تسجيل الدخول[من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة]
كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أنه استيقظ حتى اقتربت منه بسرعة. — أيان؟ حبيبي، هل أنت مستيقظ؟ رمش الصغير عدة مرات، ثم نظر حوله بارتباك. — ماما...؟ ابتسمت سولي رغم الدموع التي لم تجف تمامًا في عينيها. — أنا هنا يا روحي. حاول أيان أن يرفع رأسه، لكنها وضعت يدها خلفه وساعدته برفق حتى استند إلى الوسائد. — لا تتحرك بسرعة، حبيبي. ما زلت متعبًا. نظر إليها قليلًا، ثم مد ذراعيه نحوها. لم تنتظر سولي لحظة. انحنت واحتضنته بحذر، وأحاطت ظهره بذراعَيها، بينما دفن وجهه في كتفها. — خفت يا ماما... أغمضت عينيها بقوة. — أعرف يا قلبي... أعرف. — ظننت أنني لن أراكِ مرة أخرى. ارتجف صوتها. — لن أتركك وحدك يا أيان. أنا هنا. ثم ابتعدت عنه قليلًا، وأمسكت وجهه بين يديها لتتأكد من أنه بخير. — هل يؤلمك شيء؟ هل تشعر بالدوار؟ هز رأسه ببطء. — لا... أريد فقط أن أبقى معكِ. طبعت قبلة على جبينه. — ستبقى معي، وسأظل إلى جانبك حتى تستعيد قوتك تمامًا. لكن أيان لم يبتسم. ظل ينظر إليها للحظات، قبل أن يسأل بصوت خافت: — ماما... هل سيعود الرجل المخيف؟ توقفت سولي عن الحركة. لم تكن بحاجة إلى أن تسأله عمّن يقصد. لقد فهمت فورًا. ذلك الرجل. مورفون. الرجل الذي أخذ طفلًا صغيرًا من غرفته، وأرعبه، ثم وضعه في مستشفى لا يعرفه، وكأنه لا يرى فيه إلا وسيلة لتحقيق غايته. حاولت سولي أن تحافظ على هدوئها. — لا أريدك أن تقلق بشأنه الآن يا حبيبي. أخبرني فقط... هل فعل لك شيئًا قبل أن يأخذك؟ تردد أيان. ثم أنزل عينيه إلى البطانية، وبدأ يعبث بطرفها بأصابعه الصغيرة. — جاء إلى غرفتي عندما كنت وحدي. تجمدت سولي. — متى يا روحي؟ — بعد أن استيقظت... قال إنه يريد التحدث معي. تبادل لوكا، الذي كان قد اقترب من السرير بمجرد سماع صوت ابنه، نظرة سريعة مع سولي. ثم جلس على الجانب الآخر من أيان، محاولًا أن يجعل صوته هادئًا. — ماذا قال لك يا بطل؟ رفع أيان عينيه إليه. وعندما رأى وجه أبيه، تحرك نحوه قليلًا، وكأنه يحتاج إلى الاقتراب منه كي يتمكن من إكمال كلامه. — قال إنني لا أنتمي إلى هذا البيت. شعر لوكا بشيء بارد يستقر داخل صدره. لكن أيان تابع، دون أن يدرك أن كل كلمة منه كانت تزيد النار اشتعالًا في قلب أبيه. — قال إنك لا تحبني يا أبي... توقفت أنفاس لوكا للحظة. أما سولي، فقد اتسعت عيناها وارتجفت شفتاها. نظر أيان إلى أبيه، ثم سأل بصوت صغير: — قال إنني لست ابنك الحقيقي، وإنك ستتركني عندما تعرف الحقيقة. لم يتكلم لوكا. لم يستطع. كان ينظر إلى ابنه، إلى وجهه الذي حاول أن يبدو قويًا رغم الخوف، وإلى أصابعه التي كانت تقبض على البطانية كأنه لا يزال يحاول حماية نفسه. ثم سأل أيان بصوت متردد: — أبي... هل كنت ستتركني فعلًا؟ انكسر شيء في قلب لوكا. اقترب منه فورًا، وجثا بجانب السرير حتى أصبح وجهه في مستوى وجهه الصغير. — انظر إليّ يا أيان. رفع الصغير عينيه ببطء. أمسك لوكا بيديه الصغيرتين، وقال بوضوح لا يترك مجالًا للشك: — اسمعني جيدًا يا ابني. أنت ابني، ولن يغيّر كلام ذلك الرجل هذه الحقيقة أبدًا. ارتجفت شفتا أيان. — لكنه قال إنك لا تحبني... هز لوكا رأسه، ثم رفع يد ابنه وقبّلها. — لقد كذب عليك. اقترب أكثر، وأكمل بصوت دافئ: — أنا أحبك يا أيان. أحبك منذ اللحظة التي عرفت فيها أنك موجود، وحتى في السنوات التي لم أكن أعرف فيها أين أنت. لم تكن يومًا طفلًا لا أريده، ولم تكن عبئًا عليّ، ولن أتخلى عنك مهما حدث. بدأت عينا أيان تمتلئان بالدموع. — حقًا؟ — أقسم لك. ثم فتح لوكا ذراعيه. اندفع أيان نحوه، فاحتضنه لوكا برفق، وضم رأسه إلى صدره. تشبث الصغير بقميصه، وقال بين شهقات متقطعة: — لا تتركني يا أبي... أغمض لوكا عينيه، وأحاطه بذراعيه. — لن أفعل يا صغيري. لن أتركك وحدك. اقتربت سولي منهما، ووضعت يدها على ظهر أيان، ثم انحنت حتى صار الثلاثة متقاربين. قالت وهي تمسح شعر ابنها: — لا تصدق أي كلمة تخيفك وتجعلك تشك في حبنا لك. أنت أغلى ما لدينا يا أيان. رفع الصغير وجهه نحوها. — أنتِ وأبي لن تذهبا بعيدًا عني؟ نظرت سولي إلى لوكا. لم تكن تعرف ما الذي ستجلبه الأيام التالية، ولا إلى أي مدى سيذهب مورفون في محاولاته. لكنها عرفت أنها لن تسمح لهذا الرجل بأن يزرع الخوف في قلب ابنها مرة أخرى. — سنبقى معك، وسنحميك معًا. مد أيان يده الصغيرة نحو لوكا، ثم أمسك بإصبع سولي باليد الأخرى. وبقي بينهما حتى غلبه التعب مجددًا. بعد دقائق، استقرت أنفاسه، وأغمض عينيه وهو لا يزال يمسك بيديهما. انتظرت سولي حتى اطمأنت إلى نومه، ثم مررت أصابعها برفق فوق شعره. وحين رفعت رأسها نحو لوكا، لم تجد في عينيه ذلك الهدوء المعتاد. كان ينظر إلى ابنه بصمت، لكن ملامحه تغيرت بالكامل. اختفى الرجل الذي اعتاد أن يحسب خطواته، ويزن كلماته، ويفكر في العواقب قبل أن يتخذ أي قرار. وحلّ مكانه رجل لم يعد مستعدًا للتنازل عن شيء. همست سولي: — لوكا... لم يرفع عينيه إليها مباشرة. — ماذا؟ — أعرف أنك غاضب. ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي مرح. — غاضب؟ ثم نظر إليها. — لقد أخبر طفلًا في الخامسة من عمره أن والده لا يحبه. جعله يعتقد أنه غير مرغوب فيه، وأنه سيُترك وحيدًا. ثم أخذه من فراشه، وخدّره، ووضعه في ذلك المكان... توقف، وشد قبضته. — ولم يكن ما حدث مجرد محاولة لإخافتنا. كان مستعدًا لتعريض حياة أيان للخطر حتى يحصل على ما يريد. شعرت سولي ببرودة تسري في جسدها. كانت قد أدركت بالفعل أن مورفون خطر، لكنها عندما سمعت لوكا يربط ما حدث لابنه بما اكتشفه في المستشفى، شعرت بأن قلبها يكاد يتوقف. — لن أسمح له بالاقتراب منه مرة أخرى. قالتها بصوت ثابت، رغم الارتجاف الذي حاولت إخفاءه. ثم نهضت ببطء، ونظرت إلى ابنها. — لقد أخذ مني عائلتي في الماضي، ولو استطاع لأخذ ابني أيضًا. لن أسمح له بذلك. وقف لوكا أمامها. — لن يحدث هذا. رفعت عينيها إليه. — لا أريد منك أن تعدني فقط. أريد أن نتأكد من أنه لن يستطيع إيذاء أيان أو إيذاء شخص آخر بهذه الطريقة. بقي لوكا صامتًا لثانية. ثم أومأ. — معك حق. مد يده وأمسك يدها. — هذه المرة لن نكتفي بحماية أنفسنا منه. سنوقفه. --- بعد وقت قصير، ترك لوكا سولي إلى جانب أيان، وخرج إلى المكتب. كان مارك ينتظره هناك، وخلفه ملف أسود يحتوي على الأدلة التي جُمعت خلال الساعات الماضية. أغلق لوكا الباب. — أخبرني أنك أكملت كل شيء. وضع مارك الملف فوق المكتب. — تقريبًا. حصلنا على رسائل تثبت أن مورفون تواصل مع الدكتور لورينزو روسّي وطلب منه تزوير التقارير الطبية. ولدينا شهادة الطبيب، وأسماء الأشخاص الذين كانوا في الجناح الخاص بالمستشفى، وسجلات تثبت نقل أيان إلى هناك دون أي موافقة قانونية. فتح لوكا الملف، وقلب الصفحات واحدة تلو الأخرى. كانت هناك نسخ من الرسائل، وتواريخ الاتصالات، وأسماء الأشخاص الذين شاركوا في الخطة. ثم وجد تقريرًا إضافيًا يتضمن اعتراف الطبيب بأنه لم يفحص أيان أصلًا، وأن الادعاء بأن الطفل ليس ابن لوكا لم يستند إلى أي فحص حقيقي. أغلق الملف ببطء. — وهذا ليس كل شيء. أومأ مارك. — لدينا أيضًا إفادة أولية من أحد العاملين في المستشفى، وهو مستعد للشهادة. كما أن الطبيب مستعد لتسليم هاتفه الأصلي والرسائل التي تلقاها. رفع لوكا عينيه. — وماذا عن الأشخاص الذين أخذوا أيان؟ — اثنان منهم قيد التحقيق، والثالث أُصيب أثناء المواجهة في المستشفى. هناك شهود، وسجلات دخول، وأدلة طبية. لن يكون من السهل على مورفون أن ينكر صلته بالأمر. ساد الصمت. نظر لوكا إلى الملف طويلًا. ثم قال: — أريد أن تُسلَّم جميع هذه الأدلة إلى السلطات. كل رسالة، وكل اسم، وكل تسجيل، وكل شهادة. لا تحذف شيئًا، ولا تُخفِ شيئًا لحماية اسم العائلة. رفع مارك رأسه. كان يعرف أن القرار الذي سيتخذه لوكا الآن قد يغيّر مستقبل الإمبراطورية بأكملها. — أنت تعرف ما الذي يعنيه هذا، أليس كذلك؟ — أعرف. — مورفون ليس رجلًا عاديًا. لديه نفوذ وعلاقات وأشخاص سيحاولون دفن القضية قبل أن تصل إلى المحكمة. وإذا فتحت هذا الملف رسميًا، فقد تنقلب أجزاء من إمبراطورية فيتالي عليك. وضع لوكا يديه على حافة المكتب، ومال إلى الأمام. — فلتنقلب. تردد مارك. — لوكا... رفع لوكا رأسه، وكانت عيناه حادتين على نحو لم يره مارك منذ سنوات. — اسمعني جيدًا. كنت مستعدًا طوال حياتي لحماية اسم فيتالي. تحملت قرارات لم أكن مقتنعًا بها، وسكتُّ عن أمور كثيرة لأنني كنت أظن أن بقاء الإمبراطورية أهم من أي شيء آخر. سكت لحظة، ثم أكمل: — لكنني لن أسمح لهذا الاسم بأن يصبح درعًا لرجل اختطف ابني، وهدد حياته، وحاول أن يجعلني أشك في زوجتي. اشتد صوته: — إذا كان ثمن محاسبته هو انهيار شركات فيتالي، فسأقبل بذلك. وإذا اضطررت إلى كشف كل سر أخفته العائلة لعقود، فسأفعل. وإذا خسرت منصبي ولقبي وكل ما ورثته... توقف، ثم قال بوضوح: — فسأخسرها كلها قبل أن أخسر أيان. ساد الصمت في المكتب. لم يحاول مارك إقناعه بالعدول عن قراره. فهو يعرف لوكا جيدًا، ويعرف أن الرجل الذي يتحدث الآن لا يهدد لمجرد التخويف. قال مارك أخيرًا: — سأرتب تسليم الأدلة مباشرة إلى الجهة المختصة، وسأتأكد من أن الملف لن يمر بأشخاص قد يخفونه. — جيد. ثم رفع لوكا عينيه إليه مجددًا. — وأريد مراجعة كل عقد وكل حساب مرتبط بمورفون. إذا استُخدمت أي شركة من شركات فيتالي لتغطية جرائمه، فستُكشف الحقيقة حتى لو أدى ذلك إلى إغلاقها. أومأ مارك. — مفهوم. وقبل أن يغادر، توقف للحظة. — هل أنت متأكد؟ قد لا تعود الإمبراطورية كما كانت بعد هذا. نظر لوكا إلى الباب المؤدي إلى غرفة ابنه. — لقد تغيّر كل شيء بالفعل. ثم أضاف بصوت أخفض: — الإمبراطورية يمكن إعادة بنائها. أما طفلي، فلا يمكن تعويضه إن خسرته. غادر مارك، وبقي لوكا وحده للحظات. ثم التقط هاتفه واتصل بالجهة القانونية التي تتولى قضايا العائلة، طالبًا منها الحضور فورًا وتسليم الأدلة كاملة، دون أي تدخل من مورفون أو رجاله. لم يكن يريد أن ينتقم منه في الظلام. كان يريد أن يراه يواجه كل ما فعله أمام القانون، بلا نفوذ يحميه، وبلا اسم يفتح له الأبواب. لكن قبل أن يغادر مارك، استوقفه لوكا بنظرة حاسمة. — مارك، هناك أمر آخر. التفت مارك إليه. — ماذا؟ ظل لوكا صامتًا لحظة، وكأنه يستجمع الكلمات التي ظل يحملها في صدره منذ سنوات. — أريدك أن تكشف تورط مورفون مع العصابات، بكل تفاصيله. لا أريد الاكتفاء بما فعله في قضية أيان. أريد فتح كل ملف، وكل حساب، وكل اتصال يربطه بتلك الجماعات. تغيرت ملامح مارك. — أنت تتحدث عن أمور قديمة وخطيرة. بعض هذه الملفات دُفن منذ سنوات، وبعض الشهود قد لا يجرؤون على الكلام. — إذًا ابحث عن الأدلة التي لا يستطيعون دفنها. راجع التحويلات المالية، وسجلات الشحن، وأسماء الوسطاء، وكل شركة استُخدمت غطاءً لأنشطته. أريد أن يعرف الجميع من يكون مورفون حقًا. — لوكا، إذا ثبت تورطه مع العصابات، فلن تكون القضية مجرد اختطاف وتزوير. ستتحول إلى ملف جنائي واسع، وقد تجرّ أسماء كثيرة من داخل العائلة وخارجها. — فلتظهر جميع الأسماء. ثم انخفض صوته، واشتدت ملامحه. — وأريدك أن تبحث أيضًا في حقيقة ما حدث لإيدريان ميرافيل وزوجته. تجمد مارك في مكانه. — إيدريان ميرافيل؟ — نعم. أريد أن أعرف إن كان مورفون قد تسبب في موتهما، أو أمر بقتلهما، أو سهّل وقوع الجريمة بأي صورة كانت. أريد كل شيء: الشهود، والاتصالات، والتحويلات، وأي صلة بينه وبين العصابات التي كانت تتحرك في ذلك الوقت. ظل مارك ينظر إليه بصمت. فأكمل لوكا: — لقد أخذ من سولي عائلتها، ثم حاول أن يأخذ منها ابنها. وإذا ثبت أنه كان السبب في موت إيدريان ميرافيل وزوجته، فسأكشف الحقيقة كاملة. لم يفعل ذلك بدافع القوة وحدها، بل ربما أراد الانتقام من سولي وأهلها، ومعاقبتهم على ما لم يستطيعوا منعه أو مواجهته. قبض لوكا يده. — لن أسمح له بأن يدفن تلك الجريمة كما دفن غيرها. أريد أن يعرف الجميع أن ما فعله لم يكن صراعًا عائليًا، بل سلسلة جرائم ارتكبها بدافع الحقد والانتقام. قال مارك بحذر: — إذا فتحنا هذا الملف، فقد نكتشف أن مورفون لم يكن يعمل وحده. — إذًا اكشف كل من شاركه. لا تحمِ أحدًا، ولا تستثنِ أحدًا، حتى لو قادنا ذلك إلى قلب إمبراطورية فيتالي نفسها. — وماذا ستفعل إذا ثبتت مسؤوليته؟ رفع لوكا عينيه إليه، وكان صوته هادئًا على نحو مخيف. — سأسلمه إلى القانون بكل ما لدينا من أدلة. لن أقتله، ولن أسمح لأحد بأن ينتقم منه في الخفاء. أريده أن يواجه جرائمه علنًا، وأن يعرف الجميع أنه لم يكن ضحية مؤامرة، بل الرجل الذي دمّر حياة إيدريان ميرافيل وزوجته، وأرعب سولي، وكاد يقتل أيان. ثم أضاف: — أريد أن يُكشف تورطه مع العصابات، وأن يُثبت أنه كان السبب في موت إيدريان وزوجته إن كانت الأدلة تقود إلى ذلك، وأن دافعه كان الانتقام من سولي وأهلها. لن أترك له فرصة ليعيد كتابة الحقيقة كما يشاء. أومأ مارك ببطء. — سأبدأ فورًا. — لا، يا مارك. ابدأ قبل أن يسبقنا أحد إلى الأدلة. — مفهوم. — وأرسل نسخًا موثقة إلى أكثر من جهة. لا أريد أن يتمكن أحد من إخفائها أو إتلافها. — سأفعل. وقبل أن يغادر، قال لوكا: — مارك. التفت إليه. — نعم؟ — إذا وجدت أن أحدًا من عائلتي كان يعرف الحقيقة وسكت عنها، فسجّل اسمه أيضًا. نظر مارك إليه طويلًا، ثم أومأ. — سأفعل. غادر مارك، وبقي لوكا وحده للحظات. ثم التقط هاتفه واتصل بالجهة القانونية التي تتولى قضايا العائلة، طالبًا منها الحضور فورًا وتسليم الأدلة كاملة، دون أي تدخل من مورفون أو رجاله. لم يكن يريد أن ينتقم منه في الظلام. كان يريد أن يراه يواجه كل ما فعله أمام القانون، بلا نفوذ يحميه، وبلا اسم يفتح له الأبواب. لأن العقاب الذي يستحقه مورفون لم يكن أن يخسر معركة أمام لوكا فحسب. بل أن يفقد القدرة على إيذاء أيان إلى الأبد، وأن تُكشف كل الجرائم التي ارتكبها بحق سولي وأهلها، وكل الدماء التي ربما سالت بأمره. --- في صباح اليوم التالي، لم يكن القصر يشبه نفسه. وصل رجال التحقيق إلى المدخل الرئيسي، برفقة مسؤولين يحملون أوامر رسمية. تحرك الحراس في المكان، وانتشرت الهمسات بين أفراد العائلة الذين بدأوا يدركون أن شيئًا كبيرًا يحدث. كان مورفون في مكتبه عندما دخل أحد رجاله وأخبره بما يجري. نهض من كرسيه بعصبية. — ماذا تقصد بأنهم هنا؟ — إنهم يريدون التحدث معك يا سيدي. يقولون إن هناك أدلة جديدة في قضية اختطاف الطفل. تغير وجه مورفون. — أي أدلة؟ لم يجبه الرجل. فاندفع مورفون إلى الخارج، متجهًا نحو القاعة الكبرى. وهناك وجد لوكا واقفًا قرب الدرج، وإلى جانبه مارك، بينما كانت سولي تقف خلفهما ممسكة بيد أيان. كان أيان قد استيقظ قبل قليل، وأصر على البقاء مع والديه، لكنه بدا متعبًا، فجلست سولي على مقعد قريب وضمته إلى جانبها. ما إن رأى مورفون الطفل حتى تغيرت ملامحه. ثم نظر إلى لوكا. — ماذا تفعل؟ أجابه لوكا ببرود: — ما كان يجب أن أفعله منذ البداية. ضحك مورفون بسخرية. — هل تظن أن بإمكانك تهديدي برجال الشرطة؟ أنا الذي بنيت هذه العائلة! أنا الذي صنعت الإمبراطورية التي تقف فوقها الآن! لم يتحرك لوكا. — وربما كنت تعتقد أن ذلك يمنحك الحق في فعل ما تشاء. تقدم مورفون نحوه. — أنت لا تعرف شيئًا عما أحاول حمايته. — أعرف ما يكفي. أشار لوكا إلى الملف الذي يحمله مارك. — أعرف أنك أمرت بتزوير تقارير طبية عن ابني. وأعرف أنك استغليت نفوذك للوصول إليه، وأنك أخذته من غرفته دون موافقة والديه، ثم وضعت حياته في خطر. توقف لحظة. — وأعرف أنك حاولت أن تقنع طفلًا صغيرًا بأن أباه لا يحبه، حتى تكسر قلبه قبل أن تكسر عائلته. ساد الصمت في القاعة. كان أيان يراقب المشهد من مكانه، وأصابعه الصغيرة متشبثة بيد أمه. شعرت سولي بذلك، فمالت نحوه وهمست: — لا تخف يا حبيبي. أنا هنا. ثم رفعت رأسها ونظرت إلى مورفون مباشرة. لم يكن في عينيها خوف هذه المرة. — لقد أخفت ابني، وجعلته يظن أنه غير محبوب. جعلته يبكي لأنه صدّق للحظة أن أباه قد يتركه. أخذت نفسًا عميقًا. — لن أسامحك على ذلك. نظر إليها مورفون بازدراء. — أنتِ لا تعرفين مع من تتحدثين. نهضت سولي، لكنها أبقت أيان بجانبها. — بل أعرف. أنت الرجل الذي دمّر عائلتي في الماضي، ثم حاول أن يسلبني ابني الآن. ولطالما ظننت أن الخوف سيجبرني على الصمت. تقدمت خطوة. — لكنك لن تستخدم خوفي بعد اليوم. تصلبت ملامح مورفون، ثم استدار نحو لوكا. — هل ستسمح لها بالتحدث إليّ بهذه الطريقة؟ أجابه لوكا دون تردد: — لن تحتاج إلى إذني لتقول الحقيقة. وفي تلك اللحظة، تقدم المحقق المسؤول. — السيد مورفون، لدينا أمر باقتيادك للتحقيق على خلفية أدلة تتعلق بالاختطاف والتزوير وتعريض قاصر للخطر، إضافة إلى شبهات تتعلق بالتآمر والارتباط بجماعات إجرامية وجرائم قديمة قيد التحقيق. ستتاح لك فرصة الرد على الاتهامات عبر الإجراءات القانونية. تجمد مورفون. للحظة، بدا وكأنه لم يفهم ما سمعه. ثم التفت إلى لوكا، وقد تغير صوته. — أنت تفعل هذا باسم العائلة؟ اقترب لوكا خطوة واحدة. — لا. أفعل هذا من أجل ابني، ومن أجل سولي وأهلها، ومن أجل كل من أُسكت خوفًا منك. — أنت تدمر كل ما ورثته! نظر لوكا إليه طويلًا. — إذا كانت هذه الإمبراطورية لا تستطيع البقاء إلا بحمايتك، وبالتستر على جرائمك، فلا أريدها. اتسعت عينا مارك، بينما بقيت سولي صامتة، تنظر إلى زوجها وكأنها تراه للمرة الأولى. أما لوكا، فتابع: — كنت تعتقد أنني سأختار اسم فيتالي على حساب عائلتي. أخطأت. ثم أشار نحو أيان. — هذا الطفل ليس أداة في صراعك، وليس تهديدًا لمكانتك. إنه ابني. ولن أسمح لك بأن تمد يدك إليه مرة أخرى. ثم أضاف، وهو يثبت نظره في عيني مورفون: — ولن أسمح لك بأن تدفن حقيقة ما حدث لإيدريان ميرافيل وزوجته، أو أن تخفي صلتك بالعصابات التي استخدمتها للانتقام من سولي وأهلها. ستظهر الحقيقة كاملة، وستواجه كل ما فعلته. تغير وجه مورفون للحظة، ثم عاد إلى قسوته. — لا تملك دليلًا على شيء. رفع مارك الملف قليلًا. — لدينا ما يكفي لفتح التحقيق، ولدينا أدلة أخرى في طريقها إلى الجهات المختصة. حاول مورفون الاعتراض، وبدأ يتحدث عن نفوذه، وعن الأشخاص الذين سيقفون إلى جانبه، وعن أن لوكا سيندم على قراره. لكن المحققين لم يتراجعوا. اقترب أحدهم منه، وأبلغه مجددًا بإجراءات اقتياده، بينما وقف مورفون يحدق في لوكا بنظرة ممتلئة بالغضب. وقبل أن يخرج من القاعة، قال بصوت منخفض: — ستندم على اليوم الذي تحديتني فيه. لم يجب لوكا فورًا. ثم قال: — اليوم الوحيد الذي كنت سأندم عليه هو اليوم الذي أتركك فيه تؤذي ابني أو سولي وأهلها دون أن أوقفك. اقتاد المحققون مورفون إلى الخارج. وبقيت أصوات خطواتهم تتردد في أروقة القصر، حتى أُغلق الباب الرئيسي خلفهم. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، لم يكن مورفون هو الرجل الذي يصدر الأوامر في ذلك المكان. كان رجلًا يواجه تحقيقًا رسميًا، وقد باتت الأدلة ضده في أيدي السلطات. لم يكن ذلك نهاية القضية بعد، ولم تكن محاكمته قد بدأت. لكن نفوذه لم يعد كافيًا لإبقاء الحقيقة مدفونة. --- لم تتحرك سولي فورًا. بقيت تنظر إلى الباب الذي خرج منه مورفون، وقلبها يخفق بقوة. ثم شعرت بيد صغيرة تشد طرف ثوبها. نظرت إلى الأسفل. كان أيان يرفع عينيه إليها. — ماما؟ انحنت نحوه. — نعم يا حبيبي؟ — هل سيعود الرجل المخيف؟ ضمته إلى صدرها. — لن يستطيع الاقتراب منك الآن. وهناك أشخاص سيحرصون على أن يواجه ما فعله. ثم أضافت، وهي تنظر إلى لوكا: — ولن نسمح لأحد بأن يؤذيك وحدك مرة أخرى. اقترب لوكا وجثا أمام أيان. — يا بطل، هل تتذكر ما قلته لك بالأمس؟ أومأ أيان. — أنك تحبني؟ ابتسم لوكا بحزن وحنان. — نعم. وسأقولها لك كل يوم إن احتجت إلى ذلك. ثم فتح ذراعيه، فاندفع أيان نحوه. احتضنه لوكا ورفعه بين ذراعيه، بينما أخفى الصغير وجهه في عنقه. — أحبك يا أبي. أغمض لوكا عينيه، وضم ابنه إلى صدره. — وأنا أحبك أكثر مما تتخيل يا أيان. وقفت سولي أمامهما، والدموع تتجمع في عينيها من جديد. مد لوكا يده الحرة نحوها. اقتربت منهما، وأمسكت يده. لم يقل لها إنه أنهى كل شيء، لأنه كان يعرف أن الطريق ما زال طويلًا، وأن التحقيق قد يكشف أسرارًا أخرى، وأن الإمبراطورية التي تحداها اليوم قد تبدأ بالاهتزاز فعلًا. لكنه نظر إليها وقال: — قد أخسر الكثير بسبب هذا القرار. نظرت سولي إليه. — هل تندم؟ هز رأسه دون لحظة تردد. — لا. ثم نظر إلى أيان بين ذراعيه. — لو كان عليّ أن أبدأ من الصفر، فسأفعل. ولو انهارت إمبراطورية فيتالي كلها غدًا، فسأبني حياة جديدة لنا. ارتجفت شفتا سولي، فابتسمت وسط دموعها. — لا أريد إمبراطورية يا لوكا. رفع عينيه إليها. — ماذا تريدين إذًا؟ نظرت إلى ابنهما. — أريد أن يكبر أيان دون أن يخاف من أن يُؤخذ منا. أريده أن ينام وهو مطمئن، وأن يركض ويلعب دون أن يلتفت خلفه. أريده أن يعرف أن لديه أمًّا وأبًا سيقفان إلى جانبه مهما حدث. اقترب لوكا منها أكثر. — وهذا ما سيحدث. وضعت سولي رأسها على كتفه للحظة، بينما ظل أيان بينهما، يحيط عنق أبيه بذراعيه. خارج القصر، كانت السيارات تغادر بعد اقتياد مورفون، وبدأت إمبراطورية فيتالي تدخل واحدة من أصعب مراحلها. أما داخل القاعة، فلم يفكر لوكا في الشركات التي قد يخسرها، ولا في الأشخاص الذين قد ينقلبون عليه، ولا في الاسم الذي حمله طوال حياته. كان يفكر في شيء واحد فقط. في الطفل الذي كاد يخسره. وفي السنوات التي سُرقت منهما. وفي الوعد الذي قطعه لنفسه وهو يرى أيان على سرير المستشفى. لن يكون ابني وحده في مواجهة الخوف مرة أخرى. لقد اتخذ قراره. من أجل أيان، سيواجه العائلة كلها، وسيكشف كل ما يجب كشفه، وسيترك القانون يحاسب مورفون على جرائمه، بما في ذلك تورطه المحتمل مع العصابات، ودوره في موت إيدريان ميرافيل وزوجته، وانتقامه من سولي وأهلها. وإذا تطلب الأمر أن ينهار عالم فيتالي القديم حتى يتمكن ابنه من العيش بأمان... فليَنهَر. فالعائلة التي يستحق أن يحميها لوكا لم تعد إمبراطوريةً من المال والنفوذ. بل كانت سولي وأيان.🥹❤️🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة!
[عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا
[ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن
الفصل — هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فقد قرأت ا
[ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام
[من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ







