LOGINوقف تامر ونرمين أيضًا، قالا بعض الكلمات السريعة ثم غادرا، وتبعهم البقية تدريجيًا. اقتربت داليدا من فاتن بسرعة قبل خروجها وقالت بحماس. "سأحضر لكِ بعض الملابس والطعام…" لكن فجأة سحبها عمر من يدها بقوة خفيفة وهو يقول بملل. "هيا." ضحكت داليدا بصوت عالٍ وهي تُسحب للخارج رغمًا عنها، ثم رفعت صوتها قبل أن يغلق الباب. "وسأحضر هاتفك أيضًا!" واختفى صوتها في الممر. ضحكت فاتن عليهم بخفة… لكن ضحكتها ماتت فورًا عندما وقعت عيناها على الجد. كان لا يزال جالسًا مكانه، يراقبها بصمت مريب. ثم وقف فجأة. شعرت فاتن بانقباض غريب داخل صدرها وهي تراه يقترب ببطء نحوها. ابتلعت ريقها بصعوبة. كان الأمر أشبه باقتراب عاصفة هادئة، لكنها قادرة على تدمير كل شيء. توقف الجد أمام السرير. نظر أولًا إلى ساقها الملفوفة بالضمادات، ثم رفع عينيه إليها وقال بصوت هادئ لا يقبل النقاش "سأنقلكِ إلى المنزل خلال يومين." رمشت فاتن بدهشة. "وماذا عن العلاج؟" أجاب فورًا. "ستتلقينه في المنزل." عضّت شفتها بخفة، ثم هزّت رأسها مستسلمة. "حسنًا." حينها فقط…التفت الجد ببطء نحو مازن. تلاقت أعينهما للحظة قصيرة. لحظة صامت
هزّت حورية كتفها بخفة تُخرج فاتن من دوامة أفكارها، فانتبهت أخيرًا ونظرت إليها وكأنها عادت من مكانٍ بعيد جدًا. "فيما تفكرين؟" تنهدت فاتن بهدوء، ثم قالت وهي تبعد عينيها عنها. "لا شيء… فقط." لكن عيناها خانتاها فورًا واتجهتا نحو مازن الجالس بعيدًا بملامحه الباردة المعتادة. ثبتت نظرها عليه للحظات قصيرة قبل أن تتابع بنبرة هادئة تحمل شيئًا خفيًا. "إنه ليس الشخص المناسب." ضيقت حورية عينيها تراقب تغير ملامح ابنتها. "لماذا تغيرتِ هكذا؟… هل حدث شيء؟" ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي فاتن، لكنها لم تصل لعينيها. "فقط… أصبحت أُقدّر نفسي أكثر." وقبل أن تكمل، انفتح باب الغرفة بهدوء. دخل الجد بخطوات ثابتة، حضوره وحده كفيل بإسكات المكان بالكامل. رفع الجميع أنظارهم نحوه بينما اقترب من السرير بعينين لا يمكن قراءة ما خلفهما. توقف أمام فاتن. "هل انتهيتِ من الفحوصات؟" هزت رأسها فورًا. "أجل." "وماذا عن النتائج؟" رفعت كتفيها بخفة محاولة إخفاء توترها. "لا أعلم… لم تظهر بعد." هز الجد رأسه وجلس بهدوء، لكن نظراته لم تكن نظرات رجل يطمئن على حفيدته فقط… كان هناك شيء آخر يدور خلف ذلك الوجه الصلب.
كان الهدوء يسيطر على الغرفة… لكنه لم يكن هدوء راحة، بل هدوء مشحون بشيء ثقيل يكاد يخنق المكان. فاتن كانت جالسة فوق السرير، أصابعها تعبث بطرف الغطاء بتوتر، بينما تتمنى في داخلها لو تنشق الأرض الآن وتبتلعها قبل أن يحدث أي شيء أسوأ. في الجهة الأخرى وقف عمر أمام النافذة، يحدق للخارج محاولًا السيطرة على غضبه المتصاعد من تصرفات مازن المستفزة منذ الصباح. أما مازن… فكان يجلس بهدوئه المعتاد بجوار تامر وأمجد، يتحدث معهم في أمور العمل وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن التوتر الذي يملأ الغرفة لا علاقة له به أصلًا. الجدة كانت تجلس مع نرمين بهدوء، بينما اقتربت داليدا أكثر من فاتن وهمست بصوت خافت يحمل عتابًا واضحًا "ما فعله مازن قبل قليل كان مبالغًا به." ثم ضيقت عينيها وهمست أكثر "متى ستخبرينه أنكِ ستنفصلين؟" وفي اللحظة نفسها… اتسعت عينا حورية بصدمة هائلة. رفعت يدها بسرعة فوق فمها تكتم شهقتها، ثم نظرت إلى مازن لا إراديًا قبل أن تعيد عينيها إلى داليدا بذهول. "ماذا قلتِ؟" رمشت داليدا عدة مرات، وقد أدركت الكارثة التي خرجت من فمها دون قصد. بينما أغمضت فاتن عينيها بضيق شديد، تشعر أن روحها تغادر جسده
وصلت فاتن إلى غرفة الأشعة السينية، بينما كانت الممرضة تدفع كرسيها المتحرك بهدوء حتى توقفت بجوار السرير الأبيض البارد. رفعت الممرضة نظرها إلى مازن وابتسمت ابتسامة خفيفة قبل أن تبتعد تاركة المساحة له. أما هو فلم يعِرها أي اهتمام. اقترب مباشرة من فاتن، انحنى نحوها، ثم حملها بين ذراعيه للمرة الثانية وكأن الأمر أصبح طبيعيًا بشكل يثير اضطرابها. لكن هذه المرة لم تعترض. ظلت عيناها معلقتين به بصمت، تراقب ملامحه القاسية الهادئة، طريقته الثابتة، ويده التي تحملها بحذر يناقض كل شيء تعرفه عنه. وضعها فوق السرير برفق، ثم استدار وغادر خلف الزجاج حيث يقف الطبيب والفنيون. بقيت فاتن تحدق بالسقف، بينما صوت الجهاز يتحرك حولها وبرودة الغرفة تتسلل إلى أطرافها. مرت دقائق ثقيلة قبل أن ينتهي الفحص أخيرًا. عاد مازن إليها مجددًا دون كلمة، أعادها إلى الكرسي المتحرك بحركات هادئة متقنة، وكأنه اعتاد الاعتناء بها منذ زمن. اقتربت الممرضة بعدها وهي تجهز أدواتها قائلة بلطف عملي "أريد عينة دم لإجراء بعض التحاليل." أغلقت فاتن عينيها فورًا بضيق واضح، وانسحب اللون من وجهها قليلًا قبل أن تهز رأسها باستسلام صامت.
التفتتا لها بدهشة، وكأنهما نسيتا تمامًا وجودها وانجرفتا خلف الحديث. قالت داليدا بدلال وهي تبتسم "زوجة خالي… أليس كلامي منطقيًا؟" رفعت حورية حاجبها وردت ببرود هادئ "معكِ حق… كنت سأصدق كلامك لو كان الشخص المقصود أي رجل آخر غير مازن." انفجرت داليدا بالضحك، وابتسمت فاتن دون إرادة، لتبدأا مجددًا تبادل الأحاديث وسط جو أخف قليلًا من التوتر السابق. أما الجد… فكان يراقب الجميع بصمت، بعينين هادئتين تخفيان خلفهما الكثير. مرت دقائق طويلة قبل أن يُفتح الباب مجددًا. دخل عمر يتبعه يزن. كان يزن أهدأ من السابق… لكن الهدوء الذي يسبق العاصفة دائمًا كان واضحًا في عينيه. جلس الجميع بصمت نسبي حتى دخل الطبيب أخيرًا. توقفت الأحاديث فورًا. نظر الطبيب إلى فاتن مبتسمًا بهدوء. "هل أنتِ مستعدة؟" توترت فاتن تلقائيًا، وتحركت يدها دون وعي نحو المكان الذي كان يجلس فيه مازن قبل قليل… لكن الكرسي كان فارغًا. قطبت حاجبها فور إدراكها لما فعلته، وسحبت يدها بسرعة لتقبض على غطاء السرير بتوتر. لاحظ الطبيب ذلك، فابتسم بخفة وقال "إنه ينتظرك أمام غرفة الفحص." تبادل الجميع النظرات بدهشة، لم يفهم أحد مقصده…إلا
رفعت عينيها نحو مازن تلقائيًا. واختفت نظرات البرود من وجهها شيئًا فشيئًا. تابعت بصوت أهدأ هذه المرة "أمسكني مازن…" ساد الصمت فورًا. "احتضنني بقوة عند انفجار المنزل." شعرت الأنفاس وكأنها توقفت داخل الغرفة. أما هي… فلم تبعد عينيها عنه وهي تكمل "كان خائفًا أن يصيبني مكروه." ارتجفت رموشها قليلًا عند تذكر تلك اللحظة. "احتضنني… وقذفنا الانفجار بعيدًا." "لكنه لم يتركني." ثبتت عيناهما في بعضهما للحظة طويلة. ولأول مرة منذ بداية الحديث، ارتخت قبضة مازن عن يدها ببطء. شيء غريب مر داخله فجأة. توتر غير مألوف، شعور ثقيل، جديد عليه. شعور لم يعجبه، ولا يريد الاعتراف به. أما الموجودون بالغرفة فكانت الصدمة واضحة على وجوههم. حتى مازن نفسه بدا متفاجئًا من كلماتها. قطع عمر الصمت فجأة وهو يبتسم بخبث "لهذا كنتِ تهذين باسمه وأنتِ نائمة." اتسعت عينا فاتن فورًا. التفتت إليه بسرعة وكأنها لم تستوعب ما قاله للتو. "ماذا؟!" انفجرت دهشة الجميع في اللحظة نفسها. داليدا شهقت وفتحت عينيها بصدمة حقيقية. "هل تمزح؟!" هز عمر كتفيه بهدوء مستفز. "ولِمَ أمزح؟ هذا ما حدث فعلًا." ثم نظر إلى فاتن التي







