارة الأجرة سيرها حتى وصلت إلى حي شعبي بامتياز. أمام كل باب مجموعة من الأشخاص يجلسون يتناولون بذور دوار الشمس، يتبادلون الأحاديث عن المارة ويخوضون في أخبار الجيران. هنا امرأة تجلس مع أطفالها، أحدهم يرضع منها، وبجانبها صينية بطيخ لم يتبق منها سوى القشور. وفي رأس كل زقاق مجموعة من العاطلين عن العمل يتجمعون حول الأحاديث والنقاشات، يتحدثون عن كل شيء وكأنهم خبراء في كل المجالات.توقفت سيارة الأجرة أمام منزل لامار... أو بالأحرى فاطمة الزهراء، لأن لامار ليس سوى الاسم الذي اشتهرت به في الملهى الليلي.كان المنزل بسيطاً، بابه مفتوح وستارة تفصل المدخل عن الداخل. كانوا يستأجرون الطابق الأرضي فقط.نزلت من السيارة، دفعت الأجرة، بينما كان أطفال الحي يراقبون كل شيء كعادتهم.دفعت الستارة ودخلت، فوجدت والدتها نائمة، وإخوتها مصطفين كعلب السردين في ذلك الحر الشديد، بينما التلفاز يعمل وهم يتابعون برنامج "رشيد شو".قالت رقية:"يا زهيرة، أراك عدتِ مبكراً، وهذا ليس من عادتك."قالت لامار وهي تدخل بخطوات متثاقلة:"اجمع رجليك ودعني أمر. كأنكم سقطتم من طائرة هنا. عدت مبكراً لأن السهرة انتهت بسرعة وتفرق ال

  • حبيبي الأصم   الفصل 12

    قالت لامار:"يا إلهي! هل أصابك الجنون أم ماذا؟ أُلين قلبه؟ نعم، قد يحبني، لكن الكذب والخداع لا علاقة لي بهما إلا الخير والإحسان. يكفي أن ينظر إليّ تلك النظرة حتى أفضح كل شيء. أبعدني عن هذه الفكرة، فأنا لا أصلح لها."قال عزيز:"اتضح أنك جبانة أكثر مما توقعت."قالت لامار:"هل أنت عاقل أم فقدت صوابك؟ أتريد أن ترميني في طريق رجل مثل ذلك؟ وإذا أصبحت مشنوقة وأنا ما زلت في عز شبابي؟ أنا ما زلت أحلم بأن أصبح مشهورة مثل صافيناز."قال عزيز:"لن يحدث لك شيء إذا التزمت بما أقوله. لماذا بدأتِ ترتجفين من الآن؟"قالت لامار:"انظر يا طويل العنق، مهما بدا الأمر سهلاً، لساني لا يعرف الترويض. نحن لا نعيش إلا بين الذئاب، ولذلك اضطررنا أن نظهر أنيابنا ونصبح أقوياء. آكلهم قبل أن يأكلوني حتى أُطعم أولئك الذين ينتظرونني في البيت. أما الكذب والخداع فلا أعرفهما، فقد يخرج عليّ بسيف فأموت من الخوف."قال عزيز:"أي سيف؟ هل هو عنترة بن شداد؟ إنه رجل عادي، بل سيعجبك كثيراً عندما ترينه، وقد تقولين لي بعدها: هنا سأبقى."قالت لامار:"لا، لا... وإذا اكتشف أمري؟ وإذا فعل بي هذا روكان شيئاً؟"قال عزيز وهو يتفحصها بنظره:"

  • حبيبي الأصم   الفصل 11

    حبيبي الأصمبقلم: كاميليا جودالفصل الحادي عشرعند أسدنزل أسد من اليخت، وكان عدد من الرجال في انتظاره. أما روبن فكان جالسًا فوق كتفه، وقد ازداد حجمًا وأصبحت أنيابه أكثر بروزًا.كانت بشرته قد ازدادت سمرة بفعل شمس الجزيرة القاسية التي قضى فيها الأسابيع الماضية.ما إن وطئت قدماه الأرض حتى أسرع عادل نحوه.عادل:"الحمد لله على السلامة. الحمد لله أننا رأيناك بخير."أسد:"هل سأل عني أحد؟"عادل:"جاء كثيرون لتقديم العزاء، وكنا نعيدهم. ألغينا جميع مواعيدك. وهناك شاب جاء مرتين ولم يجدك."أسد:"من هو؟"عادل:"قال إن اسمه يونس."أسد:"حسنًا... أحضر الغداء إلى المنزل، وأحضر طعام روبن أيضًا."دخل أسد إلى الفيلا، بينما أطلق عادل زفرة ارتياح بعدما ابتعد عنه.ففي وجود أسد كان يشعر دائمًا بالتوتر.تمتم عادل:"كنت أظنه سيترك ذلك النمر هناك، فلماذا أعاده معه؟ سيأتي يوم ويطير فيه رأس أحد الرجال."ثم توجه نحو الطباخ.عادل:"جهز الغداء، روكان عاد."الطباخ:"الحمد لله على سلامته. ربما أصبح أكثر هدوءًا الآن."عادل:"لا أعرف كيف يفكر هذا الرجل. عقله لا يمكن توقعه أبدًا. لولا الراتب الكبير الذي أتقاضاه، لكنت..

  • حبيبي الأصم   10

    حبيبي الأصمبقلم: كاميليا جودالفصل العاشرساد الصمت بينهما للحظات.ثم قالت سارة:"هل نسيتني يا أسد؟"أجابها:"لو كنت قد نسيتك، لكنت سألتك من أنت."قالت بحزن:"أنت لا تسأل عني أبدًا."ردّ:"حتى التي أنجبتني لم أعد أسأل عنها."تنهدت وقالت:"كم أصبح قلبك قاسيًا."نظر إليها وقال:"وهل ترين أن قلبي لم يقسُ بعد؟ ما الذي أبقاكِ هنا حتى الآن؟"أجابته:"عودتك."قال:"وماذا ستضيف عودتي أو تنقص؟"قالت:"ستحميني."ابتسم ابتسامة باهتة وقال:"لم أستطع أن أحمي نفسي من الهواجس التي تسكنني، ولا من العنف الذي أحمله بداخلي حتى أصبحت أؤذي نفسي... فكيف سأحميكِ أنتِ؟"قالت بهدوء:"أنا لا أخاف منك."صمت قليلًا، ثم قال:"سارة... يجب أن أرحل. إذا احتجتِ إلى شيء... فأنتِ مرحب بكِ."ثم تجاوزها ومضى.امتلأت عيناها بالدموع وهي تراقبه يبتعد.وقبل أن يغادر الفيلا، التقى بيونس.قال يونس:"أنت راحل؟"أجاب أسد:"وماذا سأفعل هنا؟"قال يونس:"لا تنسنا، أرجوك."رد أسد:"أنت تعرف أين تجدني."وأشار له بنظرة فهم منها يونس أنه مرحب به في أي وقت.ثم ركب سيارته وغادر.كان أكثر هدوءًا الآن.فأمه أصبحت تحت التراب، لكنها على الأ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status