LOGINكان الهدوء يسيطر على الغرفة… لكنه لم يكن هدوء راحة، بل هدوء مشحون بشيء ثقيل يكاد يخنق المكان. فاتن كانت جالسة فوق السرير، أصابعها تعبث بطرف الغطاء بتوتر، بينما تتمنى في داخلها لو تنشق الأرض الآن وتبتلعها قبل أن يحدث أي شيء أسوأ. في الجهة الأخرى وقف عمر أمام النافذة، يحدق للخارج محاولًا السيطرة على غضبه المتصاعد من تصرفات مازن المستفزة منذ الصباح. أما مازن… فكان يجلس بهدوئه المعتاد بجوار تامر وأمجد، يتحدث معهم في أمور العمل وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن التوتر الذي يملأ الغرفة لا علاقة له به أصلًا. الجدة كانت تجلس مع نرمين بهدوء، بينما اقتربت داليدا أكثر من فاتن وهمست بصوت خافت يحمل عتابًا واضحًا "ما فعله مازن قبل قليل كان مبالغًا به." ثم ضيقت عينيها وهمست أكثر "متى ستخبرينه أنكِ ستنفصلين؟" وفي اللحظة نفسها… اتسعت عينا حورية بصدمة هائلة. رفعت يدها بسرعة فوق فمها تكتم شهقتها، ثم نظرت إلى مازن لا إراديًا قبل أن تعيد عينيها إلى داليدا بذهول. "ماذا قلتِ؟" رمشت داليدا عدة مرات، وقد أدركت الكارثة التي خرجت من فمها دون قصد. بينما أغمضت فاتن عينيها بضيق شديد، تشعر أن روحها تغادر جسده
وصلت فاتن إلى غرفة الأشعة السينية، بينما كانت الممرضة تدفع كرسيها المتحرك بهدوء حتى توقفت بجوار السرير الأبيض البارد. رفعت الممرضة نظرها إلى مازن وابتسمت ابتسامة خفيفة قبل أن تبتعد تاركة المساحة له. أما هو فلم يعِرها أي اهتمام. اقترب مباشرة من فاتن، انحنى نحوها، ثم حملها بين ذراعيه للمرة الثانية وكأن الأمر أصبح طبيعيًا بشكل يثير اضطرابها. لكن هذه المرة لم تعترض. ظلت عيناها معلقتين به بصمت، تراقب ملامحه القاسية الهادئة، طريقته الثابتة، ويده التي تحملها بحذر يناقض كل شيء تعرفه عنه. وضعها فوق السرير برفق، ثم استدار وغادر خلف الزجاج حيث يقف الطبيب والفنيون. بقيت فاتن تحدق بالسقف، بينما صوت الجهاز يتحرك حولها وبرودة الغرفة تتسلل إلى أطرافها. مرت دقائق ثقيلة قبل أن ينتهي الفحص أخيرًا. عاد مازن إليها مجددًا دون كلمة، أعادها إلى الكرسي المتحرك بحركات هادئة متقنة، وكأنه اعتاد الاعتناء بها منذ زمن. اقتربت الممرضة بعدها وهي تجهز أدواتها قائلة بلطف عملي "أريد عينة دم لإجراء بعض التحاليل." أغلقت فاتن عينيها فورًا بضيق واضح، وانسحب اللون من وجهها قليلًا قبل أن تهز رأسها باستسلام صامت.
التفتتا لها بدهشة، وكأنهما نسيتا تمامًا وجودها وانجرفتا خلف الحديث. قالت داليدا بدلال وهي تبتسم "زوجة خالي… أليس كلامي منطقيًا؟" رفعت حورية حاجبها وردت ببرود هادئ "معكِ حق… كنت سأصدق كلامك لو كان الشخص المقصود أي رجل آخر غير مازن." انفجرت داليدا بالضحك، وابتسمت فاتن دون إرادة، لتبدأا مجددًا تبادل الأحاديث وسط جو أخف قليلًا من التوتر السابق. أما الجد… فكان يراقب الجميع بصمت، بعينين هادئتين تخفيان خلفهما الكثير. مرت دقائق طويلة قبل أن يُفتح الباب مجددًا. دخل عمر يتبعه يزن. كان يزن أهدأ من السابق… لكن الهدوء الذي يسبق العاصفة دائمًا كان واضحًا في عينيه. جلس الجميع بصمت نسبي حتى دخل الطبيب أخيرًا. توقفت الأحاديث فورًا. نظر الطبيب إلى فاتن مبتسمًا بهدوء. "هل أنتِ مستعدة؟" توترت فاتن تلقائيًا، وتحركت يدها دون وعي نحو المكان الذي كان يجلس فيه مازن قبل قليل… لكن الكرسي كان فارغًا. قطبت حاجبها فور إدراكها لما فعلته، وسحبت يدها بسرعة لتقبض على غطاء السرير بتوتر. لاحظ الطبيب ذلك، فابتسم بخفة وقال "إنه ينتظرك أمام غرفة الفحص." تبادل الجميع النظرات بدهشة، لم يفهم أحد مقصده…إلا
رفعت عينيها نحو مازن تلقائيًا. واختفت نظرات البرود من وجهها شيئًا فشيئًا. تابعت بصوت أهدأ هذه المرة "أمسكني مازن…" ساد الصمت فورًا. "احتضنني بقوة عند انفجار المنزل." شعرت الأنفاس وكأنها توقفت داخل الغرفة. أما هي… فلم تبعد عينيها عنه وهي تكمل "كان خائفًا أن يصيبني مكروه." ارتجفت رموشها قليلًا عند تذكر تلك اللحظة. "احتضنني… وقذفنا الانفجار بعيدًا." "لكنه لم يتركني." ثبتت عيناهما في بعضهما للحظة طويلة. ولأول مرة منذ بداية الحديث، ارتخت قبضة مازن عن يدها ببطء. شيء غريب مر داخله فجأة. توتر غير مألوف، شعور ثقيل، جديد عليه. شعور لم يعجبه، ولا يريد الاعتراف به. أما الموجودون بالغرفة فكانت الصدمة واضحة على وجوههم. حتى مازن نفسه بدا متفاجئًا من كلماتها. قطع عمر الصمت فجأة وهو يبتسم بخبث "لهذا كنتِ تهذين باسمه وأنتِ نائمة." اتسعت عينا فاتن فورًا. التفتت إليه بسرعة وكأنها لم تستوعب ما قاله للتو. "ماذا؟!" انفجرت دهشة الجميع في اللحظة نفسها. داليدا شهقت وفتحت عينيها بصدمة حقيقية. "هل تمزح؟!" هز عمر كتفيه بهدوء مستفز. "ولِمَ أمزح؟ هذا ما حدث فعلًا." ثم نظر إلى فاتن التي
ارتجفت الجدة بقوة بعد سماع كلمات مازن، وشحب وجهها حتى اختل توازنها للحظة. أسرعت نرمين تمسكها قبل أن تسقط، وأجلستها بسرعة على المقعد القريب وهي تقول بقلق "اهدئي يا أمي" لكن عينا الجدة بقيتا معلقتين بفاتن، ممتلئتين بالخوف والألم. أما الجد… فلم تتغير ملامحه كثيرًا، إلا أن قبضته اشتدت بقوة فوق عصاه. التفت إلى مساعده وقال بصوت حاد هادئ "أحضر الطبيب المسؤول." هز المساعد رأسه فورًا وغادر مسرعًا. اقترب عمر من فاتن بخطوات هادئة، ثم انحنى قليلًا وهمس شيئًا في أذنها. التفتت إليه فاتن ببطء… ولأول مرة منذ استيقاظها، ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة حقيقية. كانت خفيفة جدًا لكنها أعادت الروح إلى الغرفة. تنفس الجميع براحة فور رؤيتها تبتسم. اقتربت داليدا بسرعة وهي تضيق عينيها بفضول "ماذا قال لكِ؟" رفع عمر حاجبه بثقة ورد فورًا "وما شأنكِ؟" "هذا سر بيننا." شهقت داليدا بدلال مصطنع وهي تضع يدها على صدرها "الآن أصبح لديكم أسرار تُخفونها عني؟!" ضحكت فاتن بخفة أخيرًا، ومع ضحكتها بدأت ملامحها تعود تدريجيًا لطبيعتها. وكأن تلك الابتسامة الصغيرة أزاحت شيئًا من ثقل الغرفة. هدأت الأجواء قليلً
حلّ الليل أخيرًا فوق القصر… ليل ثقيل، خانق، وكأن الظلام نفسه يشاركهم توترهم. كان الجميع يحاولون تمضية الوقت بأي طريقة، لكن الحقيقة أن أحدًا لم يكن قادرًا على فعل شيء طبيعي. فاتن ما زالت نائمة في المستشفى ولم تستيقظ حتى الآن. ورغم رغبة الجميع بالذهاب إليها، إلا أن الجد منعهم تمامًا من العودة إلى المستشفى. أوامره كانت واضحة وحاسمة "سننتظر اتصالهم فقط." ولم يجرؤ أحد على معارضته. كان القصر هادئًا بشكل غريب… لا ضحكات، لا أصوات، حتى الخدم يتحركون بحذر وكأنهم يخشون كسر ذلك الصمت المتوتر. لكن خلف ذلك الهدوء… كان داخل كل شخص حرب كاملة. حورية لم تغادر غرفة فاتن تقريبًا، تجلس بصمت تحدق في الفراغ أو تضم القلادة بين يديها وكأنها تتمسك بشيء يمنعها من الانهيار. داليدا كانت تمشي في الممرات بلا هدف، تتوقف كل دقيقة تنظر إلى هاتفها تنتظر خبرًا. أما عمر… فلم يخلع سترته منذ عودته، يجلس واضعًا هاتفه أمامه وعيناه عليه باستمرار، وكأنه يخشى أن يفوته الاتصال. حتى يزن، رغم إصاباته، كان عاجزًا عن النوم. كلما أغمض عينيه رأى الدم فوق رأس فاتن والحادث يعود ليمزق أفكاره. أما الجد… فكان الأكثر هدوء







