Se connecterتابعها أمجد بعينيه حتى اختفت خلف الباب. بقي واقفًا مكانه للحظات طويلة، والصمت يطبق على الغرفة كأنه يخنقه. تنهد ببطء، تنهدة ثقيلة خرجت من أعماق رجل يحمل فوق كتفيه سنوات من الندم. التفت ببطء نحو سرير الطفل الصغير. ثبتت عيناه عليه، وعلى الألعاب القديمة الموضوعة بجواره، والغطاء الصغير المرتب بعناية وكأن أحدهم ما زال ينتظر عودة صاحبه. اهتزت ملامحه للحظة، وارتسم حزن مرير فوق وجهه لأول مرة دون قناع أو كبرياء. خرج صوته منخفضًا، مكسورًا على غير عادته. "ياليتني أستطيع تغيير الماضي…" لكن الماضي لا يعود، ولا يمحو الندم ما كُسر. أغمض عينيه لثوانٍ، ثم استدار أخيرًا وغادر الغرفة ببطء. أغلق الباب خلفه بهدوء… وكأنه يغلق فوق قلبه جرحًا قديمًا لا يندمل. … حلّ الصباح أخيرًا. تسللت أشعة الشمس الذهبية بهدوء عبر نافذة غرفة فاتن، وانعكست فوق الجدران البيضاء الباردة، مانحة المكان دفئًا خفيفًا بعد ليلة طويلة. تحركت جفون فاتن ببطء، ثم فتحت عينيها أخيرًا. رمشت عدة مرات بتعب قبل أن تعتدل في جلستها ببطء شديد، متأوهة بخفوت من ألم ساقها. التفتت حولها تلقائيًا تبحث بعينيها عن شخصٍ معين…مازن. لكن ال
شعرت فاتن بحرارةٍ تلتف حول يدها بهدوء… دفء غريب تسلل وسط فوضى الكابوس، حتى بدأ اضطراب أنفاسها يهدأ تدريجيًا، وكأن تلك اللمسة انتزعتها من الظلام وأعادتها إلى مكان أكثر أمانًا. ارتخت ملامحها شيئًا فشيئًا ثم بدأت جفونها ترتفع ببطء. كانت رؤيتها مشوشة في البداية، لكن أول ما التقطته عيناها… كان مازن. ثم انتقلت نظراتها إلى يده الممسكة بيدها. اتسعت عيناها فجأة، وسحبت يدها بعنف وكأنها احترقت. "ما الذي تفعله؟!" رفع مازن حاجبه ببطء، نظر إليها للحظات وكأنه غير مستوعب رد فعلها، ثم زفر ساخرًا. "وما الذي سأفعله بكِ أصلًا؟" قطبت حاجبيها بحدة. "لماذا تمسك بيدي؟" قلب عينيه بملل مصطنع وأجاب ببرود "كنتِ تحلمين بكابوس… لهذا أمسكت يدك." ضيقت عينيها أكثر، وكأن كلماته استفزتها بدل أن تهدئها. "وما شأنك أنت بما أحلم؟" خرجت منه ضحكة ساخرة قصيرة. "هذا رد فعلك بدلًا من شكري؟" ابتسمت بسخرية مماثلة، رغم اضطراب أنفاسها الذي لم يهدأ تمامًا بعد. "أشكرك؟" "أشكرك على تدخلك فيما لا يعنيك؟ أم على ماذا بالتحديد يا سيد مازن؟" ظل يحدق بها بصمت. عيناه ثابتتان عليها، وحاجباه معقودان بضيق حقيقي، كأنه يحاول
وقف تامر ونرمين أيضًا، قالا بعض الكلمات السريعة ثم غادرا، وتبعهم البقية تدريجيًا. اقتربت داليدا من فاتن بسرعة قبل خروجها وقالت بحماس. "سأحضر لكِ بعض الملابس والطعام…" لكن فجأة سحبها عمر من يدها بقوة خفيفة وهو يقول بملل. "هيا." ضحكت داليدا بصوت عالٍ وهي تُسحب للخارج رغمًا عنها، ثم رفعت صوتها قبل أن يغلق الباب. "وسأحضر هاتفك أيضًا!" واختفى صوتها في الممر. ضحكت فاتن عليهم بخفة… لكن ضحكتها ماتت فورًا عندما وقعت عيناها على الجد. كان لا يزال جالسًا مكانه، يراقبها بصمت مريب. ثم وقف فجأة. شعرت فاتن بانقباض غريب داخل صدرها وهي تراه يقترب ببطء نحوها. ابتلعت ريقها بصعوبة. كان الأمر أشبه باقتراب عاصفة هادئة، لكنها قادرة على تدمير كل شيء. توقف الجد أمام السرير. نظر أولًا إلى ساقها الملفوفة بالضمادات، ثم رفع عينيه إليها وقال بصوت هادئ لا يقبل النقاش "سأنقلكِ إلى المنزل خلال يومين." رمشت فاتن بدهشة. "وماذا عن العلاج؟" أجاب فورًا. "ستتلقينه في المنزل." عضّت شفتها بخفة، ثم هزّت رأسها مستسلمة. "حسنًا." حينها فقط…التفت الجد ببطء نحو مازن. تلاقت أعينهما للحظة قصيرة. لحظة صامت
هزّت حورية كتفها بخفة تُخرج فاتن من دوامة أفكارها، فانتبهت أخيرًا ونظرت إليها وكأنها عادت من مكانٍ بعيد جدًا. "فيما تفكرين؟" تنهدت فاتن بهدوء، ثم قالت وهي تبعد عينيها عنها. "لا شيء… فقط." لكن عيناها خانتاها فورًا واتجهتا نحو مازن الجالس بعيدًا بملامحه الباردة المعتادة. ثبتت نظرها عليه للحظات قصيرة قبل أن تتابع بنبرة هادئة تحمل شيئًا خفيًا. "إنه ليس الشخص المناسب." ضيقت حورية عينيها تراقب تغير ملامح ابنتها. "لماذا تغيرتِ هكذا؟… هل حدث شيء؟" ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي فاتن، لكنها لم تصل لعينيها. "فقط… أصبحت أُقدّر نفسي أكثر." وقبل أن تكمل، انفتح باب الغرفة بهدوء. دخل الجد بخطوات ثابتة، حضوره وحده كفيل بإسكات المكان بالكامل. رفع الجميع أنظارهم نحوه بينما اقترب من السرير بعينين لا يمكن قراءة ما خلفهما. توقف أمام فاتن. "هل انتهيتِ من الفحوصات؟" هزت رأسها فورًا. "أجل." "وماذا عن النتائج؟" رفعت كتفيها بخفة محاولة إخفاء توترها. "لا أعلم… لم تظهر بعد." هز الجد رأسه وجلس بهدوء، لكن نظراته لم تكن نظرات رجل يطمئن على حفيدته فقط… كان هناك شيء آخر يدور خلف ذلك الوجه الصلب.
كان الهدوء يسيطر على الغرفة… لكنه لم يكن هدوء راحة، بل هدوء مشحون بشيء ثقيل يكاد يخنق المكان. فاتن كانت جالسة فوق السرير، أصابعها تعبث بطرف الغطاء بتوتر، بينما تتمنى في داخلها لو تنشق الأرض الآن وتبتلعها قبل أن يحدث أي شيء أسوأ. في الجهة الأخرى وقف عمر أمام النافذة، يحدق للخارج محاولًا السيطرة على غضبه المتصاعد من تصرفات مازن المستفزة منذ الصباح. أما مازن… فكان يجلس بهدوئه المعتاد بجوار تامر وأمجد، يتحدث معهم في أمور العمل وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن التوتر الذي يملأ الغرفة لا علاقة له به أصلًا. الجدة كانت تجلس مع نرمين بهدوء، بينما اقتربت داليدا أكثر من فاتن وهمست بصوت خافت يحمل عتابًا واضحًا "ما فعله مازن قبل قليل كان مبالغًا به." ثم ضيقت عينيها وهمست أكثر "متى ستخبرينه أنكِ ستنفصلين؟" وفي اللحظة نفسها… اتسعت عينا حورية بصدمة هائلة. رفعت يدها بسرعة فوق فمها تكتم شهقتها، ثم نظرت إلى مازن لا إراديًا قبل أن تعيد عينيها إلى داليدا بذهول. "ماذا قلتِ؟" رمشت داليدا عدة مرات، وقد أدركت الكارثة التي خرجت من فمها دون قصد. بينما أغمضت فاتن عينيها بضيق شديد، تشعر أن روحها تغادر جسده
وصلت فاتن إلى غرفة الأشعة السينية، بينما كانت الممرضة تدفع كرسيها المتحرك بهدوء حتى توقفت بجوار السرير الأبيض البارد. رفعت الممرضة نظرها إلى مازن وابتسمت ابتسامة خفيفة قبل أن تبتعد تاركة المساحة له. أما هو فلم يعِرها أي اهتمام. اقترب مباشرة من فاتن، انحنى نحوها، ثم حملها بين ذراعيه للمرة الثانية وكأن الأمر أصبح طبيعيًا بشكل يثير اضطرابها. لكن هذه المرة لم تعترض. ظلت عيناها معلقتين به بصمت، تراقب ملامحه القاسية الهادئة، طريقته الثابتة، ويده التي تحملها بحذر يناقض كل شيء تعرفه عنه. وضعها فوق السرير برفق، ثم استدار وغادر خلف الزجاج حيث يقف الطبيب والفنيون. بقيت فاتن تحدق بالسقف، بينما صوت الجهاز يتحرك حولها وبرودة الغرفة تتسلل إلى أطرافها. مرت دقائق ثقيلة قبل أن ينتهي الفحص أخيرًا. عاد مازن إليها مجددًا دون كلمة، أعادها إلى الكرسي المتحرك بحركات هادئة متقنة، وكأنه اعتاد الاعتناء بها منذ زمن. اقتربت الممرضة بعدها وهي تجهز أدواتها قائلة بلطف عملي "أريد عينة دم لإجراء بعض التحاليل." أغلقت فاتن عينيها فورًا بضيق واضح، وانسحب اللون من وجهها قليلًا قبل أن تهز رأسها باستسلام صامت.







