Share

198

last update publish date: 2026-10-24 03:51:43

[ ليلةٌ تشبه الوعد]

استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت.

كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي.

لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم.

— أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ.

رفعت سولي رأسها بسرعة.

— هذا غير صحيح!

— حقًا؟

— نعم.

خفض عينيه إلى يدها.

— إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟

أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها.

— أنت مزعج!

ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا.

— ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى.

— لا تجعلني أغيّر رأيي.

رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ.

— لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة.

توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن.

كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن اختيارهما بعضهما من جديد.

اقتربت منه وأمسكت يده مجددًا.

— لن أغيّر رأيي الليلة يا لوكا.

نظر إليها.

— والليلة فقط؟

ضحكت رغمًا عنها.

— لا تختبر صبري!

— حسنًا، حسنًا.

رفع يدها إلى شفتيه وطبع قبلة رقيقة فوق الخاتم، ثم أعاد النظر إلى وجهها.

— هل تشعرين بالبرد؟

هزت رأسها.

— قليلًا.

نظر إلى كتفيها، ثم خلع سترته ووضعها حولهما برفق.

— إذًا، أظن أن جولتنا انتهت.

نظرت سولي إلى الحديقة خلفها.

— بهذه السرعة؟ لم نرَ كل الزهور بعد!

— يمكننا العودة غدًا.

— لكنني أريد أن أرى بقية الحديقة.

ابتسم لوكا بمكر.

— حسنًا، يمكنني أن أحملكِ إلى بقية الأحواض، ثم أعيدكِ إلى الداخل.

حدقت فيه بدهشة.

— تحملني؟!

— نعم.

— لوكا، لست طفلة صغيرة!

— أعرف ذلك جيدًا.

اقترب منها ومد ذراعيه نحوها.

— لكنني أريد أن أحملكِ الليلة. هل ستسمحين لي أم ستستمرين في إلقاء المحاضرات؟

ضحكت سولي وهزت رأسها.

— أنت لا تُصدَّق!

ثم ترددت لحظة، قبل أن تفتح ذراعيها نحوه بابتسامة خجولة.

— حسنًا، لكن لا تُسقطني.

اختفت المزحة من ملامحه للحظة، وحل مكانها اهتمام واضح.

— لن أدعكِ تسقطين أبدًا.

انحنى وحملها بين ذراعيه بحذر، فشهقت سولي من المفاجأة، ثم أمسكت كتفيه كي تحافظ على توازنها.

— لوكا!

ضحك بخفة.

— ماذا؟

— كان بإمكانك أن تخبرني قبل أن تفعل ذلك!

— ولو أخبرتكِ، لكنتِ بدأتِ نقاشًا جديدًا حول قدرتي على حملكِ.

ضيقت عينيها.

— كنت سأقول إنني أستطيع المشي وحدي!

— وهذا ما قلتِه بالفعل قبل لحظات.

— لأنني أستطيع!

نظر إليها مبتسمًا.

— وأنا أعرف. لكن ليس عليكِ أن تفعلي كل شيء وحدكِ طوال الوقت يا سولي.

سكتت.

كانت كلماته بسيطة، لكنها لامست شيئًا عميقًا داخلها.

فكم مرة اضطرت إلى الاعتماد على نفسها لأنها لم تجد أحدًا يقف بجانبها؟ وكم مرة أخفت تعبها، وخوفها، وحاجتها إلى من يطمئنها، لأنها لم ترغب في أن تبدو ضعيفة أمام أحد؟

أسندت رأسها إلى كتفه بهدوء.

— حسنًا... لن أعترض هذه المرة.

ابتسم لوكا، ثم انحنى قليلًا وطبع قبلة على أعلى رأسها.

— قرار حكيم.

رفعت رأسها بسرعة.

— لا تفسد اللحظة!

ضحك، بينما واصل السير بها نحو الكوخ.

---

عندما وصلا إلى الكوخ، دفع لوكا الباب بكتفه بحذر ودخل وهو لا يزال يحمل سولي بين ذراعيه.

استدارت سولي لتنظر إلى المكان، ثم عقدت حاجبيها عندما لاحظت أنه لا يتجه نحو الأريكة أو طاولة العشاء، بل نحو ممر صغير لم تنتبه إليه جيدًا عندما دخلا في البداية.

— لوكا؟ إلى أين تأخذني؟

نظر إليها بطرف عينه.

— إلى مكان آخر من المفاجأة.

— ألم تنتهِ المفاجآت بعد؟

— يبدو أنكِ بدأتِ تندمين على موافقتكِ على مرافقتي.

— لم أقل ذلك!

— جيد. لأننا وصلنا.

توقف أمام باب أبيض، ثم فتحه ببطء.

وفي اللحظة التي ظهرت فيها الغرفة أمام عيني سولي، اختفت الكلمات من فمها.

كانت غرفة النوم واسعة بما يكفي لتمنحها شعورًا بالراحة، لكنها لم تكن ضخمة أو مبالغًا في فخامتها كما اعتادت في قصر فيتالي.

كانت جدرانها بلون العاج، تتخللها تفاصيل خشبية ناعمة، بينما امتد سرير كبير في منتصف الغرفة، تغطيه أغطية بيضاء ناعمة ووسائد بلون الكريمي والوردي الفاتح.

لكن ما لفت انتباه سولي لم يكن الأثاث.

بل الورود.

كانت بتلات الورد موزعة برفق على طرف السرير، وفي منتصفه وُضعت باقة كبيرة من التوليب الوردي والأبيض. وامتدت تنسيقات صغيرة من الزهور على الطاولتين الجانبيتين، بينما زُيّن طرف النافذة بأغصان خضراء وزهور بيضاء رقيقة.

على إحدى الطاولتين، وُضع مصباح بضوء ذهبي هادئ، وبجانبه مزهرية صغيرة تشبه تلك التي رآتها في الحديقة. أما الستائر، فكانت من قماش خفيف يتحرك مع الهواء القادم من نافذة مفتوحة قليلًا.

لم تكن الغرفة تشبه غرف القصر الباردة التي اعتادت سولي أن تشعر فيها بأنها غريبة.

كانت دافئة.

هادئة.

وكأنها أُعدّت لتكون مساحة آمنة لشخصين يريدان أن يبدآ من جديد.

همست سولي:

— لوكا...

نظر إليها، وقد بدا عليه التوتر الخفيف وهو ينتظر رد فعلها.

— هل يعجبكِ؟

لم تجب فورًا.

كانت تنظر إلى الورود، ثم إلى السرير، ثم إلى باقة التوليب التي بدت كأنها قطعة من حديقة صغيرة نُقلت إلى الداخل من أجلها.

— كل هذا...

ابتلعت ريقها، ثم رفعت عينيها إليه.

— كل هذا من أجلي؟

أجابها دون تردد:

— من أجلكِ، ومن أجل الليلة التي اخترتِ فيها أن تمنحينا بداية جديدة.

امتلأت عيناها بالدموع.

لاحظ لوكا ذلك، فتغير تعبيره على الفور.

— مهلاً، لا تبكي. لقد حاولت أن أجعل الغرفة جميلة، لا أن أجعلكِ تبكين مجددًا.

ضحكت سولي من خلال دموعها.

— أنا لا أبكي لأنني حزينة.

— أعرف.

— بل لأنني لم أتخيل أن أفعل يومًا شيئًا كهذا معك.

هدأت ابتسامته، وصار ينظر إليها بعاطفة واضحة.

— وأنا لم أتخيل أن أحصل على فرصة أخرى لأفعل ذلك معكِ.

ظلت سولي تنظر إليه لحظات، ثم رفعت يدها ولمست جانب وجهه برفق.

— شكرًا لك.

أمسك لوكا يدها وقبّل باطنها قبلة خفيفة.

— لا تشكريني على أشياء كان يجب أن أفعلها منذ زمن.

ثم نظر إلى السرير، وعاد بعينيه إليها.

— والآن، هل تسمحين لي بأن أضعكِ هنا قبل أن تتهميني بأنني أتعمّد إطالة جولتنا؟

ابتسمت سولي.

— يمكنك أن تضعني، أيها السيد فيتالي.

تقدم نحو السرير وأنزلها عليه برفق، متأكدًا من أن قدميها استقرتا فوق الأرض قبل أن يبتعد عنها.

جلست سولي على طرف السرير، ثم مدت يدها لتلمس بتلة ورد قريبة منها.

كانت ناعمة للغاية، بلون وردي رقيق.

حملتها بين إصبعيها، وتأملتها بابتسامة صغيرة.

— حتى الورود...

جلس لوكا إلى جوارها.

— ماذا عنها؟

— كنت أظن أنك ستختار الورود الحمراء فقط.

رفع حاجبه.

— ولماذا؟

نظرت إليه بمكر.

— لأنك لوكا فيتالي. الرجل الذي يجعل كل شيء يبدو جادًا ورسميًا، حتى عندما يطلب كوبًا من القهوة.

ضحك.

— هل هذه هي الصورة التي تحتفظين بها عني؟

— كنت تحتفظ بوجه جامد طوال الوقت، فماذا كنت تتوقع؟

أطرق لوكا رأسه للحظة، ثم قال:

— أعتقد أنني أستحق ذلك.

نظرت إليه سولي، ولمحت في ملامحه شيئًا من الندم.

فمدت يدها وأمسكت أصابعه.

— لوكا، لم أقل ذلك لألومك على كل شيء الليلة.

رفع عينيه إليها.

— أعرف. لكنني لا أريد أن أنسى الرجل الذي كنت عليه، فقط لأنني أحاول أن أصبح رجلًا أفضل.

ضغطت على يده.

— وأنا لا أريد أن أنسى ما حدث أيضًا. ليس كي أظل حزينة، بل كي نتعلم منه ولا نسمح له بأن يتكرر.

أومأ ببطء.

— اتفقنا.

ثم نظر إلى باقة التوليب، وأضاف بابتسامة:

— وبما أنكِ لم تعترضي على الورود، فهذا يعني أن اختياري كان موفقًا.

رمشت سولي بدهشة.

— هل هذا ما يشغلك الآن؟

— قليلًا.

انفجرت ضاحكة.

— أنت مستحيل فعلًا!

ضحك معها، ثم وقف ليطفئ الضوء القوي قرب الباب، ويترك المصباح الجانبي يمنح الغرفة إضاءة خافتة ومريحة.

عندما عاد، كانت سولي قد خلعت حذاءها ووضعته قرب السرير، ثم جلست فوقه وهي تسند ظهرها إلى الوسائد.

تأملها لوكا للحظة قبل أن يسأل:

— هل أنتِ متعبة؟

أومأت.

— قليلًا. اليوم كان طويلًا جدًا.

جلس إلى جانبها، ثم مد ذراعه نحوها.

— تعالي إذًا. لن نتحدث عن المحكمة، ولا عن مورفون، ولا عن أي شيء يزعجكِ الليلة ما لم ترغبي أنتِ في ذلك.

نظرت إليه بابتسامة هادئة.

ثم اقتربت واستلقت بجانبه، وأسندت رأسها إلى صدره.

أحاط كتفيها بذراعه، وسحب الغطاء الخفيف فوقهما، بينما استقرت يدها فوق صدره، قريبة من موضع قلبه.

أغمضت عينيها للحظة.

كان بإمكانها سماع نبضه الهادئ، والشعور بدفء ذراعه حولها.

وللمرة الأولى منذ مدة طويلة، لم تكن تفكر في الطريقة التي يجب أن تستعد بها للغد.

لم تكن تراقب الباب.

ولا تتساءل إن كان سيحدث شيء سيئ.

كانت فقط تستريح.

مع لوكا.

مرّت دقائق هادئة قبل أن ترفع سولي رأسها قليلًا.

— لوكا؟

— هممم؟

ابتسمت من صوته الكسول.

— هل أنت نائم؟

فتح عينيه ونظر إليها.

— أحاول أن أستمتع باللحظة التي لا تسألينني فيها عن شيء.

ضربت صدره بخفة.

— إذًا لن أسألك.

— شكرًا لكِ.

صمتت لثانيتين.

ثم قالت:

— لكن لدي سؤال واحد.

تنهد لوكا بتظاهر، فضحكت سولي.

— تفضلي، يا سيدتي.

ترددت قليلًا، ثم نظرت إلى السقف.

— عندما نفكر في المستقبل... كيف تتخيله؟

اختفت المزحة من وجهه تدريجيًا.

لم يجب بسرعة، بل مرر أصابعه برفق على شعرها، مفكرًا في السؤال.

— أي جزء من المستقبل تقصدين؟

— حياتنا.

رفعت رأسها ونظرت إليه.

— أنت وأنا وأيان. أين سنعيش؟ كيف ستكون أيامنا؟ وهل ستظل حياتنا مرتبطة بالقصر والعائلة وأعمال فيتالي؟

كان سؤالها أكبر من أن يُجاب عنه بكلمات قليلة.

فهي لم تكن تسأله عن منزل فقط.

كانت تسأله إن كان سيمنحها حياة تستطيع أن تتنفس فيها، أم ستجد نفسها من جديد محاصرة بتوقعات الآخرين وقراراتهم.

فهم لوكا ذلك.

اعتدل قليلًا حتى يتمكن من النظر إلى وجهها بوضوح، مع إبقاء ذراعه حولها.

— أريد أن أعيش معكما في مكان تشعران فيه بالراحة.

عقدت سولي حاجبيها.

— حتى لو لم يكن القصر؟

— حتى لو لم يكن القصر.

تأملته للحظة، كأنها لم تتوقع أن يسمعها بهذه البساطة.

تابع:

— القصر سيبقى جزءًا من حياتي بسبب العائلة والعمل، لكن هذا لا يعني أن عليكِ أن تعيشي فيه طوال الوقت إذا لم ترغبي بذلك. نستطيع أن نختار منزلًا لنا، مكانًا هادئًا، ونأتي إلى القصر عندما نريد زيارة العائلة.

ابتسم قليلًا.

— ويمكننا أن نجعل لأيان غرفة يملؤها برسوماته، حتى لو قرر يومًا أن يرسم على الجدران بدل الورق.

ضحكت سولي.

— لا تشجعه! إنه قادر على فعل ذلك فعلًا.

— سأضع له جدارًا كاملًا للرسم.

اتسعت عيناها.

— أنت جاد؟

— بالطبع. سأكون أكثر قلقًا إذا بدأ الرسم على سيارتي.

قهقهت سولي، ثم أعادت رأسها إلى صدره.

— أعتقد أنه سيفعل الأمرين معًا.

— حينها سأضطر إلى شراء سيارة أخرى.

رفعت رأسها بسرعة.

— لوكا!

ضحك.

— أمزح يا سولي. سأعطيه أوراقًا تكفيه لرسم إمبراطورية كاملة.

ابتسمت، ثم سكتت قليلًا.

بعد لحظات، قالت:

— هناك أمر آخر.

نظر إليها.

— أخبريني.

— لا أريد أن أتخلى عن كل شيء بنيته بنفسي.

تغير تعبيره إلى الجدية.

تابعت سولي:

— مخبزي... منزل الحلويات. لم يكن مجرد عمل بالنسبة إليّ. كان مكاني الصغير، والشيء الذي جعلني أشعر أنني أستطيع أن أبني حياة بيدي، حتى عندما لم يكن لديّ أحد يساعدني.

توقفت قليلًا.

— لا أريد أن أصبح امرأة تعيش في القصر وتنتظر عودتك كل مساء. أريد أن أكون زوجتك، وأم أيان، لكنني أريد أن أظل سولي أيضًا.

لم يتردد لوكا.

— ولن أطلب منكِ التخلي عنه.

رفعت عينيها إليه.

— حقًا؟

— حقًا.

أمسك يدها، ونظر إلى الخاتم الذي يزين إصبعها.

— عندما قلت إنني أريدكِ أن تختاريني، كنت أعني ذلك كله. لا أريد أن تستبدلي اتفاقًا قديمًا باتفاق جديد أفرضه عليكِ. إذا أردتِ إعادة فتح مخبزكِ، سنجد طريقة لذلك. وإذا أردتِ أن تديريه بنفسكِ، فسأدعمكِ. وإذا احتجتِ إلى مساعدتي، فسأكون موجودًا.

ثم ابتسم.

— لكن لدي طلب صغير.

ضيقت سولي عينيها فورًا.

— ما هو؟

— أن تسمحي لي بتذوق الحلوى قبل بيعها.

حدقت فيه لثوانٍ، ثم ضحكت.

— هذا ليس طلبًا صغيرًا! أنت ستأكل نصف ما أعدّه!

رفع حاجبه.

— هل تشككين في قدرتي على ضبط نفسي؟

نظرت إليه نظرة طويلة.

— نعم.

أطلق ضحكة صادقة، ثم ضمها إليه قليلًا.

— حسنًا، سأحاول أن أكون زبونًا ملتزمًا.

— وستدفع مثل بقية الزبائن.

تظاهر بالصدمة.

— حتى أنا؟

— خصوصًا أنت!

ضحك حتى اهتز صدره قليلًا تحت رأسها، فرفعت سولي وجهها وبدأت تضحك معه.

كان حديثًا بسيطًا، لكنه منحها شيئًا افتقدته طويلًا: الشعور بأن مستقبلها لا يُرسم عنها، بل يُرسم معها.

---

بعد أن هدأت ضحكتهما، بقيت سولي صامتة بعض الوقت.

كان لوكا يظن أنها بدأت تشعر بالنعاس، لكن أصابعها كانت تتحرك ببطء فوق يده، كأنها تجمع شجاعتها لتقول شيئًا آخر.

لاحظ ذلك.

— ماذا يدور في رأسكِ؟

رفعت سولي عينيها إليه.

— هل أخبرك بشيء أخاف منه؟

أصبح وجهه جادًا على الفور.

— بالتأكيد.

ابتلعت ريقها.

— أخاف أن أستيقظ يومًا وأكتشف أن كل هذا كان مجرد ليلة جميلة... ثم نعود إلى حياتنا القديمة.

لم يقاطعها.

تابعت، وصوتها يزداد انخفاضًا:

— أخاف أن تنشغل بالعمل، وأن تتراكم الأمور بيننا من جديد، وأن أبدأ بإخفاء ما يؤلمني لأنني لا أريد أن أزعجك، ثم أجد نفسي وحيدة وأنا إلى جانبك.

ساد الصمت.

لم تكن سولي تتهمه، بل كانت تعترف بالخوف الذي بقي في قلبها رغم كل ما فعله.

رفع لوكا يده إلى وجهها، وأبعد خصلة شعر عن جبينها.

— لا أستطيع أن أعدك بأن حياتنا ستكون مثالية.

نظرت إليه.

— أعرف.

— ولا أستطيع أن أقول إنني لن أخطئ أبدًا. سأرتكب أخطاء، وربما أنشغل أحيانًا، وربما أقول شيئًا بطريقة خاطئة.

توقفت أنفاس سولي قليلًا، لكنه تابع:

— لكنني أستطيع أن أعدك بأنني لن أعتبر صمتكِ دليلًا على أنكِ بخير. إذا شعرتِ بأنني ابتعدت، أخبريني. وإذا أخطأتُ في حقكِ، سأستمع إليكِ بدل أن أختبئ خلف عملي أو اسمي.

مرر إبهامه فوق أصابعها.

— ولن أطلب منكِ أن تكوني قوية طوال الوقت. يمكنكِ أن تتعبي، وأن تغضبي، وأن تقولي إنكِ لا تريدين الحديث. لن يعني ذلك أنكِ ضعيفة، ولن يجعلني أحبكِ أقل.

امتلأت عيناها بالدموع، لكنها هذه المرة لم تحاول إخفاءها.

— وماذا لو خفتُ من خسارتك؟

اقترب لوكا قليلًا، حتى أصبح وجهه مقابل وجهها.

— عندها سنتحدث عن خوفكِ، ولن أطلب منكِ أن تتظاهري بأنه غير موجود.

ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.

— لكنني أتمنى ألا تجعلي الخوف يقرر عنا كل شيء.

سكت لحظة، ثم أضاف:

— أنا لا أريدكِ أن تبقي معي لأنكِ تخشين أن تخسريني. أريدكِ أن تبقي لأنكِ ترغبين في حياتنا معًا. وإذا احتجنا يومًا إلى أن نعمل بجد كي نحافظ على هذه الحياة، فسنعمل معًا.

تأملته سولي طويلًا.

ثم رفعت يدها ولمست خده برفق.

— أنت تتحدث وكأنك تدربت على هذا الكلام طوال اليوم.

ابتسم لوكا.

— في الحقيقة، تدربت على طلب الزواج منكِ مرات كثيرة، وكنت أفشل في كل مرة أتخيل فيها ردكِ.

ضحكت سولي.

— وهل كنت تتوقع أن أرفض؟

— كنت أتوقع أن تنظري إليّ وتطلبي مني أن أنهض لأن ركبتي تؤلمكِ من مشاهدة المشهد.

اتسعت عيناها.

ثم انفجرت ضاحكة.

— لوكا! كنت سأبكي قبل أن أقول أي شيء!

ابتسم، وبدت الراحة واضحة على وجهه وهو يستمع إلى ضحكتها.

— أعرف. لهذا كنت خائفًا.

توقفت سولي عن الضحك، ونظرت إليه بمودة.

— هل تعرف ما الذي أريده أنا من المستقبل؟

— ماذا؟

أراحت خدها على صدره مجددًا، ورفعت يدها لتتشابك أصابعها بأصابعه.

— أريد صباحات عادية.

ابتسم لوكا.

— صباحات عادية؟

— نعم. أريد أن أستيقظ فأجدك موجودًا، لا أحتاج إلى أن أسأل أين ذهبت أو إن كنت ستعود. أريد أن أسمع أيان يركض في الممر، وأن أراه يأتي إلينا وهو يحمل رسمًا جديدًا أو يطلب منك أن تلعب معه قبل الإفطار.

ضحك لوكا بهدوء.

— هذا سيحدث بالتأكيد. وقد يستيقظ في الخامسة صباحًا كي يطلب مني بناء قلعة من الوسائد.

— وسأتركك تبنيها وحدك.

— خيانة من زوجتي المستقبلية!

رفعت سولي رأسها، وابتسمت بمكر.

— عليك أن تتعلم كيف تتعامل مع طلبات ابنك.

أومأ بجدية مصطنعة.

— حاضر.

ثم عادت إلى الحديث، وقد صار صوتها أكثر دفئًا:

— أريد أن نتناول الطعام معًا. أن نختلف حول أشياء صغيرة، ثم نتصالح. أريد أن نخرج إلى الحدائق من دون أن يكون هناك حارس يراقب كل خطوة، وأن أشتري الزهور عندما أريد، وأن أستطيع العودة إلى المنزل وأنا أعرف أنني سأجدك أنت وأيان هناك.

صمتت قليلًا.

— أريد أن أرى أيان يكبر وهو يعرف أن الحب ليس شيئًا عليه أن يخاف من فقدانه كل يوم.

تلاشت الابتسامة عن وجه لوكا، وحل مكانها تأثر عميق.

أدار وجهه نحوها، ثم وضع قبلة رقيقة على جبينها.

— سنمنحه ذلك، يا سولي.

أغمضت عينيها.

— أريد أن نكون عائلة حقيقية.

شدها إلى صدره برفق.

— نحن عائلة بالفعل.

رفعت وجهها نحوه.

فأكمل:

— ربما لم نعرف كيف نكونها في البداية. وربما أضعنا وقتًا طويلًا بسبب أخطائنا وخوفنا والأشخاص الذين حاولوا أن يقرروا حياتنا بدلًا منا. لكن أيان يعرف الآن أن له أمًا وأبًا يحبانه، وأنه لن يكون مضطرًا إلى الاختيار بيننا أبدًا.

ثم نظر إليها مباشرة.

— وأريد أن يعرف شيئًا آخر أيضًا.

— ما هو؟

— أن والدته امرأة قوية، ليس لأنها تتحمل كل شيء وحدها، بل لأنها تستحق أن تجد أشخاصًا يقفون بجانبها.

ارتجفت شفتا سولي.

لم تكن تتوقع أن يسمعها بهذه الدقة، أو أن يفهم أخيرًا أن قوتها لم تكن تعني أنها لا تحتاج إلى أحد.

اقتربت منه واحتضنته بقوة.

أحاط لوكا ظهرها بذراعيه، وترك لها الوقت الذي تحتاج إليه.

همست قرب كتفه:

— أريد أن أصدقك.

أجابها بهدوء:

— لا تستعجلي نفسكِ. سأمنحكِ ما تحتاجين إليه من وقت، وسأدع أفعالي تتحدث عني.

ابتعدت قليلًا لتنظر إليه.

— حتى لو احتجت إلى أن أذكّرك بهذا الوعد أحيانًا؟

ابتسم.

— خصوصًا إذا احتجتِ إلى تذكيري.

ضحكت بخفة، ثم وضعت رأسها على صدره من جديد.

---

بدأ النعاس يتسلل إلى سولي شيئًا فشيئًا.

كانت الغرفة هادئة، والضوء الذهبي يرسم ظلالًا ناعمة فوق الجدران، بينما انتشرت رائحة الزهور في المكان.

رفع لوكا عينيه إلى الساعة، ثم أعاد نظره إلى سولي التي بدأت تسترخي بين ذراعيه.

— هل تريدين النوم؟

فتحت عينيها قليلًا.

— ليس بعد.

— يبدو أنكِ تقولين ذلك منذ نصف ساعة.

— لأنني أريد أن أبقى هكذا قليلًا.

ابتسم، ثم شد الغطاء حول كتفيها.

— ابقي كما تشائين.

صمتت للحظة، ثم رفعت يدها وتأملت الخاتم مجددًا.

لاحظ لوكا ذلك، فرفع يدها بين يديه.

— هل ما زلتِ غير مصدقة؟

أومأت بخجل.

— قليلًا.

— ماذا يمكنني أن أفعل لأقنعكِ؟

فكرت سولي لثوانٍ، ثم قالت:

— غدًا، عندما نستيقظ، لا تتظاهر بأن شيئًا لم يحدث.

رفع حاجبيه.

— أتقصدين طلب الزواج؟

— أقصد كل ما قلناه الليلة. لا أريد أن نستيقظ ونعود إلى الصمت وكأننا لم نتحدث عن المستقبل.

نظر إليها بجدية.

— لن أفعل.

ثم مد يده إلى الطاولة الجانبية، والتقط هاتفه الموضوع هناك.

حدقت سولي فيه بريبة.

— ماذا تفعل؟

— أسجل ملاحظة.

— ملاحظة؟

أومأ وهو يكتب.

— «غدًا: تناول الإفطار مع سولي وأيان، ثم مناقشة خطط منزلنا الجديد ومخبزها.»

اتسعت عيناها.

— لوكا!

نظر إليها ببراءة مصطنعة.

— ماذا؟ أخشى أن أنسى.

ضحكت حتى اضطرت إلى إخفاء وجهها عند كتفه.

— أنت تسجل موعد الإفطار؟

— إنه موعد مهم.

— وأعمالك؟

— ستنتظر.

رفعت رأسها ببطء، وراحت تتأمله.

كان الأمر مضحكًا، لكنه منحها شعورًا عميقًا بالأمان. لم يقدم لها وعدًا ضخمًا يصعب الإمساك به، بل فعل شيئًا صغيرًا يمكنها رؤيته: وضع وقتها ووقت ابنه في يومه بقرار واضح.

مدت يدها وأخذت الهاتف منه، ثم أعادته إلى الطاولة.

— لا تحتاج إلى تسجيل كل شيء.

— إذًا، كيف سأعرف ما الذي تريدينه؟

ابتسمت.

— اسألني.

توقف لوكا لحظة، ثم أومأ ببطء.

— حسنًا. سأفعل.

وضعت سولي يدها فوق صدره.

— وأنا سأحاول أن أجيبك بصراحة، حتى لو كنت خائفة.

رفع يدها إلى شفتيه، وقبّل أصابعها برفق، ثم نظر إليها.

— هذا كل ما أريده.

بقيت سولي صامتة للحظات، تستمع إلى نبضه تحت أذنها. ثم تمتمت:

— لوكا؟

— نعم يا حبيبتي؟

رفعت رأسها بسرعة، وقد احمر وجهها بسبب الكلمة التي نطق بها بعفوية.

لاحظ ذلك، فظهرت على شفتيه ابتسامة ماكرة.

— ماذا؟ هل نسيتِ أنكِ وافقتِ على الزواج مني؟

ضربت كتفه بخفة.

— أعرف!

— إذًا، هل يمكنني أن أنادي زوجتي المستقبلية بما أريد؟

دفنت وجهها عند صدره.

— سأندم على موافقتي فعلًا.

ضمها إليه وهو يضحك بهدوء.

— لن أسمح لكِ بذلك.

رفعت رأسها مجددًا، وهذه المرة كان في عينيها دفء لم تحاول إخفاءه.

— لا تعدني بأنك لن تسمح لي بشيء، يا لوكا. فقط قف بجانبي، ودعني أختار.

توقفت ابتسامته لحظة، ثم أومأ.

— أنتِ محقة.

مسح على شعرها برفق.

— لن أقرر بدلًا منكِ. سأقف بجانبكِ، هذا وعدي.

ابتسمت سولي، ثم أغلقت عينيها.

وبعد دقائق، بدأ تنفسها يصبح أهدأ، حتى ظن لوكا أنها نامت.

ظل ينظر إليها، إلى ملامحها التي هدأت أخيرًا بعد يوم طويل، وإلى الخاتم الذي يلمع في إصبعها تحت الضوء الخافت.

رفع يده وأبعد خصلة من شعرها عن وجهها.

لم تكن تلك الليلة نهاية كل ما مرّا به.

كانت التحقيقات المتعلقة بماضي عائلتها لا تزال مستمرة، وكان عليهما أن يواجها أسئلة كثيرة، وأن يبنيا الثقة يومًا بعد يوم، وأن يثبتا لأنفسهما قبل الآخرين أن عودتهما ليست مجرد لحظة عاطفية عابرة.

لكنه لم يكن يريد أن يفكر في كل ذلك الآن.

كان يريد أن يتذكر أنها اختارته بإرادتها.

وأنه، للمرة الأولى، لم يكن مضطرًا إلى الاختباء خلف صمته كي يبدو قويًا.

همس قرب جبينها:

— تصبحين على خير، سولي.

لكنها، رغم نعاسها، تمتمت:

— لوكا...

ابتسم.

— نعم؟

— لا تنسَ الإفطار.

اتسعت ابتسامته.

— لن أنساه.

— ولا مخبزي...

— ولا مخبزكِ.

— ولا أيان...

— ولا أيان.

فتحت عينًا واحدة ونظرت إليه.

— ولا أنا.

اختفت ابتسامته المرحة، وحل مكانها حنان صادق.

انحنى وقبّل جبينها.

— أنتِ أول شيء أريد أن أتذكره كل صباح.

ابتسمت سولي ابتسامة صغيرة، ثم أغمضت عينيها مجددًا.

هذه المرة، لم تحاول مقاومة النوم.

استلقت على صدره، وذراع لوكا تحيط بها، بينما بقيت يده تمسح شعرها ببطء حتى غلبها النعاس تمامًا.

وعندما تأكد أنها نامت، همس:

— لن أطلب منكِ أن تصدقي كل وعودي الليلة. سأريكِ كل يوم أنني أعنيها.

ثم أراح رأسه فوق الوسادة، وأبقى سولي قريبة منه دون أن يوقظها.

خارج الكوخ، كانت أضواء الحديقة ما تزال تتلألأ بين زهور التوليب.

وفي الداخل، تحت سقف صغير لم تحكمه قوانين فيتالي ولا أوامر مورفون، نامت سولي وهي تحمل في إصبعها خاتمًا جديدًا، وفي قلبها أملًا حذرًا.

أما لوكا، فظل مستيقظًا قليلًا، يفكر في المستقبل الذي تحدثا عنه.

منزل يختارانه معًا.

مخبز تعود إليه سولي لأنها تحبه.

صباحات يوقظه فيها أيان باكرًا.

وعائلة يتعلم أفرادها أن يقولوا الحقيقة بدلًا من إخفائها.

لم تكن أحلامًا مستحيلة.

كانت أشياء صغيرة، لكنها بالنسبة إليه أغلى من كل ما امتلكه طوال حياته.

أغمض عينيه أخيرًا، وضم سولي إلى جانبه بحنان.

للمرة الأولى، لم يكن يفكر في كيفية حماية إمبراطورية فيتالي.

كان يفكر في كيفية بناء بيتٍ يشعر فيه قلب سولي بالأمان.

وهذا، بالنسبة إلى لوكا فيتالي، كان مستقبلًا يستحق أن يقاتل من أجله.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين أحببتكِ متأخرًا    .

    🥹❤️‍🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️‍🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة!

  • حين أحببتكِ متأخرًا    199

    [عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا

  • حين أحببتكِ متأخرًا    198

    [ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن

  • حين أحببتكِ متأخرًا    197

    الفصل — هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فقد قرأت ا

  • حين أحببتكِ متأخرًا    196

    [ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام

  • حين أحببتكِ متأخرًا    195

    [من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status