LOGINالفصل — هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ
كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فقد قرأت الإجابة في عينيها، وفي التعب الذي بدا على ملامحها. ابتعدت الجدة قليلًا، وأمسكت وجه سولي بين يديها. — هل صدر الحكم؟ أومأت سولي. — نعم. أُدين مورفون في التهم التي ثبتت عليه، وستستمر التحقيقات في بقية القضايا. تنفست الجدة بعمق، وكأنها كانت تحبس أنفاسها طوال اليوم. — إذًا، بدأت العدالة أخيرًا تأخذ طريقها. ثم مررت إبهامها فوق خد سولي. — لكنكِ تبدين مرهقة جدًا. ابتسمت سولي ابتسامة صغيرة. — أنا بخير، جدتي. أريد فقط أن أرتاح قليلًا. وقبل أن تتمكن الجدة من الإجابة، ظهر أيان من خلف لوكا، وهو يحمل ورقته الصغيرة التي رسم عليها عائلته. تعلقت عيناه بجدته الكبرى. — جدتي! انحنت المرأة نحوه فورًا. — أيان يا حبيبي! فتح ذراعيه، فضمته إلى صدرها، وقبّلت شعره ووجنتيه. — لقد اشتقت إليك كثيرًا. ابتسم أيان. — وأنا أيضًا. هل تعلمين؟ أبي وعدني أن يقرأ لي قصتين الليلة! رفعت الجدة رأسها نحو لوكا، وظهرت على وجهها ابتسامة ذات معنى. — قصتين، إذًا؟ أجاب لوكا بجدية مصطنعة: — لقد فاوضني على الأمر، ولم أستطع رفض طلبه. ضحكت الجدة. — يبدو أنك بدأت تتعلم كيف يتعامل الأطفال مع آبائهم. نظر لوكا إلى أيان، الذي كان يبتسم بفخر، ثم هز رأسه. — بدأت أتعلم، نعم. شعرت سولي بدفء ينتشر داخل صدرها وهي تراقب المشهد. لم يكن الأمر كبيرًا في ظاهره. مجرد حديث صغير عند مدخل القصر. لكنها لم تعتد يومًا أن ترى أيان محاطًا بكل هذا الحب، وأن تسمعه يتحدث عن أبيه بهذه العفوية، من دون أن ينظر إليها بخوف أو يتساءل إن كان سيبقى معه. كان ذلك كافيًا ليجعل يومها يستحق كل التعب الذي مرّت به. --- دخلوا إلى القصر، فوجدوا لورينزو وإيلارا ينتظرانهم في الصالة، بينما كانت ثيا تجلس على الأريكة وتعبث بشريط شعرها. وما إن رأت أيان حتى نهضت بحماس. — أيان! التفت إليها الصغير. — ثيا! اقتربت منه، ثم توقفت فجأة وكأنها تذكرت شيئًا. — هل أحضرت رسمتك؟ رفع أيان الورقة بفخر. — نعم! هذه عائلتي. مالت ثيا لتنظر إليها. كان الرجل الطويل يمسك يد المرأة، بينما يقف الطفل بينهما، وفوقهم رسم أيان شمسًا كبيرة وابتسامة عريضة. أشارت ثيا إلى الرجل. — هذا أبوك؟ أومأ أيان. — نعم. وهذا أنا، وهذه ماما. ابتسمت ثيا. — رسمتَ الشمس كبيرة جدًا. نظر أيان إلى الورقة، ثم أجاب بكل ثقة: — لأننا سعداء. ساد صمت صغير. نظرت سولي إلى لوكا. كان ينظر إلى ابنه، وفي عينيه حنان لا يحاول إخفاءه هذه المرة. مد لوكا يده نحو أيان، فاقترب الصغير منه وأمسك بإصبعه، ثم عاد إلى الحديث مع ثيا. في تلك اللحظة، اقترب لورينزو من ابن عمه وربت على كتفه. — يوم طويل، أليس كذلك؟ أجابه لوكا: — أطول مما أريد تذكره. — على الأقل، انتهى الجزء الأصعب. نظر لوكا نحوه. — جزء منه فقط. ما زالت هناك تحقيقات أخرى. هز لورينزو رأسه. — أعرف. لكن الليلة، على الأقل، يمكنك أن تمنح نفسك استراحة قصيرة. ابتسم لوكا ابتسامة غامضة. — هذا ما أنوي فعله. ضيّق لورينزو عينيه. — لماذا أشعر أنك تخفي شيئًا؟ — لأنك فضولي أكثر مما ينبغي. ضحك لورينزو. — هذه ليست إجابة. — لكنها كل ما ستحصل عليه. ثم ابتعد لوكا عنه قبل أن يتمكن من طرح سؤال آخر. راقبته إيلارا للحظة، ثم نظرت إلى سولي التي كانت تساعد جدتها على الجلوس. لاحظت أن لوكا توقف عند طرف الصالة، وألقى نظرة سريعة نحو سولي، ثم نظر إلى ساعته. ظهرت على وجه إيلارا ابتسامة صغيرة. ابتسامة شخص بدأ يفهم ما يجري قبل الجميع. --- بعد قليل، اجتمعت العائلة حول طاولة صغيرة لتناول شيء من الطعام والشراب قبل أن يتفرق كل منهم إلى غرفته. لم يكن هناك احتفال صاخب، ولا رغبة في استعادة أحداث المحكمة. أرادوا جميعًا قضاء بعض الوقت بهدوء، بعيدًا عن الكاميرات والأسئلة والوجوه التي ظلت تراقبهم طوال اليوم. جلست سولي قرب جدتها، بينما جلس لوكا في الجهة المقابلة، وأيان إلى جواره. كان الصغير يتحدث بحماس عن الأشياء التي يريد أن يفعلها في الأيام المقبلة. — أريد أن أذهب إلى الحديقة غدًا، وأرسم شجرة كبيرة! قالت الجدة: — يمكنك أن ترسمها في الحديقة الخلفية، يا حبيبي. فكر أيان قليلًا. — وهل يمكن أن يرسم أبي معي؟ نظر لوكا إليه. — بالتأكيد. — وماما أيضًا؟ التفتت سولي إليه، وابتسمت. — سأرسم معكما. هز أيان رأسه بارتياح، وكأنه أنهى اجتماعًا مهمًا للغاية. — جيد. إذًا، سنرسم عائلتنا مرة أخرى. ضحك لورينزو. — يبدو أننا سنغرق في الرسومات قريبًا. رد أيان بسرعة: — يمكنك أن تحصل على واحدة إذا أردت. رفع لورينزو حاجبيه. — حقًا؟ وماذا سأجد فيها؟ فكر الطفل قليلًا، ثم قال: — أنت وإيلارا وثيا. ابتسمت إيلارا، بينما وضعت ثيا رأسها على كتف أمها بخجل. — أريد رسمة أيضًا. أومأ أيان. — حسنًا! راقبت سولي المشهد وهي تشعر بأن قلبها يمتلئ بالامتنان. لم تكن تعرف كيف ستبدو حياتهم بعد أشهر، ولا ما الذي ستكشفه التحقيقات، ولا إلى أي مدى ستتغير أعمال عائلة فيتالي. لكنها كانت تريد أن تتذكر هذه اللحظة. لحظة عادية، بسيطة، مليئة بالحديث والضحكات الصغيرة. لحظة لم يكن فيها مورفون سوى اسم خلف أبواب المحكمة، ولم يكن فيها أيان مضطرًا إلى الخوف. وعندما انتهى الجميع من تناول الطعام، بدأت الخادمة تجمع الأطباق. نهضت الجدة ببطء. — سأذهب إلى غرفتي قليلًا. أشعر أنني أحتاج إلى نوم طويل. اقتربت منها سولي وقبّلت خدها. — سأطمئن عليكِ قبل أن أنام. ربتت الجدة على يدها. — لا تقلقي عليّ. اهتمي بنفسك أنتِ أيضًا. ثم نظرت إلى لوكا. — وأنت، لا تجعلها تسهر طويلًا بعد هذا اليوم. رفع لوكا حاجبه. — سأحاول. ضحكت الجدة وهي تغادر. وبعدها بدأ الجميع يتفرقون. صعدت إيزابيلا وإيزابيل إلى الطابق العلوي، ورافقت كارلي جدة سولي إلى جناحها لبعض الوقت، بينما اتجه لورينزو وإيلارا نحو الدرج، وكانت ثيا تتثاءب وهي تمسك بيد أمها. أما أيان، فكان يقاوم النعاس بوضوح. جلس على الأريكة، ثم مال رأسه إلى جانبها، قبل أن ينتبه فجأة إلى لوكا ويعتدل في مكانه. — أبي؟ التفت لوكا إليه. — نعم يا بطل؟ — هل حان وقت القصتين؟ ضحكت سولي بخفة. — أظن أنك ستنام قبل أن تصل إلى نهاية القصة الأولى. هز أيان رأسه بعناد. — لا. أنا مستيقظ. وفي اللحظة التالية، تثاءب تثاؤبًا طويلًا جعل لورينزو يضحك من بعيد. حمله لوكا بين ذراعيه. — بالتأكيد، أنت مستيقظ جدًا. أراح أيان رأسه على كتف أبيه، ثم رفع إصبعه الصغير وكأنه يتذكر أمرًا مهمًا. — أبي، أريد أن أنام في غرفتك الليلة. نظر لوكا إلى سولي للحظة، ثم عاد إلى ابنه. — حسنًا. ستنام معي. ابتسم أيان ولف ذراعه حول عنق أبيه. وقبل أن يصعد لوكا الدرج، التفت إلى سولي. — سولي. رفعت رأسها إليه. — نعم؟ بدا صوته هادئًا، لكنه يحمل شيئًا غامضًا جعلها تعقد حاجبيها قليلًا. — أريدك أن تجهزي نفسك بعد أن ترتاحي قليلًا. سأخرج بكِ الليلة إلى مكان ما. رمشت سولي بدهشة. — الليلة؟ — نعم. — إلى أين؟ ظهرت على شفتيه ابتسامة صغيرة. — ستعرفين عندما نصل. نظرت إليه باستغراب أكبر. — لوكا، نحن عدنا للتو من المحكمة. ألا يجب أن ترتاح أنت أيضًا؟ — سأرتاح. — وهذا يعني أنك ستأخذني إلى مكان مجهول بدل أن تنام؟ — بالضبط. لم تستطع سولي منع نفسها من الضحك. — أنت مستحيل! قال لوكا بجدية مصطنعة: — سمعت هذا من قبل. ثم أضاف وهو يعدل أيان بين ذراعيه: — جهزي نفسك. سأعود إليكِ بعد قليل. وقبل أن يمنحها فرصة أخرى للسؤال، صعد الدرج متجهًا إلى غرفته. بقيت سولي تنظر خلفه، ثم التفتت نحو إيلارا. — هل تعرفين إلى أين يأخذني؟ كانت إيلارا قد توقفت عند بداية الدرج، وما إن سمعت السؤال حتى انطلقت منها ضحكة خفيفة. — لا، لا أعرف. ضيقت سولي عينيها. — أنتِ تكذبين. رفعت إيلارا يديها باستسلام، وابتسامتها تزداد اتساعًا. — أقسم إنني لا أعرف المكان. لكن... توقفت متعمدة. اقتربت سولي خطوة. — لكن ماذا؟ نظرت إيلارا نحو الدرج الذي اختفى فيه لوكا. — لكنني أعتقد أن ابن عم لورينزو قد جهز شيئًا مميزًا. ثم نظرت إلى سولي بنظرة مرحة. — وبما أنني أعرف لوكا منذ سنوات، فأستطيع أن أقول لك شيئًا واحدًا. — ماذا؟ ابتسمت إيلارا. — عندما يقرر هذا الرجل أن يفاجئ شخصًا يهتم به، فإنه يخطط لكل شيء في صمت، ثم يتصرف وكأن الأمر لا يستحق كل هذا الغموض. ابتسمت سولي رغمًا عنها. — لكنه لم يكن يفعل ذلك معي من قبل. تغير تعبير إيلارا قليلًا، وصارت ابتسامتها أكثر دفئًا. — ربما لأنه لم يكن يعرف كيف يُظهر لكِ ما يشعر به. أو ربما كان يظن أن الوقت قد فات. نظرت سولي نحو الدرج. لم تجب. اقتربت إيلارا منها، ثم ضغطت على يدها بخفة. — لا تفكري كثيرًا. اذهبي واستمتعي بالليلة. — وماذا عنكِ؟ رفعت إيلارا ثيا بين ذراعيها، فاستندت الصغيرة إلى كتفها بنعاس. — سأصطحب أميرتي إلى غرفتها قبل أن تنام واقفة، ثم سأذهب مع لورينزو لأرتاح. لدينا يوم طويل خلفنا. ظهر لورينزو خلفها، وقد سمع آخر جملة. — وهل ذكرتِ أنني سأرتاح، أم أنكِ قررتِ عني؟ نظرت إليه إيلارا. — هل لديك اعتراض؟ فكر لورينزو للحظة. — لا، ليس لديّ. ضحكت إيلارا. ثم التفتت إلى سولي مرة أخيرة. — أريد أن أسمع كل شيء غدًا. احمر وجه سولي قليلًا. — إيلارا! ضحكت صديقتها وهي تبتعد. — ماذا؟ لم أقل شيئًا! وبعد دقائق، خلت الصالة من الجميع. بقيت سولي وحدها للحظات، تفكر في كلمات لوكا الغامضة. مكان ما. مفاجأة. وتلك النظرة التي رماها بها قبل أن يصعد. وضعت يدها على صدرها، ثم هزت رأسها بخفة. — ماذا تخطط هذه المرة يا لوكا؟ لكنها كانت تبتسم. --- عادت سولي إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها. وقفت للحظات في منتصف المكان، تنظر إلى النافذة الواسعة والستائر الناعمة التي تحركها نسمة المساء الخفيفة. كان يومها طويلًا فعلًا. منذ الصباح، كانت تعيش بين القلق والترقب، ثم المحكمة والشهادات، وبعدها الحكم الذي انتظرته طويلًا. شعرت بالتعب في قدميها، وبثقل خفيف خلف عينيها. لذلك جلست أولًا على طرف السرير، وأخذت نفسًا عميقًا. لم يكن عليها أن تفعل شيئًا الآن. لم يكن هناك محامٍ ينتظر جوابها، ولا صحفي يلاحقها بسؤال، ولا رجل يستطيع أن يهددها باسم سلطته. كانت في غرفتها. في بيتها. وكان أيان في الطابق العلوي مع أبيه، آمنًا. ابتسمت عند الفكرة. ثم تذكرت لوكا. نهضت واتجهت نحو الخزانة. فتحت أبوابها، وراحت تنظر إلى الثياب المرتبة داخلها. لم تكن تعرف طبيعة المكان الذي سيأخذها إليه، ولا إن كان يريد اصطحابها إلى مطعم أو إلى أحد الأماكن التي اعتاد زيارتها في ميلانو. فكرت في ثوب أنيق، ثم في ثوب آخر. أمسكت فستانًا بلون كريمي ناعم، يتسع بانسيابية من الخصر، وأكمامه الخفيفة تنتهي عند المعصمين. كان بسيطًا دون أن يكون عاديًا، ويمنحها شعورًا بالراحة والأناقة في الوقت نفسه. وضعت الفستان فوق السرير، ثم أخرجت حذاءً بلون قريب منه. بعد ذلك، دخلت الحمام. غسلت وجهها بالماء الفاتر، وتركت نفسها للحظات تحت الماء، وكأنها تودّع ما تبقى من توتر اليوم. عندما خرجت، ارتدت الفستان، ثم وقفت أمام المرآة لترتب شعرها الطويل. تركته منسدلًا على ظهرها، واكتفت بتمشيطه حتى صار ناعمًا ومنظمًا، ثم أبعدت بعض الخصلات عن وجهها. لم ترغب في تسريحة معقدة. كانت تريد أن تبدو على طبيعتها. وضعت لمسة خفيفة من مستحضر الشفاه، واختارت أقراطًا صغيرة رقيقة، ثم ارتدت السوار البسيط الذي اعتادت الاحتفاظ به منذ سنوات. وعندما انتهت، تراجعت خطوة عن المرآة. حدقت في انعكاسها. لم تكن تحاول أن تكون أجمل من أي امرأة أخرى، ولم تكن تريد أن تثبت شيئًا لأحد. كانت فقط تريد أن تشعر بأنها سولي. الفتاة التي تحب الزهور، وتحب رائحة المطر، وتبتسم عندما ترى شيئًا جميلًا، حتى لو حاولت الحياة أن تجعلها تنسى ذلك. رفعت يدها ولمست طرف السوار. ثم تذكرت صوت لوكا في الصباح، وطريقته وهو يمسك يدها داخل المحكمة، دون أن يطلب منها أن تكون قوية. شعرت بدفء يصعد إلى وجنتيها. — لماذا أنا متوترة هكذا؟ تمتمت لنفسها. لكنها لم تجد جوابًا. ربما لأن لوكا لم يخبرها إلى أين سيأخذها. وربما لأن جزءًا منها كان سعيدًا بأن هناك شيئًا ينتظرها، شيئًا لم تُضطر إلى التخطيط له بنفسها، ولم يكن مرتبطًا بالخوف أو بالماضي. جلست قليلًا، ثم سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. رفعت رأسها بسرعة. — تفضل. انفتح الباب. ودخل لوكا. كان قد بدّل ملابسه بملابس أنيقة داكنة، وارتدى قميصًا أسود بأكمام طويلة، ترك أول أزراره مفتوحة على نحو بسيط، مع بنطال رسمي يناسبه. أما شعره الأسود، فكان منسدلًا بطبيعته حول أذنيه، مرتبًا دون أن يبدو مصففًا بعناية مبالغ فيها. دخل خطوة واحدة... ثم توقف. كانت سولي تقف قرب المرآة، وقد استدارت نحوه بعد أن سمعت الباب. رفع لوكا عينيه إليها. وبقي ينظر. لم يقل شيئًا. فقط ظل واقفًا عند الباب، وكأن الكلمات التي كان ينوي قولها اختفت فجأة من ذهنه. نظرت سولي إلى نفسها للحظة، ثم إليه. — ماذا؟ لم يجب. مال رأسه قليلًا، وتأمل ملامحها كما لو أنه يحاول حفظها في ذاكرته. خصلات شعرها المنسدلة على كتفيها. عيناها البنيتان. اللون الخفيف الذي ظهر على وجنتيها. والابتسامة الصغيرة المرتبكة التي حاولت إخفاءها. شعر لوكا بأن شيئًا داخله يهدأ. كان قد أمضى سنوات يتذكرها من خلال الذكريات والصور التي احتفظ بها، لكنه الآن يقف أمامها حقًا، يراها بعينيه، ويعرف أنها لم تعد مجرد جزء من ماضٍ لا يستطيع استعادته. إنها هنا. قريبة منه. وأمامه فرصة لأن يبدأ معها شيئًا جديدًا. وأخيرًا، تنحنح بخفة. — تبدين جميلة. اتسعت عينا سولي قليلًا. لم تكن الجملة طويلة، ولا قالها بطريقة مبالغ فيها. لكنها خرجت منه بصدق واضح جعلها عاجزة عن الرد للحظة. ثم احمر وجهها. — شكرًا... ابتسم لوكا ابتسامة صغيرة. — لا داعي للشكر. أنا فقط أقول الحقيقة. أشاحت سولي بنظرها نحو المرآة، تحاول أن تخفي ابتسامتها. — وأنت تبدو أنيقًا أيضًا. رفع حاجبه. — أيضًا؟ التفتت إليه باستغراب. — ماذا تقصد؟ اقترب خطوة. — هل هذا يعني أنك كنتِ تنتظرين مني أن أقول إنك جميلة، ثم تعطينني مجاملة بالمقابل؟ شهقت بخفة. — لوكا! ضحك، وكان ذلك الصوت نادرًا بما يكفي ليجعلها تنظر إليه من جديد. لم يكن ضحكه عاليًا، لكنه أزال شيئًا من التوتر الذي استقر بينهما منذ الصباح. مد يده إليها. — هل نذهب؟ نظرت إلى يده، ثم إليه. — قبل ذلك... إلى أين سنذهب؟ أبقى يده ممدودة. — لقد أخبرتكِ. — قلت إنك ستأخذني إلى مكان ما. لم تخبرني أين. — وهذا جزء من المفاجأة. ضيقت عينيها. — أنا لا أحب المفاجآت التي تجعلني أجهل إلى أين أنا ذاهبة. — سأخبركِ إن شعرتِ بعدم الارتياح. نظرت إلى عينيه. لم يكن يتهرب من سؤالها ليزعجها، ولم يكن يريد منها أن توافق على شيء لا تريده. كان فقط يحتفظ بسر صغير، ويبدو أنه متحمس لرؤية رد فعلها عندما تكتشفه. مدت يدها أخيرًا ووضعته في يده. — حسنًا. لكن إذا أخذتني إلى مكان بعيد ثم اكتشفت أنني نسيت هاتفي... رفع هاتفها من فوق الطاولة، حيث وضعته قبل قليل. — هل تقصدين هذا؟ حدقت فيه. — متى أخذته؟ — لم آخذه. كان هنا. أخذته منه بخجل، فضحك مرة أخرى. ثم اقترب منها وفتح الباب. — تفضلي، سيدتي. توقفت سولي للحظة. — سيدتي؟ انحنى قليلًا، متصنعًا الرسمية. — بالطبع. فأنا أرافق امرأة جميلة الليلة، ويجب أن أتصرف بما يليق. ابتسمت سولي، ثم مرت من جانبه. لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من النظر إليه مرة أخرى. كان لوكا مختلفًا قليلًا الليلة. ليس لأنه ارتدى ملابس أنيقة، بل لأن ملامحه لم تحمل تلك القسوة التي اعتادت أن تراها عندما يحاول إخفاء مشاعره. كان يبدو متوترًا أيضًا. والمفاجأة التي يخطط لها ربما تعني له أكثر مما أراد أن يظهر. --- خرج الاثنان من القصر، وكانت السيارة تنتظرهما عند المدخل. فتح لوكا الباب لسولي، ثم دار حول السيارة وجلس خلف المقود. لم يكن هناك سائق معهما. نظرت سولي إليه باستغراب. — أنت من سيقود؟ — هل تفضلين أن أقود السيارة بنفسي أم أستدعي سائقًا؟ ابتسمت. — لم أقصد ذلك. فقط ظننت أنك لن تفعل بعد يوم طويل كهذا. شغّل المحرك. — أريد أن أقود بنفسي الليلة. التفتت إليه قليلًا. — لماذا؟ نظر إليها للحظة، ثم أعاد عينيه إلى الطريق. — لأنني أريد أن تكون هذه الليلة لنا، دون أن أشعر أنني أتنقل من اجتماع إلى آخر. لم تعرف سولي كيف ترد. اكتفت بالنظر من النافذة. بدأت أضواء ميلانو تبتعد خلفهما شيئًا فشيئًا، واستبدلت بها شوارع أهدأ تصطف على جانبيها الأشجار، ثم طرق صغيرة تحيط بها مساحات خضراء. كان المساء لطيفًا، والسماء قد بدأت تتخذ لونًا بنفسجيًا خافتًا. كلما ابتعدا عن المدينة، ازداد فضول سولي. نظرت إلى لوكا أكثر من مرة، لكنه لم يعطها أي تلميح. وفي إحدى المرات، التفت إليها ووجدها تراقبه بوضوح. ابتسم. — ماذا؟ — أحاول أن أعرف إن كنت ستعطيني أي إشارة. — لن أفعل. — ولو طلبت منك بلطف؟ — لن أفعل أيضًا. عقدت ذراعيها أمام صدرها بتظاهر الغضب. — إذًا لن أتحدث معك طوال الطريق. رفع لوكا حاجبه. — حقًا؟ — نعم. مرّت بضع ثوانٍ. ثم سمع صوتها تسأله: — هل بقي الكثير؟ ضحك. التفتت إليه بسرعة. — لا تضحك! — أنا لم أقل شيئًا. — وجهك يقول كل شيء! هز رأسه مبتسمًا. — بقي القليل. عادت سولي إلى النظر عبر النافذة، لكن الابتسامة بقيت على شفتيها. وبعد دقائق، انعطفت السيارة نحو طريق صغير تحيط به الأشجار، حتى ظهر في نهايته كوخ حجري صغير. خفف لوكا السرعة، ثم أوقف السيارة أمامه. بقيت سولي تنظر من النافذة. لم تفهم في البداية ما الذي تراه. كان الكوخ صغيرًا، بجدران حجرية فاتحة وسقف مائل، وتلتف حول مدخله نباتات خضراء تتدلى منها أزهار صغيرة. وعلى طول الطريق المؤدي إلى الباب، وُضعت فوانيس منخفضة تلقي ضوءًا ذهبيًا فوق الحصى. أما النوافذ، فكانت مضاءة من الداخل بضوء دافئ. وعلى جانبي المدخل، امتدت تنسيقات من الزهور بألوان هادئة، بينها الأبيض والوردي والأصفر. اتسعت عينا سولي. — لوكا... فتح الباب ونزل، ثم دار إلى جهتها وفتحه لها. لم تتحرك فورًا. نظرت إليه بدهشة. — ما هذا المكان؟ مد يده إليها. — انزلي أولًا. وضعت يدها في يده ونزلت ببطء. عندما وقفت أمام الكوخ، أخذت تدير رأسها في كل اتجاه. كان المكان أكثر جمالًا مما تخيلت. على الشرفة الصغيرة، وُضعت طاولة مستديرة مغطاة بمفرش أبيض، وحولها كرسيان خشبيان. وفي منتصفها مزهرية زجاجية صغيرة تضم باقة من الزهور الطازجة. أما داخل الكوخ، فكان بإمكانها رؤية طاولة عشاء مضاءة بالشموع من خلال النافذة. تقدمت خطوة، ثم التفتت إلى لوكا. — متى... متى فعلت كل هذا؟ ابتسم، لكنه لم يجب فورًا. اقترب منها وأمسك يدها. — هل يعجبك المكان؟ نظرت إلى الكوخ مجددًا. — لوكا، إنه جميل جدًا... توقفت، وكأنها لا تعرف كيف تعبر عن دهشتها. — لكن متى استطعت تجهيز كل هذا؟ كنت معنا طوال اليوم، وبعد المحكمة عدنا إلى القصر مباشرة! ضحك بخفة. — أنتِ تراقبين تحركاتي أكثر مما توقعت. — لأنك تتصرف بطريقة غريبة منذ الصباح! رفع يدها قليلًا، وقبّل ظاهرها قبلة رقيقة. — استعنت بأشخاص أثق بهم. اتفقت معهم على كل شيء مسبقًا، وأرسلوا لي الصور لأختار التفاصيل. ولم أحتج إلى أن أفعل كل شيء بنفسي. ثم نظر إلى الكوخ بحنان. — أردت فقط أن أصل معكِ إلى هنا، وأن أراكِ تكتشفينه للمرة الأولى. بقيت سولي تنظر إليه، غير قادرة على إخفاء التأثر في عينيها. — لماذا؟ خرج السؤال منها بهدوء. لم يكن سؤالًا عن الزهور أو الشموع. بل عن السبب الذي جعله يفكر في هذه الليلة، ويجهز لها مكانًا كهذا، بعد يوم قضاه في مواجهة العالم كله. أخذ لوكا نفسًا عميقًا. ثم قال: — لأن وقتي لم يعد ملكًا للعمل وحده، ولا للعائلة، ولا لتلك الإمبراطورية التي قضيت حياتي أحاول حمايتها. نظر إليها مباشرة. — أريد أن يكون لي وقت لكِ أيضًا. لكِ ولأيان. وقت لا أقضيه وأنا أفكر في الاجتماع التالي أو في الشخص الذي يحاول انتزاع شيء مني. اقترب خطوة. — أريد أن أعيش معكما، لا أن أكتفي بحمايتكما من بعيد. ارتجفت شفتا سولي. تابع لوكا بصوت أهدأ: — لقد خسرت سنوات كثيرة مع أيان. وخسرت سنوات أكثر معكِ، سولي. لا أستطيع إعادتها، مهما تمنيت ذلك. خفض عينيه للحظة. — لكن وقتي من الآن فصاعدًا أريده لكما. لكل صباح أستطيع أن أبدأه إلى جانبكما، ولكل عشاء نجلس فيه معًا، ولكل قصة أقرأها لأيان، ولكل مرة أراكِ تبتسمين فيها دون أن تفكري في الخوف أو الماضي. ثم رفع عينيه إليها مجددًا. — لا أريد أن تقولي يومًا إنني كنت حاضرًا فقط عندما حدث شيء سيئ. أريد أن أكون موجودًا في الأيام الجميلة أيضًا. لم تستطع سولي حبس ابتسامتها التي امتزجت بدموع خفيفة. — أنت تجعلني أبكي كثيرًا في الآونة الأخيرة. مال رأسه قليلًا. — هل تريدين أن أعيدكِ إلى القصر؟ رفعت رأسها بسرعة. — لا! ثم أدركت سرعة جوابها، فاحمر وجهها. ابتسم لوكا ابتسامة واسعة هذه المرة. — إذًا، لنعد إلى الداخل. وضعت سولي يدها على ذراعه، ودخلت معه. --- كان الكوخ من الداخل دافئًا ومريحًا، بعيدًا تمامًا عن اتساع القصر وبرودته. أرضية خشبية بلون العسل، وأريكة صغيرة قرب المدفأة، ورفوف تحمل كتبًا قليلة وقطعًا فنية بسيطة. وعلى الطاولة الجانبية، وُضعت مزهرية أخرى تضم زهورًا ناعمة، بينما انتشرت الشموع في أماكن آمنة على رفوف مرتفعة وحول طاولة العشاء. كانت الأضواء خافتة، لكنها كافية لتجعل المكان يبدو كأنه يحتضن من يدخل إليه. تقدمت سولي ببطء، ومررت أصابعها على حافة إحدى الرفوف. — أشعر أن هذا المكان مختلف تمامًا عن القصر. كان لوكا قد وقف خلفها، يراقب ابتسامتها. — لهذا اخترته. التفتت إليه. — لا توجد هنا لوحات ضخمة، ولا ممرات طويلة، ولا أشخاص يراقبون كل خطوة... — ولا اجتماعات عائلية. ضحكت. — ولا جدّ يقرر ما يجب على الجميع فعله! ضحك لوكا معها. — هذه ميزة إضافية، أعترف بذلك. ثم أشار نحو طاولة الطعام. — تعالي. هناك شيء أريدك أن تجربيه. اقتربت سولي، فتوقفت عندما رأت الأطباق الموضوعة فوق الطاولة. لم يكن العشاء مبالغًا فيه، لكنه بدا معدًا بعناية. طبق رئيسي دافئ، وخضراوات طازجة، وخبز صغير، وسلطة مرتبة بطريقة جميلة، مع حلوى فردية في طبق زجاجي. رفعت عينيها إليه. — هل طلبت الطعام من المطعم؟ لم يجب فورًا. ثم سحب لها الكرسي. — اجلسي أولًا. جلست، بينما أخذ هو مكانه المقابل لها. نظرت إلى الطبق مرة أخرى. كان هناك شيء في ترتيبه مألوف، وطريقة تقديمه ذكّرتها بوجبة كانت تحبها منذ سنوات. التفتت إليه ببطء. — لوكا... هل طبخت هذا بنفسك؟ بدت عليه ابتسامة صغيرة، كأنه كان ينتظر أن تكتشف الأمر. — نعم. اتسعت عيناها. — أنت طبخت العشاء؟ — هل هذا مستحيل إلى هذه الدرجة؟ — لا، لكنني لم أتوقع أن تفعل ذلك! رفع حاجبه. — أعرف أنني لا أبدو كشخص يقضيوقته في المطبخ. — أنت لا تبدو كشخص يعرف أين تُحفظ الملاعق أصلًا! ضحك لوكا بصوت واضح هذه المرة. — هذه إهانة كبيرة. ابتسمت سولي حتى ظهرت غمازة خفيفة في خدها. — آسفة، لكنني أحاول تخيلك وأنت تطبخ. — يمكنك أن تتخيلي أنني كنت جادًا جدًا. — هل أحرقت شيئًا؟ نظر إليها ببرود مصطنع. — لا. توقفت للحظة. ثم سألته: — ولو احترق؟ — لما وصل إلى الطاولة. انفجرت سولي ضاحكة، فظل لوكا ينظر إليها. كان يحب ضحكتها. ليس فقط لأنها جميلة، بل لأنها كانت تعني أنها نسيت للحظات أن تحذر كلماتها، وأن تخفي ألمها، وأن تستعد للأسوأ. وحين هدأت، لاحظت أنه لا يزال ينظر إليها. خفضت ابتسامتها قليلًا. — ماذا؟ قال بهدوء: — لا شيء. أحب رؤيتك وأنتِ تضحكين. توقفت سولي عن الحركة. ثم خفضت عينيها، وقد عاد الاحمرار إلى وجنتيها. — لوكا... — ماذا؟ هذه المرة أقول الحقيقة أيضًا. ابتسمت وهي تلتقط الشوكة. — دعني آكل قبل أن تجعلني أنسى كيف أتصرف. ضحك بخفة، ثم بدأ الاثنان بتناول العشاء. --- لم يكن الطعام مثاليًا في كل تفصيلة. كانت الصلصة أكثر سماكة قليلًا مما ينبغي، وأحد الأطباق احتاج إلى وقت أطول في الفرن، لكن سولي لم تلاحظ سوى مقدار الجهد الذي بذله لوكا كي يحضّر لها وجبة بنفسه. كانت كل لقمة تحمل اهتمامًا مختلفًا عن ذلك الذي اعتادت أن تراه في المطاعم الفاخرة. لم يكن هناك طاهٍ يقف خلف الأبواب، ولا خدم يراقبون إن كانت تحتاج إلى شيء. كان لوكا هو من أعد الطعام، وهو من وضع الأطباق، وهو من جلس أمامها ينتظر رأيها. وبعد أن تذوقت الطبق الرئيسي، رفعت عينيها إليه. — إنه لذيذ. بدت ملامحه مرتاحة قليلًا. — حقًا؟ أومأت. — حقًا. ثم أضافت بابتسامة ماكرة: — رغم أنني كنت أتوقع أن نطلب البيتزا في النهاية. رفع حاجبه. — كنت أستطيع فعل ذلك، لكنني فضّلت أن أطهو لكِ بنفسي. نظرت إليه بلطف. — لهذا يعجبني أكثر. ساد صمت دافئ. لم يحاول لوكا أن يملأه بالكلمات. فقط أخذ ينظر إليها بين حين وآخر، ويتأكد من أنها تأكل جيدًا، بينما كانت سولي تسأله عن بعض التفاصيل الصغيرة حول الكوخ، وكيف اختاره، ومن ساعده في تجهيز المكان. حكى لها أنه عثر على صور الكوخ قبل أسابيع، وأنه عاد إليها أكثر من مرة، لكنه لم يخبرها لأنه لم يكن متأكدًا من قدرته على ترتيب كل شيء كما تخيل. قالت سولي: — إذًا كنت تخطط لهذا منذ فترة؟ أومأ. — منذ بدأت أفكر كيف يمكنني أن أقدم لكِ شيئًا يخصنا نحن الاثنين، بعيدًا عن كل ما حدث. توقفت يدها للحظة. — وهل كان لديك سبب محدد لاختيار هذا المكان؟ نظر إليها، ثم ابتسم. — انتظري قليلًا، وستعرفين. هزت رأسها وهي تضحك. — ما زلت تخفي الأسرار! — هذه الليلة فقط. — سأحاسبك غدًا. — سأكون مستعدًا. أكملا العشاء وسط حديث هادئ، وتبادلا ذكريات قديمة لم يكن أي منهما يجرؤ على استحضارها في السنوات الماضية. حدثته سولي عن بعض الأيام التي كانت تعمل فيها في مخبزها الصغير، وكيف كان أيان يحاول مساعدتها بيديه الصغيرتين، فيفسد ترتيب الدقيق ويضحك عندما تضع أمامه قطعة عجين صغيرة ليلعب بها. أما لوكا، فحكى لها كيف احتفظ ببعض الأشياء القديمة التي تخصها، وكيف كان يمر أحيانًا أمام أماكن جمعتهما في الماضي، ثم يواصل طريقه لأنه لم يكن يملك الشجاعة ليصدق أنه قد يراها مرة أخرى. استمعت إليه سولي بصمت. لم تقاطعه. وعندما انتهى، قالت بصوت خافت: — لم أكن أعرف أنك عشت كل تلك السنوات وحدك. نظر إليها لوكا. — لم أكن وحدي تمامًا. كان حولي أشخاص، وعمل، ومسؤوليات. لكن هذا لا يعني أنني لم أشعر بالفراغ. ابتلعت سولي ريقها. — وأنا كنت أحاول أن أعيش، يا لوكا. لم أكن أعرف كيف أعود، ولم أكن أظن أنك ستريد رؤيتي بعد كل ما حدث. — أعرف. مد يده عبر الطاولة حتى لامست أصابعه أصابعها. — لا أريد أن نقضي الليلة في محاكمة الماضي. أريد فقط أن أسمعك، وأن أسمح لكِ بأن تسمعيني أيضًا. ضغطت سولي على يده. — أعتقد أنني أستطيع ذلك. ابتسم. — هذا يكفيني الآن. وبعد أن انتهيا من الطعام، جمع لوكا الأطباق ووضعها جانبًا، رغم احتجاج سولي بأنه يستطيع تركها للعاملين. قال لها: — لقد طهوت العشاء. ومن حقي أن أرتب ما بعده أيضًا. ابتسمت وهي تقف قربه. — يبدو أنك تنوي أن تصبح زوجًا مثاليًا. توقفت يده لحظة عند العبارة. زوجًا. لم تقلها سولي بسخرية هذه المرة. قالتها بعفوية، وكأنها بدأت تتقبل وجوده في حياتها بطريقة أعمق مما تسمح به الكلمات. نظر إليها. لكنها كانت قد استدارت نحو النافذة، فلم ترَ الابتسامة الهادئة التي ظهرت على وجهه. احتفظ بها لنفسه. على الأقل، حتى اللحظة المناسبة. بعد قليل، أطفأ لوكا بعض الأضواء، ثم التفت إلى سولي ومد يده. — هل تأتين معي؟ نظرت إلى يده، ثم إليه. — إلى أين هذه المرة؟ ابتسم. — إلى الجزء الذي لم تريه بعد. ضحكت سولي، ووضعت يدها في يده. قادها عبر باب جانبي يفتح على الحديقة الصغيرة خلف الكوخ. وما إن خرجت حتى توقفت خطواتها. كان المكان مدهشًا. امتدت أمامها حديقة صغيرة محاطة بسياج خشبي منخفض، تتخللها ممرات حجرية ضيقة. وعلى جانبي الممر، انتشرت أحواض من زهور التوليب بألوان مختلفة: الأحمر الداكن، والأبيض، والوردي، والأصفر، والأرجواني. كانت الفوانيس الصغيرة مضاءة بين الأحواض، فتنعكس أضواؤها على بتلات الزهور، بينما تحرك النسيم الخفيف أطرافها برفق. وفي نهاية الحديقة، وُضع مقعد خشبي تحت شجرة صغيرة، تتدلى من أغصانها أضواء دقيقة كأنها نجوم قريبة من الأرض. بقيت سولي واقفة في مكانها. لم تتحرك. كانت عيناها تتنقلان بين الزهور، وكأنها تخشى أن ترمش فتختفي الصورة أمامها. همست: — التوليب... نظر لوكا إليها. كانت قد نسيت للحظات أن تمسك يده بقوة؛ إذ خفّت قبضتها، ثم تركتها لتتقدم خطوة نحو حوض الزهور الأقرب. انحنت قليلًا، وتأملت زهرة وردية، ثم مررت أصابعها قرب بتلاتها من دون أن تلمسها. ابتسمت ابتسامة لم يستطع لوكا أن يبعد عينيه عنها. — إنها زهور التوليب المفضلة لديّ... قالتها بصوت يكاد يكون همسًا. ثم التفتت نحوه فجأة. — كيف عرفت؟ رفع كتفيه قليلًا. — أعرف أكثر مما تظنين. حدقت فيه للحظات. — لكنني لم أخبرك منذ زمن طويل أنني أحبها. اقترب منها، وتوقف بجانبها. — لم تكوني بحاجة إلى أن تخبريني مرة أخرى. نظرت إليه بتساؤل. فأكمل: — أتذكر أنكِ كنتِ تتوقفين أمام متجر الزهور كلما مررنا به. كنتِ تختارين التوليب أولًا، ثم تقضين وقتًا طويلًا في المفاضلة بين الألوان، وكأن اختيار باقة واحدة أصعب قرار في العالم. ضحكت سولي بخفة. — لأن كل لون كان جميلًا! — وأتذكر أنكِ كنتِ تقولين إن التوليب يجعل الحديقة تبدو وكأنها تستيقظ بعد شتاء طويل. اتسعت عيناها. لقد قالت هذه الجملة فعلًا، منذ سنوات، في يوم ظنت أنه نسيه منذ زمن بعيد. خفضت عينيها، وشعرت بغصة صغيرة في حلقها. — كنت تتذكر ذلك؟ أجابها من دون تردد: — أتذكر أشياء كثيرة تخصكِ يا سولي. صمتت. لم تكن تلك الجملة مجرد كلام جميل. لقد أعاد إليها جزءًا من نفسها، جزءًا ظنت أنه اختفى من ذاكرة الجميع. سارت ببطء بين أحواض التوليب، ولوكا يمشي إلى جانبها. أشارت إلى الزهور البيضاء. — أحب هذه أيضًا. — أعرف. — وهذه الوردية... — أعرف. التفتت إليه، ورفعت حاجبها. — هل تعرف كل شيء؟ ابتسم. — ليس كل شيء. ما زال هناك الكثير الذي أريد أن أتعلمه عنكِ. توقفت سولي. نظرت إليه، ثم خفضت عينيها وهي تبتسم بخجل. كان في صوته شيء مختلف. شيء جعلها تشعر أنه لا ينظر إليها بوصفها المرأة التي أحبها يومًا، ثم خسرها فحسب. بل المرأة التي ما زال يريد أن يعرفها، خطوةً خطوة، حتى بعد كل تلك السنوات. وصل الاثنان إلى منتصف الحديقة، حيث كان الممر يتسع قليلًا بين حوضين كبيرين من الزهور. كانت سولي تنظر إلى إحدى الزهور الصفراء عندما لاحظت أن لوكا توقف عن السير. التفتت إليه. — لوكا؟ لم يجب. كان ينظر إليها بطريقة جعلتها تنسى ما كانت ستقوله. في البداية، ظنت أنه يريد أن يخبرها بشيء. لكن عينيه انتقلتا إلى يديها، ثم عادتا إلى وجهها. أخذ نفسًا عميقًا. وبعدها... ركع أمامها. تجمدت سولي. توقفت أنفاسها، واتسعت عيناها حتى كادت لا تصدق ما تراه. — لو... لوكا؟ لم تتحرك. حتى يدها التي كانت ممدودة نحو زهرة التوليب بقيت معلقة في الهواء. كان لوكا راكعًا أمامها في قلب الحديقة الصغيرة، محاطًا بالزهور التي تحبها، بينما تتوزع أضواء الفوانيس حولهما. أخرج من جيبه علبة صغيرة أنيقة، فتحها بهدوء، فظهر داخلها خاتم رقيق تتوسطه جوهرة صغيرة تحيط بها تفاصيل دقيقة. لم يكن ضخمًا أو مبالغًا فيه. كان جميلًا ببساطة، كأنه اختير لشخص واحد بعينه. شخص يعرفه لوكا جيدًا. شخص لم ينسه يومًا. رفعت سولي يدها إلى فمها. — ماذا تفعل...؟ رفع لوكا رأسه نحوها. وللمرة الأولى منذ عرفته، لم ترَ في عينيه ذلك الرجل الذي يواجه الجميع دون أن يتردد. كان متوترًا. نعم، لوكا فيتالي، الرجل الذي وقف أمام مورفون والعائلة كلها، كان متوترًا وهو يرفع عينيه إلى المرأة التي أحبها طوال حياته. ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم قال: — أعرف أن هذا قد يبدو غريبًا. ضحكت سولي ضحكة قصيرة مرتبكة، وقد بدأت الدموع تتجمع في عينيها. — غريب؟ لوكا، أنت راكع أمامي في حديقة مليئة بالتوليب! ابتسم، وظهر في عينيه شيء من المرح. — كنت أتمنى أن أبدأ كلامي بطريقة أكثر جدية. ضحكت رغم دموعها، ثم وضعت يدها على صدرها كأنها تحاول تهدئة ضربات قلبها. انتظر لوكا حتى هدأت قليلًا. ثم اختفت الابتسامة المرحة من وجهه، وحلّ مكانها صدق عميق. — سولي، هناك شيء أريد أن أقوله لكِ منذ وقت طويل. نظرت إليه دون أن تتكلم. قال: — حين بدأنا حياتنا معًا، لم أكن رجلًا يعرف كيف يحب بالطريقة التي تستحقينها. تغيرت ملامحها قليلًا. تابع لوكا: — بدأنا بعقد زواج، وباتفاق فرضته الظروف والعائلة. لم نمنح أنفسنا فرصة لنختار بعضنا بحرية. كنت أتصرف وكأن المشاعر ضعف، وكأن إظهار ما في قلبي سيجعلني أخسر السيطرة على حياتي. خفض عينيه لحظة. — ولهذا جعلتكِ تدفعين ثمنًا لم يكن من حقكِ أن تدفعيه. كنتِ زوجتي، ومع ذلك شعرتِ بالوحدة. كنتِ تعيشين معي، ومع ذلك لم أُشعركِ بأن لكِ مكانًا حقيقيًا في حياتي. امتلأت عينا سولي بالدموع. لم تقاطعه. كانت تستمع إلى كل كلمة، وتشعر بأن الذكريات التي حاولت دفنها تعود إلى قلبها، لكن بطريقة مختلفة هذه المرة. لم يكن يطلب منها أن تنسى. كان يعترف بما حدث. وبما تسبب فيه. أكمل لوكا: — أعرف أن بدايتنا كانت معقدة. وأعرف أنني لا أستطيع محو ما مررتِ به، ولا أن أعيد السنوات التي قضيتها بعيدًا عني، أو السنوات التي قضيتها وأنا لا أعرف أين أنتِ. ابتلع بصعوبة. — ولا أريدكِ أن تظني أن هذه الليلة ستصلح كل شيء وحدها. أعرف أن الثقة لا تعود بمجرد أن أقول كلمات جميلة، وأنكِ تحتاجين إلى وقت، وإلى أفعال تثبت لكِ أنني تغيّرت فعلًا. رفع عينيه إليها. — لكنني أريد أن أبدأ معكِ من جديد. شعرت سولي بأن الدموع بدأت تنساب على خديها. مد لوكا يده الحرة نحوها، لكنه لم يمسكها بالقوة. تركها تختار، فوضعت سولي يدها في يده بعد لحظة تردد. أحاط أصابعها برفق. — لا أريدكِ أن تبقي معي لأننا تزوجنا يومًا، أو لأن الأوراق تقول إنكِ زوجتي. لا أريد أن تشعري أنكِ ملزمة بالبقاء إلى جانبي بسبب عقد بدأ من دون حب. توقف قليلًا، ثم قال بصوت أكثر دفئًا: — أريدكِ أن تختاريني لأنكِ تريدينني أنا. الرجل الذي أمامكِ، بكل عيوبه وأخطائه، وليس الوريث الذي يحمل اسم فيتالي، ولا الرجل الذي تخشاه العائلة. انخفضت عينا سولي إلى يدهما المتشابكتين. همست: — لوكا... ابتسم ابتسامة مرتجفة. — دعيني أكمل، وإلا فقد أفقد شجاعتي. ضحكت سولي بين دموعها، فتنفس بارتياح صغير. ثم تابع: — لقد عرفت معنى أن أفقدكِ. وعرفت أن بإمكاني امتلاك المال والسلطة وكل ما يظن الناس أنه يمنحهم القوة، ومع ذلك أظل عاجزًا عن النوم لأنني لا أعرف إن كنتِ بخير. نظر إلى وجهها بحنان. — وعندما عدتِ إلى حياتي، لم أعد أريد أن أكون الرجل الذي يكتفي بحبكِ من بعيد. أريد أن أكون الرجل الذي يستمع إليكِ، ويقف بجانبكِ، ويشارككِ الأيام السهلة والصعبة. أريد أن أكون زوجكِ حين تضحكين، وحين تغضبين، وحين تخافين، وحين تحتاجين إلى أن تجلسي بصمت دون أن يسألكِ أحد عن السبب. شد على يدها برفق. — أريد أن أكون أبًا لأيان، لا في الكلمات فقط، بل في كل يوم من حياته. أريد أن أراه يكبر، وأن أكون حاضرًا في رسوماته وألعابه وأسئلته التي لا تنتهي. وأريدكِ أن تعرفي أنكِ لن تحتاجي إلى خوض كل معركة وحدكِ مرة أخرى. رفع علبة الخاتم قليلًا. — أعلم أنني لا أستطيع أن أطلب منكِ أن تنسي الماضي. لكنني أستطيع أن أعدكِ بأنني سأعمل كل يوم لأجعل مستقبلنا مختلفًا عنه. سكت لحظة. كانت الريح الخفيفة تحرك أطراف ثوب سولي، والزهور من حولهما تتمايل بهدوء. ثم نظر لوكا إلى عينيها مباشرة، وقال الكلمات التي حضّرها طوال أسابيع، لكنه لم يجد لها طريقة مثالية مهما أعادها في ذهنه. — سولي ميرافيل... ارتجفت شفتاها. تابع: — هل تقبلين أن تتزوجيني من جديد؟ نظرت إليه والدموع تنساب بلا توقف. ابتسم بحنان، ثم أكمل: — ليس لأن عائلتينا قررتا ذلك. وليس لأن هناك دينًا يجب سداده، أو اتفاقًا يجب تنفيذه، أو اسمًا يحتاج إلى وريثة. أخذ نفسًا عميقًا. — بل لأنكِ المرأة التي اختارها قلبي، حتى عندما حاولت أن أقنع نفسي بأنني أستطيع العيش من دونكِ. مال رأسه قليلًا. — أريد أن أبدأ معكِ حياة جديدة، نختار فيها بعضنا كل يوم. أريد أن أحبكِ بالطريقة التي تستحقينها، وأن أمنحكِ مكانًا لا تضطرين إلى القتال من أجله. ثم همس: — هذه المرة، لا أطلب منكِ أن تكوني زوجة الوريث. نظر إلى الخاتم، ثم رفع عينيه إليها. — أطلب منكِ أن تكوني المرأة التي أحبها... والتي أريد أن أختارها ما حييت. توقفت سولي عن التنفس للحظة. لم تستطع الكلام. كل ما استطاعت فعله كان النظر إليه، إلى الرجل الذي أوجعها في الماضي، والذي لم تعد تنكر أنها ما زالت تحبه، وإلى علبة الخاتم التي يحملها بيد ترتجف قليلًا. كان بإمكانها أن تتذكر كل شيء. الأيام التي شعرت فيها بالوحدة. الليالي التي نامت فيها وهي تتساءل إن كان لوكا سيلتفت إليها يومًا. السنوات التي حاولت فيها إقناع نفسها بأن ابتعادها عنه أفضل. لكنها استطاعت أيضًا أن ترى ما فعله خلال الأشهر الأخيرة. كيف بحث عنها. كيف واجه الحقيقة. كيف احتضن أيان وكأنه يحاول تعويض كل ليلة غاب فيها عنه. وكيف وقف أمام عائلته، ثم أمام المحكمة، معلنًا أنه لن يحمي الاسم على حساب ابنهما. لم يكن الماضي قد اختفى. لكن الرجل الذي أمامها لم يعد يطلب منها أن تتجاهله. كان يطلب فرصة ليصنع معها مستقبلًا مختلفًا. رفعت سولي يدها الحرة ومسحت دموعها، لكنها لم تستطع إيقافها تمامًا. ابتسم لوكا بقلق خفيف. — يمكنكِ أن تقولي لا، يا سولي. هزت رأسها بسرعة. — لا تقل ذلك. توقف. اقتربت خطوة منه، حتى أصبحت واقفة أمامه مباشرة. ثم انحنت قليلًا، وأمسكت وجهه بين كفيها. — هل تعرف ما أكثر شيء أخافني طوال السنوات الماضية؟ ظل ينظر إليها. — ماذا؟ ابتلعت بصعوبة. — لم أخف فقط من أن أعيش وحدي. كنت أخاف أن أعود إليك يومًا، فأكتشف أنني ما زلت أحبك، بينما أنت لم تعد تشعر بشيء تجاهي. أغمض لوكا عينيه للحظة، كأن كلماتها لامست أعمق نقطة في قلبه. تابعت سولي: — كنت أحاول أن أقنع نفسي بأنني تجاوزتك، وأن حياتي يجب أن تستمر بعيدًا عنك. لكن كلما رأيتك مع أيان، وكلما سمعتك تناديه بابني، كنت أشعر أن هناك جزءًا مني يريد أن يصدق أننا نستطيع أن نحصل على حياة لم نعرفها من قبل. ابتسمت من خلال دموعها. — حياة نجلس فيها على طاولة واحدة دون خوف، ونختلف دون أن نهرب من بعضنا، ونحكي الحقيقة حتى عندما تكون مؤلمة. اقتربت أكثر. — لا أستطيع أن أعدك بأنني لن أخاف مرة أخرى. ولا أستطيع أن أقول إنني نسيت كل ما حدث بيننا. — لا أطلب منكِ ذلك. — لكنني أستطيع أن أعطيك فرصة. اتسعت عينا لوكا قليلًا. مسحت سولي دمعة عن خدها، ثم قالت: — أستطيع أن أختارك هذه المرة بإرادتي. ليس لأنني مدينة لعائلتك، ولا لأن أحدًا أجبرني على البقاء، بل لأنني... ما زلت أحبك يا لوكا. توقفت أنفاسه. بقي ينظر إليها، وكأنه أراد أن يسمع الكلمات مرة أخرى ليتأكد أنها حقيقية. ابتسمت سولي، ثم أضافت بصوت خافت: — نعم. أقبل أن أتزوجك من جديد. لم يتحرك لوكا للحظة. ثم ظهرت على وجهه ابتسامة لم ترَ مثلها من قبل. لم تكن ابتسامة الوريث الذي انتصر في صفقة، ولا ابتسامة الرجل الذي تمكن من إخضاع خصم. كانت ابتسامة رجل حصل أخيرًا على شيء لم يستطع المال أو السلطة أن يمنحاه له. فرصة جديدة مع المرأة التي أحبها. — سولي... خرج اسمها من بين شفتيه كأنه لا يعرف ماذا يقول بعده. ضحكت وهي تمسح دموعها. — لا تجعلني أندم على موافقتي، يا فيتالي. ضحك لوكا بخفة. — سأبذل قصارى جهدي كي لا يحدث ذلك. ثم رفع يدها إلى شفتيه وقبّلها برفق. — شكرًا لأنكِ اخترتِني. هزت رأسها. — لا تشكرني الآن. عليك أن تثبت لي أن اختياري كان صحيحًا. رفع حاجبه بابتسامة. — يبدو أن زوجتي المستقبلية ستجعل حياتي صعبة. رفعت سولي حاجبها بدورها. — زوجتك المستقبلية؟ نظر إلى الخاتم، ثم إليها. — أليس هذا ما اتفقنا عليه للتو؟ ابتسمت بخجل. — ربما. ضحك، ثم أعاد انتباهه إلى الخاتم. — هل تسمحين لي؟ مدت سولي يدها إليه. أخرج الخاتم من العلبة، وأمسك يدها برفق، ثم وضعه في إصبعها. بدا الخاتم كأنه صُنع لها وحدها؛ بسيطًا وأنيقًا، يلمع كلما انعكس عليه ضوء الفوانيس. رفعت يدها أمام عينيها، وتأملته طويلًا. ثم نظرت إلى لوكا. — إنه جميل جدًا. ابتسم. — اخترته وأنا أفكر فيكِ. — لهذا اخترت شيئًا بسيطًا؟ اقترب منها قليلًا. — لأنني أعرف أنكِ لا تحتاجين إلى شيء ضخم كي يكون جميلًا. وأردت خاتمًا تستطيعين ارتداءه كل يوم، لا قطعة تخافين عليها من الحركة. أخفضت سولي رأسها، وراحت تمرر إصبعها برفق فوق الخاتم. — سأرتديه كل يوم. أحاط لوكا يدها بكفه. — هذا كل ما أريده. ثم نهض ببطء. وقفت سولي أمامه، وما زالت عيناها تلمعان بالدموع. للحظة، لم يعرف أي منهما ماذا يقول. لم يكن هناك اتفاق عائلي ليملي عليهما الخطوة التالية. ولا خادم ينتظر أمرًا. ولا أحد يراقبهما ليتأكد من أنهما يتصرفان وفق التقاليد. كانا وحدهما، في حديقة صغيرة مليئة بالتوليب، وقد اختار كل منهما البقاء إلى جانب الآخر. مد لوكا ذراعيه إليها. لم تنتظر سولي. اقتربت واحتضنته. ضمها إليه برفق، ووضع ذقنه فوق رأسها، بينما أمسكت هي بقميصه بيديها. همس: — سنبدأ من جديد. أغمضت عينيها. — من جديد. — ولن أطلب منكِ أن تنسي الماضي. ابتعد قليلًا كي ينظر إلى وجهها. — سأحاول أن أمنحكِ مستقبلًا يجعل قلبكِ أكثر اطمئنانًا. ابتسمت سولي. — وأنا سأحاول أن أخبرك عندما أخاف، بدل أن أهرب وحدي. مرر لوكا إبهامه على خدها، ومسح دمعة بقيت هناك. — اتفقنا. ثم مال قليلًا وتوقف قبل أن يقترب أكثر، تاركًا لها الفرصة لتختار. نظرت سولي إلى عينيه، ثم رفعت وجهها نحوه وقبّلته قبلة رقيقة. لم تكن محاولة لإثبات شيء. ولا تعويضًا عن كل ما مضى. كانت بداية صغيرة، اختارتها بإرادتها. وحين ابتعدت، بقي لوكا ينظر إليها بابتسامة هادئة. همست سولي: — أعتقد أنني سأحب هذه الليلة طويلًا. أجابها: — وأنا سأحاول أن أجعلها أول ليلة من ليالٍ كثيرة جميلة. ثم تشابكت أصابعهما، وسارا ببطء بين أحواض التوليب. لم يعد المكان مجرد كوخ جهزه لوكا من أجل مفاجأة. لقد صار ذكرى جديدة، ذكرى اختارا أن يبدآها معًا. وبين الزهور التي أحبتها سولي منذ زمن، والخاتم الذي يلمع في إصبعها، أدركت أن الحب لا يمحو الماضي، لكنه يستطيع أن يفتح بابًا لمستقبل مختلف. مستقبل لا تبدأ فيه سولي كزوجة فرضها اتفاق. بل كامرأة اختارتها بقلبها، واختارها قلب لوكا في المقابل. هذه المرة، لم يجمعهما عقدٌ كتبه الآخرون. هذه المرة، اختار كلٌّ منهما الآخر بإرادته.🥹❤️🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة!
[عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا
[ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن
الفصل — هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فقد قرأت ا
[ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام
[من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ







