LOGIN[ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان]
بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام المحققين، بينما تولت الجهات المختصة مراجعة كل وثيقة وكل شهادة، بما فيها الملفات التي طالت شركات مرتبطة بإمبراطورية فيتالي. أما لوكا، فقد نفّذ وعده. لم يسحب الأدلة لحماية العائلة، ولم يطلب من أحد إخفاء أسماء المتورطين، حتى حين ظهرت معاملات مالية تخص شركات من مجموعته. سلّم الوثائق كاملة، ووافق على مراجعة مستقلة لحسابات الشركات، رغم أن ذلك تسبب في خسائر كبيرة وأجبره على إغلاق بعض الأنشطة المرتبطة بالقضية. لم يعد يهتم بما سيخسره. كان لديه شيء أهم من المال والسلطة. عائلته. وفي ذلك الشهر، كانت سولي تحاول أن تستعيد حياة ابنها الصغيرة. لم تعد تترك أيان وحده في غرفة مغلقة، ولم تعد تسمح للخوف بأن يتحكم بكل لحظة من يومها، لكنها كانت تعرف أن ما حدث ترك أثرًا في قلبه. لذلك أحاطته بالحب والطمأنينة، وكانت تستمع إليه كلما أراد الكلام، وتترك له الوقت حين لا يرغب في الحديث. أما أيان، فبدأ يعود تدريجيًا إلى ضحكته المعتادة. صار يركض في الحديقة مجددًا، ويحمل رسوماته إلى لوكا، ويصرّ على أن يجلس أبوه إلى جانبه حين يأكل، وكأنه يريد أن يتأكد كل يوم من أنه ما زال هنا. وكان لوكا يفعل ذلك دون تذمر. يجلس معه، ويقرأ له القصص، ويستمع إلى حكاياته الطويلة عن التنين والأميرة والقلعة، حتى عندما يكون لديه عشرات الملفات التي تنتظره في مكتبه. وفي كل مرة يسأله أيان: — أبي، هل ستذهب بعيدًا؟ كان لوكا يجيب بالطريقة نفسها: — سأخبرك قبل أن أذهب، وسأعود إليك. ولن أجعلك تتساءل وحدك عن مكاني. كان يعرف أن الثقة لا تُبنى بوعود كبيرة فحسب، بل بأفعال صغيرة تتكرر كل يوم. والآن، بعد مرور شهر، حان موعد المحاكمة. المحاكمة التي ستحدد مصير مورفون، وتضع أمام العالم حقيقة ما فعله. --- في صباح المحاكمة، استيقظ القصر مبكرًا. كانت سولي تقف أمام المرآة، ترتدي ثوبًا أسود بسيطًا، وشعرها منسدل على كتفيها. لم تضع الكثير من مستحضرات التجميل، ولم تحاول أن تخفي آثار التعب التي تركتها الأسابيع الماضية. كانت تريد أن تذهب كما هي. امرأة نجت من الخوف، وأمًّا كادت تخسر طفلها، وابنةً عادت أخيرًا لتواجه الحقيقة التي حُرمت منها سنوات طويلة. دخلت كارلي الغرفة بهدوء. توقفت عند الباب، ثم اقتربت منها. — هل أنتِ مستعدة؟ نظرت سولي إلى انعكاسها في المرآة. — لا أعرف إن كنت سأكون مستعدة يومًا لرؤيته أمامي من جديد. وضعت كارلي يدها على كتفها. — ليس عليكِ أن تكوني بلا خوف. يكفي أن تذهبي رغم خوفك. التفتت سولي إليها. كانت كارلي تنظر إليها بعطف صادق، لا كزوجة ابنها فحسب، بل كأم تعرف معنى أن تخاف على طفلها، وكامرأة تدرك أن مواجهة رجل مثل مورفون ليست أمرًا سهلًا. همست سولي: — أخشى أن أراه فأفقد قدرتي على الكلام. ابتسمت كارلي ابتسامة خفيفة. — إذًا انظري إلى لوكا. وإن شعرتِ أنك لا تستطيعين إكمال كلامك، تذكري أيان. أنتِ لا تحتاجين إلى الصراخ كي يسمعك العالم. انخفضت عينا سولي، ثم أومأت. — شكرًا لكِ. عانقتها كارلي. — أنتِ لست وحدك، يا سولي. وفي تلك اللحظة، ظهر لوكا عند الباب. كان يرتدي بدلة سوداء، وربطة عنق داكنة، وشعره الأسود منسدلًا بطبيعته حول أذنيه. بدت ملامحه هادئة، لكن عينيه كانتا تحملان ذلك الإصرار الذي عرفته سولي جيدًا. نظر إليها. — حان وقت الذهاب. أومأت، ثم التفتت إلى السرير حيث كان أيان يجلس، يحاول أن يرتدي حذاءه بنفسه. اقتربت منه وساعدته على تثبيت الحذاء. — هل أنت مستعد يا حبيبي؟ رفع أيان رأسه. — هل سنذهب إلى المكان الذي يوجد فيه الرجل المخيف؟ تبادلت سولي ولوكا نظرة سريعة. ثم جلست سولي أمامه، وأمسكت يديه. — نعم، يا روحي. لكنك لن تكون وحدك. أنا وأبوك وجدتك كارلي سنكون معك. فكر أيان قليلًا. — وهل سيعرف القاضي أنه كذب؟ ابتسمت سولي بحزن. — سنخبر القاضي بما حدث، وسيسمع شهادات الأشخاص الذين يعرفون الحقيقة. ثم سيصدر الحكم وفقًا للأدلة والقانون. نظر أيان إلى لوكا. — وأنت ستبقى معي؟ جثا لوكا أمامه، وعدّل ياقة قميصه الصغير. — طوال الوقت الذي تحتاج إليّ فيه. ثم أضاف: — وإذا شعرت بالخوف، يمكنك أن تمسك يدي أو تطلب أن نخرج معًا. لن يجبرك أحد على البقاء إذا أصبحت متعبًا. أومأ أيان، ثم مد ذراعيه نحوه. احتضنه لوكا، ورفعه قليلًا قبل أن يعيده إلى الأرض. — هيا يا بطل. خرجوا معًا من القصر. وكانت السيارات تنتظرهم عند المدخل، بينما احتشد الصحفيون خلف الحواجز القريبة من المحكمة. ما إن ظهرت سيارة لوكا حتى بدأت الكاميرات تلتقط الصور، وتعالت الأصوات من كل جانب. — السيد فيتالي! هل ستشهد ضد مورفون؟ — هل ستتنازل عن شركات العائلة؟ — هل تؤكد أن مورفون حاول قتل حفيدك؟ لم يجب لوكا عن الأسئلة. فتح الباب أولًا لسولي، ثم ساعد أيان على النزول، وأمسك بيد ابنه. أما سولي، فرفعت رأسها ومشت إلى جوارهما. لم تكن تريد الاختباء من الكاميرات. فقد قضت سنوات طويلة تحاول أن تنجو بصمت، لكن هذه المرة كانت تريد أن يرى العالم أنها لم تعد تخشى اسم مورفون. وعندما دخلوا مبنى المحكمة، كان أفراد العائلة ينتظرونهم. فيتوريو لم يكن حاضرًا بعد أن بدأت التحقيقات تطال قرارات قديمة اتخذتها إدارة العائلة في عهده، أما إيزابيلا فكانت تقف قرب إيزابيل وإيلينا، وملامحها أكثر صرامة من المعتاد. كان لورينزو إلى جانب إيلارا، ممسكًا بيدها، بينما وقفت ثيا قريبة من أمها، تنظر إلى أيان بفضول طفولي. اقتربت إيلارا من سولي. — كيف تشعرين؟ أخذت سولي نفسًا عميقًا. — خائفة... لكنني سأكون بخير. احتضنتها إيلارا. — سأكون في الداخل. وإذا احتجتِ إليّ، انظري نحوي فقط. ابتعدت سولي قليلًا، ونظرت إلى صديقتها القديمة. — لا أعرف ماذا كنت سأفعل لو لم تكوني هنا. ابتسمت إيلارا. — لا داعي لأن تعرفي. أنا هنا الآن. ثم انحنت نحو أيان. — هل أنت مستعد يا بطل؟ رفع رأسه بثقة صغيرة. — سأخبر القاضي بما قاله الرجل المخيف. تأثرت إيلارا، فربتت على شعره. — هذا يكفي. قل الحقيقة، ولا تقلق بشأن أي شيء آخر. --- كانت قاعة المحكمة ممتلئة. جلس الصحفيون في الأماكن المخصصة لهم، وحضر ممثلو الادعاء والدفاع، ووقف أفراد الأمن عند المداخل. وفي الصفوف الخلفية، جلس عدد من الأشخاص الذين شهدوا على الأحداث أو شاركوا في التحقيق. وعندما أُدخل مورفون إلى القاعة، خفتت الأصوات تدريجيًا. كان يرتدي بدلة داكنة، ويمشي بين الحراس مستندًا إلى عصاه. لم يعد يتحرك في القصر كما لو أن الجميع ينتظر أوامره، ولم تعد الوجوه تنحني أمامه حين يمر. لكنه لم يُظهر خوفًا. رفع رأسه، ونظر إلى الحاضرين ببرود، حتى وقعت عيناه على لوكا. ثبت نظره عليه للحظات. أما لوكا، فلم يبادله أي تعبير. جلس إلى جانب سولي، ووضع يده على يد أيان الصغيرة. كان الطفل يجلس بينهما، وقد بدا أصغر وسط القاعة الواسعة، لكنه لم يترك يد أبيه. اقتربت سولي منه وهمست: — تذكّر، يا حبيبي، لست مضطرًا إلى النظر إليه. انظر إلى القاضي أو إليّ إذا شعرت بالخوف. أومأ أيان. ثم دخل القاضي، وطلب من الجميع الوقوف. بدأت الإجراءات الرسمية، وتُليت التهم التي أحيل مورفون بسببها إلى المحاكمة، بما في ذلك الاختطاف، والتزوير، وتعريض حياة قاصر للخطر، والتآمر لتنفيذ عملية طبية غير قانونية، إلى جانب تهم أخرى مرتبطة بالأدلة التي جُمعت خلال التحقيق في أنشطته الإجرامية. كما أُدرجت القضية المتعلقة بوفاة إيدريان ميرافيل وزوجته ضمن الملف الأوسع، بعد ظهور أدلة وشهادات تستوجب محاسبة المسؤولين عنها. وقف مورفون يستمع إلى التهم دون أن يغيّر تعبير وجهه. وعندما سأله القاضي عن موقفه، أجاب ببرود: — أنكر التهم الموجهة إليّ. لم يتفاجأ أحد. فقد كان الجميع يعرف أن مورفون لن يعترف بسهولة. لكن هذه المرة، لم يكن الأمر يعتمد على اعترافه. كانت هناك أدلة. وشهود. وأشخاص قرروا أخيرًا أن يتكلموا. --- شهادة كارلي فيتالي كانت كارلي أول أفراد العائلة الذين طُلب منهم الإدلاء بشهادتهم. وقفت، وأدت القسم، ثم جلست في المكان المخصص للشهود. سألها ممثل الادعاء عن علاقتها بمورفون، وعن معرفتها بالأحداث التي وقعت داخل القصر. أجابت كارلي بهدوء: — كنت أعرفه منذ سنوات طويلة. كان رجلًا ذا نفوذ، وكان يعتقد أن قراراته لا ينبغي أن تُناقش. لكنني لم أتخيل أنه قد يصل إلى استخدام طفل في صراعه مع عائلتنا. ثم شرحت كيف علمت باختفاء أيان، وكيف رأت سولي تنهار من الخوف، وكيف عاد لوكا إلى القصر وهو يحمل الطفل بين ذراعيه. توقفت للحظة، وضغطت أصابعها بعضها ببعض. — لم أنسَ وجه سولي عندما رأت الدم على ملابس أيان. ظنت أنه مات. لم تكن قادرة حتى على الوقوف. خفضت عينيها، ثم تابعت: — وأتذكر لوكا وهو يحاول أن يطمئنها بينما كان هو نفسه خائفًا على ابنه. رأيت ابني في ذلك اليوم، ولم يكن يفكر في منصبه أو في اسم العائلة. كان يفكر في طفل صغير كاد يفقده. سألها ممثل الادعاء: — هل سمعتِ مورفون يتحدث عن أيان أو عن نية إبعاده عن العائلة؟ أجابت: — سمعت ما قاله عن نسب الطفل، ورأيت كيف حاول التشكيك في شرعيته. وبعد اختفائه، ظهرت الأدلة التي ربطته بالخطة. لم أكن حاضرة في الغرفة التي أُخذ منها أيان، ولذلك لن أدّعي أنني رأيت ما لم أره. لكنني أستطيع أن أشهد بما حدث أمامي، وبما سمعته بنفسي. كانت إجابتها واضحة، ولم تحاول أن تضيف شيئًا لا تعرفه. وعندما انتهت، نظرت نحو لوكا. لم تقل شيئًا، لكنها منحته نظرة أمٍّ تعرف أن ابنها اختار أخيرًا أن يقف في الجانب الصحيح، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة عائلته. عادَت إلى مقعدها، وأمسكت بيد إيلارا للحظة قبل أن تجلس. --- شهادة الدكتور فرنسوا روسي كان الشاهد التالي هو الدكتور فرنسوا روسي، الطبيب الذي تولى فحص أيان بعد عودته إلى القصر، ثم راجع السجلات الطبية المرتبطة بحالته بالتعاون مع الجهات المختصة. دخل القاعة بخطوات هادئة، ووضع ملفه أمامه قبل أن يؤدي القسم. سأله ممثل الادعاء: — دكتور روسي، هل فحصت الطفل أيان في يوم عودته من المستشفى الخاص؟ — نعم. — وما الحالة التي وجدته عليها؟ فتح الطبيب ملفه. — كان الطفل تحت تأثير مادة مهدئة، ويحتاج إلى مراقبة طبية وفحوص إضافية للتأكد من عدم تعرضه لأي أذى. لم أجد ما يثبت أنه خضع للعملية التي كان يجري الإعداد لها، لكن نقله إلى ذلك المكان وتعريضه لمثل هذا الخطر كانا أمرين بالغَي الخطورة. ساد الصمت في القاعة. ثم تابع الطبيب: — الأهم من ذلك أن الطفل كان في حاجة إلى الرعاية والطمأنينة بعد ما مر به. لم يكن في وضع يسمح له بالموافقة على أي إجراء، ولم تكن هناك موافقة من والديه على ما حدث. سأله ممثل الادعاء: — هل راجعت التقارير التي ادّعت أن أيان ليس الابن البيولوجي للسيد لوكا فيتالي؟ — نعم. راجعت التقارير التي قُدمت ضمن التحقيق، وتبين أنها لا تستند إلى فحص موثوق للطفل. كما أن الطبيب الذي أعدّها أقر بأنه لم يفحص أيان أصلًا. رفع ممثل الادعاء وثيقة. — هل يمكن اعتبار تلك التقارير دليلًا طبيًا صالحًا؟ أجاب فرنسوا بوضوح: — لا. لا يمكن اعتبارها دليلًا طبيًا موثوقًا. لا توجد قاعدة علمية تتيح إصدار استنتاج كهذا من دون الفحوص المناسبة. ثم أضاف: — وقد أدى استخدام تلك التقارير إلى زيادة الضغط على العائلة، ووضع الطفل في قلب نزاع لم يكن له أي ذنب فيه. طلب محامي الدفاع توضيحًا بشأن الدم الذي ظهر على ملابس أيان عندما عاد إلى القصر. شرح الدكتور روسي أنه لم يكن بالإمكان تحديد مصدر الدم من المظهر وحده، لكن الفحوص التي أُجريت لاحقًا لم تُظهر إصابة ناتجة عن إطلاق النار، وأن نتائج التحليل ربطت الدم بشخص آخر أصيب خلال المواجهة في المستشفى. كانت تلك الشهادة مهمة؛ فقد أكدت أن أيان لم يكن مصابًا بالرصاص، وأن حالته ارتبطت بالمهدئ والخطر الذي تعرض له، لا بما حاول البعض الإيحاء به. وقبل أن يغادر، نظر الطبيب إلى القاضي وقال: — أريد أن أؤكد أمرًا واحدًا. الطفل ليس ملفًا أو دليلًا في نزاع بين عائلتين. إنه طفل كان يجب أن يكون في منزله، آمنًا، وتحت رعاية والديه. ما حدث له كان إخفاقًا خطيرًا في حمايته. ساد الصمت مجددًا. حتى بعض الصحفيين توقفوا عن الكتابة للحظات. ثم سمح له القاضي بالعودة إلى مقعده. --- شهادة الطبيب الذي زوّر التقارير كان الدكتور فرنسوا روسي، الذي اعترف سابقًا بتزوير التقارير الطبية، من أهم الشهود في القضية. دخل القاعة متوترًا، وجلس أمام القاضي دون أن ينظر إلى مورفون. بدأ ممثل الادعاء بسؤاله عن التقارير التي أعدّها بشأن نسب أيان. اعترف فرنسوا بأنه كتب استنتاجات لم يكن يملك أساسًا طبيًا لإصدارها، وأنه لم يُجرِ فحصًا للطفل، ولم يلتقِ به أصلًا. ثم عرض ممثل الادعاء الرسائل التي جُمعت من هاتفه، وفيها تعليمات مرتبطة بإعداد التقارير وتوقيت تسليمها. سأله القاضي مباشرة: — هل أُعدّت هذه التقارير بناءً على طلب من السيد مورفون؟ ابتلع فرنسوا ريقه. ثم أجاب: — نعم. تحرك مورفون في مقعده، لكن القاضي طلب منه التزام الصمت. تابع فرنسوا: — قيل لي إن هذه التقارير ستُستخدم لإثارة الشك في نسب الطفل، وإنها ستجعل السيد فيتالي يبتعد عن زوجته وابنه. لم أكن أعرف كل تفاصيل الخطة في البداية، لكنني كنت أعرف أنني أقدّم معلومات طبية كاذبة. سأله ممثل الادعاء: — هل كنت تعلم أن الطفل سيُنقل إلى المستشفى الخاص؟ — لم أكن أعرف تفاصيل ما سيحدث له هناك، لكنني علمت لاحقًا أن الأمر تجاوز مجرد تزوير التقارير. — وهل أخبرك مورفون بسبب رغبته في إبعاد الطفل؟ تردد فرنسوا طويلًا. ثم قال: — قال إنه يريد التخلص من ابنة إيدريان ميرافيل وابنها. وأخبرني أن الطفل جزء من خطته، وأنه يريد استخدامه لتحقيق غاية أخرى لم يشرحها لي بالكامل. ساد الصمت. تابع فرنسوا بصوت منخفض: — وعندما فهمت أن الأمر قد يعرّض حياة الطفل للخطر، شعرت بالخوف. لكنني كنت قد تورطت بالفعل، وكنت أخشى أن أتكلم. رفع ممثل الادعاء إحدى الرسائل. — هل تتعرف على هذه الرسالة؟ نظر فرنسوا إليها. — نعم. إنها رسالة أرسلها لي أحد الوسطاء المرتبطين بمورفون، وفيها تعليمات بشأن صياغة التقرير. — وهل هذه الرسائل حقيقية؟ — نعم. وقد سلمت هاتفي والنسخ الأصلية إلى المحققين. أغلق ممثل الادعاء الملف. كانت شهادته قد أثبتت أن التقارير لم تكن خطأً طبيًا أو سوء فهم، بل تزويرًا متعمدًا استُخدم لإيذاء سولي وأيان. لكن بقيت القضية الأهم: ما الذي حدث لإيدريان ميرافيل وزوجته؟ وهنا، استدعى الادعاء شاهدًا آخر، قدم سجلات مالية واتصالات قديمة ربطت مورفون بوسطاء من جماعات إجرامية في الفترة التي سبقت وفاة والدي سولي. لم تكن كل التفاصيل قد اتضحت بعد، لكن الأدلة الجديدة كانت كافية لفتح مسار قضائي مستقل، ولم يعد من الممكن إغلاق الملف بمجرد إنكار مورفون. --- شهادة سولي ميرافيل عندما نادى القاضي اسم سولي، شعرت بأن القاعة كلها أصبحت أكثر هدوءًا. وقفت ببطء. كان لوكا يجلس في الصف الأمامي، وإلى جانبه أيان. أما كارلي، فكانت تراقبها بعينين ممتلئتين بالقلق. قبل أن تتجه إلى منصة الشهود، التفتت سولي إلى لوكا. لم يقل لها شيئًا. اكتفى بأن مد يده إليها. أمسكتها لثانية، ثم تركتها وتقدمت. أدت القسم وجلست. بدأ ممثل الادعاء بأسئلة عن علاقتها بمورفون، وعن السنوات التي أعقبت وفاة والديها. أجابت سولي بصوت هادئ في البداية: — كنت صغيرة عندما فقدت والديّ. لم أكن أعرف كل ما حدث، ولم تكن لديّ القدرة على فهم ما يجري حولي. لكنني عرفت مع الوقت أن والدي، إيدريان ميرافيل، رفض استخدام شركته في عمليات غير قانونية، وأن هذا الرفض وضعه في مواجهة أشخاص خطرين. سألها ممثل الادعاء: — هل كنتِ تعرفين أن مورفون قد يكون مرتبطًا بوفاتهما؟ نظرت إلى الوثائق أمامها. — كانت لديّ شكوك، لكن الشك ليس دليلًا. لهذا أنا هنا. أريد أن تُفحص الأدلة، وأن يُحاسب المسؤولون عمّا حدث، أيًّا كانت أسماؤهم. ثم تابعت: — لم يكن والدي رجلًا كاملًا، ولم أعرف كل أسراره، لكنني أعرف أنه رفض أن يجعل شركته وسيلة لإيذاء الآخرين. وبعد موته، فقدت أشياء كثيرة. فقدت عائلتي، وفقدت الشعور بالأمان، وعشت سنوات وأنا أحاول أن أحمي نفسي ومن أحبهم. توقفت قليلًا، ثم رفعت رأسها. — وبعد كل ذلك، عاد مورفون إلى حياتي، ولم يكتفِ بما حدث في الماضي. حاول أن يبعدني عن زوجي، ثم أخذ ابني. ارتجف صوتها عند ذكر أيان. نظرت إليه. كان جالسًا بجانب لوكا، يمسك بيد أبيه، وعيناه تتابعانها. أخذت سولي نفسًا عميقًا. — لم يكن أيان يعرف شيئًا عن صراعات الكبار. كان طفلًا يريد أن يلعب، وأن يسمع قصة قبل النوم، وأن ينام وهو يعرف أن أمه قريبة منه. لكن مورفون أخبره أنه لا ينتمي إلى عائلته، وأن أباه لا يحبه، وأنه سيُترك وحده. امتلأت عيناها بالدموع، لكنها تابعت: — وعندما عاد أيان إلينا، كان خائفًا من أن نفارقه. كان يسألني إن كنا سنتركه، وكأنه أصبح يعتقد أن الحب شيء يمكن أن يُسحب منه في أي لحظة. رفعت سولي رأسها نحو القاضي. — أريد أن يفهم الجميع أن ما حدث لم يكن خلافًا بين عائلتين. لقد استُخدم طفل بريء لإيذاء أمه وأبيه. وأُخذ من سريره، وخُدّر، ونُقل إلى مكان لم يكن ينبغي أن يوجد فيه أصلًا. ساد الصمت في القاعة. ثم قالت: — لم آتِ إلى هنا لأطلب الشفقة. أنا لا أحتاج إلى أن يشفق عليّ أحد. أريد فقط أن يُنظر إلى أيان بوصفه طفلًا له حق في الأمان، لا أداة في يد رجل يريد الانتقام. سألها محامي الدفاع إذا كانت تملك دليلًا مباشرًا على أن مورفون أصدر بنفسه أمر اختطاف أيان. أجابت سولي بوضوح: — لم أكن حاضرة عندما أُخذ ابني، ولن أدّعي أنني رأيت ذلك بعيني. لكنني أعرف ما قاله لي أيان بعد عودته، وأعرف ما أثبتته الرسائل وشهادات الأشخاص الذين شاركوا في الخطة. أما تحديد المسؤولية القانونية، فأتركه للمحكمة بناءً على الأدلة. كان جوابها هادئًا، لا يحمل مبالغة ولا محاولة لإقناع أحد بغير الحقيقة. ثم سألتها المحكمة عن الرسائل التي وصلتها بعد اكتشاف اختفاء ابنها، وعن تهديدات مورفون السابقة، فأجابت بالتفصيل، موضحة ما تعرفه بنفسها وما عرفته من التحقيق. وعندما انتهت الأسئلة، سمح لها القاضي بالعودة إلى مقعدها. لكن قبل أن تغادر منصة الشهود، توقفت سولي لحظة. نظرت إلى مورفون. كان يجلس بوجه جامد، وكأن شهادتها لم تمسّه. قالت بصوت واضح: — لن أسمح لك بأن تجعل ابني يخاف من الحب مرة أخرى. مهما كان الحكم، لن أسمح لك بأن تعيد ما فعلته. لم يقاطعها القاضي؛ فقد أنهت كلامها، ثم عادت إلى مقعدها. وحين جلست، أمسك لوكا يدها. لم تقل شيئًا. لكنه شعر بارتجاف أصابعها، فشد على يدها برفق. همس لها: — أحسنتِ. نظرت إليه بعينين دامعتين. — لم أكن أريد أن أكون قوية اليوم. أجابها: — لم يكن عليكِ أن تكوني قوية. كان عليكِ فقط أن تقولي الحقيقة. ثم مال نحوها قليلًا. — وقد فعلتِ. --- شهادة أيان كانت شهادة أيان أكثر اللحظات حساسية في المحاكمة. لم ترغب سولي في أن يُجبر ابنها على استعادة تفاصيل أخافته، ولم يكن أحد يريد أن يتحول الطفل إلى وسيلة لإثارة تعاطف الحاضرين. لذلك، وبعد تقييم حالته والتأكد من قدرته على المشاركة دون أن يتعرض لضغط غير مناسب، تقرر الاستماع إليه بطريقة تراعي سنه، وبحضور مختص يساعده على التعبير عن نفسه، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لحمايته من المواجهة المباشرة مع مورفون. قبل دخوله، جلس أيان بين أمه وأبيه في غرفة جانبية. كان يرتدي قميصًا أزرق أنيقًا، وقد أمسك بيد سولي بيد، وبيد لوكا باليد الأخرى. نظر إلى أمه. — ماما، هل يجب أن أحكي كل شيء؟ انحنت نحوه. — احكِ ما تتذكره يا حبيبي. وإذا لم تتذكر شيئًا، فلا بأس. وإذا شعرت بالتعب، يمكنك أن تطلب استراحة. ثم أضاف لوكا: — لا أحد يطلب منك أن تكون شجاعًا طوال الوقت. أنت طفل، ومن حقك أن تخاف. نحن هنا، ولن نتركك. فكر أيان قليلًا، ثم سأل: — وإذا غضب الرجل المخيف؟ أجابه لوكا بهدوء: — لن يستطيع إيذاءك هنا. هناك أشخاص مسؤولون عن حمايتك، وأنا وأمك قريبان منك. أومأ أيان، ثم نهض ممسكًا بيديهما. وعندما بدأ الاستماع إلى شهادته، لم يُطلب منه أن يواجه مورفون أو أن يصف كل لحظة بالتفصيل. سأله المختص أسئلة بسيطة ومناسبة لعمره، وترك له الوقت الكافي للإجابة. قال أيان إن مورفون جاء إلى غرفته، وإنه أخبره أنه لا ينتمي إلى عائلة فيتالي. ثم خفض رأسه قليلًا. — قال إن أبي لا يحبني. لم يتحرك لوكا في مقعده، لكنه شعر بألم عميق وهو يسمع الكلمات من فم ابنه مرة أخرى. تابع أيان: — قال إن أبي سيتركني عندما يعرف الحقيقة. سأله المختص بلطف: — وماذا شعرت عندما سمعت ذلك؟ عبث أيان بأصابعه قليلًا. — خفت. — ممَّ كنت خائفًا؟ رفع عينيه. — أن يتركني أبي. وأن لا أرى ماما مرة ثانية. كان صوت الطفل هادئًا، لكنه حمل في بساطته ما لم تستطع صفحات الملفات أن توضحه وحدها. ثم قال: — أنا أحب أبي. وأحب ماما. لا أريد أن أذهب إلى مكان بعيد عنهما. توقفت سولي عن التنفس للحظة، ووضعت يدها على فمها. أما لوكا، فخفض رأسه قليلًا، ثم رفعه مجددًا حتى لا يفقد أيان القدرة على رؤيته. سأله المختص إن كان يتذكر ما حدث بعد ذلك. أجاب أيان بأنه شعر بالخوف، ثم لم يعد يتذكر الكثير، حتى استيقظ لاحقًا ووجد نفسه بعيدًا عن أمه وأبيه. لم يُطلب منه أن يصف التفاصيل الطبية، ولم يُضغط عليه لتذكر ما لم يستطع تذكره. وعندما انتهت الأسئلة، سُمح له بالعودة إلى والديه. لم ينظر أيان نحو مورفون. بل ركض إلى لوكا، الذي انحنى واحتضنه، ثم جلس الصغير في حضن أمه. همس: — هل انتهيت يا ماما؟ قبّلت سولي جبينه. — نعم يا روحي. لقد فعلت ما استطعت، وهذا يكفي. نظر أيان إلى أبيه. — هل قلت الحقيقة؟ ابتسم لوكا، رغم الألم الذي كان يشعر به. — نعم يا بطل. قلت الحقيقة. ثم أضاف: — وأنا فخور بك، ليس لأنك لم تخف، بل لأنك أخبرتنا بما حدث رغم خوفك. استند أيان إلى صدره، وأغمض عينيه قليلًا. لم يكن يفهم كل ما يدور في المحكمة، ولا معنى الأدلة أو التهم أو الأحكام. لكنه فهم شيئًا واحدًا. أن أمه وأباه كانا بجانبه. وأن صوته لم يعد وحده. مع استمرار المحاكمة، أدلى عدد من أفراد العائلة بشهاداتهم أو قدموا إفاداتهم بشأن ما عرفوه من أحداث القصر. وقفت إيزابيلا أمام المحكمة بوجه صارم، وأقرت بأنها كانت تعرف أن مورفون يملك نفوذًا كبيرًا داخل العائلة، لكنها لم تكن تعرف تفاصيل الخطة المتعلقة بأيان قبل اختطافه. لم تحاول تبرير صمتها في الماضي، بل قالت: — اعتقدت طويلًا أن الحفاظ على العائلة يعني الحفاظ على اسمها ومكانتها. لكنني أدركت أن الاسم لا قيمة له إذا استُخدم لإخفاء الأذى. لا ينبغي أن يكون أي طفل ثمنًا لاستمرار نفوذنا. كانت كلماتها موجزة، لكنها أثارت همسات بين الحاضرين. أما إيزابيل، فقد قدمت إفادة بشأن ما رأته بعد عودة أيان إلى القصر، وكيف تأثرت سولي بما حدث، مؤكدة أن الطفل كان يحتاج إلى الحماية والهدوء، لا إلى المزيد من التهديدات. إيلينا، التي كانت قد شككت في سولي في الماضي، بدت أكثر توترًا وهي تجلس أمام المحكمة. اعترفت بأنها سمعت شائعات عن خلافات بين مورفون ولوكا، لكنها لم تكن تعرف أنه سيصل إلى اختطاف طفل. وعندما سُئلت إن كانت قد تجاهلت أي علامات تحذير، صمتت طويلًا قبل أن تجيب: — ربما كنت أفضّل ألا أعرف. كان أسهل أن أصدّق أن ما يحدث مجرد صراع بين رجال العائلة. لكنني كنت مخطئة. ما حدث لأيان لا يمكن تبريره بالتقاليد أو الولاء. لم تكن شهادتها كافية وحدها لإثبات أي تهمة، لكنها أظهرت أن الخوف من نفوذ مورفون كان قد جعل بعض أفراد العائلة يتجنبون طرح الأسئلة. أما لورينزو، فشهد بما عرفه عن تحركات مورفون، وبالوثائق التي ساعد مارك في جمعها، موضحًا أنه لم يكن حاضرًا عند اختطاف أيان، لكنه رأى أثر الحادث على لوكا وسولي، وساعد في تسليم المعلومات التي امتلكها إلى المحققين. قال لورينزو: — أعرف لوكا منذ سنوات طويلة. لم أرَه يومًا يتخلى عن مسؤولياته، لكنني لم أره خائفًا على شخص كما خاف على أيان. وفي تلك الأيام، لم يكن يفكر في السلطة أو المال. كان يفكر في إعادة ابنه إلى أمه. ثم أضاف: — لا أطلب من المحكمة أن تصدقني لأنني ابن عم لوكا. أطلب منها أن تنظر إلى الأدلة التي سلمناها، وأن تحاسب كل شخص ثبتت مسؤوليته. أما إيلارا، فقد أدلت بشهادتها حول ما لاحظته من تغير حالة سولي النفسية بعد اختفاء أيان، وقدمت ما تعرفه من تهديدات سابقة أثرت على شعور سولي بالأمان. لكنها حرصت على الفصل بين ما رأته بنفسها وما أخبرتها به صديقتها. قالت: — سولي ليست امرأة تبحث عن الانتقام. إنها أمٌّ حاولت أن تحمي طفلها، ثم وجدت نفسها مضطرة إلى مواجهته أمام العالم. ما أريده هو أن يتمكن أيان من العودة إلى حياته، وأن يعرف أن ما حدث له لم يكن خطأه. وعندما انتهت، عادت إلى مقعدها قرب لورينزو، بينما جلست ثيا بجانبها بهدوء، ممسكة بيد أمها. --- بعد الاستماع إلى الشهود، جاء دور الدفاع. حاول محامي مورفون التشكيك في بعض الأدلة، وأشار إلى أن بعض الشهادات لم تكن مباشرة، وأن بعض الوثائق تحتاج إلى تفسير، كما حاول تصوير ما حدث على أنه خلاف داخلي استُخدم لتصفية حسابات بين أفراد العائلة. لكن الادعاء ردّ بعرض الرسائل الأصلية، وسجلات الاتصالات، وشهادات الأشخاص الذين شاركوا في تزوير التقارير ونقل أيان إلى المستشفى الخاص. وعُرضت كذلك الأدلة التي ربطت مورفون بوسطاء وشركات استُخدمت في أنشطة غير قانونية، إلى جانب الوثائق التي أعادت فتح التحقيق في وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. لم تكن كل الوقائع القديمة قد حُسمت في هذه المحاكمة، ولذلك أوضح القاضي أن المسؤولية عن وفاة والدي سولي ستُقيَّم وفق الأدلة المقبولة في الملف، وأن أي تهم مستقلة ستخضع للإجراءات القانونية المناسبة. لكن الأدلة المتعلقة باختطاف أيان والتقارير المزورة وتعريضه للخطر كانت أكثر مباشرة. ومع مرور الساعات، بدأ الهدوء الذي حافظ عليه مورفون يتصدع. كان يجلس بوجه جامد، لكنه لم يعد ينظر إلى الشهود بالطريقة نفسها. وكلما عُرضت رسالة جديدة أو سُمع اعتراف آخر، كان يلتفت نحو محاميه، الذي يهمس له بشيء لا يسمعه أحد. وفي إحدى اللحظات، طلب مورفون الكلام. وقف ببطء، مستندًا إلى عصاه. — كل هذا لأنني حاولت حماية عائلة فيتالي من طفل لم يكن من المفترض أن يعود إليها! تحركت سولي في مقعدها، لكن لوكا أمسك يدها برفق. لم يمنعها من الكلام؛ بل نظر إليها وكأنه يترك لها الخيار. إلا أن سولي لم تقف. فقد أدلت بشهادتها بالفعل، ولم تكن بحاجة إلى الدخول في جدال معه. رفع القاضي صوته: — السيد مورفون، ستتاح لك فرصة الدفاع عن نفسك عبر محاميك. لن أسمح بتحويل الجلسة إلى تبادل اتهامات. لكن مورفون تابع، ناظرًا إلى لوكا: — لقد ضحيت بإمبراطورية كاملة من أجل امرأة وطفل! هل تظن أنك تستطيع بناء شيء بعد أن تدمر كل ما ورثته؟ وقف لوكا بهدوء. — لم أدمر شيئًا من أجل امرأة وطفل. أنا أرفض أن أسمح لك باستخدام اسم عائلتي لتغطية جرائمك. توقف لحظة، ثم تابع: — كنت تظن أنني سأختار السلطة على حساب ابني. وأن سولي ستظل خائفة إلى الأبد. لكنك أخطأت في الاثنين. حاول مورفون الرد، إلا أن القاضي طلب منه الجلوس. جلس أخيرًا، ووجهه مشدود بالغضب. أما لوكا، فعاد إلى مقعده، وأمسك يد أيان. لم يكن يريد أن ينتصر على مورفون بالكلمات. كان يريد أن ينتهي هذا اليوم، وأن يعود بابنه إلى البيت، ويضعه في سريره، ويقرأ له قصة قبل النوم. --- استمرت الإجراءات حتى المساء، وبعد الاستماع إلى الشهادات ومراجعة الأدلة، أعلن القاضي أن المحكمة سترفع الجلسة للتداول قبل إصدار الحكم. كانت تلك الساعات أطول من كل ما سبقها. جلس أفراد العائلة في الممر خارج القاعة، بينما بقيت سولي قرب أيان، تمسح على شعره كلما بدأ يشعر بالملل أو التعب. أما لوكا، فكان يقف عند النافذة، يراقب الشارع دون أن يرى ما فيه. اقتربت منه كارلي. — لقد فعلت كل ما استطعت. لم يلتفت إليها فورًا. — أعرف. — مهما كان الحكم، لن تعود الأيام الماضية. لكنك أعدت ابنك، ووقفت إلى جانب سولي. أغمض لوكا عينيه لحظة. — لم أكن أريد أن يصل الأمر إلى هنا. وضعت كارلي يدها على كتفه. — لا أحد يستطيع تغيير ما حدث. لكنك استطعت أن تختار ما ستفعله بعده. نظر إليها. — هل تعتقدين أنني فعلت الصواب حين وضعت شركات العائلة تحت التحقيق؟ أجابته بعد لحظة صمت: — أعتقد أنك فعلت الصواب حين رفضت أن تجعل اسم العائلة أهم من حياة طفل. أما ما سيحدث للشركات، فسيُعالج وفق القانون. إذا كانت هناك خسائر، فسنواجهها. لكن لا يمكننا بناء مستقبل آمن فوق أسرار نخاف من كشفها. نظر لوكا إلى سولي وأيان. كان أيان قد استند إلى كتف أمه، وقد بدأت عيناه تغمضان من التعب. قال لوكا بصوت منخفض: — لا أريد أن يكبر وهو يعتقد أن العالم مكان يجب أن يخاف منه. أجابته كارلي: — إذًا ساعده على معرفة أن هناك أشخاصًا يقفون إلى جانبه أيضًا. وقبل أن يجيب، فُتح باب القاعة. ظهر أحد الموظفين، وأعلن أن المحكمة ستستأنف الجلسة لإصدار الحكم. نهض الجميع. أمسكت سولي بيد أيان، بينما اقترب لوكا منهما. قال الصغير بصوت ناعس: — هل انتهينا يا أبي؟ انحنى لوكا نحوه. — بقي شيء واحد فقط، يا بطل. — ما هو؟ ابتسم له. — أن نسمع الحكم. دخلوا القاعة مجددًا. وقف مورفون في مكانه، وقد اختفى بعض ذلك الغرور الذي لازم ملامحه منذ بداية المحاكمة. جلس القاضي، ثم بدأ قراءة خلاصة ما توصلت إليه المحكمة. أوضح أن الأدلة أثبتت مسؤولية مورفون عن التخطيط لاختطاف أيان، والتدخل في إعداد تقارير طبية مزورة بقصد التشكيك في نسبه وإحداث شرخ بين والديه، إلى جانب دوره في تعريض الطفل لخطر بالغ من خلال نقله إلى منشأة طبية استُخدمت لإعداد إجراء غير قانوني. كما أكد الحكم أن الشهادات والرسائل والسجلات الطبية والمالية دعمت بعضها بعضًا، وأن القضية لم تكن مجرد نزاع عائلي، بل أفعالًا ارتُكبت بحق طفل قاصر واستُخدمت فيها السلطة والنفوذ لتجاوز القانون. ثم انتقل القاضي إلى العقوبة. ساد الصمت في القاعة. — بعد النظر في الأدلة والوقائع الثابتة، تقضي المحكمة بإدانة السيد مورفون بالتهم التي ثبتت مسؤوليته عنها، والحكم عليه بالسجن لمدة طويلة وفقًا للعقوبات المقررة قانونًا، مع استمرار التحقيق في التهم الأخرى المرتبطة بأنشطته الإجرامية والوقائع المتعلقة بوفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. توقفت سولي عن التنفس للحظة. لم تسمع في البداية سوى كلمة واحدة. السجن. ثم بدأت بقية الكلمات تصل إليها. مورفون لن يعود إلى القصر ليهدد أيان. لن يستطيع أن يرسل رجاله إلى منزلها. لن يتمكن من الوقوف أمام طفلها وإخباره أن والده لا يحبه. أغمضت عينيها، وانهمرت الدموع على وجهها. لم تكن دموع فرح كامل. كانت دموع امرأة حملت الخوف طويلًا، ثم سمعت أخيرًا أن الرجل الذي أرعبها لن يبقى حرًا كما كان. أمسك لوكا بيدها. لم يقل شيئًا. كان يعرف أن هذه اللحظة لا تحتاج إلى كلمات. أما أيان، فلم يفهم كل التفاصيل، لكنه شعر بأن أمه تبكي، فرفع رأسه نحوها. — ماما؟ هل أنتِ حزينة؟ انحنت إليه بسرعة، وابتسمت وسط دموعها. — لا يا حبيبي. أنا فقط... أشعر بالراحة. نظر إلى أبيه. — هل لن يأخذني الرجل المخيف مرة أخرى؟ جثا لوكا أمامه. — لن يستطيع الاقتراب منك الآن. وإذا حاول أي شخص أن يؤذيك، فهناك قانون وأشخاص مسؤولون عن حمايتك، ونحن سنفعل كل ما نستطيع لنضمن سلامتك. فكر أيان قليلًا، ثم مد ذراعيه نحو أبيه. احتضنه لوكا، وضمّه إلى صدره. — هل انتهى كل شيء يا أبي؟ نظر لوكا إلى سولي. كان يعلم أن بعض الملفات ما زالت مفتوحة، وأن قضية وفاة والديها لم تُحسم بالكامل بعد، وأن محاسبة كل من تورط مع مورفون قد تحتاج إلى وقت. لذلك لم يكذب عليه. — انتهى جزء مهم من الأمر يا بطل. أما بقية الحقيقة، فسنعرفها معًا، ولن نواجهها وحدنا. أومأ أيان، ثم دفن وجهه في كتف أبيه. --- ما إن خرجوا من المبنى حتى اندفع الصحفيون نحو الحواجز. تعالت الأسئلة، واشتعلت أضواء الكاميرات. — السيد فيتالي، هل تعتبر الحكم انتصارًا لعائلتك؟ — السيدة سولي، هل تشعرين أن العدالة تحققت؟ — هل ستتخلون عن إمبراطورية فيتالي؟ توقف لوكا للحظة، ثم نظر إلى الصحفيين. لم يكن يريد تحويل ألم ابنه إلى عرض أمام الكاميرات، لكنه أدرك أن الناس سيواصلون السؤال، وأنه يستطيع على الأقل أن يوضح موقفه. قال: — هذه القضية لم تكن معركة بين عائلتين. كانت قضية طفل تعرّض للاختطاف والتخويف، واستُخدمت فيها وثائق مزورة ونفوذ لإيذاء عائلته. ما حدث اليوم هو أن المحكمة حكمت بناءً على الأدلة، وهذا ما كان يجب أن يحدث منذ البداية. ثم أضاف: — أما إمبراطورية فيتالي، فستواجه نتائج التحقيقات كاملة. لن أطلب من أحد إخفاء الحقيقة لحماية اسم العائلة، ولن أسمح باستخدام شركاتنا للتغطية على أي جريمة. سأله أحد الصحفيين: — حتى لو خسرت كل شيء؟ نظر لوكا إلى أيان، الذي كان يمسك بيد سولي وينظر إلى الكاميرات بفضول. ثم أجاب: — المال يمكن تعويضه. الشركات يمكن إعادة بنائها. لكن لا يمكن تعويض طفل عن طفولته إذا عاشها خائفًا من أن يُؤخذ من والديه. اخترت ابني، ولن أعتذر عن ذلك. ساد صمت قصير بين الصحفيين. أما سولي، فنظرت إليه بعينين دامعتين. كان قد قال أمام العالم ما أثبته لها بالفعل بأفعاله. أنه لم يعد يضع اسم العائلة قبلها وقبل ابنهما. اقتربت منه، وأمسكت يده. — لوكا... التفت إليها. ابتسمت ابتسامة صغيرة. — شكرًا لأنك لم تتراجع. أجابها بهدوء: — لم أكن لأتراجع عنكما. ثم انحنى نحو أيان. — هيا، يا بطل. لنعد إلى البيت. رفع أيان رأسه. — وهل ستقرأ لي قصة الليلة؟ ابتسم لوكا للمرة الأولى منذ ساعات. — قصتين، إذا أردت. اتسعت عينا أيان. — قصتين كاملتين؟ — نعم، لكن بشرط. قطّب الصغير حاجبيه. — ما هو؟ — أن تختار واحدة بنفسك، وتترك لي اختيار الثانية. ضحك أيان، ثم أمسك يد أبيه بقوة. — موافق! راقبتهما سولي، وشعرت بأن شيئًا دافئًا يعود إلى قلبها. لم تختفِ كل آثار ما حدث، ولم تستعد عائلتها السنوات التي سُرقت منها، ولم تُغلق كل الملفات المتعلقة بماضيها. لكنها كانت ترى أمامها شيئًا لم تكن تجرؤ على الحلم به قبل أشهر. أيان يضحك. لوكا يمسك يده. وكارلي وإيلارا ولورينزو وبقية العائلة ينتظرونهم ليعودوا معًا. لم تكن هذه نهاية الألم كله. لكنها كانت بداية حياة لا يملك مورفون قراره. داخل السيارة، جلس أيان بين أمه وأبيه، وقد بدأ النعاس يغلبه. كان يحمل ورقة صغيرة رسم عليها ثلاثة أشخاص يمسكون أيدي بعضهم. رفعها نحو لوكا. — أبي، هذه لك. أخذها لوكا بحذر. كانت الرسمة بسيطة: رجل طويل، وامرأة ذات شعر طويل، وطفل صغير يقف بينهما. وفوقهم كتب أيان بخط متعرج: «أنا وماما وأبي. معًا دائمًا.» ظل لوكا ينظر إلى الرسمة طويلًا. ثم طواها بعناية ووضعها داخل جيب سترته، قرب قلبه. لاحظت سولي ذلك. — ستحتفظ بها؟ نظر إليها وكأن السؤال غريب. — بالطبع. ثم أضاف: — سأحتفظ بكل رسمة يرسمها أيان. ابتسمت سولي. — ستحتاج إلى خزانة كاملة. — سأشتري خزانة كاملة. ضحكت بخفة، ثم أسندت رأسها إلى المقعد. بعد لحظة، مالت نحو لوكا وهمست: — كنت أخاف أن أعود إلى إيطاليا، وأن أرى كل ما حدث في الماضي أمامي من جديد. نظر إليها. — وأنا كنت أخاف أن أخسركما مرة أخرى. تشابكت أصابعهما بهدوء فوق المقعد. قالت سولي: — لم تنتهِ كل المعارك بعد. — أعرف. — لكنني لم أعد أريد الهرب. ضغط لوكا على يدها. — لن أطلب منك أن تنسي ما حدث، ولن أطلب منك أن تتجاوزي كل شيء بسرعة. سنمضي خطوة واحدة في كل مرة. نظرت إليه طويلًا. — معًا؟ أجاب دون تردد: — معًا. وفي المقعد بينهما، كان أيان قد غفا، ورأسه مستند إلى ذراع أمه. مد لوكا يده الأخرى، وسحب البطانية الصغيرة فوقه. ثم نظر إلى سولي، وإلى ابنهما، وإلى الطريق الذي يمتد أمام السيارة. لقد خسر جزءًا من إمبراطورية فيتالي. وخسر أشخاصًا ظن يومًا أن ولاءهم لا يتزعزع. لكن ما بقي له كان أثمن من كل ما فقده. زوجته التي قررت أن تواجه خوفها. وابنه الذي بدأ يتعلم أن الحب لا يعني أن يظل الإنسان خائفًا من الفراق. وعائلة ستبني مستقبلها على الحقيقة، لا على الصمت. أما مورفون، فقد صدر بحقه الحكم، ولم يعد قادرًا على إصدار الأوامر من قصر فيتالي. وبينما كانت السيارة تبتعد عن المحكمة، بقيت رسمة أيان في جيب لوكا، قريبة من قلبه. ثلاثة أشخاص يمسكون أيدي بعضهم. لم تكن رسمة عظيمة. لكنها كانت أول صورة لمستقبل أراد لوكا أن يحميه، مهما كان الثمن. ففي النهاية، لم تكن العدالة أن يخسر مورفون حريته فحسب. بل أن يستعيد أيان حقه في أن يكون طفلًا... وأن يعيش بين أمٍّ وأبٍ يحبانه، دون أن يخاف أن يأتي أحد فيأخذه منهما مرة أخرى.🥹❤️🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة!
[عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا
[ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن
الفصل — هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فقد قرأت ا
[ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام
[من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ







