LOGIN[عشر سنوات من دونكما]
فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هناك أيضًا. يركض في الممر، ويضحك بصوت مرتفع، ثم يتسلل إلى سريرهما في الصباح ليوقظ والده ويطلب منه بناء قلعة من الوسائد. حتى أنه استطاع أن يسمع صوته في نهاية الحلم. — بابا، استيقظ! ارتجفت شفتا لوكا. فتح عينيه بسرعة، والتفت نحو باب الغرفة. لكن لم يكن هناك طفل يركض نحوه. لم يكن هناك أحد. كان وحده. مرة أخرى. رفع يده إلى وجهه ومسح عينيه، ثم أطلق زفيرًا طويلًا. — أيان... خرج اسم ابنه همسًا خافتًا. بقي ينظر إلى الباب، كأنه ينتظر أن يسمع خطوات صغيرة تقترب منه. لكن البيت ظل ساكنًا. لا ضحكة. لا صوت. لا حياة تشبه تلك التي عاشها قبل لحظات في حلمه. فقط ذكريات. ذكريات يعرفها جيدًا، ومع ذلك لم يتعلم يومًا كيف يتعايش معها دون أن يشعر بأن شيئًا داخله ينكسر من جديد. جلس على حافة السرير. ووضع قدميه على الأرض. عندها وقعت عيناه على الطاولة الجانبية. كان هاتفه هناك، بجانبه ساعة قديمة وصورة صغيرة داخل إطار خشبي. مد يده إلى الصورة. كانت سولي ترتدي فستان زفافها الأبيض، وشعرها الأسود منسدل على كتفيها. كانت تنظر إلى الكاميرا بابتسامة خجولة، بينما وقف لوكا إلى جوارها ببدلته السوداء، وذراعه تحيط بها. كانت الصورة من يوم زفافهما. اليوم الذي كان من المفترض أن يكون بداية حياتهما معًا. مرّر إبهامه فوق الزجاج، متوقفًا عند وجهها. — صباح الخير، يا حبيبتي. قالها كما كان يقولها في كل صباح تقريبًا. ثم ابتسم ابتسامة باهتة. — لقد حلمت بكِ مجددًا. صمت قليلًا. — هذه المرة تزوجتكِ مرة ثانية. أطرق رأسه، وراحت عيناه تتنقلان بين ملامحها في الصورة. — وافقتِ على الفور تقريبًا... حتى إنني لم أضطر إلى إقناعكِ طويلًا. خرجت منه ضحكة قصيرة، لكنها اختفت سريعًا. — كنتِ ستجعلينني أعاني قليلًا على الأقل، أليس كذلك؟ لم يأته جواب. اقتربت الصورة من صدره عندما ضمها إلى يده. — كنتِ جميلة جدًا في ذلك الحلم. توقّف. ثم همس: — لكنكِ كنتِ جميلة في الحقيقة أيضًا. --- لم يكن لوكا بحاجة إلى صورة كي يتذكر يوم زفافه. كان يتذكره كما لو أنه حدث بالأمس. قبل عشر سنوات. عشر سنوات كاملة منذ وقف أمام سولي، ينتظر وصولها إلى جانبه، وهو يحاول إخفاء ارتباكه خلف ملامحه الجامدة. كان كل شيء حولهما مضاءً. الزهور البيضاء تزين القاعة، والموسيقى تنساب في المكان، والضيوف يبتسمون ويتهامسون، بينما وقفت سولي بفستانها الأبيض أمامه. كانت أصابعها ترتجف قليلًا حين وضعت يدها في يده. تذكر كيف نظر إليها يومها. وكيف تمنّى، للمرة الأولى، أن يتوقف الوقت. لم يكن يعرف ما الذي ينتظرهما. لم يكن يعرف كم من الألم سيحمله ذلك اليوم في ذاكرته. كل ما عرفه أنه أراد الاحتفاظ بتلك اللحظة إلى الأبد. وحين انتهت مراسم الزواج، وحين اقترب منها ليقبّل جبينها وسط تصفيق الحاضرين، همست سولي باسمه. — لوكا. انحنى قليلًا حتى يسمعها وسط الأصوات. — نعم؟ ابتسمت له بخجل. — نحن الآن متزوجان فعلًا. ضحك يومها، تلك الضحكة الهادئة التي لم يكن يسمح لنفسه بإظهارها أمام الآخرين. — يبدو أنكِ بدأتِ تدركين ذلك أخيرًا. ضربت ذراعه بخفة. — لا تفسد اللحظة. — لن أفعل. ثم أمسك يدها وقبّل خاتمها. — أعدكِ بأنني سأحاول أن أجعلكِ سعيدة. نظرت إليه بعينيها البنيتين. — لا أريد حياة مثالية يا لوكا. — ماذا تريدين إذًا؟ ابتسمت. — أريد حياة أعيشها معك. كانت كلمات بسيطة. لكنه لم يدرك يومها كم سيتمنى لو أنه استطاع تحقيقها. لأن بعد دقائق قليلة... تغيّر كل شيء. دوّى صوت إطلاق النار. تعالت صرخات الضيوف. وتحوّلت القاعة التي امتلأت قبل لحظات بالموسيقى والضحكات إلى فوضى لم يستطع أحد السيطرة عليها. رأى لوكا الحركة من طرف عينه، ولم يكن لديه وقت كافٍ لفهم ما يحدث. كل ما يتذكره أن سولي كانت أمامه. ثم أنها اندفعت نحوه. — لوكا! كان ذلك آخر ما سمعه بوضوح من صوتها قبل أن يبتلع الضجيج كل شيء. شعر بجسدها يصطدم به، وبيدها تتشبث ببدلته للحظة، ثم رأى الخوف في عينيها. خوفًا لم يكن عليها. بل عليه. أمسكها قبل أن تسقط، ونظر إلى وجهها الذي فقد لونه بسرعة. — سولي؟ لم تجبه. — سولي، انظري إليّ! كانت يداه ترتجفان وهو يحاول إبقاءها بين ذراعيه، بينما كانت الأصوات من حوله تتداخل دون أن يفهم منها شيئًا. لم يعد يرى الضيوف. لم يعد يسمع الصراخ. لم يعد يشعر بالأرض تحت قدميه. كان يرى سولي فقط. سولي التي ارتدت فستانًا أبيض لتصبح زوجته. سولي التي ابتسمت له قبل دقائق. سولي التي كانت تقول إنها تريد أن تعيش معه. — لا، لا، لا... هز رأسه، وكأنه يستطيع بتلك الحركة أن يرفض ما يحدث أمامه. — ابقي معي، أرجوكِ. حاولت سولي فتح عينيها أكثر. تحركت شفتاها بصعوبة. — لوكا... انحنى نحوها. — أنا هنا. أنا هنا يا حبيبتي. حاولت أن تبتسم له. كانت ابتسامة صغيرة للغاية، لكنها بقيت محفورة في ذاكرته أكثر من أي شيء آخر. ثم همست: — لا... تتركني... اختنق صوته. — لن أترككِ. أقسم لكِ أنني لن أترككِ! لكنها كانت هي التي بدأت تفلت من بين يديه. وكلما ناداها، شعر بأن المسافة بينه وبينها تزداد، رغم أنه كان يضمها إلى صدره بكل ما يملك من قوة. لم يكن يريد أن يصدق. لم يستطع. وعندما حملها رجال الإسعاف بعيدًا عنه، حاول اللحاق بهم، يصرخ باسمها ويطلب منهم أن ينقذوها. كانت يداه ملطختين بالدماء. وصوتها لا يزال يتردد في أذنيه. أما خاتما الزواج، فبقيا في إصبعيهما. لكن الوعد الذي قطعاه قبل دقائق لم يمضِ عليهما سوى وقت قصير قبل أن يتحول إلى شيء لم يكن لوكا مستعدًا له. لم تنجُ سولي من إصابتها. ورغم كل ما فعله الأطباء، ورغم كل الأبواب التي طرقها لوكا، ورغم الأموال والنفوذ والأطباء الذين أحضرهم من أماكن بعيدة... لم يستطع إعادة زوجته. رحلت سولي بعد يوم زفافهما. وبقي هو. بقي ليعيش الأيام التي كان من المفترض أن يعيشها معها. --- عاد لوكا إلى الحاضر وهو لا يزال يمسك بالصورة. كانت الشمس قد ارتفعت قليلًا. نظر إلى الساعة، ثم وضع الصورة في مكانها بعناية، ووقف. لم يكن اليوم مختلفًا عن الأيام التي سبقته. سيغسل وجهه. سيرتدي ملابسه. وسيذهب إلى المكان الذي اعتاد زيارته كل يوم منذ سنوات. المكان الذي لم يتوقف يومًا عن الذهاب إليه، حتى في الأيام التي كان العمل يضغط عليه، وحتى حين سافر بعيدًا، وحتى عندما أقنع نفسه أنه يجب أن يحاول العيش من جديد. كان يعود دائمًا. لأن جزءًا منه بقي هناك. مع سولي. ومع أيان. دخل الحمام وغسل وجهه بالماء البارد، ثم وقف أمام المرآة للحظات. كان الرجل الذي ينظر إليه أكبر مما يتذكر أحيانًا. ظهرت خيوط رمادية خفيفة بين شعره الأسود، وصارت ملامحه أكثر قسوة مما كانت عليه في صور زفافه. لم يكن ذلك بسبب السنوات وحدها، بل بسبب كل ما اضطر إلى تعلمه بعدما فقدهما. رفع يده إلى وجهه، ثم تنهد. — عشر سنوات... قالها لنفسه. عشر سنوات منذ أن غادر قاعة الزفاف من دون سولي. عشر سنوات منذ أن تبدّل معنى كلمة «مستقبل» في حياته. ثم أغمض عينيه للحظة. — وعندما أنام... تعودان إليّ. لم يكن يعرف إن كان عليه أن يشعر بالامتنان لأحلامه، أم أن يخاف منها. ففي كل ليلة تقريبًا، كان عقله يعيد بناء حياة أخرى. حياة تستيقظ فيها سولي إلى جانبه. حياة يكبر فيها أيان وهو يركض بينهما. حياة يعتذر فيها لوكا عن أخطائه، ويصلح ما انكسر بينهما، ويطلب من سولي أن تختاره مرة أخرى. حياة يستطيع فيها أن يقول لها كل ما لم يقله في الوقت المناسب. لكن الصباح كان يأتي دائمًا. ومعه تعود الحقيقة. أطفأ ضوء الحمام، وارتدى قميصًا داكنًا ومعطفه، ثم أخذ مفاتيحه. وقبل أن يغادر، عاد إلى الطاولة الجانبية. فتح الدرج السفلي وأخرج منه صورتين. الأولى لسولي في يوم زفافهما. والثانية لأيان، وهو طفل صغير يبتسم للكاميرا، بشعره الأسود وعينيه اللتين كانتا تشبهان عيني أبيه. توقفت عيناه عند صورة أيان. مرّر إصبعه فوق وجه ابنه. — صباح الخير يا بطلي. ابتلع ريقه. — أتمنى أنك لم ترث عني عنادي كله. ابتسم بحزن. — مع أنك لو كنت هنا، لكنت قد ورثت كل شيء، ثم أنكرت ذلك أمامي. لم يستطع أن يكمل. وضع الصورتين داخل جيب معطفه بعناية، ثم خرج. --- كانت الأزهار في متجر الزهور الصغير على زاوية الشارع قد وصلت للتو. عرفته صاحبة المتجر قبل أن يتحدث. فمنذ سنوات، صار حضوره في الصباح جزءًا من روتينها اليومي. كان لوكا يختار الزهور بنفسه، ولا يسمح لأحد بأن يختارها نيابة عنه. اقترب من الواجهة الزجاجية، وتأمل الباقات المرتبة داخلها. ثم أشار إلى باقة من التوليب الأبيض والوردي. — أريد هذه، من فضلكِ. ابتسمت المرأة بلطف وهي تجهزها. — بالطبع، سيد فيتالي. ثم نظرت إلى الباقة وأضافت: — إنها جميلة جدًا اليوم. أومأ لوكا. — كانت تحب التوليب. قالها بهدوء، ثم توقف لبرهة قبل أن يصحح: — سولي كانت تحبه. لم تتغير ملامح المرأة، لكنها خفضت عينيها للحظة. كانت تعرف أن أي كلمة مواساة لن تغيّر شيئًا. ناولته الباقة. — أتمنى لك يومًا هادئًا. أخذها لوكا. — شكرًا. خرج من المتجر، وحمل الزهور بكلتا يديه للحظة قبل أن يضعها على المقعد المجاور له في السيارة. ثم جلس خلف المقود. بقي ساكنًا لبعض الوقت. نظر إلى المقعد الفارغ إلى جانبه. وتخيل سولي تجلس هناك، تلتفت نحوه وتنتقد اختياره للطريق، ثم تخبره أنها تريد التوقف لشراء القهوة. وكأنه يسمعها فعلًا. «لوكا، لا تقُد بهذه السرعة.» كاد يبتسم. — حسنًا، يا سيدتي. ثم استوعب أنه يتحدث إلى مقعد فارغ. أغمض عينيه. وأراح رأسه على مسند المقعد لثوانٍ. — ما زلت أسمع صوتكِ... قالها بصوت خافت. ثم شغّل السيارة وانطلق. --- كانت المقبرة هادئة عندما وصل. أشجار طويلة تحيط بالممرات، وأوراق جافة متناثرة فوق الأرض، بينما كان الهواء الصباحي يحمل برودة خفيفة. أوقف لوكا سيارته في المكان الذي اعتاد الوقوف فيه. حمل باقة التوليب، وأخرج الصورتين من جيبه للحظة، ثم أعادهما إلى مكانهما. سار عبر الممر المعروف. لم يحتج إلى النظر حوله ليعرف الطريق. لقد قطعه مئات المرات. وربما آلافًا. كل خطوة كانت مألوفة، وكل شجرة على جانبي الممر بدت كأنها تحفظ صمته. وأخيرًا وصل إلى قبرين متجاورين. توقف. كان اسم سولي محفورًا على الحجر الأول. سولي ميرافيل فيتالي. وتحت الاسم تاريخ ميلادها وتاريخ رحيلها. أما القبر الثاني، فكان يحمل اسم ابنه. أيان فيتالي. بقي لوكا واقفًا بين القبرين. لم يتحرك للحظات. ثم انحنى ووضع باقة التوليب بينهما، بحيث يمتد جزء منها أمام قبر سولي، والجزء الآخر أمام قبر أيان. أخرج من جيبه قطعة قماش صغيرة، ومسح الغبار عن طرف الحجر الأول. ثم انتقل إلى الثاني ومسحه بعناية مماثلة. كانت تلك التفاصيل الصغيرة طريقته في الاعتناء بهما. لم يعد يستطيع أن يسرّح شعر سولي. ولا أن يحمل أيان على كتفيه. ولا أن يناديهما لتناول الإفطار. لكنه كان قادرًا على الحضور. كل يوم. وهذا ما فعله. جلس على المقعد الحجري الصغير القريب، ثم نظر إلى القبرين. — صباح الخير. خرجت الكلمات هادئة، كما لو أنه دخل غرفتهما ولم يرد إيقاظهما. — تأخرت بضع دقائق اليوم. نظر إلى ساعته. — الزحام كان أسوأ من المعتاد، وأيان... توقف. هبطت عيناه نحو قبر ابنه. ظل صامتًا طويلًا. ثم صحح عبارته بصوت خافت: — لا. لا يوجد زحام يستطيع أن يمنعني من الوصول إليكما. ضغط شفتيه معًا، وأخذ نفسًا بطيئًا. — آسف. لم يكن يعرف لمن اعتذر تحديدًا. لسولي، لأنه لم يستطع حمايتها. أم لأيان، لأنه لم يستطع أن يمنحه العمر الذي كان يستحقه. أم لنفسه، لأنه بعد عشر سنوات لا يزال يستيقظ كل صباح وهو يتمنى لو أن العالم يعيد إليه دقيقة واحدة فقط. رفع عينيه إلى قبر سولي. — حلمت بكِ الليلة الماضية. ابتسم ابتسامة صغيرة، مستسلمة للحزن. — كنتِ تضحكين مني مجددًا. أطرق رأسه. — قلتِ إنني أزعجكِ، وإنني سأجعلكِ تندمين على موافقتكِ على الزواج مني. توقفت ابتسامته قليلًا. — ثم وافقتِ. رفع يده إلى وجهه ومسح عينيه قبل أن تكتمل الدموع. — في الحلم، أقمنا زفافًا آخر. هذه المرة لم يجبرنا أحد على شيء، ولم يكن هناك أحد يقرر عنا. نظر إلى الخاتم القديم الذي لا يزال يلبسه في إصبعه. كان خاتم زواجهما الأول. لم يخلعه منذ رحيلها. — طلبت منكِ أن تختاريني من جديد، فاخترتِني. سكت لحظة. — حتى إنني وعدتكِ بمنزل صغير، ومخبز تعودين إليه، وغرفة لأيان يستطيع أن يرسم على جدرانها كما يشاء. ضحك من خلال دموعه. — وأنتِ قلتِ إنني سأضطر إلى شراء سيارة جديدة إذا تركته يرسم على سيارتي. ثم انخفض رأسه، واختفت الضحكة تمامًا. — كنتِ سعيدة يا سولي. تنفس بصعوبة، ثم رفع عينيه إليها من جديد. — كنتِ سعيدة جدًا. مد يده ولمس الحجر برفق. — وأنا كنت سعيدًا معكِ. أغمض عينيه. — لكنني استيقظت. ظل ساكنًا للحظات، ثم تابع: — دائمًا أستيقظ. رفع وجهه نحو السماء، محاولًا السيطرة على صوته. — عشر سنوات يا سولي. خرجت الكلمات منه مرتجفة. — عشر سنوات وأنا أذهب إلى السرير وحدي، وأستيقظ وحدي، وأحاول أن أتذكر كيف كانت حياتي قبل أن تصبح كل الطرق تؤدي إليكِ. التفت نحو قبر أيان. — وأنت أيضًا يا بطلي. نزلت دمعة على خده. لم يمسحها هذه المرة. — أحيانًا أحلم أنك تركض في البيت. أسمع خطواتك، وأسمعك تناديني «بابا»، ثم تأتي لتقفز فوق السرير لأنك لا تريدني أن أنام أكثر. ابتسم رغم ألمه. — وفي الحلم، أتذمر منك قليلًا، فتضحك سولي وتخبرني أنني أب سيئ لأنني أرفض الاستيقاظ من أجل ابني. خفض رأسه. — كنت سأستيقظ من أجلك ألف مرة يا أيان. سكت. — ألف مرة، وأكثر. مد يده إلى القبر الصغير، وترك كفه فوق الحجر لثوانٍ. — كان يجب أن أراك تكبر. تكسرت نبرته. — كان يجب أن أسمعك وأنت تتعلم القراءة، وأن أشاهدك تدخل المدرسة، وأن أراك تعود يومًا وتخبرني أنك لا تحتاج إلى مساعدتي في أي شيء. أخذ نفسًا مرتجفًا. — وكان يجب أن أكون هناك في كل مرة تحتاج إليّ. لم يتابع. لم يستطع. جلس صامتًا، بينما كانت الدموع تنزل على وجهه دون أن يحاول إخفاءها. لم يكن لوكا يبكي أمام الناس. لم يكن يسمح لنفسه بذلك. لكن هنا، لم تكن هناك اجتماعات ولا رجال ينتظرون أوامره، ولا عائلة تخشى أن ترى وريث فيتالي ضعيفًا. هنا كان مجرد رجل. رجل فقد زوجته. وفقد ابنه. ورجل لا يزال يتذكر كيف كانت الحياة حين كان لهما صوتان يناديانه من غرفتين مختلفتين. مرّت دقائق قبل أن يتمكن من رفع رأسه مجددًا. نظر إلى باقة التوليب بين القبرين. ثم قال: — لن تصدقوا ما حدث في حلمي. توقف قليلًا. — لقد عادت سولي إليّ. أغمض عينيه. — وعاد أيان معها. رفع رأسه ببطء، وكانت عيناه حمراوين. — تحدثنا طوال الليل. خططنا لمنزل جديد، وتحدثنا عن المخبز، وعن الإفطار، وعن كل تلك الأشياء الصغيرة التي كنت أظن أنني لن أستطيع تخيلها مرة أخرى. ابتلع ريقه. — حتى أنني طلبت منها الزواج بي مجددًا. خرجت منه ضحكة موجوعة. — ووافقت. ظل ينظر إلى القبرين. — أعرف أنه حلم. أعرف أنني سأعود غدًا إلى هذا المكان وأخبركما أنني حلمت بكما مرة أخرى. سكت. ثم أضاف بصوت بالكاد يُسمع: — لكنني لثوانٍ قليلة... نسيت. نزلت دمعة أخرى. — نسيت أنني فقدتكما. انحنى إلى الأمام، وشبك يديه أمامه. — وعندما فتحت عينيّ، ظننت أنني سأسمعكما. توقفت أنفاسه للحظة. — تمنيت فقط أن أكون مخطئًا. لم يكن ينتظر أن يجيبه أحد. ومع ذلك، ظل ينظر إلى القبرين، وكأنه يخشى أن يرفع عينيه فيختفي حتى الحجر من أمامه. ثم أخرج الصورة الصغيرة من جيبه. كانت صورة سولي في فستان زفافها. تأملها طويلًا، قبل أن يضعها برفق قرب باقة التوليب. وأخرج صورة أيان أيضًا. وضعها إلى جوار صورة أمه. طفل صغير يبتسم، لا يعرف كم من الحزن سيتركه خلفه، ولا كم من السنوات سيقضي والده وهو يحاول أن يتعلم كيف يعيش بعده. مرّر لوكا إصبعه فوق الصورة. — اعتنِ بأمك حين تلتقيان هناك يا صغيري. ثم ابتسم بحزن. — إنها عنيدة جدًا. ستحتاج إلى الصبر معها. رفع عينيه نحو قبر سولي. — وأنتِ... لا تدعيه يأكل كل الحلوى قبل العشاء. سكن المكان. وللحظة قصيرة، تخيل لوكا أن سولي ستضحك، وأن أيان سيحتج بصوت مرتفع لأنه يريد المزيد من الحلوى. لكن الهواء تحرك بين الأشجار فقط. فهمس: — اشتقت إليكما. ثلاث كلمات. لم يجد غيرها. ثلاث كلمات حملت كل ما لم يستطع قوله خلال عشر سنوات. ثم وقف ببطء، ونفض الغبار عن بنطاله، قبل أن يتراجع خطوة عن القبرين. لم يكن يريد المغادرة. لم يكن يريد أن يتركهما خلفه حتى لو كان يعرف أنه سيعود في الصباح التالي. لكن اليوم سيمضي، كما مضت الأيام التي سبقته. وسيعود إلى منزله الفارغ. وسيضع صورة سولي في مكانها، وصورة أيان إلى جوارها. وسيحاول العمل. وسيأكل حين يتذكر. وسينام حين يغلبه التعب. ثم، في الليل، ربما سيحلم بهما مجددًا. ربما ستضحك سولي. وربما سيجري أيان نحوه، فاتحًا ذراعيه. وربما يستطيع لوكا أن يمنحهما في الحلم ذلك المنزل الذي تحدثوا عنه، والحياة التي حُرموا منها. لم يكن الحلم يعيدهما إليه. كان يعرف ذلك. لكنه كان يمنحه بضع ساعات لا يكون فيها الرجل الذي بقي وحيدًا بعد أن فقد عائلته. كان يمنحه فرصة ليكون زوج سولي. وأب أيان. مجرد رجل يعيش مع من يحب. التفت للمرة الأخيرة نحو القبرين. — سأعود غدًا. ثم توقف، وأردف بصوت أهدأ: — وسأعود بعد غد أيضًا. مرر نظره فوق اسميهما. — سأستمر في المجيء ما دمت أستطيع السير إلى هنا بنفسي. ثم انحنى، وقبّل أصابعه ووضعها على طرف كل حجر. واحدًا لسولي. وواحدًا لأيان. بعد ذلك، استدار وسار نحو السيارة، تاركًا خلفه باقة التوليب التي اختارها لهما بنفسه. كانت خطواته ثابتة هذه المرة. لكن عندما فتح باب السيارة، توقّف للحظة ونظر إلى المقعد المجاور له. تخيل سولي تجلس هناك، وأيان في الخلف، يسأل متى سيصلون إلى المنزل. أغلق عينيه. ثم همس للمقعدين الفارغين: — هيا، لنعد إلى البيت. فتح عينيه. كان وحده. تنفس بعمق، وجلس خلف المقود. ولم يلتفت إلى الخلف مرة أخرى. --- في المساء، عاد لوكا إلى منزله. خلع معطفه وعلّقه قرب الباب، ثم اتجه إلى غرفة المعيشة. كانت هناك أشياء صغيرة لم يغيّر أماكنها منذ سنوات. كتاب سولي المفضل فوق الرف. مزهرية اختارتها بنفسها. رسم قديم لأيان ظلّ يحتفظ به داخل إطار صغير، رغم أن أطراف الورقة بدأت تتآكل. لم يكن المنزل متحفًا، لكنه لم يستطع أن يزيل آثار وجودهما منه. لم يرغب في أن تصبح حياته خالية منهما حتى في الأشياء. اقترب من الرسم. كان أيان قد رسم ثلاثة أشخاص تحت شمس كبيرة. رجلًا طويلًا، وامرأة ذات شعر أسود، وطفلًا صغيرًا يمسك بيديهما. وتحت الرسم، كتبت سولي بخطها: «عائلتنا الصغيرة.» مرر لوكا أصابعه فوق الكلمات. ثم جلس أمام الطاولة. للمرة الأولى منذ الصباح، فتح هاتفه وراجع الملاحظة التي كتبها في الحلم، عن الإفطار مع سولي وأيان ومناقشة المنزل والمخبز. لم تكن الملاحظة موجودة. بالطبع لم تكن موجودة. لقد كتبها في الحلم، ثم استيقظ على الواقع. أطفأ الشاشة ووضع الهاتف جانبًا. وبقي ينظر إلى الرسم طويلًا. — كنت سأفعل ذلك. قالها بصوت هادئ. — كنت سأبني لكما منزلًا، يا سولي. كنت سأفتتح لكِ مكانًا صغيرًا تعملين فيه، وأجلس إلى جانب أيان وهو يرسم على الجدران، ثم أتظاهر بالغضب عندما تضحكين عليّ. ابتسم، لكن الدموع عادت إلى عينيه. — كنت سأفعل كل ذلك. انحنى حتى لامست جبهته طرف الطاولة. ولم يحاول أن يمنع بكاءه. لم يكن هناك أحد يحتاج منه أن يبدو قويًا. لم يكن عليه أن يكون وريث فيتالي. ولا الرجل الذي يخشاه الجميع. كان لوكا فقط. الزوج الذي ما زال يحب امرأته بعد عشر سنوات من رحيلها. والأب الذي لا يزال يشتاق إلى ابنه. وعندما هدأ أخيرًا، رفع رأسه ومسح وجهه، ثم حمل الرسم ووضعه قرب صورة زفافهما. تأملهما معًا. سولي بفستانها الأبيض. وأيان تحت شمس طفولية كبيرة. وعلى وجهه ظهرت ابتسامة حزينة. — تصبحان على خير. أطفأ الأنوار، وصعد إلى غرفة النوم. استلقى على السرير، ونظر إلى الجانب الفارغ منه. لم يحاول هذه المرة أن يتظاهر بأن سولي هناك. كان يعرف أنها لن تجيبه. لكنه مد يده إلى الوسادة المجاورة، وأمسك طرفها بين أصابعه. ثم أغمض عينيه. ربما سيحلم بهما مرة أخرى. ربما سيعودان إليه، ولو في عالم لا يستطيع أن يبقى فيهما إلا حتى الصباح. ومع ذلك، لم يطلب من الليل أن يوقف الأحلام. كان يعرف أن الصباح سيعيد إليه الحقيقة. لكنه كان يعرف أيضًا أن هناك حبًا لا تنهيه عشر سنوات من الصمت، ولا يمحوه قبر، ولا تستطيع الذاكرة أن تطفئه مهما حاول صاحبها أن يتعلم النسيان. وفي آخر لحظة قبل أن يغلبه النوم، همس لوكا في الظلام: — انتظراني قليلًا... سأراكم في أحلامي. ثم سكن صوته. وبقي الجانب الآخر من السرير فارغًا. عشر سنوات مرّت منذ رحيل سولي وأيان... لكن لوكا ما زال يعيش كل ليلة الحياة التي لم يُمنح فرصة أن يعيشها معهما.🥹❤️🩹 يا أصدقائي، بدي آخد رأيكم بشغلة مهمة! بعد الأحداث الأخيرة، وخصوصًا بعد ما اكتشفنا إن الحياة السعيدة اللي عاشها لوكا مع سولي وأيان كانت مجرد حلم، صرت أفكر بمسار الرواية ونهايتها. بصراحة، كنت مخططة من البداية إن قصتهم تكون سعيدة، وإن أيان يعيش قصة حب خاصة فيه مع ثيا، لكنني قررت أغيّر المسار وأجعل الأحداث أكثر حزنًا وتأثيرًا. والآن بدي أعرف رأيكم أنتم! 🥺 أي مسار بتحبوا نكمل فيه الرواية؟ 💔 الخيار الأول: نكمل بالنهاية الحزينة، ونعيش مع لوكا تبعات خسارته لسولي وأيان، ونكتشف كيف رح يكمل حياته بعد كل هالسنين. ❤️🩹 الخيار الثاني: نغيّر مسار الرواية، ونرجع لفكرة المستقبل السعيد اللي كنت مخططة إله، ونمنح الشخصيات فرصة تعيش الحب والحياة اللي حلمت فيها. 💌 شاركوني رأيكم بالتعليقات، واحكولي ليش اخترتوا هالمسار. رأيكم مهم بالنسبة إلي، وبحب أعرف كيف أثّرت فيكم الأحداث الأخيرة!
[عشر سنوات من دونكما] فتح لوكا عينيه ببطء. ظلّ مستلقيًا في مكانه، يحدق في السقف بصمت، بينما كان ضوء الصباح يتسلل من بين الستائر ويرسم خطوطًا باهتة فوق الجدران. احتاج إلى بضع ثوانٍ حتى يستوعب أين هو. ثم أدار رأسه نحو الجانب الآخر من السرير. كان فارغًا. لم تكن هناك سولي. لا شعرها الأسود المنسدل فوق الوسادة، ولا ملامحها الهادئة التي اعتاد أن يتأملها في أحلامه، ولا ابتسامتها الصغيرة التي كانت تظهر كلما ناداها باسمها. مدّ يده نحو المكان الذي تخيلها نائمة فيه. لم تلامس أصابعه سوى الملاءة الباردة. توقفت يده في الهواء للحظة، ثم أنزلها ببطء. عاد الصمت. ذلك الصمت الذي عرفه جيدًا، حتى صار جزءًا من حياته. أغمض عينيه مجددًا، محاولًا الاحتفاظ ببقايا الحلم قبل أن تتلاشى تمامًا. قبل لحظات، كانت سولي بين ذراعيه. كان الخاتم يلمع في إصبعها، وكانت تضحك وهي تتهمه بأنه رجل مزعج لا يعرف كيف يتوقف عن مفاجأتها. كانت قد وافقت على الزواج منه مرة أخرى. كانا قد تحدثا عن منزلهما الجديد، وعن مخبزها، وعن الغرفة التي أراد تخصيصها لأيان، وعن الصباحات العادية التي تمنّيا أن يعيشاها معًا. وكان أيان هنا
[ ليلةٌ تشبه الوعد] استمر لوكا وسولي في السير بين أحواض التوليب لبعض الوقت. كانت أصابعهما متشابكة، والخاتم الجديد يلمع في إصبع سولي كلما مرّا تحت أحد الفوانيس الصغيرة. وبين حين وآخر، كانت ترفع يدها أمام عينيها لتتأمله من جديد، وكأنها لا تزال تحاول استيعاب أن الرجل الذي راكع أمامها منذ دقائق هو نفسه لوكا فيتالي الذي ارتبطت به يومًا بقرار لم يكن لها فيه رأي. لاحظ لوكا حركتها للمرة الثالثة، فابتسم. — أعتقد أنكِ نظرتِ إلى الخاتم مرات أكثر مما نظرتِ إليّ منذ وافقتِ. رفعت سولي رأسها بسرعة. — هذا غير صحيح! — حقًا؟ — نعم. خفض عينيه إلى يدها. — إذًا، هل تسمحين لي بأن أصدقكِ؟ أخفت سولي يدها خلف ظهرها، وقد احمر وجهها. — أنت مزعج! ضحك لوكا، ثم اقترب منها قليلًا. — ومع ذلك، وافقتِ على الزواج مني مرة أخرى. — لا تجعلني أغيّر رأيي. رفع يديه مستسلمًا، لكن ابتسامته لم تختفِ. — لن أفعل. لقد احتجت إلى شجاعة كبيرة كي أطلب منكِ ذلك، ولا أنوي المخاطرة بكل شيء بسبب مزحة. توقفت سولي عن الابتسام للحظة، ونظرت إليه بتمعّن. كان يمزح معها، نعم، لكنها لاحظت أن صوته يحمل صدقًا عميقًا حين يتحدث عن
الفصل — هذه المرة... لأن قلبي اختاركِ كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما دخلت سيارات عائلة فيتالي إلى ساحة القصر. بعد يوم طويل في المحكمة، بدا الجميع وكأنهم يحملون فوق أكتافهم تعب شهر كامل، لا مجرد ساعات قليلة. ورغم أن الحكم قد صدر، وأن مورفون لم يعد حرًّا كما كان، فإن ما مرّت به العائلة لم يكن أمرًا يمكن نسيانه ببساطة. لكن وسط ذلك التعب، كان هناك شعور جديد يتسلل إلى القلوب. شعور بأنهم يستطيعون أخيرًا أخذ نفس عميق دون انتظار تهديد آخر. ما إن توقفت سيارة لوكا حتى فُتح الباب الرئيسي للقصر، وظهرت جدة سولي عند المدخل. كانت تقف قرب الدرج، ترتدي ثوبًا أنيقًا وشالًا خفيفًا على كتفيها، وملامحها تحمل قلقًا لم تستطع إخفاءه منذ الصباح. وعندما رأت سولي تنزل من السيارة ممسكة بيد أيان، تغير وجهها فورًا. — سولي! تقدمت بسرعة نحوهم. تركت سولي يد لوكا للحظة، وأسرعت إلى جدتها، ثم ارتمت بين ذراعيها. — جدتي... احتضنتها المرأة بقوة، وراحت تربت على ظهرها. — الحمد لله أنكِ عدتِ يا ابنتي. أغمضت سولي عينيها، واستندت إلى كتفها للحظات. لم تكن بحاجة إلى أن تسألها جدتها عما حدث داخل المحكمة؛ فقد قرأت ا
[ الحكم الأخير: العدالة من أجل أيان] بعد مرور شهر مرّ شهر كامل منذ اليوم الذي أُخرج فيه مورفون من قصر فيتالي تحت حراسة السلطات. شهرٌ لم يكن عاديًا بالنسبة إلى أيٍّ منهم. ففي الخارج، تحولت القضية إلى واحدة من أكبر القضايا التي شهدتها إيطاليا في السنوات الأخيرة. انتشرت الأخبار في الصحف والقنوات التلفزيونية، وتناقلت وسائل الإعلام تفاصيل اختطاف طفل من داخل قصر عائلة فيتالي، والتقارير الطبية المزورة، والمستشفى الخاص الذي استُخدم لإخفاء مخطط غير قانوني، إضافةً إلى التحقيقات التي كشفت عن صلات محتملة بين مورفون وشبكات إجرامية. ولم تتوقف المفاجآت عند ذلك. فمع استمرار التحقيق، ظهرت وثائق قديمة وشهادات جديدة أعادت فتح ملف وفاة إيدريان ميرافيل وزوجته. بدأت الأدلة تشير إلى أن رفض إيدريان استخدام شركته في عمليات غير قانونية كان أحد الأسباب التي دفعت مورفون إلى الانتقام منه، وأن القضية التي ظن الجميع أنها أُغلقت منذ سنوات لم تكن سوى سرٍّ دُفن تحت النفوذ والخوف. لكن هذه المرة، لم يكن مورفون قادرًا على إغلاق الملف كما فعل سابقًا. كان خلف القضبان، ينتظر المحاكمة. وكانت الأدلة تُعرض تباعًا أمام
[من أجل أيان... سأسقط إمبراطورية كاملة] كان الليل قد انتصف تقريبًا، ومع ذلك لم يكن أحد في القصر مستعدًا للنوم. بعد عودة أيان، تحولت الغرفة إلى مكان يعجّ بالحركة الهادئة. كان الطبيب يطمئن إلى حالته بين حين وآخر، وأحضرت الخادمة له ملابس نظيفة وبطانية ناعمة، بينما بقيت سولي إلى جانبه، لا ترفع عينيها عنه إلا لتتأكد من أن صدره الصغير ما زال يرتفع وينخفض بانتظام. أما لوكا، فكان يقف قرب النافذة صامتًا. لم يستطع أن ينسى المشهد الذي رآه في المستشفى. ابنه الصغير، الذي كان يركض في الصباح حاملًا رسوماته ويطلب منه أن يلعب معه، مستلقيًا بلا حراك على سرير بارد، بينما كان غرباء يستعدون لارتكاب أمر لا يُغتفر بحقه. كلما تذكر ذلك، اشتدّ فكّه وانقبضت يداه. لكنه لم يسمح لغضبه بأن يطغى على اللحظة الوحيدة التي كان ينتظرها منذ ساعات طويلة. أن يستيقظ أيان، وينظر إليه بعينيه الصغيرتين، ويناديه مرة أخرى: أبي. --- تحرك أيان تحت البطانية، ثم فتح عينيه ببطء. كانت عيناه لا تزالان مثقلتين، وملامحه الصغيرة تحمل آثار التعب. كان أول ما رآه وجه أمه. كانت سولي جالسة قربه، تمسك يده بين كفّيها، وما إن لاحظت أ







